إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. المقدمة وكتاب الطهارة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب التيمم في الحضر) إلى (باب التيمم في السفر)

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب التيمم في الحضر) إلى (باب التيمم في السفر)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجوز التيمم في السفر وفي الحضر، وذلك عند فقد الماء، أو خشية الضرر من استعماله، وبه يرتفع الحدثان الأصغر والأكبر.

    1.   

    التيمم في الحضر

    شرح حديث أبي جهيم في التيمم في الحضر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التيمم في الحضر

    أخبرنا الربيع بن سليمان حدثنا شعيب بن الليث عن أبيه عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو جهيم: (أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر الجمل، ولقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام)].

    أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة بهذا العنوان؛ وهي باب: التيمم في الحضر، ومن المعلوم أن التيمم يكون عند فقد الماء، أو عدم القدرة على استعماله مع وجوده، وهذا يكون في الحضر والسفر، والغالب على الحضر أنه يوجد فيه الماء، لكنه قد يفقد فيه، ويكاد يخرج وقت الصلاة وهو غير موجود، فهل يتيمم له أو لا يتيمم؟ اختلف العلماء في ذلك، وقد أورد النسائي رحمه الله في هذه الترجمة حديث أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري رضي الله تعالى عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام أقبل من نحو بئر الجمل، فسلم عليه رجل، فلم يرد عليه السلام حتى جاء إلى الجدار وضرب بيديه ومسح وجهه وكفيه، ثم رد عليه السلام).

    ومحل الشاهد من إيراد الحديث: (كون النبي صلى الله عليه وسلم أقبل من نحو بئر الجمل)، وهو مكان قريب من المدينة، مما يدل أنه ليس في حال سفر وإنما هو في حال حضر، ومن أجل هذا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب التيمم في الحضر، وأورد تحته حديث أبي جهيم رضي الله تعالى عنه.

    وقد عقد البخاري رحمه الله لهذا الحديث ترجمة؛ وهي باب: التيمم في الحضر إذا فقد الماء وأوشك أن يخرج الوقت، وأورد تحته هذا الحديث؛ حديث أبي جهيم رضي الله تعالى عنه.

    وإنما تيمم الرسول صلى الله عليه وسلم لرد السلام.

    إذاً: فيكون هذا العمل إنما هو من أجل أمر مستحب؛ وهو ذكر الله عز وجل؛ لأن السلام فيه ذكر الله، والسلام اسم من أسماء الله عز وجل، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون على طهارة، وهذا أمر مستحب وليس بواجب، فيمكن للإنسان أن يرد وهو ليس على طهارة، لكن الأكمل والأفضل أن الرد يكون على طهارة، ولهذا فعل ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإلا فإن رد السلام وذكر الله عز وجل يكون على طهارة وعلى غير طهارة، لكن كونه يكون على طهارة فهذا هو الأولى، وهذا هو الذي أراده رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وهذا من جنس تجديد الوضوء؛ كون الإنسان يكون على طهارة ثم يتوضأ مجدداً؛ فإن الطهارة موجودة، فالذي يحصل عند التجديد هو أمر مستحب وليس بواجب.

    إذاً: فتيمم الرسول عليه الصلاة والسلام هو بمثابة تجديد الوضوء، وليس بلازم وإنما هو أمر مستحب. وكون الإنسان يكون على طهارة عندما يذكر الله عز وجل هذا أمر مستحب، وهذا هو الذي يعنيه هذا الحديث، ويدل عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي جهيم في التيمم في الحضر

    قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان].

    الربيع بن سليمان هذا يحتمل أن يكون: الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري، ويحتمل أن يكون الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي المصري، وذاك أيضاً مرادي، وكل منهما يكنى أبا محمد، لكن يأتي أحياناً ما يدل على أحد الاثنين بكونه ينسب -كما سبق أن مر بنا- فالأول هو: ابن داود الجيزي المصري المرادي، وجاء منسوباً، يعني: بعد ما ذكر أبوه ذكر جده، وهذا الذي تميز به عن ابن عبد الجبار. لكن هنا ليس بمتميز؛ لأن في ترجمة شعيب بن الليث بن سعد قيل: روى عنه الربيع بن سليمان المرادي، وكل من الاثنين يقال له: الربيع بن سليمان المرادي، فهو يحتمل الاثنين. ولا إشكال في أي واحد منهما؛ لأن كل منهما ثقة، ومن المعلوم أن الأمر إذا دار بين ثقتين، فأي واحد منهما يكون فإن الحديث يثبت، وجهله لا يؤثر تعييناً ما دام أنه يدور على ثقتين، ولكن الذي يؤثر لو كان أحدهما ثقة والثاني ضعيفاً ولم يتميز أحدهما، فإنه يحتمل أن يكون هو الضعيف، وعلى هذا فلا يعتمد ولا يعول على الحديث الذي جاء في الإسناد؛ لأنه لا بد من الجزم والتحقق من ثقة وعدالة الرواة؛ حتى يحكم بصحة الحديث وثبوته.

