إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. خالد بن علي المشيقح
  4. حقيقة الإيمان - تحريم التنجيم

حقيقة الإيمان - تحريم التنجيمللشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ليس الإيمان بضاعة مزجاة تباع وتشترى بأرخص الأثمان، أو مجرد دعوى وألقاب تجوز على كل لسان، وليس الإيمان بالتمني والتحلي، ولكن الإيمان نهج متكامل في حياة المسلم في قوله واعتقاده وعمله.

    1.   

    عظم الإيمان وأهميته

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل الله، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    عباد الله! الإيمان بالله عز وجل من أجله خلق الخلق وبعث الأنبياء وأنزلت الكتب، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

    ومن أجل الإيمان بالله عز وجل أوذي وقتل المؤمنون، ولم يسلم من التهديد والمطاردة في سبيله المرسلون، قال الله عز وجل: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:1-3].

    وقال تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [الأعراف:88].

    الإيمان بالله تواصى به الأنبياء عليهم السلام، كما قال سبحانه: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132].

    وما زال محل تذكير الآباء للأبناء إلى الموت، قال تعالى: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:133].

    1.   

    تعريف الإيمان

    الإيمان الحق هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

    الإيمان الحق هو التصديق الجازم بعالمي الغيب والشهادة، وإذا تساوى الناس في الإيمان بعالم الشهادة وهو ما يشاهدونه حاضراً بأم أعينهم تفاوتوا في الإيمان بالغيب الذي غيبه الله عن أنظارهم في هذه الحياة، وأخبر عنه خبر صدق في كتبه المنزلة، وبواسطة أصدق خلقه من أخبار الأمم الماضية، وأهوال يوم القيامة وأشراط الساعة، هنا يتفاوت الناس حسب إيمانهم، فمنهم من يؤمن بها كأنه يراها رأي العين، ومنهم من يجحد وينكر وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت:49]، ومنهم من يبقى شاكاً متردداً.

    عباد الله! الإيمان بالله ملاذ آمن عند الشدائد والكروب، ولذا فليس كل من ادعى الإيمان مؤمناً، قال الله عز وجل: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14]، وإذا كان الأمر كذلك فما هي حقيقة الإيمان؟ وما نوع الأعمال التي تبلغ بصاحبها منزلة الإيمان بالله؟

    يعرف أهل السنة والجماعة الإيمان: أنه قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية؛ ويعنون بقول اللسان: النطق بالشهادتين، والإقرار بلوازمهما.

    أما اعتقاد القلب فهو: النية والإخلاص والمحبة والانقياد والإقبال على الله والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه.

    وأما عمل الجوارح فهو: عمل الصالحات القولية والفعلية، الواجبة والمسنونة.

    وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق)، وبهذا المفهوم الواضح الشامل للإيمان يرد على الطوائف الضالة التي اعتقد بعضها أن الإيمان مجرد التصديق، وأنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما هو قول المرجئة ومن سايرهم، ويرد كذلك على الذين يكفرون بالذنب كالخوارج ومن شايعهم، أو يغلون في الدين وينسبون إليه ما ليس منه كالرافضة والباطنية على اختلاف نحلهم.

    1.   

    الإيمان الحق والمؤمن الحق

    عباد الله! الإيمان الحق ينبغي الثبات عليه دون تردد، قال الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، وهو جهاد بالمال والنفس، وتضحية بالغالي والنفيس في سبيل الله، قال سبحانه: وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15].

    الإيمان الحق خوف من الجليل، يقود لفعل الجميل، وتوكل على العزيز الرحيم، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2].

    وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: لا يا ابنة الصديق! ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم).

    قال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه.

    وخوف المؤمن ليس خوفاً يقعد به عن عمل الصالحات، لكنه خوف من عدم القبول؛ لكونه قصر في شروط القبول، يدفعه ذلك إلى تحسين عمله وإبقائه، واستشعار حلاوته.

    قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ما لي لا أرى حلاوة الإيمان تظهر عليكم، والذي نفسي بيده! لو أن دب الغابة وجد طعم الإيمان لظهر عليه حلاوته، وما خاف عبد على إيمانه إلا منحه، وما أمن عبد على إيمانه إلا سلبه.

    خوف المؤمن صيانة للنفس عن النفاق، الذي تبدو صورته الظاهرة حسنةً للعيان، والله أعلم بما تكن الصدور وتنطوي عليه القلوب، ولهذا أخرج البخاري في صحيحه تعليقاً ووصله غيره عن ابن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه.

    وقال الحسن البصري رحمه الله: والله ما أصبح على وجه الأرض ولا أمسى على وجه الأرض مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه، وما أمن النفاق إلا منافق.

