إسلام ويب

أحكام الصيامللشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المؤمن ينبغي له أن يسارع بفعل الطاعات، واغتنام القربات خاصة في أوقات النفحات، كشهر رمضان والأشهر الحرمات، فمن أفضل الطاعات المحافظة على الأوراد من تلاوة القرآن وقيام الليل والمحافظة على النوافل والإكثار من الصدقات، وإصلاح ذات البين، وصلة الأرحام، والإك

    1.   

    المسارعة في الطاعات

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا عليم يا حكيم، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وبعد:

    فالذي يجب أن نتكلم حوله ما سمعناه من قراءة إمامنا وفقه الله في أول ركعة، سمعنا قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]، الله عز وجل يأمرنا في هذه الآية الكريمة بالمسارعة إلى فعل الخيرات، وإلى امتثال الأوامر، وإلى اجتناب النواهي، وأمثال هذه الآيات كقول الله عز وجل: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد:21]، وقال سبحانه وتعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة:10]، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:11]، وقال سبحانه وتعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148]، وقال سبحانه وتعالى: وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32].

    فالله سبحانه وتعالى يثني على المؤمنين لمسابقتهم إلى فعل الطاعات، والتزيد من النوافل، وما شرع صيام هذا الشهر وما شرعت فيه العبادات المتنوعة إلا لكي يسابق.

    فنحن -أيها الأحبة!- في هذا الشهر الفضيل في شهر رمضان، هذا الشهر الذي يعتبر ميزاناً للمسابقة والمسارعة إلى فعل الخيرات، والصيام إنما شرع لحكمة عظيمة ومقصد سامٍ وهو تقوى الله سبحانه وتعالى، والمسارعة إلى الخيرات، والمسابقة إليها، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].

    فحكمة الصيام وغايته ومقصده الشامل التقوى التي هي سبب محبة الله عز وجل لعبده، وفي الحديث القدسي حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم روى عن ربه سبحانه وتعالى أنه قال: ( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه )، فالمسارعة والمسابقة إلى نوافل الطاعات وإلى الإكثار من السنن والآداب والعبادات المشروعة سبب لمحبة الله عز وجل، وسبب لتوفيق العبد في هذه الحياة، وسبب لتأييده وتسديده.

    (لئن سألني لأعطينه)، سبب لإجابة الدعاء، (ولئن استعاذني لأعيذنه)، سبب لعصمته من الشرور والآفات، وكنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، يعني: أنك تسدد وتوفق، فإذا صار الإنسان مسارعاً ومسابقاً إلى الطاعات ومواطن الخيرات، فيبشر بالسداد والتوفيق وإجابة الدعاء، وبولاية الله سبحانه وتعالى ونصره وتأييده، وبسعادته في الدنيا وفي الآخرة، وبكونه من المتقين، ويفوز حينئذ برضا الله سبحانه وتعالى وثوابه.

    فحري بنا أن نتأمل ذلك ونحن نعيش في شهر رمضان، وعلينا أن نغتنم هذا الشهر في تربية النفس على المسابقة إلى فعل الخيرات واغتنام الطاعات.

    من الأعمال الصالحة في رمضان الإكثار من قراءة القرآن

    أذكر جملة من الأعمال الصالحة التي ينبغي للمسلم أن يسابق إليها، وهي مما يتميز به هذا الشهر الفضيل الكريم:

    من ذلك قراءة القرآن، نلاحظ أن كثيراً من الناس في هذا الشهر الكريم -وهو من بركات هذا الشهر- يقبل على قراءة كتاب الله عز وجل، ونجد أن كثيراً من الناس -بل نسمع من كثير من الصبيان- يتنافسون في ختم كتاب الله عز وجل، وهناك دورات تقام في مثل هذا الشهر الكريم لدراسة القرآن وتفسيره وتدبره، وما يتعلق به من علوم إلى آخره، فينبغي للمسلم أن يسارع إلى قراءة كتاب الله عز وجل، وأن يربي نفسه على ذلك، وأن يكون له ورد، فقراءة القرآن ليست خاصة في شهر رمضان، بل ينبغي أن يكون للمسلم ورد يقرؤه كل يوم من كتاب الله عز وجل، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله تعالى عنهم يقرءون أورادهم في الليل، كما في حديث حذيفة في صحيح مسلم أنه قال: ( كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فافتتح سورة البقرة، قال حذيفة: قلت: يركع عند المائة، ومضى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قلت: يركع عنده -يعني عند نهاية السورة- فمضى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم افتتح سورة النساء، ثم افتتح سورة آل عمران، كل ذلك يقول حذيفة: يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم مترسلاً، يعني: متأنياً متمهلاً، إذا مر بآية وعد سأل، وإذا مر بآية وعيد استعاذ، وإذا مر بآية استغفار استغفر، فقال: هممت بأمر سوء، قيل: وما همت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه من طول قراءته ).

    وفي حديث المغيرة بن شعبة في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه)، أي تتشقق من طول قيامه.

    ولما كبر النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته أصبح يشق عليه أن يصلي قائماً، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (وكان يصلي ليلاً طويلاً جالساً).

