إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب المساجد - (تابع باب فضل مسجد النبي والصلاة فيه) إلى (باب فضل مسجد قباء والصلاة فيه)

شرح سنن النسائي - كتاب المساجد - (تابع باب فضل مسجد النبي والصلاة فيه) إلى (باب فضل مسجد قباء والصلاة فيه)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بيّن الشرع الحكيم فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه، وأنه المسجد الذي أسس على التقوى، وبيّن فضل مسجد قباء والصلاة فيه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إليه راكباً أو ماشياً، وجعل الصلاة فيه تعادل عمرة، وهو المسجد الذي أسس على التقوى على رأي بعض العلماء.

    1.   

    تابع فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه

    شرح حديث: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه.

    أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ) ].

    هذه الترجمة التي عقدها النسائي رحمه الله هي: فضل مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه، وقد أورد فيه الحديث المتقدم، حديث أبي هريرة، وهو يدل على فضله عموماً، أي: أن كل ما يطلق عليه المسجد، فإن التضعيف يحصل فيه، كما عرفنا ذلك سابقاً، ثم بعد ذلك أورد بعض الأحاديث التي تتعلق بشيء خاص منه، لا تتعلق به عموماً، ولكن تتعلق بجزء منه، أو بشيء خاص منه، وهو الروضة الواقعة بين المنبر وبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الذي آل الأمر بعد ذلك إلى أن يكون فيه قبره صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ ولهذا أورد هذا الحديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ).

    والمراد ببيته: هو حجرة عائشة التي هي محاذية للمنبر؛ منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت بيوته عليه الصلاة والسلام -التي هي حجر زوجاته رضي الله تعالى عنهن- متجاورة، ولكن حجرة عائشة هي التي محاذية للمنبر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة )، والحديث جاء بهذا اللفظ، وجاء في بعض الروايات: ( ما بين منبري وبيت عائشة )، وجاء في بعض الروايات: ( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )، لكن هذا لم يثبت، وما جاء لعله روي بالمعنى؛ لأن الحجرة التي هي بيته -وهي حجرة عائشة رضي الله عنها- قبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلعل ذلك لو ثبت يكون مروياً بالمعنى، مع أنه لم يثبت، وإنما الذي ثبت: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ).

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (روضة من رياض الجنة)، العلماء منهم من قال: إن هذا على حقيقته، وإن هذا أو هذه البقعة -التي هي الروضة- تؤول إلى الجنة، أو أنها من الجنة، ومنهم من قال غير ذلك، والله تعالى أعلم بالمراد.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، يدل على فضل هذه البقعة، وعلى تميزها على غيرها من المسجد، وهذا إنما يكون في النوافل دون الفرائض، أما الفرائض فإن الصفوف التي أمامها، والتي هي قبلها بعدما زيد المسجد في عهد عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما، من الجهة القبلية، والصفوف الأُول التي أمامها، صلاة الفريضة فيها أفضل من صلاتها بالروضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها )، فهذا يدل على تفضيل الصف الأول مطلقاً، أو الصفوف الأول التي أمامها، والتي هي متقدمة عليها إلى جهة القبلة هي أفضل منها، بل إن ميامن الصفوف أفضل من مياسر الصفوف، وقد جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم بيان فضل ميامن الصفوف، وميامن الصف: التي هي محاذية للروضة وليست في الروضة، يعني: غربي المنبر، أفضل في صلاة الفريضة من الصلاة في الروضة؛ لأن الروضة تقع في مياسر الصف، وما كان على اليمين، فإنه يقع في ميامن الصف، وكانت ميامن الصف التي هي غربي المنبر موجودة في زمنه صلى الله عليه وسلم، وجاءت الأحاديث الدالة على ذلك، فدل على أن ما كان أمام الروضة أفضل منها، وكذلك ميامن الصفوف التي هي محاذية للروضة، تكون أفضل منها، وهذا إنما هو في الفريضة.

    أما بالنسبة للنافلة، فإن هذه البقعة يشملها عموم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام )، يشملها ويشمل غيرها، لكن هذا الحديث يدل على خصوصيتها، وأنها روضة من رياض الجنة، وأن هذا وصف أُطلق على هذه البقعة الواقعة بين البيت والمنبر، فيكون لها ميزة، ويكون لها فضيلة على غيرها من المسجد، ولكن هذا إنما يكون في النوافل، وليس في الفرائض كما ذكرت، وإنما الفرائض الصفوف الأول، وما كان من ميامن الصفوف غرب الروضة فصلاة الفريضة في ذلك أفضل، وأما بالنسبة للنافلة: فلكونها متميزة على غيرها بهذه الميزة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، يدل على أن النافلة فيها أفضل من النافلة في سائر المسجد، ولكن إذا كان الإنسان عندما يصلي في تلك البقعة -التي هي الروضة- لا يؤذي أحداً؛ لأنه إذا كان الوصول إليها لا يترتب إلا بالأذى، وبإلحاق الضرر بالناس، فإن الصلاة فيها مستحبة، وإلحاق الأذى والضرر بالناس حرام، والإنسان لا يجوز له أن يُقدم على أمر مستحب يرتكب في سبيل الوصول إليه إثماً، أو يحصل إثماً، أو يلحق ضرراً بالغير، فإن ذلك لا يسوغ للإنسان إذا كان سيترتب عليه مضرة إيذاء أحد من الناس، وهذا مثل تقبيل الحجر الأسود، هو مستحب، لكن إذا كان الوصول إليه لا يتأتى إلا بإيذاء أحد من الناس، فإنه لا يجوز للإنسان أن يرتكب الأمر المحرم ليصل إلى أمر مستحب، بل يترك الأمر المستحب ما دام أنه لا يصل إليه، أو يعلم أنه لا يصل إليه إلا بارتكاب أمر محرم وهو إيذاء الناس، فصلاة النافلة في الروضة لا شك أن لها ميزة لهذا الحديث، ولكن حيث لا يلحق ضرراً بأحد، وحيث لا يترتب على صلاته فيها أو الذهاب إلى صلاته فيها إيذاء أحد من الناس في سبيل الوصول إلى هذه البقعة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والنسائي يكثر من الرواية عن هذا الشيخ الذي هو قتيبة، بل إن أول حديث أورده النسائي في سننه شيخه فيه هو قتيبة بن سعيد، وكثيراً ما يمر بنا ذكر شيخه: قتيبة بن سعيد، فإن النسائي رحمه الله مكثر من الرواية عنه. وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن مالك].