    إذاً: فـشعيب بن الليث ذكر في ترجمته أنه روى عنه الربيع بن سليمان المرادي، وهذا لا يزيل إشكالاً، ولا يعين أحد الاثنين؛ لأن كلاً منهما الربيع بن سليمان المرادي، وإنما يتميز أحدهما لو قيل: ابن عبد الجبار، أو ابن داود، وإلا فإن كلاً منهما يكنى بأبي محمد.

    إذاً: فهذا محتمل وغير متعين أحدهما، ولكن الأمر كما قلت: لا يؤثر؛ لأن الاثنين شيخان للنسائي: الربيع بن عبد الجبار، والربيع بن سليمان بن داود.

    وابن داود سبق أن مر بنا ذكره في بعض الأسانيد وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي. والربيع بن سليمان بن عبد الجبار هو صاحب الشافعي وراوية كتبه المشهور، وهو أيضاً ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه زيادة على ابن داود.

    [حدثنا شعيب بن الليث].

    هو شعيب بن الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.

    [عن أبيه].

    أبوه هو الليث بن سعد، وهو ثقة فقيه محدث، مشهور، خرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن جعفر بن ربيعة].

    هو جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الرحمن بن هرمز].

    هو الأعرج، يأتي ذكره أحياناً باسمه ونسبه، وأحياناً يأتي ذكره بلقبه، وكثيراً ما يأتي ذكره باللقب، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمير مولى ابن عباس].

    هو عمير بن عبد الله الهلالي المدني مولى أم الفضل، ويقال له: مولى ابن عباس، وأم الفضل هي: أم ابن عباس، فمولاها مولى لبنيها، فإذاً: إطلاق كونه مولى ابن عباس إضافة صحيحة؛ وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة].

    عبد الله بن يسار ليس من الرواة لهذا الحديث؛ لأن الراوي هو عمير مولى ابن عباس، وهذا إنما يحكي الحالة التي حصلت؛ وأنه أقبل هو وعبد الله بن يسار مولى ميمونة، فـعبد الله بن يسار ليس من الرواة، ولهذا ما ذكر في رجال الكتب الستة.

    ولكن كما سبق أن نبهت أن المزي من طريقته أنه يذكر الذين لهم ذكر في الكتب وإن لم يكن لهم رواية، لكن ابن يسار كما عرفنا له ذكر وليس له رواية، وإذاً: فلم يعدوهم من رجال الصحيحين، بالرغم من وجود والحديث في الصحيحين. وقد جاء ذكر عبد الله بن يسار في صحيح مسلم بلفظ عبد الرحمن بن يسار، وهو وهم، بل هو عبد الله بن يسار، وليس عبد الرحمن بن يسار. وسبق أن ذكرت مثالاً لهذا؛ أن في صحيح البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: كنت أنا ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقلت له: أفطر؛ سمعت أبا موسى يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مرض العبد أو سافر، كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم).

    يزيد بن أبي كبشة ليس راوياً، وإنما الراوي هو أبو بردة يروي عن أبيه أبي موسى، لكن سبب ذكر الحديث هو فعل يزيد بن أبي كبشة الذي صحبه في سفر، ومعناه: أن الإنسان إذا كان متعوداً أن يصوم في الحضر أيام معينة، وجاء السفر، فإنه إذا أفطر بسبب السفر فالله تعالى يأجره في حال سفره بما كان يأجره في حال حضره، وكذلك كان في حال صحته وعافيته يصوم أياماً، ولكنه لم يتمكن بسبب المرض، فالله تعالى يثيبه في حال مرضه بمثل ما كان يثيبه في حال صحته وعافيته.