    فهذا يدل على محافظة النبي صلى الله عليه وسلم على ورده وعلى حفظه، فينبغي لنا -أيها الأحبة- أن يكون لنا ورد نقرأه كل يوم من كتاب الله، سواء كان في هذا الشهر الفضيل أو في ما بعده من الشهور.

    أكثر ما يختم فيه القرآن وأقله من الأيام

    وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن أقل الورد من القرآن هو جزء، بحيث أنك تختم في كل شهر مرة واحدة، هذا أقل شيء، وأكثر شيء أن تختم في كل سبعة أيام مرة، فتقرأ يومياً أربعة أجزاء وشيئاً، وهذا ليس بكثير، ولهذا كان السلف الصالح كالإمام أحمد وعكرمة ومجاهد وغيرهم يختمون في كل سبعة أيام، فإذا دخل عليهم شهر رمضان ختموا ذلك، وكان الإمام مالك رحمه الله تعالى يترك إقراء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليه شهر رمضان، ويقول: إنما رمضان قراءة للقرآن وإطعام للطعام، فينبغي للمسلم أن يسارع وأن يسابق وأن يكون له ورد يقرءوه كل يوم من كتاب الله عز وجل.

    وما ذكره العلماء رحمهم الله من أنه يستحب للمسلم أن يكون ورده يومياً جزءاً من كتاب الله عز وجل وأكثر بحيث يختم في كل سبعة أيام، هذا دليله حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه الثابت في الصحيح، عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه كان من شباب الصحابة، وكان من المسابقين والمسارعين إلى فعل الخيرات، رجاء مغفرة الله ورحمته وجنته، يقول عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه: زوجني أبي امرأة من العرب، وكان يحب أبي أن يسأل عن أهل ولده، فجاء عمرو إلى بيت عبد الله وسأل المرأة عن حال عبد الله؟ فقالت المرأة: نعم الرجل عبد الله لم يطأ لنا فراشاً، ولم يفتش لنا كنفاً، أي: لم ينم مع أهله ولم ينظر في متاعهم؛ لأنه كان مشغولاً بالعبادة، كان يقرأ القرآن كل ليلة، ويصوم كل يوم، ويقوم كل الليل، يقول: قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟ قال: بلى يا رسول الله! وما أردت بذلك إلا الخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ في كل شهر مرة، فقال: يا رسول الله! إني أطيق أكثر من ذلك، قال: اقرأ في كل عشرين، قال: يا رسول الله! إني أطيق أكثر من ذلك، قال: اقرأ في كل عشر، قال: يا رسول الله! إني أطيق أكثر من ذلك، قال: اقرأ في كل سبع، قال: يا رسول الله! إني أطيق أكثر من ذلك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا أفضل من ذلك، وإن لأهلك عليك حقاً، ولزورك-من يزورك- عليك حقاً، ولبدنك عليك حقاً، فآت كل ذي حق حقه).

    فقول النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ في كل شهر، يؤخذ من هذا أنه يستحب للمسلم أن يختم القرآن كل شهر مرة، وإذا كان عنده قوة ونشاط، ورغبة في الخير أكثر من ذلك فليقرأ في كل سبع مرة كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو.

    وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أنه يكره للمسلم أن يترك ختم القرآن فوق أربعين يوماً، لأنه يغرق في المباحات، وقد يغرق في الشهوات المحرمة، ومع ذلك كتاب الله عز وجل هو الهدى والنور والموعظة والشفاء والرحمة، وتجد أنه أعرض عن ذلك، وتجد أنه يقرأ في كلام المخلوقين الذي يحتوي على البهتان والكذب والباطل ونحو ذلك، وأعرض عن كلام الله عز وجل الذي هو الهدى والنور والموعظة والرحمة والشفاء، يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57].

    كثير من الناس اليوم يصاب بكثير من الأمراض الحسية والمعنوية، ويذهب إلى الشياطين والوساوس والهموم، ومع ذلك هو معرض عن كتاب الله عز وجل، لو كان يقرأ القرآن بتدبر ويستشفي بالقرآن، ويعمل به ويتحاكم إليه، لكان في ذلك الفلاح والنجاح والسعادة له.

    بيان عدد ما كان يصليه النبي صلى الله عليه وسلم في الليل

    ونحن في هذا الشهر الكريم أيضاً علينا أن نسارع إلى هذه الصلاة التي صلاها بنا الإمام وفقه الله، فنحن صلينا كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها، (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر إحدى عشرة ركعة، يصلي أربع ركعات فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً).