    هو ابن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه المشهور، صاحب المذهب الذي هو أحد المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وغير هؤلاء الأربعة كما هو معلوم من العلماء لهم اجتهادات، ولهم أقوال اجتهدوا فيها، ولهم منازل عالية، ومكانة رفيعة، ولكن هؤلاء الأربعة حصل لهم من الأصحاب والأتباع الذين عنوا بجمع أقوالهم وبترتيبها وتنظيمها ما لم يحصل لغيرهم، فمن أجل ذلك اشتهرت هذه المذاهب، ولا يعني أن غيرهم من الأئمة والعلماء ليسوا كذلك، وأنهم دونهم، أو يقلون عنهم، ليس الأمر كذلك، وإنما اشتهار هذه المذاهب لكونه حصل لها أصحاب عنوا بهذه المذاهب، وبجمع الأقوال فيها، وبترتيبها وتنظيمها والتأليف فيها، فاشتهرت هذه المذاهب الأربعة لذلك، وإلا فإن العلماء المجتهدين الآخرين لهم أقوال، وهي مبثوثة في الكتب، لا سيما الكتب التي تعنى بجمع أقوال فقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فإن الدارس لكتب الفقه التي تعنى بذكر الأقوال للفقهاء في مختلف العصور، وكذلك الرجوع إلى كتب التفسير، وكذلك الرجوع إلى كتب شروح الحديث، فإنهم يذكرون الأقوال المختلفة عن هؤلاء الأربعة وعن غيرهم، مثل سفيان الثوري، ومثل الأوزاعي، ومثل إسحاق بن راهويه، ومثل إبراهيم النخعي، وكذلك الليث بن سعد، وغيرهم من الفقهاء الذين اشتهروا بالأمصار في الأزمان المختلفة، وتشتمل مثل هذه الكتب التي أشرت إليها على أقوالهم وعلى آرائهم، لكن -كما ذكرت- هؤلاء الأربعة حصل لهم من الأصحاب والأتباع الذين عنوا بتدوين أقوالهم، والتأليف في مذاهبهم، فحصل اشتهار هذه المذاهب.

    الموقف من الأئمة بين الغلو والجفاء

    من المعلوم أن هؤلاء الأئمة الأربعة كغيرهم من الفقهاء المجتهدين, يصيبون ويخطئون، ولا يقال: إن الحق مع واحد بعينه، فإن هذا لا يقال في واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يقال في حق من جاء بعدهم؟! وإنما الذي يجب أن يعتقد في حق الجميع -هؤلاء الأئمة الأربعة، وغيرهم من العلماء المجتهدين- أنهم بذلوا وسعهم، وأنهم أتعبوا أنفسهم في البحث والتنقيب للوصول إلى الحق، وإلى معرفة الحق بدليله، وهم لا يعدمون أن يكونوا مأجورين، إما أجرين إذا كانوا مصيبين، وإما أجراً واحداً إذا كانوا مخطئين؛ كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر )، وهذا يدل على أن المصيب والمخطئ كلهم على أجر، وكلهم على خير، وكلهم لا يعدمون الأجر أو الأجرين، المجتهد المصيب له أجران: أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته، والمجتهد المخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور، هذا هو الذي يجب أن يعتقد في الأئمة وفي غيرهم، ولا يجوز الغلو ولا الجفاء، فلا يغلو فيهم أو في أحد منهم بأن يقال: الحق مع فلان، وأن الدليل يكون مع فلان، وأنه لو كان في المسألة دليل لما خفي على فلان، لا يجوز أن يقال هذا؛ هذا غلو، وكذلك الجفاء لا يجوز، ليس للإنسان أن يجفو، وأن يتكلم في حق الأئمة الأربعة وغيرهم بكلام لا يليق، وإنما يحترمهم ويعظمهم ويستفيد من علمهم، ويرجع إلى كتبهم، لكن لا يكون التعويل على قول واحد منهم بعينه، وإنما يكون التعويل على ما يدل عليه الدليل؛ لأن هذا هو الذي أوصوا به، وهذا هو الذي رغبوا فيه وحثوا عليه رحمة الله عليهم، فـأبو حنيفة , ومالك , والشافعي , وأحمد، كلٌ منهم جاء عنه أنه يقول: إذا وجد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على خلاف ما جاء عنه، فإنه يترك ما جاء عنه، ويصار إلى ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وما ذاك إلا لأن الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي يجب تجريد المتابعة له صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وما يأتي به وحي يوحيه الله عز وجل إليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهو الذي قوله لا يجوز لأحد أن يعدل عنه إذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، ويقول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، ويقول: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36].