    فـالمزي ذكر يزيد بن أبي كبشة ورمز له في البخاري، والحديث في البخاري، لكن ليس هو من رجال البخاري وإنما له ذكر في صحيح البخاري، ومثله عبد الله بن يسار فإنه له ذكر وليس له رواية، فكما هو واضح فالراوي هو عمير مولى ابن عباس، وهو الذي يروي عن أبي جهيم، ولكنه لما حدثه أبو جهيم كان معه عبد الله بن يسار، وهذا من الأمور التي يستدل بها على ضبط الراوي وإتقانه؛ لأنه يعرف -مع الحديث- الملابسات التي حصلت وقت التحديث بالحديث؛ فإنه أخبر بأنه أقبل هو وعبد الله بن يسار، فلقوا أبا جهيم فحدثهم بهذا الحديث، والراوي هو عمير مولى ابن عباس.

    ومثال ذلك: ذكر أويس القرني؛ لأن أويس القرني ليس من الرواة، وإنما له ذكر في بعض الكتب؛ في صحيح مسلم وفي غيره.

    [قال أبو جهيم].

    هو ابن الحارث بن الصمة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، قيل في الخلاصة: له أحاديث اتفق البخاري ومسلم منها على حديثين.

    شرح حديث عمار بن ياسر في تمعكه في التراب لما أجنب ولم يجد الماء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد قال: حدثنا شعبة عن سلمة عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه: (أن رجلاً أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء؟ قال عمر: لا تصل، فقال عمار بن ياسر: يا أمير المؤمنين! أما تذكر إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم يديه إلى الأرض، ثم نفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه). وسلمة شك لا يدري فيه: (إلى المرفقين أو إلى الكفين) فقال عمر: (نوليك ما توليت)].

    هنا أورد النسائي رحمه الله: التيمم في الحضر، وهذه ترجمة مكررة مع الترجمة السابقة، وبعض النسخ لا يوجد فيها هذه الترجمة، والمناسب لهذه الترجمة كما قال السندي: التيمم للجنابة، وهذه أيضاً سيأتي لها ترجمة؛ تيمم للجنب، ثم قال: ولعل إيراده في هذه الترجمة -وهي الترجمة في الحضر- من أجل فعل النبي عليه الصلاة والسلام إذ وصف التيمم، فإنه فعل التيمم في الحضر؛ لأنه تيمم وأراه كيف يصنع، فيكون وجه إدخاله في التيمم في الحضر من جهة فعل الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه وصف التيمم، وذكر طريقة التيمم وبينها، وذلك في حال الحضر، وإلا فإن الذي يناسب الحديث هو التيمم للجنابة.

    وقد أورد النسائي حديث عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه، أنه كان عند عمر رضي الله عنه، فجاءه رجل فسأله عن الجنب، يعني: من يحصل له الجنابة ولا يجد الماء، فقال: (لا تصل)، يعني: اجتهد رضي الله عنه وأرضاه، فأفتاه بأنه لا يصلي حتى يجد الماء؛ لأن الذي ورد هو التيمم في الحدث الأصغر، فقال له: أما تذكر أني أنا وإياك كنا معاً، وكنا في سفر، أو كنا في الإبل، وأننا أجنبنا، أما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب كما يتمعك البعير، فجئنا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وأخبرناه، فقال: (إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا)، ثم وصف التيمم.

    ثم قال: شك سلمة؛ لا يدري هل هو إلى الكفين أو إلى المرفقين. يعني: هل التيمم ينتهي عند الكفين فقط، أو أنه يصل إلى المرفقين؟

    ثم قال عمر رضي الله عنه: (نوليك ما توليت)؛ لأنه ما تذكر الذي حدثه به عمار بن ياسر رضي الله عنه، يعني: فأنت تتحمل مسئولية الإفتاء بهذا الشيء؛ لأنك الذي تذكره، أما أنا فلا أذكره. وهذا فيه دليل على أن التيمم الذي يكون لرفع الحدث الأكبر كالتيمم للحدث الأصغر، فعندما توجد الجنابة فإن رفع الحدث عنها يكون كما يفعل لرفع الحدث الأصغر، ويكون بالتيمم؛ لأن التيمم على طريقة واحدة، لا فرق فيه بين رفع الحدث الأصغر ورفع الحدث الأكبر، بخلاف الماء؛ فإن الحدث الأصغر يرفع بالوضوء، والحدث الأكبر يرفع بالاغتسال.