    فينبغي للمسلم أن يحافظ على هذا الوتر إحدى عشرة ركعة، هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فالغالب أنه كان يوتر بإحدى عشرة ركعة، وربما زاد إلى ثلاث عشرة، وربما نقص إلى تسع وسبع، لكن الهدي الغالب للنبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يوتر بإحدى عشرة، فينبغي للمسلم أن يسارع إلى مثل هذه الخيرات، وأن يوتر بإحدى عشرة كما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هذا خاصاً برمضان، بل هو مشروع في رمضان وفي غير رمضان، فعليك أن يكون هديك الغالب أن توتر بإحدى عشرة، كما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا أردت أن تقصر إن حصل لك شيء من التعب أو النصب أو الشغل أو نحو ذلك فأوتر بتسع، أو بسبع، أو بخمس، أو بثلاث، أوتر ولو بواحدة، فالوتر بواحدة صحيح وثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عثمان بن مظعون: ( الوتر ركعة من آخر الليل )، وثبت الوتر بواحدة عن عشرة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    المهم أن المسلم يكون هديه الغالب هو الإيتار بإحدى عشرة كما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وإن زاد عليه إلى ثلاث عشرة، أو نقص في بعض الأحيان، فإن هذا لا بأس به، لكن المسلم عليه أن يسارع إلى مثل هذا.

    صلة الأرحام وإصلاح ذات البين

    كذلك أيضاً من الخيرات التي ينبغي أن يسارع لها التواصل والمحبة وخصوصاً في مثل هذا الشهر، وما بعد هذا الشهر، فشهر رمضان شهر الصفاء والإخاء، وشهر الرحمة والمودة والمحبة، وللأسف تجد أن هذا الشهر يدخل على بعض الناس وعندهم شيء من الجفاء، وشيء من التدابر، والتقاطع والتشانؤ والتباغض، وقد يكون بين الجيران، وقد يكون بين الأقارب، وقد يكون بين الأصدقاء.. إلى آخره، فينبغي للمسلم أن يستغل مثل هذا الشهر، ومثل هذه المواسم والميادين للرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى صفاء القلوب، علينا أن نغتنم قرب الناس من الله سبحانه وتعالى في اجتماع القلوب، ومحبة الناس للخير، وأن نعود إلى الصفاء والمودة إلى آخره، وكلنا سمعنا في قراءة الإمام وفقه الله في أول سورة النساء قول الله عز وجل: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    اتقوا الله عز وجل في أرحامكم، فالمسلم يتقي الله سبحانه وتعالى في رحمه، والرحم معلقة بالعرش تقول: (من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)، وفي الصحيحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه).

    وصلة الرحم يدخل فيها بر الأقارب، وبر الوالدين، وأيضاً بالنسبة للزوجة إذا كانت من الأقارب إلى آخره.

    أقول أيضاً: ينبغي للمسلم أن يسارع إلى الخيرات في مثل هذه الأشياء، وأن يستفيد من شهره، فليس الصيام أن نمسك عن الطعام والشهوة فحسب، بل أن نمسك عن الذنوب والمعاصي، وأن نمسك عن البغضاء والتشانؤ والتقاطع إلى آخره، ونغتنم مثل هذا الجو الروحاني الإيماني، لو أن المسلمين اغتنموا مثل هذه الأشياء لخف على القضاة كثير من قضاياهم، وخف على مسئولي الأمن كثير من مشاكل الناس والهيئات إلى آخره، فعلينا أيها الأحبة! أن نتأمل ذلك جيداً.

    قيام الليل

    كذلك أيضاً مما ينبغي أن نربي أنفسنا عليه، وأن نسارع في الخيرات، وأن نستفيد من هذا الشهر، ما يتعلق ببقية النوافل كقيام الليل، ونحن الآن قمنا هذا القيام مع إمامنا، وحصل لنا خير عظيم، واتبعنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له كأنما قام الليل كله، فحصل هذا الخير وهذه البركات، أيضاً كون الإنسان يقوم ولو بعض الركعات قبل طلوع الفجر، قبل نصف ساعة فإنه ينال بركات عظيمة.

    وفي حديث أبي هريرة المتواتر في الصحيحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل الله إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يدعوني فأستجيب له؟ وذلك كل ليلة حتى ينفجر الفجر)، الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا ويطلب من عباده الدعاء والاستغفار وطلب الرحمة إلى آخره، ومع ذلك يجيبهم الله سبحانه وتعالى إلى ذلك، فهذه بركات نجد أن كثيراً يحرمها، وفي صحيح مسلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله عز وجل شيئاً إلا آتاه الله إياه).

    السنن الرواتب والنوافل

    كذلك أيضاً: المسابقة إلى المحافظة على السنن الرواتب، ففي حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(من صلى لله في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة إلا بني له بهن بيت في الجنة)، قالت أم حبيبة: فلم أدعهن منذ سمعتهن من النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال النعمان بن سالم الراوي عن أم حبيبة: فلم أدعهن منذ سمعتهن من أم حبيبة.

    قال عمرو بن عوف الراوي عن النعمان: فلم أدعهن منذ سمعتهن من النعمان.

    كل ذلك يدل على محبة السلف للخير ومسارعتهم لذلك، ومسابقتهم وتعظيمهم للسنة.

    معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) ثم ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أبواب الخير: (الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا قوله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16]).

    كذلك أيضاً -في الأخير- المسارعة إلى الصدقة والإحسان.