    فلا يجوز الغلو ولا الجفاء، لا يقال: إن فلان عنده العلم المحيط بكل شيء، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يخفى عليه، وأنه مصيب دائماً، وأنه لا يخطئ، فهذا لا يجوز أن يقال في أحد، وكذلك أيضاً لا يقال: أن الأئمة الأربعة وغيرهم لا يرجع إلى أقوالهم، بل يرجع إلى أقوالهم، ويرجع إلى كتبهم، ويستفاد من علمهم، وقد قال الإمام ابن القيم رحمة الله عليه: إن الإنسان مع الأئمة الأربعة ومع غيرهم، يستعين بهم على الوصول إلى الحق، ويستفيد من علمهم ما يصل به إلى الحق. وضرب لذلك مثلاً فقال: إن هذا مثل النجم الذي يستدل به الإنسان إلى القبلة إذا كان في الفلاة، وإذا كان في مكان لا يعرف القبلة، فإنه يستدل على القبلة بالنجم، فإذا وصل إلى القبلة وصار عند الكعبة، لا يحتاج إلى أن ينظر في السماء، يبحث عن القبلة في النجوم؛ لأن القبلة أمامه، فكذلك العلماء رحمة الله عليهم يستعان بهم، ويستفاد منهم في الوصول إلى الدليل، والوصول إلى الحق، والوصول إلى ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إذا وصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاء الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنه عند ذلك لا يحتاج إلى أن يؤخذ بقول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا هو الذي أوصى به الأئمة الأربعة، ومما قاله الشافعي رحمة الله عليه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان.

    الحاصل: أن الواجب على طلبة العلم وغيرهم بالنسبة للعلماء - الأئمة الأربعة وغيرهم - أن يحترموهم، ويوقروهم، ويثنوا عليهم، ويعظموهم، ويستفيدوا من علمهم، ويستفيدوا من كتبهم، لكن الحق وسط بين الإفراط والتفريط، لا غلو ولا جفاء، ولهذا يقول الطحاوي رحمه الله في عقيدة أهل السنة والجماعة: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين، أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكَرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. هذه كلمة جميلة قالها الطحاوي رحمة الله عليه في العقيدة التي هي عقيدة أهل السنة والجماعة: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين، أهل الأثر والخبر: الذين هم المحدثون، وأهل الفقه والنظر: الذين هم الفقهاء، لا يذكرون إلا بالجميل، وعلماء السلف لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، يعني: غير سبيل المؤمنين الذين يثنون على أهل العلم، ويستفيدون من أهل العلم، ويرجعون إلى كلام أهل العلم، هذه كلمة استطرادية عند ذكر الإمام مالك رحمة الله عليه، وبيان ما يجب أن يكون عليه طالب العلم نحو العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم، وأن الإنسان يعظمهم ويستفيد منهم، وأن يحذر من الغلو ومن الجفاء، والحق وسط بين الإفراط والتفريط، يقول الخطابي :

    ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ

    الذي هو الإفراط والتفريط؛ لأن الحق وسط بين الطرفين، الذي هو طرف الجفاء وطرف الغلو، طرف الإفراط وطرف التفريط، ولهذا الإنسان إذا رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة في المسائل المختلفة في العقيدة، يجد أنهم متوسطون بين جفاة وغلاة، أو بين مُفَرطّين ومُفْرِطين، بين غالين وجافين، والإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد أفراد السلسلة التي قال عنها الإمام البخاري رحمه الله: إنها أصح الأسانيد، وهي: مالك عن نافع عن ابن عمر، فهو: إمام جليل محدث فقيه مشهور، انتشر علمه، واستفاد الناس من علمه على مختلف العصور.

    تابع تراجم رجال إسناد حديث: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)

    قوله: [عن عبد الله بن أبي بكر].

    هو ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدني الأنصاري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عباد بن تميم].

    وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    يروي عن [عبد الله بن زيد بن عاصم المازني]، وهو عمه أخو أبيه لأمه، وهو صحابي مشهور، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    وهذا الإسناد الذي معنا في هذا الحديث وهو: قتيبة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد .. كل هؤلاء حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة، حدثنا سفيان عن عمار الدهني عن أبي سلمة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة ) ].