    عباد الله! الإيمان الحق الذي نحتاجه جميعاً هو عدل في القول، ووفاء بالعهد، ونطق بالحق، وسكوت عن الباطل، قال الله عز وجل: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا [الأنعام:152].

    وفي الصحيحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).

    الإيمان خلق رفيع، وحسن أدب مع الخالق والمخلوق، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء).

    والمؤمن لحسن خلقه وكرمه لا يتفطن للشر، وقد جاء في الحديث (المؤمن غر كريم)، والمعنى كما قال صاحب النهاية: إن المؤمن المحمود من طبعه الغرارة، وقلة فطنته للشر، وترك البحث عنه، وليس ذلك منه جهلاً، ولكن عن كرم وحسن خلق.

    والمؤمن الحق يتجاوز دائرة ذاته، ويهتم ويألم لأحوال إخوانه، قال عليه الصلاة والسلام: (المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد)، فالمؤمن يألم لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس، وهو بين الناس طلق المحيا، كريم النبأ، لطيف المعشر، يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس.

    والمؤمن مع ذلك آمر بالمعروف ناه عن المنكر، قال الله عز وجل: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71].

    والمؤمن يخالط الناس ويقدم الخير لهم، ويصبر على أذاهم، وفي الحديث: (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم).

    وبالجملة فأهل الإيمان هم المحافظون على جلائل الأعمال القولية والفعلية، قال الله عز وجل: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المؤمنون:1-9].

    والإيمان ضمان للثبات في مواقف الامتحان، وهو مركب للنجاة في طوفان الفتن والمحن، به يميز الله الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، قال الله عز وجل: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران:179].

    ويفرق المؤمن بين عذاب الله وفتنة الناس، ويصبر على البلوى، ويشكر على السراء، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير -وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن- إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له).

    والإيمان معلم هاد إذا تاه الدليل أو خيم الظلام، أو ضاقت على المرء الضوائق فيؤنسه الإيمان بخالقه، ويتسع له المكان مهما كان ضيقه، قال الله عز وجل: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:87-88]، وقال تعالى: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا [الكهف:16].

    والإيمان سبب للأمان، إذا ساد القلق واستخطف الناس، ولم يأمنوا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، قال الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

    والمؤمنون هم الذين تزيدهم الشدائد ثباتاً على الحق، قال الله عز وجل: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22].

    أما غير المؤمنين فتطير قلوبهم لكل نازلة، قال سبحانه: فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [الأحزاب:19].

    والمؤمنون رحماء هينون لينون، كافون عن الأذى، باذلون للمروءة والندى، وليس من الإيمان إيذاء المؤمنين قولاً أو فعلاً، قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:58].

    اللهم ارزقنا إيماناً يملأ قلوبنا يقيناً، وألسنتنا ذكراً، وجوارحنا طاعة، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    من صفات المؤمنين

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

    عباد الله! المؤمنون يتحاكمون إلى شرع الله، ويرضون بالإسلام حكماً، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً، بل يرضون ويسلمون كما قال سبحانه: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51].

    والمؤمنون حقاً يتحرون الحلال في مطعمهم ومشربهم وملبسهم، وهم حريصون على الحلال جمعاً وإنفاقاً، فلا يشربون المسكرات، ولا يأكلون السحت، ولا يتعاملون بالربا، أو ضروب المعاملات المحرمة الأخرى في البيع والشراء، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172].

    أما غير المؤمنين فلا يتورعون عن الحرام، ولا يحتاطون في الحلال.

    عباد الله! هذه دعوة لنا جميعاً لنعلم حقيقة الإيمان، ونتخلق بأخلاق الإسلام، فالإيمان ليس بضاعةً مزجاة تباع وتشترى بأرخص الأثمان، أو مجرد دعوى وألقاب تجوز على كل لسان، ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان نهج متكامل، فهو عبادة لله خاشعة، ومعاملة لخلقه كريمة، وأخلاق رفيعة، وهو كسب نظيف، وإنفاق مشروع، وهو اعتقاد سليم، وعمل صحيح، وهو جهاد وتضحية، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وهو ولاء وبراء، وهو بذل للندى، وكف عن الأذى، وخروج عن الأنانية المقيتة، ونصرة للنفوس المسلمة المظلومة.

    1.   