    وروي عن بعض السلف في تفسير قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَال [النور:36]، قال: هي صلاة الضحى، يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ، قال: صلاة الضحى في كتاب الله، ولا يغوص عليها إلا غواص، وذكر هذه الآية.

    وفي صحيح مسلم أنها تعدل ستين وثلاثمائة صدقة: (يصبح على كل سلامى -أي كل عضو- من أحدكم صدقة)، ثم بعد ذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم وجوه الصدقات، (كل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى).

    فأقول أيها الأحبة: هذه الآية التي سمعناها في قراءة الإمام آية شاملة وعامة في المسابقة إلى نوافل الطاعات، من صلوات وصيام وصدقات، وشهر رمضان إنما شرع لمثل هذه الأشياء، فعلينا أن نستفيد من شهرنا هذا، وأن نأخذ من بركاته، وأن نربي أنفسنا على ذلك.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من المسابقين المسارعين إلى فعل الخيرات، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بقوم فتنة أن تقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك الجنة وما يقربنا إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما يقربنا إليها من قول أو عمل، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الصيام للمريض

    السؤال: مريض السكر هل يأثم إذا أخر الفطور إذا شعر بانخفاض السكر أثناء صيامه؟

    الجواب: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

    المريض له ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يضره الصوم، وهذا لا يجوز له أن يصوم، بل يجب عليه أن يفطر؛ لقول الله عز وجل: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].

    القسم الثاني: ألا يضره الصوم، لكن يشق عليه الصوم، فهذا الأفضل له أن يفطر، ولو صام فإن صيامه صحيح، إذا كان ليس هناك مضرة، لكن هناك مشقة فالأفضل أن يفطر؛ لأن الله سبحانه وتعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته، فنقول: الأفضل له أن يفطر وإن صام فإن صيامه صحيح لكنه ترك الفضيلة.

    القسم الثالث: ألا يحصل له ضرر ولا مشقة، يعني كونه مريضاً لا يلحقه بالصيام ضرر ولا مشقة، فهذا يجب عليه أن يصوم.

    وقت الإمساك للصائم

    السؤال: إمساك الشخص هل يكون عند سماع الأذان أو عند انتهاء الأذان؟ وما حكمه بعد نهاية الأذان؟

    الجواب: الإمساك الذي جاء في القرآن والسنة هو عند طلوع الفجر، والله عز وجل قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، لأن ابن أم مكتوم كان يؤذن عند طلوع الفجر، وكان رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصحبت، يعني دخل وقت الفجر.

    حكم استعمال معجون الأسنان للصائم

    السؤال: هل يجوز استعمال معجون الأسنان للصائم؟

    الجواب: نعم يجوز استعمال معجون الأسنان في نهار رمضان، فالفم في حكم الظاهر وليس في حكم الباطن، فيجوز لأن المتوضئ يشرع له أن يتمضمض، فيدخل الماء إلى فمه، ومثل ذلك معجون الأسنان، فلو أنه استعمل معجون الأسنان فلا يبطل صومه، لكن لو ابتلع شيئاً من الطعام فإنه يبطل عليه صومه، وعلى هذا أقول: من أراد أن يستعمل معجون الأسنان فأنصحك ألا تستعمل مثل هذا المعجون؛ لأن مثل هذا المعجون طعمه ينتشر في الفم، والإنسان قد لا يتخلص منه، فقد يبتلع شيئاً من الطعم فينزل إلى معدته، وإذا احتاج إلى تنظيف أسنانه فإنه يستعمل السواك، فالسواك سنة للصائم قبل الزوال وبعد الزوال، أو يستعمل الفرشاة بدون معجون أسنان، أما كونه يستعمل معجون الأسنان فهذا يخشى عليه من فساد الصوم، فعليه أن يحتاط لصيامه، ولو استعمل المعجون فنقول: إن صيامه صحيح، ما دام أنه لم ينزل شيء من طعم المعجون إلى جوفه.

    حكم الأكل للصائم أثناء أذان الفجر

    السؤال: ما حكم الاستمرار في الأكل حتى فراغ آخر مؤذن بحجة أن هناك عدة من المؤذنين يؤذنون؟

    الجواب: أنا قلت: العبرة بطلوع الفجر، والله عز وجل قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، فالإنسان مادام عندنا هذا التقويم والحساب عليه أن يلاحظ ذلك، وجاء في مسند أحمد أنه إذا أذن المؤذن والإناء في يده فله أن يتناوله إلى آخره، لكن هذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم، فالإنسان عليه أن يحتاط، وأن ينظر إلى التقويم، فإذا جاء وقت دخول الفجر في التقويم فعليه أن يمسك.

    حكم قطرة العين للصائم

    السؤال: ما حكم القطرة في العين؟

    الجواب: القطرة في العين لا بأس بها؛ لأن العين ليست منفذاً إلى الجوف، فلو قطر في عينه فإن صيامه صحيح ولا شيء عليه، والأحاديث الواردة في نهي الصائم عن الكحل لا تثبت كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، لكن لو وجد شيئاً من الطعم في حلقه، فإن تمكن أن يلفظه فإن عليه أن يلفظه.