    أورد النسائي رحمه الله هنا حديث أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة )، رواتب: جمع راتبة، والراتب: هو المنتصب المستقر على شيء، والمراد بذلك كما بينه الحديث الذي قبله هو: روضة من رياض الجنة، فقوائم منبره رواتب، يعني: منتصبة في هذه البقعة التي هي روضة من رياض الجنة، أو هذا المكان الذي هو روضة من رياض الجنة، والكلام فيه كالكلام في الحديث الذي قبله، وهو قوله: (روضة من رياض الجنة)، والله تعالى أعلم بمعناه، هل يكون أنه أصله من الجنة، أو أنه ينقل ويذهب به إلى الجنة بعد ذلك، أو غير ذلك؟ الله تعالى أعلم. ومن العلماء من قال: إن فيه تشبيه حذفت فيه الأداة، وهو الذي يسمونه التشبيه البليغ الذي يذكر فيه المشبه والمشبه به، وتحذف منه الأداة ووجه الشبه، يعني: أنه كروضة من رياض الجنة، من العلماء من قال هذا؛ وذلك لما يحصل فيه من الاشتغال بالعبادة، والتقرب إلى الله عز وجل بالطاعات، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم بالمراد.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.

    [حدثنا سفيان].

    وهو ابن عيينة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمار الدهني].

    وهو عمار بن معاوية أبو معاوية الدهني، وهو صدوق، يتشيع، وحديثه عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبي سلمة].

    وهو ابن عبد الرحمن بن عوف، أحد فقهاء التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع؛ لأنه كما ذكرت سابقاً أن الفقهاء السبعة الذين اشتهروا بهذا اللقب في عصر التابعين يقال لهم: الفقهاء السبعة، عندما تأتي مسألة من المسائل في كتب الفقه، يقال: قال بها الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، الفقهاء السبعة في عصر التابعين هم ستة متفق عليهم، والسابع فيه ثلاثة أقوال، فالستة المتفق عليهم: سعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع ففيه ثلاثة أقوال: منهم من قال: إن السابع أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومنهم من قال: إن السابع أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف , ومنهم من قال: إن السابع سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هذه ثلاثة أقوال في السابع من الفقهاء السبعة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن الذي معنا في هذا الإسناد هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع من الفقهاء السبعة.

    وقد ذكرهم ابن القيم رحمه الله، وذكرهم العلماء في كتب مصطلح الحديث، يذكرونهم عندما يأتون بذكر التابعين، يذكرون منهم الفقهاء السبعة، عندما يأتي بحث التابعين، أو المبحث الخاص بالتابعين في علم المصطلح، يذكرون الفقهاء السبعة هؤلاء فيهم، وقد ذكرهم ابن القيم في أول كتابه: إعلام الموقعين عن رب العالمين؛ لأنه بدأه بالفقهاء من الصحابة ومن بعدهم في البلاد المختلفة، ولما جاء عند ذكر المدينة، في عصر التابعين، وذكر الفقهاء من التابعين، ذكر منهم الفقهاء السبعة، ولكنه ذكر أن السابع هو: أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وذكر بيتين من الشعر اشتمل البيت الثاني على ذكر السبعة، وهذان البيتان هما:

    إذا قيل من في العلم سبعة أبحرٍ روايتهم ليست عن العلم خارجة

    فقل: هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة

    هذا البيت الثاني يشمل هؤلاء السبعة، الاسم الأول، يقول: هم عبيد الله: وهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة: هو عروة بن الزبير، وقاسم: هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد: هو سعيد بن المسيب، وسليمان: هو سليمان بن يسار، وخارجة: هو خارجة بن زيد بن ثابت .

    وحديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن أم سلمة ].

    وأم سلمة أم المؤمنين، وهي: هند بنت أبي أمية المخزومية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها موجود في الكتب الستة.

    1.   

    ذكر المسجد الذي أسس على التقوى

    شرح حديث: (تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى ... فقال رسول الله: هو مسجدي هذا)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ذكر المسجد الذي أسس على التقوى:

    أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن عمران بن أبي أنس عن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: ( تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو مسجدي هذا ) ].

    أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: المسجد الذي أسس على التقوى، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: ( أنه تمارى رجلان )، أي: تجادلا، فقال أحدهما: (إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، قال الثاني: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: هو مسجدي هذا)، فهذا الحديث يدل على أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في القرآن ذكر المسجد الذي أسس على التقوى عند ذكر مسجد الضرار، ومسجد الضرار الذي أسس هو قريب من مسجد قباء، ولهذا من العلماء من قال: المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، ومنهم من قال: إنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: إن كلاً من المسجدين يوصف بأنه أسس على التقوى، أو أنه مؤسس على التقوى، وممن ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة عليه فإنه قال: إن مسجد قباء هو أسس على التقوى، وكذلك مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسس على التقوى، فما جاء في القرآن من قوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة:108]، قال: إنه يراد به مسجد قباء، ويراد به مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل منهما أسس على التقوى، قال: ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم فيه، يعني: في مسجده يوم الجمعة، ثم يذهب إلى قباء فيقوم فيه يوم السبت، وكان عليه الصلاة والسلام يذهب إليه كل سبت راكباً وماشياً كما جاء في بعض الأحاديث، وفي بعضها الإطلاق أنه كان يذهب إليه راكباً وماشياً كما في الحديث الذي سيأتي.