    وفيه: أن الذي فعله عمر رضي الله عنه وأرضاه، وفعله عمار في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو بالاجتهاد، ومعنى هذا: أن الصحابة في زمن النبوة عندما تنزل الواقعة أو تحصل نازلة كانوا يجتهدون، ولكنهم إذا جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه واستفتوه، وأخبروه بما فعلوا، فإما أن يقرهم، وإما أن ييبن لهم الشيء الذي عليه أن يفعلوه، فـعمر رضي الله عنه وأرضاه -كما يحكي ذلك عمار- لم يصل؛ لأنه لم يجد الماء، وأما عمار فتمعك، وقاس حالة التيمم على حالة الاغتسال؛ وأن رفع الحدث الأكبر بالماء يكون بكون الماء يستوعب الجسد، فهو تمرغ في التراب كما يتمرغ البعير؛ حتى يستوعب ذلك جسده، وهذا فيه الاجتهاد في زمن النبوة، وأن الاجتهاد قد يخطئ وقد يصيب، ومن المعلوم أن كلاً منهما اجتهاده قد أخطأ: الذي ترك الصلاة حتى يجد الماء، والذي تمعك في التراب وجعل التراب يصل إلى جميع جسده قياساً على الماء.

    وفيه: استعمال القياس؛ لأن عماراً قاس حالة التيمم، أو حالة استعمال التراب في التيمم بحالة استعمال الماء في الاغتسال، وأنه لما كان الاغتسال هو باستيعاب الجسد؛ فإنه اجتهد وقاس حالة التيمم على حالة الاغتسال، فتمعك في التراب كما يتمعك البعير؛ يعني: تجرد وتمعك في التراب كما يتمعك البعير؛ لأنه قاس حالة التيمم على حالة الاغتسال، والرسول عليه الصلاة والسلام بين في الحديث (أنه يكفيه هكذا؛ وضرب بيديه الأرض، ومسح كفيه ووجهه)، فدل ذلك على أن التيمم لا فرق فيه بين حالة الوضوء وحالة الاغتسال، وحالة رفع الحدث الأصغر وحالة رفع الحدث الأكبر؛ أي: كلها على طريقة واحدة، وكلها على نسق واحد.

    ثم أيضاً هذا الحديث الذي حصل في حضرة عمر، وسمعه عمار وسمعه عمر، فعمار تذكر، وأما عمر فقد نسي الذي حصل في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال له: نوليك ما توليت، أنت الذي تتحمل المسئولية في هذا، وأما عمر رضي الله عنه فإنه لم يذكر، ولهذا فإنه لا يروي هذا الحديث؛ لأنه ما تذكره، وأما عمار فهو الذي كان يذكره، وهو الذي كان معه عمر عندما حصلت الحادثة والقضية، والرسول صلى الله عليه وسلم أخبره بأنه يكفيه بأن يتيمم، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى التمعك في التراب، كما فعل رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    قوله: (فقال عمار بن ياسر: يا أمير المؤمنين! أما تذكر إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد الماء).

    السرية: هي القطعة من الجيش التي تخرج منه ثم تعود إليه، فهذه يقال لها: سرية.

    قال: (فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت).

    يعني: كل منهما اجتهد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن في زمنه عليه الصلاة والسلام عندما تحصل الحادثة والواقعة فإن الصحابة كانوا يجتهدون، وقد تحصل الإصابة وقد يحصل الخطأ، وكلٌ من الاثنين لم يصب؛ لا عمر ولا عمار؛ لأن عمر لم يصل، وأجَّل ذلك حتى يجد الماء، وعمار قاس حالة فقد الماء على حالة وجود الماء، وأنه عند فقده يكون التيمم، مثل الاغتسال للجسد كله، فتمعك في التراب حتى يصيب التراب الجسد كله؛ قياساً على الماء، وقياساً على الاغتسال، ولم يصب لا هذا ولا هذا، فالرسول صلى الله عليه وسلم بين لهم أنه يكفيهم أن يتيمموا كما يتيمموا للوضوء.

    قال: (فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم يديه إلى الأرض، ثم نفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه).

    وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في ترجمة: التيمم في الحضر؛ يعني: من فعله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه تيمم معلماً، أي: تيمم أو عمل التيمم ليعلم الكيفية التي يكون بها التيمم، وهذا هو وجه إيراده في باب: التيمم في الحضر، وإلا فإن القصة هي في التيمم من الجنابة، والتيمم من الحدث الأكبر.

    وقوله: (ثم نفخ فيهما)، يعني: لعل الأرض فيها غبار كثير، فنفخ من أجل أن يخفف هذا الغبار، وليس بلازم؛ لأنه جاء النفخ وجاء عدمه، فيحمل النفخ على كثرة الغبار الذي يحصل تخفيفه بالنفخ، وعدم النفخ على عدم الكثرة في الغبار الذي لا يحتاج معها إلى نفخ.

    ثم قال: (وسلمة شك لا يدري فيه إلى المرفقين أو إلى الكفين؟).

    وسلمة الذي هو أحد الرواة -هو سلمة بن كهيل- شك لا يدري، لكنه جاء عدم الشك في حديث عمار الذي في الصحيحين والذي فيه أنهما الوجه والكفان، وليس فيه ذكر المرفقين، فإذاً: إذا حصل الشك بين هذا وهذا؛ فإنه يرجع إلى ما لا شك فيه، وإلى المتيقن، وهو الذي جاء بطرق أخرى متعددة أنه الكفان فقط، وليس إلى المرفقين.

    ثم قال عمر رضي الله عنه: (نوليك ما توليت)، يعني: أنت الذي تتولى مهمة الإفتاء بهذا؛ لأنك الذي تروي ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أما عمر رضي الله عنه فإنه نسي هذا الذي حصل له بحضرة عمار، والذي يحكيه عمار، وأنه حصل للاثنين: لـعمر وعمار، فقال: (نوليك ما توليت)، يعني: أنت الذي تتولى الإفتاء بهذا الأمر والتحديث به؛ لأنك أنت الذي تحفظ ذلك وتضبطه، أما عمر رضي الله عنه وأرضاه فإنه لم يذكر ذلك الذي حدث به عمار، وكان ذلك بحضرة عمر رضي الله تعالى عن الجميع.

    تراجم رجال إسناد حديث عمار بن ياسر في تمعكه في التراب لما أجنب ولم يجد الماء

    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].

    هو الملقب بـبندار، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا محمد].

    محمد هذا غير منسوب، فيسمى مهملاً، وهو: أن يسمى الرجل ولا ينسب. وكيف يعرف المهمل؟ يعرف بالشيوخ والتلاميذ، فهنا مثلاً الذي يروي عن شعبة هو محمد بن جعفر الذي هو غندر، ويروي عنه محمد بن بشار، فهو إذا جاء يروي عن محمد بن بشار، ويروي هو عن شعبة، فالمراد به: غندر، وهو معروف ومشهور بالرواية عن شعبة، فإذا لم ينسبه محمد بن بشار وهو يروي عن شعبة، فالمراد به: غندر، وهو محمد بن جعفر غندر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    قوله: [حدثنا شعبة].

    هو: ابن الحجاج الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو أحد الأشخاص الذين ظفروا بهذا اللقب الرفيع، وبهذا الوصف العالي الذي هو التلقيب بأمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن سلمة].

    سلمة، هو ابن كهيل الحضرمي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ذر].

    هو ابن عبد الله المرهبي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه].

    هو سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    وعبد الرحمن بن أبزى صحابي صغير، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وابنه ثقة، وأما هو فصحابي صغير ولا يحتاج إلى أن يقال فيه: ثقة؛ لأن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم لا يحتاجون إلى توثيق الموثقين وتعديل المعدلين، بعد أن أكرمهم الله عز وجل بثنائه عليهم، وكذلك ما حصل لهم من ثناء الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عنهم أجمعين، فثناء الله عز وجل وثناء رسوله عليهم لا يحتاجون معه إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين، كما قال الخطيب البغدادي في كتابه (الكفاية): إن كل راو من رواة الحديث لا بد من معرفته، فإذا كان مجهولاً فإنه يؤثر على ثبوت الحديث، وأما أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام فلا تضر جهالتهم؛ لأن المجهول منهم ظفر بثناء الله عز وجل وثناء رسوله عليه الصلاة والسلام، فيكفي فيهم أن يُعلم أن الواحد منهم صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم أجمعين.