    الفطر للمرأة بسبب الغثيان الشديد المصاحب للوحام

    السؤال: إذا كانت المرأة تعاني من غثيان شديد في الوحام، هل يجوز لها الفطر وقضاؤه فيما بعد؟

    الجواب: ذكرنا هذا في أول إجابة السؤال، قلنا بأن المريض له ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يضره الصوم، فهذا يجب عليه أن يفطر.

    القسم الثاني: أن يشق عليه الصوم، فإذا كانت هذه المرأة يلحقها مشقة بسبب الصوم، وبسبب ما يحصل لها من غثيان، فنقول: تفطر، وكونها تصوم يكره لها الصيام في هذه الحالة.

    الحالة الثالثة: ألا يحصل ضرر ولا مشقة، فالواجب عليها أن تصوم.

    حكم الصيام في السفر

    السؤال: نرجو توضيح متى يفضل للمسافر الفطر؟

    الجواب: المسافر له ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة، فهذا يحرم عليه أن يصوم إذا حصل له بسبب السفر مشقة شديدة، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى غزوة الفتح في رمضان، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، فأمر بالفطر، وصام أناس، فقال عليه الصلاة والسلام: (أولئك العصاة)، ولا تكون المعصية إلا على أمر محرم.

    القسم الثاني: أن يلحقه بسائر السفر مشقة لكنها ليست شديدة بل محتملة، فهذا الأفضل له أن يفطر؛ لما ذكرنا من أن الله سبحانه وتعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته.

    القسم الثالث: ألا يحصل له مشقة في السفر، فهذا الأفضل له أن يصوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام وعبد الله بن رواحة صام، والصحابة كان منهم الصائم وكان منهم المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا يعيب المفطر على الصائم، ولأن الإنسان إذا صام فإنه أسرع إلى إبراء ذمته، وأنشط له إذا صام مع الناس.

    فيتلخص لنا أن الصائم له هذه الحالات الثلاث: إذا كان هناك مشقة شديدة يحرم، وإذا كان هناك مشقة محتملة يكره، وإذا لم يكن هناك مشقة بسبب وجود مبردات ونحو ذلك فالأفضل أن يصوم.

    حكم بلغ النخامة للصائم

    السؤال: ما حكم النخامة والنخاعة أكرمكم الله؟ وإذا كانت تفطر فما الدليل على ذلك؟ ولماذا فرق بعض العلماء بين ما إذا نزلت إلى الفم وبين إذا لم تنزل إليه؟

    الجواب: بالنسبة للنخامة، سواء كانت من الرأس أو كانت من الصدر، فالعلماء يقولون: يحرم ابتلاعها؛ لأن فيها ضرراً، وهي نوع من الأذى، وقد قال الله عز وجل: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157]، فإذا كانت أذى، وهي من الخبائث وفيها ضرر، والله عز وجل يقول: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].

    فقد نص العلماء رحمهم الله تعالى إلى أنه يحرم عليه أن يبتلعها، لكن هل تفطر أو لا تفطر؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم، والأقرب في ذلك أنها لا تفطر؛ لأن النخامة ليست طعاماً ولا شراباً، ولا بمعنى الطعام والشراب.

    حكم صيام المغمى عليه في رمضان

    السؤال: ما حكم من أغمي عليه عدة أيام في رمضان؟ هل عليه القضاء أم لا؟

    الجواب: إذا أغمي عليه فإنه لا يخرج من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يغمى عليه جميع النهار، فهذا يجب عليه أن يقضي باتفاق الأئمة بخلاف الصلاة، فإن هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، هل إذا أغمي عليه في وقت الصلاة، هل يجب عليه أن يقضي أو لا يقضي؟ هذا موضع خلاف، لكن بالنسبة للصيام إذا أغمي عليه جميع النهار، يوماً، أو يومين، أو ثلاثة، فهذا باتفاق الأئمة يجب عليه أن يقضي إذا أفاق، أما إذا أغمي عليه بعض النهار، كأن أصبح صائماً وبعد الظهر أغمي عليه إلى وقت الإفطار، فهذا صيامه صحيح ولا بأس به.

    أفضل الأعمال في رمضان بعد الصيام

    السؤال: ما أفضل عمل في رمضان بعد الصيام؟ أي: يأتي في المرتبة الثانية بعد الصيام؟

    الجواب: الأعمال في الحقيقة متنوعة، بعضهم يقول بأن أفضل الأعمال هو بر الوالدين، وبعضهم يقول الحج ونحو ذلك، فهذا يختلف باختلاف الأشخاص، فنقول: الأعمال تتنوع وتختلف وهي كثيرة تختلف باختلاف الناس؛ فمثلاً من كان مهيئاً لحفظ القرآن فنقول: الأفضل في حقه أن يحفظ القرآن، فإذا كان لا يتمكن من حفظ القرآن نقول: الأفضل في حقه أن يصلي، وإذا كان ممن عنده جلد في الدعوة إلى الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنقول: الأفضل في حقه مثل هذه الأشياء، فهذا الجواب في الحقيقة من خلال تدبر إجابات النبي صلى الله عليه وسلم لأسئلة السائلين، يتبين لنا أن هذا يختلف باختلاف الناس، وباختلاف الزمان والمكان، ولهذا لما اختلف الأئمة رحمهم الله أي الأعمال البدنية أفضل؟

    قال الشافعي: الصلاة هي الأفضل، وقال أبو حنيفة: العلم، وقال الإمام أحمد: الجهاد.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: هذا يختلف باختلاف الناس، فمن الناس من يكون الجهاد في حقه أفضل، ومنهم من يكون العلم، ومنهم من يكون الصلاة.. إلى آخره.