    فإذاً: الحديث يدل على أن مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي أسس على التقوى، وهو صريح في ذلك، وكذلك ما جاء في ظاهر القرآن من أن مسجد قباء أسس على التقوى أيضاً كذلك، وما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية : أن ذلك يطلق عليهما معاً، وأن كلاً منهما أسس على التقوى من أول يوم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقوم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، ثم يذهب إلى قباء فيقوم فيه يوم السبت، فيه امتثال للقرآن، أو بيان لما جاء في القرآن من أنه أحق أن يقوم فيه، وأنه كان يقوم في هذا وفي هذا، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد ذكر ابن تيمية رحمة الله عليه مما يشبه هذا: أن آية: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33]، فإن السياق في حق أمهات المؤمنين، ثم إنه لما نزلت هذه الآية جمع علياً وفاطمة والحسن والحسين، وجعل الكساء عليهم وقال: ( إن هؤلاء أهلي )، فإذاً: الآية تدل على أن أمهات المؤمنين هن من أهل البيت كما هو ظاهر القرآن، وكما أن السياق في حقهن، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، هم داخلون ضمن أهل البيت الذين تشملهم الآية.

    فإذاً: ابن تيمية رحمه الله ذكر هذا الذي هو مسجد قباء مع مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم عند ذكر هذه الآية التي هي آية التطهير، وأنها كما أنها تشمل أمهات المؤمنين -لأن السياق في حقهن- فكذلك أيضاً بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل أيضاً على أنها شاملة لـعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عن الجميع.

    تراجم رجال إسناد حديث: (تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى... فقال رسول الله: هو مسجدي هذا)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    مر ذكره في الإسنادين السابقين.

    [حدثنا الليث].

    وهو الليث بن سعد المصري، فقيه مصر ومحدثها، وأحد الأئمة المشهورين، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمران بن أبي أنس].

    وهو العامري المدني، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [عن ابن أبي سعيد].

    وهو عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وأبوه مشهور بكنيته، واسمه: سعد بن مالك بن سنان الخدري وعبد الرحمن بن أبي سعيد ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبيه].

    وهو أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وهو: سعد بن مالك بن سنان، صحابي مشهور من الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كالخدريِ وجابر وزوجة النبيِ

    فهؤلاء سبعة من الصحابة أكثر من غيرهم حديثاً.

    1.   

    فضل مسجد قباء والصلاة فيه

    شرح حديث: (كان رسول الله يأتي قباء راكباً وماشياً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فضل مسجد قباء والصلاة فيه.

    أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي قباء راكباً وماشياً ) ].

    أورد هنا النسائي فضل مسجد قباء، وفضل الصلاة فيه، وأورد فيه حديث: ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى قباء راكباً وماشياً، يعني: أحياناً راكباً، وأحياناً ماشياً، وجاء في بعض الروايات: (أنه كان يذهب إليه كل سبت)، وقوله: كل سبت، يحتمل أن يكون المراد كل أسبوع, ويحتمل أن المراد يوم السبت، وهذا هو الذي أشار إليه ابن تيمية في كلامه الذي ذكرته آنفاً؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ثم يذهب إلى مسجد قباء فيقوم به يوم السبت، ومن العلماء من يقول: إن المراد بذلك أسبوع، أنه يذهب إليه كل سبت، يعني: كل أسبوع، والأسبوع يطلق عليه سبت، ويطلق عليه جمعة، ولهذا جاء في الحديث في قصة خطبة استسقاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو على المنبر يوم الجمعة؛ أنه لما دخل رجل وقال: ( هلكت الأموال... فادع الله أن يغيثنا، فسأل الله عز وجل، فنشأت سحابة وأمطرت قبل أن يذهبوا إلى منازلهم )، واستمرت أسبوعاً إلى يوم الجمعة الثانية، ولهذا جاء في الحديث: ( فما رأينا الشمس سبتاً )، يعني: أسبوعاً، فيحتمل أن يكون المراد بالسبت الذي جاء في بعض الروايات الصحيحة أنه يوم السبت، ويحتمل أن يكون المراد به الأسبوع، وأنه يقال عن الأسبوع: سبت، كما يقال عنه: جمعة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يذهب إليه راكباً وماشياً، وهذا يدل على استحباب زيارته، واستحباب قصده لمن كان في المدينة، لكن لا يأتي الإنسان ويشد الرحل من بلد من أجل مسجد قباء؛ لأن الرحال لا تشد إلا إلى ثلاثة مساجد، لكن من جاء إلى المدينة لمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو جاء لغرض من الأغراض، ووصل إلى المدينة، فإنه يستحب له أن يذهب إلى مسجد قباء ويصلي فيه، وقد ثبتت مشروعية واستحباب الذهاب إليه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن فعله، وهذا الحديث الذي معنا هو من فعله عليه الصلاة والسلام، وكان يذهب إليه راكباً أحياناً، وأحياناً يذهب إليه ماشياً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يأتي قباء راكباً وماشياً)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    وقد مر، والأحاديث التي مرت اليوم كلها عن قتيبة، أربعة أحاديث مضت وشيخه فيها قتيبة بن سعيد، ولهذا كما قلت: هو مكثر من الرواية عن شيخه قتيبة .

    [عن مالك].

    وقد مر ذكره أيضاً في الحديث الأول من الأحاديث الأربعة هذا اليوم.

    [عن عبد الله بن دينار] .