    وقوله: (أن رجلاً أتى عمر)، الرجل هذا ليس من الرواة وإنما الراوي هو عبد الرحمن بن أبزى يروي عن عمار؛ لأنه حضر هذا السؤال من الرجل المبهم وهو يسأل عمر، وعمر أفتاه بأنه لا يصلي حتى يجد الماء، فأخبره عمار بما جرى لهما؛ أي: لـعمر وعمار من الجنابة، وأن عمر لم يصل، كما أفتى به ذلك الذي سأله، وأما هو فتمعك، ولما جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرهم بأنهم يكفيهم التيمم.

    إذاً: الرجل الذي سأل عمر ليس راوياً، وإنما يحكي عبد الرحمن بن أبزى أن رجلاً سأل عمر وكان ذلك بحضرة عمار، فأفتاه عمر بأنه لا يصلي حتى يجد الماء، وأخبره عمار بما حصل لهما، وبما عملاه، وبما أفتاهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أنه يكفيهم التيمم.

    قوله: [عن عمار].

    عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه هو الصحابي الجليل المشهور.

    شرح حديث عمار بن ياسر في تمعكه في التراب لما أجنب ولم يجد الماء من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني محمد بن عبيد بن محمد حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن ناجية بن خفاف عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال: (أجنبت وأنا في الإبل، فلم أجد ماء، فتمعكت في التراب تمعك الدابة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فقال: إنما كان يجزيك من ذلك التيمم)].

    هنا أورد النسائي رحمه الله حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه من طريق أخرى، ويحكي فيه أنه كان في الإبل يعني: في رعاية الإبل أو في سفر ومعه الإبل، فأجنب ولم يجد الماء، فتمعك كما تتمعك الدابة -أي: البعير- في التراب؛ لأن البعير عندما يأتي إلى المكان الذي يتمعك فيه، فإنه يتقلب على جنبيه حتى يصل التراب أنحاء جسده، فـعمار رضي الله عنه وأرضاه فعل كما يفعل البعير، فتمعك في التراب تقلب في التراب كما تتقلب الدابة، لأنه يريد أن يستوعب التراب سائر جسده قياساً على الاغتسال، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنما كان يجزيك من ذلك التيمم)، يعني: يكفيه أن يتيمم، ولا يحتاج إلى هذا العمل.

    تراجم رجال إسناد حديث عمار بن ياسر في تمعكه في التراب لما أجنب ولم يجد الماء من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبيد بن محمد].

    هو المحاربي الكوفي، وهو صدوق، خرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، ولم يخرج له ابن ماجه .

    [حدثنا أبو الأحوص].

    هو سلام بن سليم الحنفي الكوفي، وهو ثقة متقن، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وسبق أن مر بنا ذكره.

    [عن أبي إسحاق].

    أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وسبيع قبيلة من همدان، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فقد مر ذكره كثيراً.

    [عن ناجية بن خفاف].

    هو ناجية بن خفاف العنزي الكوفي، وهو مقبول، روى له النسائي وحده.

    [عن عمار بن ياسر].

    عمار بن ياسر هو صحابي الحديث الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا.

    1.   

    التيمم في السفر

    شرح حديث عمار بن ياسر في مناسبة إنزال الله رخصة التيمم بالصعيد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التيمم في السفر

    أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن عمار قال: (عرَّس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولات الجيش ومعه عائشة زوجته، فانقطع عقدها من جذع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر رضي الله عنه، فقال: حبست الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله عز وجل رخصة التيمم بالصعيد، قال: فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم ينفضوا من التراب شيئاً، فمسحوا بها وجوههم، وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط)].

    هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: باب التيمم في السفر، بعد أن ذكر التيمم في الحضر، وقد أورد فيه حديث عمار رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في سفر، وكان في أولات الجيش في مكان قريب من المدينة، وأنه كانت معه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وأن الرسول عرس -والتعريس هو: استراحة المسافر في آخر الليل- فجاء وقت الصبح وليس معهم ماء، فأنزل الله آية التيمم، (فتيمموا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام على وجوههم وعلى أيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط)، هكذا جاء في هذه الرواية، أما في الروايات الأخرى التي في الصحيحين فليس فيها ذكر ما يدل على الزيادة على الكف، وإنما جاء في السنن وفي غيرها، فقيل: إن هذا إما أنه كان موجوداً فنسخ -أي: الزيادة عن الكفين- أو أن هذا حصل من بعض الصحابة، أو أنه يحكي ما حصل من بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، والذي ثبت في الصحيحين وغيرهما الاكتفاء بمسح الوجه والكفين، وليس في ذلك الذراعان ولا المنكبان، وإنما الوجه والكفان فقط.