    حكم استعمال بخاخ الربو للصائم

    السؤال: هل بخاخ الربو يفطر أم لا؟

    الجواب: بخاخ الربو هذا لا يفطر، وصدرت فيه فتاوى اللجنة الدائمة والمشايخ.

    مداخلة: يا شيخ! الآن حبوب فيها دقيق أبيض تشفط، هل تأخذ نفس الحكم أم لا؟

    الشيخ: تشفط عن طريق ماذا؟

    مداخلة: حبوب مشابهة لحبوب المضاد الحيوي، وفيها دقيق قليل أبيض تكسر ثم تشفط من خلال الفم؟

    الشيخ: على كل حال إذا كان لا يصل إلى المعدة، فالمناط وصول مثل هذه الأشياء إلى الجوف، فهذه مثل بخاخ الربو والعلماء يقولون بأنه لا يصل إلى الجوف، ولو وصل إلى الجوف فإن الذي يصل منه نسبه يسيرة جداً، وإذا كان الشارع عفا عن أثر الماء في الفم بعد المضمضة، فمثل هذا يعفى عنه من باب أولى، فنقول: العبرة في ذلك هو الوصول إلى الجوف، فإذا كانت هذه الأشياء لا تصل إلى الجوف فإنها لا تضر.

    حكم دهن الوجه بالفكس

    السؤال: هل دهن الوجه بالفكس في نهار رمضان يفطر أم لا؟

    الجواب: هذا لا يفطر، وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه: حقيقة الصيام.

    حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لمن كان يقرأ القرآن عند ذكره

    السؤال: ما الحكم إذا كنت أقرأ القرآن ويأتي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل أكمل الآية أم أصلي على النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: صل على النبي عليه الصلاة والسلام، للأمر بالصلاة -عليه عليه الصلاة والسلام- عند ذكره، فنقول: يشرع لك أن تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وكما ذكرنا حديث حذيفة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ما مر بآية وعد إلا سأل، ولا بوعيد إلا استعاذ، ولا استغفار إلا استغفر).

    اضطراب الدورة الشهرية وما يترتب عليه من أحكام في العبادات

    السؤال: يكثر التساؤل عند أخواتنا حول اضطراب الدورة الشهرية، وكيفية التعامل معها في العبادات؟

    الجواب: هذا السؤال في الحقيقة واسع جداً، لكن نقول: العبرة في ذلك أن المرأة إذا رأت دم الحيض المعروف عند النساء فهي حائض؛ لأن بعض النساء ترى دم الحيض في وقته وفي زمنه وفي صفته، ثم بعد ذلك تأتيها الدماء أو تأتيها نزغات، أو تأتيها كدرة أو صفرة، فنقول: الذي لا يكون بصفة دم الحيض بكثرته ولونه ورائحته، تحتاط فيه المرأة، فهذا ليس من الحيض إذا كان مخالفاً لدم العادة، ولهذا ورد عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا عبرة بالقطرة والقطرتين، وبعض النساء قد ترى في بعض الأيام شيئاً من القطرات، قطرة قطرة، قد ترى كدرة أو ترى صفرة، ترى دماً ليس كدم الحيض، فنقول: مثل هذه الأشياء لا تنظر إليها المرأة، المهم أن تنظر المرأة إلى عادتها المعروفة عند النساء، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أرجع المستحاضة إلى عادتها، فنقول: ترجع المرأة إلى عادتها، فما تراه من كدرة أو صفرة، أو نقط ونحو ذلك لا تنظر إليه.

    حكم قراءة القرآن منكساً

    السؤال: ما حكم ختم القرآن بالقراءة العكسية؟ وهل تعدل أجر القراءة من هذا المصحف؟

    الجواب: هذا العمل مكروه؛ لأنه مخالف لما أجمع عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فترتيب المصحف يقول علماء القرآن بأنه ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ترتيب توقيفي عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم رتب هذه السور كما في سورة سبح اسم ربك الأعلى، وسورة الغاشية إلى آخره، فهذا ترتيب توقيفي عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    القسم الثاني: ترتيب اجتهادي عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وعلى هذا إذا نكس آيات القرآن، وبدأ من آخر القرآن، فقد نص العلماء على أن هذا مكروه؛ لأنه مخالف لما أجمع عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من هذا الترتيب، أو ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    حكم ترديد الأمي لآيات القرآن وراء قارئ

    السؤال: لو أقرأ الإنسان أمياً المصحف كاملاً، فهل ينال هذا الأمي أجر القراءة للقرآن؟

    الجواب: إذا قرأ الأمي وأصبح يردد فإنه ينال الأجر إن شاء الله.