    حرمة التنجيم

    عباد الله! دأبت بعض الصحف والمجلات على تخصيص زاوية منها تنشر شيئاً من علم التنجيم المحرم، يكتب بعناوين جذابة، تخدع من لا علم عنده بتحريم أنواع التنجيم من هذه العناوين: أنت والنجوم، أو أبراج القراء، أو ألوان الحظ، أو حظك هذا الأسبوع، أو الفلك بين يديك، أو حديث الأبراج، أو أسكوب.. وهكذا، وتكتب هذه الزوايا بعدة طرق منها ما يكتب بطريقة الأبراج: برج الحمل، وبرج الثور، وبرج الجوزاء، وبرج السرطان.. وهكذا، ومنها ما يكتب بطريقة الأشهر، حيث توضع جداول شهر كذا وشهر كذا، وما يوجد في كل شهر من النحس والسعد، ومنها ما يكتب بطريقة السنوات، إذا كنت من مواليد سنة كذا فسنتك الجديدة سنة خير أو شؤم.

    ومن مزيد التضليل في هذه الكتابات: أن تنسب هذه المعلومات إلى إحدى الشخصيات، فيقال: يعدها هذا الأسبوع الفلكي الدكتور فلان.. ونحو ذلك، كما دأبت بعض القنوات الفضائية على بث برامج التنجيم، وقراءة الفنجال، وقراءة الكف، واستقطبت بعض المشاهدين ممن يهمهم البحث عن المستقبل، وضعف إيمانهم وتوكلهم على الله عز وجل، وربما تابعوا ذلك من أجل التسلية.

    الأدلة على حرمة علم التنجيم

    وهذا كله من علم التنجيم المحرم المعدود من علم السحر؛ لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبةً من السحر، زاد ما زاد)، رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح. وفي رواية: (من اقتبس شعبةً من النجوم اقتبس شعبةً من السحر، زاد ما زاد)؛ ولأن هذا قائم على ادعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65].

    وذكر شيخ الإسلام رحمه الله وابن القيم أنه لما أراد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يسافر لقتال الخوارج عرض له منجم، فقال: يا أمير المؤمنين! لا تسافر، فإن القمر في العقرب، فإنك إن سافرت والقمر في العقرب هزم أصحابك، فقال علي رضي الله عنه: بل مسافر ثقةً بالله، وتوكلاً على الله، وتكذيباً لك، فسافر علي رضي الله عنه بجيشه، وكان النصر حليفه، وظهر كذب المنجم.

    ومما هو معلوم من مسائل التوحيد: أن اعتقاد أن النجم الفلاني أو البرج الفلاني هو سبب سعد فلان أو سبب نحسه من خرافات أهل الجاهلية، الذين ينسبون تدبير بعض أمور الكون إلى غير الله عز وجل، وهو ضرب من ضروب الشرك بالله عز وجل، وقد ينتج عنه: تعلق الإنسان بالنجم أو البرج فيعمل له نوعاً من أنواع العبادة، فيقع في شرك الألوهية، كما أنه وقع في شرك الربوبية.

    من كلام أهل العلم في التنجيم والمنجمين

    وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى: أنه اجتمع مع رؤساء المنجمين بدمشق، وأنه بين لهم فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي هم يعترفون بصحتها، وقد اعترف عنده أحد رؤسائهم بأنهم يكذبون مائة كذبة، حتى يصدقوا في كذبة واحدة.

    وقال رحمه الله: إن اعتقاد المعتقد أن نجماً من النجوم السبعة هو المتولي لسعده أو نحسه اعتقاد فاسد، وإن اعتقد هذا المعتقد أن النجم هو الذي يدبر له أموره، فهو كافر بالله عز وجل.

    وقد أجمع علماء الشريعة ومنهم فقهاء المذاهب الأربعة على تحريم التنجيم، كما ذكر ذلك العيني الحنفي، وذكره أيضاً العدوي المالكي، وذكره أيضاً النووي الشافعي، وذكره أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي، فنذكر المسلمين بخطر هذا العمل، ونخص الصحفيين والإعلاميين وننبئهم بواجب الكلمة، وأن واجب الكلمة يحتم عليهم النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وإن من النصح نشر الخير ووسائله، ومكافحة الشر ووسائله، كما نذكرهم بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص من آثامهم شيء) رواه مسلم في صحيحه.

    اللهم وفقنا جميعاً للعلم النافع، والعمل الصالح، وأبعدنا عن الشرك ووسائله، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بقوم فتنة أن تقبضنا إليك غير مفتونين، يا ذا الجلال والإكرام.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم عليك بأعداء الدين من اليهود الظالمين، والنصارى الحاقدين، اللهم إنا نسألك أن تبيدهم وأن تدمرهم، وأن تنصر المسلمين عليهم، يا ذا الجلال والإكرام، يا قوي يا عزيز.

    اللهم فرج كرب المكروبين، ونفس عسرة المعسرين، واقض الدين عن المدينين يا كريم يا عزيز.

    اللهم اشف مرضى المسلمين، اللهم اجعل ما أصابهم كفارةً لسيئاتهم، ورفعةً لدرجاتهم.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم محكمين لكتابك وسنة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم.

    اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.