    قوله: (عن ابن عباس، عن عمار رضي الله عنهما قال: عرَّس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولات الجيش ومعه عائشة زوجته، فانقطع عقدها من جذع ظفار).

    يعني: هذا نوع العقد، أنه جذع من خرز ظفار؛ وهي مدينة في اليمن، ومكان في اليمن، ينسب إليها ذلك الخرز، فكان عقدها من ذلك النوع، فجلسوا في طلبه وفي البحث عنه.

    قوله: (فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر).

    يعني: غضب عليها -تغيظ من الغيظ وهو الغضب- لكونها كانت سببا في حبس الناس وليس معهم ماء.

    قوله: (فقال: حبست الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله عز وجل رخصة التيمم بالصعيد).

    يعني: أنزل الله آية التيمم، وأنهم يتيممون عند فقد الماء، والحديث سبق أن مر، يعني: أن عائشة رضي الله عنها لما فقدت عقدها وجلسوا في انتظاره، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم نائماً على فخذها، وجاء أبو بكر رضي الله عنه يلومها ويعاتبها ويطعن في خاصرتها، عند ذلك أنزل الله آية التيمم، فتيمموا، وقال عند ذلك أسيد بن حضير: ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر.

    قوله: (قال: فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم ينفضوا من التراب شيئاً).

    قوله: (ولم ينفضوا)، يعني: ما حصل النفخ مثل ما جاء في بعض الروايات، وما حصل أيضاً نفض الأيدي حتى يتساقط منها شيء. فيحمل وجود النفخ على ما إذا كان الغبار كثيراً، فيراد من النفخ تخفيفه، وعدم النفخ فيما إذا كان الغبار الذي علق من الصعيد قليلاً.

    قوله: (فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط).

    يعني: المناكب من الظاهر، ومن بطون أيديهم إلى الآباط، من الداخل.

    تراجم رجال إسناد حديث عمار بن ياسر في مناسبة إنزال الله رخصة التيمم بالصعيد

    قوله: [أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله].

    هو الذهلي النيسابوري، وهو ثقة، حافظ، جليل، خرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة.

    [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي].

    هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    وأبوه هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أيضاً ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن صالح].

    هو ابن كيسان، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.

    [عن ابن شهاب].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، الذي مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، محدث، فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة].

    هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو ثقة، فقيه، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عباس].

    ابن عباس هو ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، حبر الأمة، وترجمان القرآن، وهو أحد الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمار بن ياسر].

    عمار بن ياسر رضي الله عنه قد مر، والحديث من رواية صحابي عن صحابي، وفيه تابعي عن تابعي؛ لأن الزهري من صغار التابعين، يروي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ففيه: رواية صحابي عن صحابي، ورواية تابعي عن تابعي.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الترضي على غير الصحابة رضي الله عنهم

    السؤال: هل يجوز أن نقول: رضي الله عنه لغير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: نعم، يجوز أن يترضى عن غير الصحابة وأن يترحم على الصحابة، لكن الذي اشتهر على ألسنة السلف الترضي عن الصحابة، والترحم على من بعدهم، لكن يجوز الترحم عن الصحابة، والترضي على من بعدهم؛ لأن هذا دعاء بأن يرضى الله عن الشخص أو أن يرحم الله الشخص، فكل ذلك دعاء سائغ، إلا أن هذا اشتهر في العرف والاستعمال، وهو أن الترضي يكون للصحابة، وأن الترحم يكون على من بعدهم.

    الحالات التي يجوز للمريض فيها التيمم

    السؤال: ما حكم من أجنب وكان مريضاً، ولم يستطع الغسل، فهل يتوضأ أو يتيمم؟ مع العلم أن الماء موجود؟

    الجواب: إذا كان الماء يضر باستعماله فإنه ينتقل إلى التيمم، ويجوز التيمم؛ لأن مسوغات التيمم: فقد الماء، أو عدم القدرة على استعماله؛ يعني: إما لكونه لا يستطيع لخلل في أعضائه ولا يوجد من يقوم بذلك في حقه، أو لكونه مريضاً يضره ويؤثر عليه، أو يكون في مكان فيه برد شديد، وليس عنده ما يسخن به الماء؛ فإنه يتيمم أيضاً.