    أحكام صفوف النساء في الصلاة

    السؤال: يكثر عند النساء عدم الاصطفاف في صفوف متتالية فما توجيهكم؟

    الجواب: التوجيه كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا)، فالنساء الآن عندنا -ولله الحمد- معزولات في مصلى خاص بهن، فحكمهن كحكم الرجال، عليهن أن يسابقن إلى الصف الأول، وأن يعدلن الصفوف، وأن يتراصصن في الصفوف، فحكمهن كحكم الرجال تماماً، والقاعدة في ذلك أن ما ثبت في حق الرجال من الأحكام الشرعية ثبت في حق النساء إلا بدليل، وأما حديث أبي هريرة في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)، هذا كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما لم تكن هناك حواجز وحيطان وعوازل بين الرجال وبين النساء، فبعداً للفتنة كان خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها، أما الآن فقد انتفى مثل هذا المحظور، فنقول: إن المرأة عليها أن تسابق إلى الصف الأول، وأن تصطف، وأن يعدلن الصفوف، وتسوية المحاذاة يرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنها واجبة، لحديث النعمان بن بشير يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، فنقول: على النساء أن يسوين صفوفهن، وأن يتحاذين بالمناكب والأكعب، وأن يحرصن على رص الصفوف، والتقدم إلى الصف الأول.

    حكم صلاة المرأة وعباءتها على كتفها

    السؤال: ما حكم صلاة المرأة وعباءتها على كتفها؟ وهل هذا تشبه بالرجال؟

    الجواب: نعم، الرجال يفعلون ذاك خصوصاً في أيام البرد.

    حكم الصلاة خارج المسجد بسبب التكييف داخله

    السؤال: بعض المصلين لا يرغبون في الصلاة داخل المسجد بسبب التكييف، فهل يسوغ لهم أن يصلوا في صرحة المسجد لو كان داخل المسجد فيه سعة؟

    الجواب: هذا لا بأس به، والقرب من الإمام سنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من خلفكم)، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:(لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا).

    فالسنة أن يتقدم الإنسان، لكن لو كان معذوراً بسبب أن التكييف يضايقه فلا بأس أن يصلي في الصرحة، لكن ليس له أن ينفرد، فلا بد أن يكون معه من يزيل فرديته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث وابصة بن معبد: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف)، ولحديث علي بن شيبان لما رأى رجلاً يصلي خلف الصف، قال: (أعد، أعد صلاتك).

    فنقول: بالنسبة للصف لو صلى في الصرحة لوحده لا تصح صلاته، لكن لابد أن يكون معه من يزيل فرديته، ومثل ما لو صلى في الخلوة أو صلى على الصف، كل هذا جائز ما دام أنه في المسجد، ويمكنه الاقتداء، لكن كما ذكرنا، لا بد أن يكون معه من يزيل فرديته، هذا إذا كان يحتاج، أما إذا كان لا يحتاج فالسنة التقدم، وذكر العلماء رحمهم الله: أن من في الصف الأول لهم أجر من بعدهم من الصفوف، ومن في الصف الثاني لهم أجر بقية الصفوف وهكذا، فينبغي للمسلم أن يسابق، لكن إذا كان معذوراً بمرض ونحو ذلك ويضايقه هذا التبريد، فإن شاء الله هو على خير.

    حكم جلوس الحائض في صرح المسجد لاستماع القرآن

    السؤال: بعض النساء عندها العذر الشرعي، وتدخل في صرحة المسجد لاستماع القرآن، فهل صرحة المسجد لها حكم المسجد أم حكهما آخر؟

    الجواب: نعم العلماء يقولون: الرحبة المحوطة هذه في حكم المسجد، فإذا كانت الصرحة محوطة بحائط ونحو ذلك فنقول: ليس لها أن تدخل في ذلك، وإنما تكون خارج الحائط.

    صلاة الفريضة خلف إمام التراويح

    السؤال: بالنسبة لمن تفوتهم صلاة الفريضة، فهل الأفضل أن يصلوا مع الإمام في التراويح، أم يصلوا لوحدهم علماً أن الإمام ربما يبدأ في صلاة التراويح وهم يصلون؟

    الجواب: ليس السؤال بالأفضلية، بل يتأكد أن يدخلوا مع الإمام، لأن كونهم يصلون خلف الناس فيه مخالفة للإمام، وفي حديث يزيد بن الأسود لما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الفجر ورأى رجلين قد جلسا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعى بهما، فدعي بهما فأتيا وفرائصهما ترتعد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(ما منعكما أن تصليا معنا؟ قال: صلينا في رحالنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم).