    وهو عبد الله بن دينار المدني، مولى عبد الله بن عمر؛ ولهذا يقال له: العدوي ولاءً، يعني: نسبة إلى عبد الله بن عمر العدوي، من بني عدي، وهو- عبد الله بن دينار- ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فالمولى الذي حصلت له النعمة يُقال له: مولى من أسفل، والذي حصلت منه النعمة يقال له: مولى من أعلى، فكلمة: (مولى) من الأضداد، تطلق على السيد المنعِم، وعلى المنعَم عليه، يقال: هذا مولى، ويقال: هذا مولى، ولهذا كلمة: (مولى) تطلق على المولى من أعلى والمولى من أسفل، فـعبد الله بن عمر هو مولاه من أعلى، وعبد الله بن عمر هو أحد الصحابة المشهورين، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهذا الإسناد رباعي، هو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس عنده ثلاثيات كما عند البخاري والترمذي وابن ماجه ، البخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية بإسناد واحد، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، ومسلم ليس عنده ثلاثيات، وأعلى ما عنده الرباعيات، وأبو داود أعلى ما عنده الرباعيات، والنسائي أعلى ما عنده الرباعيات، وهذا الإسناد الذي معنا هو من أعلى ما عند النسائي من الأسانيد العالية ، والتي بين النسائي فيها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص.

    شرح حديث: (من أتى هذا المسجد مسجد قباء فصلى فيه كان له عدل عمرة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة حدثنا مجمع بن يعقوب عن محمد بن سليمان الكرماني قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يقول: قال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قباء، فصلى فيه كان له عدل عمرة ) ].

    أورد النسائي حديث سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قباء، فصلى فيه كان له عدل عمرة )، يعني: ما يساوي عمرة أو يماثل عمرة، وهذا يدل على فضل هذا المسجد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكرنا مشروعية الذهاب إلى مسجد قباء، جاءت من فعله ومن قوله، فالحديث الأول من فعله، وهذا الحديث من قوله، بل هذا الحديث فيه الترغيب، وفيه بيان فضل الصلاة فيه، وأن من ذهب وصلى فيه صلاة، فإنه كعدل عمرة، وهنا الصلاة مطلقة، فسواء كان صلى فرضاً أو صلى نفلاً، فإنه يدخل تحت عموم هذا الحديث، وهو كما ذكرت يدل على فضل الصلاة في هذا المسجد الذي هو مسجد قباء.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من أتى هذا المسجد مسجد قباء فصلى فيه كان له عدل عمرة)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    وهذا حديث خامس شيخه فيه قتيبة، فأحاديث اليوم كلها شيخه فيها قتيبة، وقد مر.

    [حدثنا مجمع بن يعقوب] .

    وهو صدوق، خرج له أبو داود، والنسائي.

    [عن محمد بن سليمان الكرماني] .

    وهو المدني القبائي، ونزل كرمان فنسب إليها، وهو مقبول، خرج له النسائي، وابن ماجه .

    [عن أبي أمامة].

    وهو أبو أمامة بن سهل بن حنيف، وهو مشهور بكنيته، واسمه أسعد، ويقال: سعد، وله رؤية، يعني: أنه ثبتت له رؤية للنبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا هو معدود في الصحابة من حيث الرؤية، وأنه من صغار الصحابة الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، والذين لم يرووا عنه، ولم يسمعوا منه، فهو معدود في صغار الصحابة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه سهل بن حنيف].

    رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي مشهور، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم شرب الماء في صلاة النافلة

    السؤال: ما حكم شرب الماء في النافلة، أي: في صلاة النافلة؟

    الجواب: الإنسان في صلاة النافلة عليه أن يعمل فيها مثلما يعمل في الفريضة، فلا يشرب الماء فيها، وإنما يقبل عليها كما يقبل على الفريضة، وليس له أن يشرب، وليس له أن يعمل الأعمال التي لا تسوغ في الصلاة، يعني: النفل مثل الفرض.

    مداخلة: يقول: أنه وجد أثراً عن عمر أنه فعل ذلك.

    الجواب: ما أدري عن صحته.

    من جامع زوجته ناسياً في صيام النفل

    السؤال: ما حكم من جامع ناسياً في صيام نفلٍ، هل يتم صيامه؟

    الجواب: لا أدري، لكن كما هو معلوم بالنسبة للنافلة ليس عليه شيء فيه، يعني: من حيث الكفارة.

    حكم قول: سيدنا محمد في صلاة الجنازة

    السؤال: هل يجوز أن نقول في صلاة الجنازة: اللهم صل على سيدنا محمد؟

    الجواب: تسييد الرسول صلى الله عليه وسلم، لا شك أنه سيد البشر، وسيد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لكن الألفاظ التي وردت عن الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يقتصر عليها، ولا يزاد فيها شيء، على الإنسان أن يحرص على أن يؤديه كما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والرسول عليه الصلاة والسلام هو سيدنا، وسيد البشر، وسيد ولد آدم، بل هو سيد الأولين والآخرين كما جاء عنه في حديث الشفاعة، حيث قال: ( أنا سيد الناس يوم القيامة )، ثم ذكر حديث الشفاعة، وأن الناس يجتمعون في صعيد واحد، ويموج بعضهم في بعض، ويبحثون عمن يشفع لهم إلى ربهم ليخلصهم مما هم فيه، فينتهي الأمر إلى أن كل واحد من الذين طلبت منهم الشفاعة قبله، يعتذر حتى ينتهي الأمر إليه، ويقول: أنا لها، فيشفع ويشفعه الله، ويأتي الله لفصل القضاء، ويحصل سؤدده وفضله على الجميع، وهو سيد الناس في الدنيا والآخرة، لكن قال: ( أنا سيد الناس يوم القيامة )؛ لأنه ذلك اليوم الذي يظهر سؤدده على الناس، وأما في الدنيا ففيهم المتجبر، وفيهم المتكبر، وفيهم الكفار، لكن يوم القيامة يجتمع الخلق كلهم من آدم إلى الذين تقام عليهم الساعة، فيشفع فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، وكذلك قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم : ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع )، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    حكم السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بُعد