    حكم التيمم مع وجود الماء

    السؤال: لم يذكر في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يجد الماء لذلك تيمم، فهل يجوز التيمم مع وجود الماء؟

    الجواب: كما هو معلوم، أنه لا يتيمم إلا لعدم وجود الماء؛ لأن التيمم إنما يكون لعدم وجود الماء؛ لكونه ليس معه ماء في ذلك الوقت، ولهذا البخاري رحمه الله عقد لهذا الحديث ترجمة: باب التيمم عند فقد الماء، وخشية خروج الوقت.

    سبب تمرغ عمار بالتراب مع علمه بآية التيمم

    السؤال: هل كان تيمم عمار، وعمر رضي الله عنهما قبل نزول آية التيمم أو بعدها؟ وإذا كان بعدها فهل يتصور أنه لا يعلم الآية؟ ثم إن عمر رضي الله عنه نهى عماراً عن الصلاة، فقال عمار: يا أمير المؤمنين... إلى آخره.

    الجواب: الذي يبدو من فعل عمار أنه كان يعرف الحكم، ولكنه ظن أن الجنابة ليست كالوضوء، فيحتاج فيها إلى أنه يتمعك كما تتمعك البعير.

    حكم الحديث الذي في إسناده رجل مبهم

    السؤال: إذا كان في السند رجل مهمل، يحتمل أن يكون فلاناً الثقة، ويحتمل أن يكون فلاناً الضعيف، فهل يحكم على الحديث بالضعف، أو بالصحة، أو يتوقف فيه؟

    الجواب: لا يحكم له بالصحة، ولكن يتوقف فيه، ويحتمل أن يكون هذا وهذا؛ لكنه لا يعول عليه، ولا يبنى عليه حكم؛ لأنه غير ثابت، ولاحتمال أن يكون ذلك هو الضعيف فهو يتوقف فيه، لكن النتيجة أنه لا يعمل به حتى يتحقق بأن هذا المهمل هو الثقة، أما إن تحقق بأنه الضعيف فإنه لا يتوقف فيه وإنما يرد.

    حكم التيمم عند الخشية من خروج وقت الصلاة

    السؤال: هل ضيق الوقت وقرب خروج وقت الصلاة يعتبر من الأمور التي تجيز للإنسان التيمم؟

    الجواب: هذا فيه خلاف بين العلماء، فمن العلماء من قال: إنه إذا ضاق الوقت فإن له أن يتمم، ومنهم من قال: إنه لا يتيمم ولو خرج الوقت، ما دام أنه يمكن الحصول على الماء.

    مدى صحة نسبة المساجد التي حول المسجد النبوي إلى الصحابة

    السؤال: فضيلة الشيخ! هذه المساجد التي حول الحرم كمسجد علي، وأبي بكر، وعمر، ومسجد الغمامة، هل هذه المساجد صحيحة النسبة إلى أصحابها؟ وهل يجوز تقارب المساجد بهذه الصورة مما يسبب تفرق كلمة المسلمين؟

    الجواب: أبداً، لا يتصور أن يكون لهؤلاء الصحابة مساجد بهذا القرب، وهم عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان بنو سلمة وأماكنهم في المكان الذي يسمى مسجد القبلتين، تلك المنطقة البعيدة لما أرادوا أن يتحولوا منها حتى يصلوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يأتون من ذلك المكان البعيد، هل يتصور أن هؤلاء الصحابة الكرام على هذه المسافات القليلة يتركون الصلاة في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويصلون في هذه المساجد؟! يعني: ذاك المكان الذي هو مكان مسجد الغمامة مصلى العيد، وهو مصلى الاستسقاء، والمساجد الأخرى التي هي لفلان وفلان من الصحابة بهذا القرب، فهذا بعيد أن يكون كذلك؛ لأن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أحرص الناس على الخير، وأسبق الناس إلى الخير، ولا يتصور أن الواحد منهم يتمكن من أن يصلي فيحصل له بالصلاة ألف صلاة، ثم يتركها ولا يحضر تلك الصلاة.