    السؤال: ما وجه الإنكار على من يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم عن بعد؟ وما دليل وجوب التسليم أو السلام على النبي مواجهة القبلة أو القبر؟

    الجواب: معلوم أن الإنسان عندما يأتي إلى القبر ويريد أن يسلم على صاحبه فيأتي إلى جهة الأمام؛ يأتيه من جهة أمامه، وعبد الله بن عمر الذي جاء عنه من الصحابة: أنه إذا قدم من سفر يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وأبيه، كان يقف من جهة الأمام، فيسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، ويسلم على أبي بكر، ثم يسلم على أبيه عمر رضي الله تعالى عن الجميع، وأما السلام من بعد، فهذا ما فيه شيء يدل عليه، ثم أيضاً هو يخالف ما كان معروفاً عن الصحابة في حياته؛ لأنه ما كان الواحد منهم يسلم عليه من بعد، الرسول كان قبل أن يتوفاه الله وهو بين أصحابه أو يكون في حجرته، ما وجد واحداً يقف في طرف المسجد، أو أي مكان يستقبل الحجرة التي فيها الرسول، ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الحجرة، في حياته ما كانوا يفعلون هذا، وإنما كان الواحد يأتي حتى يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويسلم عليه ويقول: السلام عليك يا رسول الله، فكذلك بعد وفاته عندما يسلم الإنسان يقف مستقبلاً القبر، ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، فالسلام من بعد ما فيه شيء يدل عليه، ما كانوا يفعلون هذا معه في حياته، وكذلك ما كان معلوماً عنهم أنهم يفعلونه معه بعد وفاته، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهو محدث مبتدع.

    حكم الاحتباء يوم الجمعة

    السؤال: ما حكم الاحتباء يوم الجمعة؟

    الجواب: الاحتباء فيه احتمال، يعني: يكون الإنسان يحصل منه النعاس، ثم يحصل منه انتقاض الوضوء بالريح التي تخرج منه؛ لأنه غير متمكن، المحتبي غير متمكن من الجلوس، فيمكن أنه يحصل منه نعاس فيحصل منه انتقاض الوضوء، وإذا انتقض الوضوء وذهب يتوضأ، فاتته الخطبة أو يفوته شيء من الصلاة، فكونه يؤدي إلى هذا الشيء، جاء النهي عنه.

    معنى قولهم: ورجاله رجال الصحيح

    السؤال: ما معنى قوله: ورجاله رجال الصحيح؟

    الجواب: المقصود برجاله رجال الصحيح، يعني: أن هؤلاء الرواة الذين جاءت الرواية عنهم في غير الصحيحين هم رجال الصحيح، يعني: إذا جاء الإسناد عند النسائي فيه قتيبة، وفيه مالك، وفيه.. كذا، رجاله رجال الصحيح؛ لأن هؤلاء هم من رجال الصحيح، يعني: خرج لهم صاحبا الصحيح، معناه: أن كل واحدٍ منهم هو من رجال الصحيح.

    الفرق بين الحديث المرسل والمنقطع وبين الأثر والخبر

    السؤال: ما هو الحديث المرسل والمنقطع؟ وما الفرق بين الأثر والخبر؟

    الجواب: المرسل عند المحدثين: هو الذي يقول فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، هذا هو المرسل في اصطلاح المحدثين، هذا هو المشهور في تعريف المرسل: ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وهو من قبيل الضعيف، أو من قبيل المردود عند العلماء، المشهور من أقوال العلماء: أنه ليس بثابت، وإنما يكون من قبيل المردود إذا ما جاء إلا من هذا الطريق، لماذا؟ لأن المحذوف الذي بين التابعي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون صحابياً، ويحتمل أن يكون تابعياً، وعلى احتمال أنه تابعي يحتمل أن يكون ثقة، وأن يكون ضعيف، فإذاً: احتمال الضعف موجود، يعني: ليس الإشكال أنه يكون ساقط صحابي، لو علم أنه ما سقط إلا الصحابي ما فيه إشكال؛ لأن الصحابة لا يؤثر جهالتهم؛ لأنهم عدول والجهالة فيهم لا تؤثر، يكفي أن يقال عن الواحد منهم: عن رجل صحب رسول الله وإن لم يعلم شخصه، لكن بالنسبة لغيرهم لا بد من معرفة شخصه وحاله، فيعتبر من قبيل المردود؛ لأنه يحتمل أن يكون الساقط صحابي، وأن يكون تابعي، وعلى احتمال أنه تابعي يحتمل أن يكون ذلك التابعي الساقط الذي روى عنه ذلك التابعي ثقة، أو أن يكون ضعيفاً، فمن أجل هذا الاحتمال صار من قبيل المردود، ومن قبيل غير الثابت، وأما عند الفقهاء -وهو يستعمل أيضاً عند المحدثين- فهو يراد به الانقطاع، إذا قال: أرسل، روى عمن لم يلقه، معناه: فيه انقطاع، فعند المحدثين المشهور: أن المنقطع ما كان فيه سقوط في أثناء الإسناد، سواء كان متفرق، أو الساقط واحد، يقال له: منقطع، هذا عند المحدثين، والمرسل هو: ما قال فيه التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند الفقهاء المرسل أعم، يشمل المرسل عند المحدثين، ويشمل المرسل في أثناء الإسناد الذي هو الانقطاع؛ لأنه أعم، وإذا قيل: أرسل فلان، وفلان يرسل أو كثير الإرسال، يعني: معناه أنه يروي عمن فوقه، يروي عمن لم يلقه، والرواية عمن لم يلقه تكون مرسلة؛ ليست متصلة. والفرق بين الأثر والخبر، قيل: إن الخبر والأثر بمعنى واحد، وقيل: إن الأثر هو ما انتهى إلى الصحابي أو إلى التابعي، يعني: ما انتهى إلى الصحابي والتابعي يقال له: أثر، وهذا هو الذي اشتهر، يعني: يقال: الأحاديث والآثار، عندما يقال: الأحاديث والآثار، يقصدون بالآثار المأثور عن الصحابة والتابعين، هذا يقال له: الآثار، ومنهم من يطلق الأثر كما يطلق الخبر، وأن ذلك يشمل ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وما جاء عن غيره.

    مدى صحة قول: إن الدين الإسلامي من التراث

    السؤال: هل يصح القول: بأن الدين الإسلامي هو من التراث، وإن صحت هذه العبارة فما تعريف كلمة: تراث؟

    الجواب: الدين الإسلامي كما هو معلوم هو الدين الذي جاء به نبينا محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو الوحي الذي أوحاه الله إليه كتاباً وسنة، هذا هو الدين، لكن يطلق على كتب الحديث التي هي أحد نوعي الوحي، الوحي الذي هو غير متلو، يطلق عليها كتب التراث، يعني: التي خلفها لنا الأسلاف، والتي ورثناها عنهم، يعني: هذا هو المقصود منها، لكن لا يقال عن الدين: إنه تراث، وإنما يقال: عن كتب السنة هي كتب التراث، يعني: التي خلفها لنا أصحابها الذين ألفوها فيطلق عليها التراث، وهي خير ميراث، ومن المعلوم أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ميراثه، والعلماء ورثة الأنبياء، و(العلماء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)، فإذا قصد بالتراث ميراث النبوة، فميراث النبوة هو الكتاب والسنة، هذا الذي ورث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي هو ميراث عام مشاع؛ ذلك أن الأنبياء إنما جاءوا لهداية البشر، ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولهذا ما جاءوا به ميراثهم لا يختص به أقرباءهم، إنما هو للناس كلهم، مشاع مشترك.

    فوات دعاء الاستفتاح للمسبوق في الصلاة

    السؤال: إذا أدرك المصلي الصلاة بعد التكبير للركوع في ركعة من الركعات، ثم قام للركعة الثانية، فهل يلزمه دعاء الاستفتاح؟

    الجواب: لا، لا يلزمه دعاء الاستفتاح؛ لأن دعاء الاستفتاح سنة فات محلها.

    معنى وصف الراوي بالتشيع

    السؤال: ذكرتم في عمار الدهني: أنه يتشيع، فما المقصود بهذا التشيع؟

    الجواب: ما أذكر، لكن المعروف عن التشيع هو التشيع الذي لا يؤثر ولا يضر، يعني: مثلما قال الذهبي في أول كتابه الميزان: أن الجماعة الذين يوصفون بوصف التشيع، أنه ليس المراد بهم الغلاة، وليس المراد بهم الذين يسبون أبا بكر وعمر، فهؤلاء لا يروى عنهم ولا كرامة، فالتشيع معناه: أنهم عندهم ميل إلى أهل البيت، لكن لا يعني ذلك أنهم يسبون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسبون أبا بكر وعمر .

    شواهد في ثبوت أجر العمرة لمن صلى في مسجد قباء

    السؤال: هل لـمحمد بن سليمان الكرماني متابع من حيث ثبوت أجر العمرة لا العمل وحده؟

    الجواب: الحديث جاء بألفاظ مختلفة، ما أذكر الآن.. يعني: أذكر أن من طرقه: ( من تطهر في بيته ثم ذهب إلى قباء لا يخرجه إلا الصلاة، ثم صلى فيه صلاة كان كعدل عمرة )، فأنا ما أذكر الآن، لكن الحديث ثابت، واستدل به العلماء على فضل الصلاة في مسجد قباء.

    والمقبول المقصود به عند ابن حجر : أنه الذي يحتاج إلى متابع، ومن المعلوم أن هذه كلمة ابن حجر، أيضاً؛ الحكم هذا هو حكم ابن حجر، لكن على رأي ابن حجر يحتاج إلى متابع.