    وفي حديث أبي ذر في صحيح مسلم: (إذا أقيمت وأنت في المسجد فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي)، فكون الناس يصلون والإمام يصلي، هذا فيه مخالفة، والشارع ينظر إلى اتفاق الناس واجتماعهم، وما شرعت مثل هذه الصلوات الخمس وبنيت هذه المساجد إلا لكي يتحد الناس ويجتمعوا، ونحن الآن نستقبل قبلة واحدة، وندعو رباً واحداً، ولا نخالف الإمام، فمخالفة الإمام كأن تركع قبل الإمام أو ترفع قبل الإمام هذا من كبائر الذنوب، (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله صورته صورة حمار، أو رأسه رأس حمار)، فمن باب أولى ألا يخالف الناس الإمام، بل عليهم أن يدخلوا وينووا الفريضة والإمام يصلي التراويح، وهذا لا يضر.

    وبالنسبة للذين يصلون مع الإمام في الصرح وفي الخارج ما دام أنه إذا اكتملت الصفوف، وصلى الناس في الصرح، وصلوا خارج المسجد، واتصلت صفوفهم فإنهم يأخذون حكم صلاة الإمام.

    من صلى في صرح المسجد محاذياً للصف الأول أخذ حكم الصف الأول

    السؤال: من صلى -مثلاً- عن شمال المسجد، أو عن جنوبه بحذاء الصف الأول، فهل يأخذ حكم الصف الأول؟

    الشيخ: يعني خارج المسجد؟

    مداخلة: خارج المسجد في الصرح من شماله أو من جنوبه.

    الجواب: يظهر أنه ما دام أن الصرح تبع المسجد يأخذون حكم الصف الأول.

    حكم موافقة الإمام في الركوع

    السؤال: كثير من الناس يوافقون الإمام في الركوع، فما الحكم؟

    الجواب: المتابعة المشروعة هي أن تشرع في الركن بعد شروع الإمام فيه، يعني: إذا شرع الإمام في الركن وتلبث به، فإنك تشرع في الانتقال، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا تركعوا حتى يركع)، (وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم لا يحني أحد منهم ظهره حتى يقع النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً)، وفي لفظ: (حتى يضع جبهته على الأرض)، فإذا شرع الإمام في الركن وتلبث به، فأنت تشرع الآن بالانتقال، وأما كونك توافق الإمام في الركوع فتركع معه وترفع معه إلى آخره فهذا مكروه، ونص العلماء رحمهم الله تعالى على كراهيته، والسنة المتابعة المشروعة أن الإمام إذا تلبث بالركن تبدأ بالانتقال، كما ذكرنا فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فهذا هو السنة، فإذا ظننت أن الإمام استتم راكعاً فابدأ بالركوع، وإذا ظننت أن الإمام استتم ساجداً فابدأ بالسجود، أما كونك توافق الإمام فتركع معه وترفع معه إلى آخره، فهذا خلاف السنة، وقد نص الفقهاء رحمهم الله على كراهته.

    أداء صلاة الفجر بعد الأذان بعشر دقائق

    السؤال: ما رأي فضيلتكم في المبادرة في إقامة صلاة الفجر بعد الأذان بعشر دقائق؟

    الجواب: الواجب على المسلم أن يحتاط لدينه، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن المصلي إذا كبر للإحرام قبل دخول الوقت بلحظة واحدة تكون صلاته نافلة وليست فريضة، فعلينا أن نحتاط خصوصاً عند صلاة الفجر، وتعلمون الكلام في دخول الوقت، وأن من أهل العلم من يرى أن الوقت لا يدخل إلا بعد عشرين دقيقة تقريباً، فأقول: على الإنسان أن يحتاط لدينه، وينتظر أقل شيء عشرين دقيقة، ثم بعد ذلك يشرع في صلاة الفجر.

    نصيحة إلى الذين يضيعون أوقاتهم في مشاهدة الأفلام والمسلسلات خاصة في رمضان

    السؤال: كثير من الإخوة يرجون من الشيخ توجيه نصيحة للذين يقضون أوقاتهم في مشاهدة القنوات لمتابعة المسلسلات في هذا الشهر الكريم.

    الجواب: هذا السائل جزاه الله خيراً سؤاله جيد، وأشكره على مثل هذا السؤال، وأقول كما ذكرت في أول حديثي: إن الله عز وجل إنما شرع الصيام وما في هذا الشهر من عبادات متنوعة لكي نرجع إلى الله عز وجل، ولكي نتوب ولكي ننيب، ولكي نحاسب أنفسنا، ولكي ننظر في سيرنا إلى الله سبحانه وتعالى، ننظر في حقوق الله، ننظر في حقوق الآدميين، لم يشرع مثل هذا الشهر لكي نكثر من الذنوب والخطايا، بل المشروع أن نتخفف من الذنوب والخطايا، وأعداء الإسلام أجلبوا على المسلمين بخيلهم ورجلهم، وأغرقوهم في مثل هذه الأشياء؛ في مثل هذه المسلسلات والأفلام إلى آخره لكي يصدوهم عن ذكر الله وعن الصلاة، ولكي يفسدوا عليهم هذه المدرسة العظيمة مدرسة رمضان، ويفسدوا عليهم رجوعهم إلى الله عز وجل؛ لأن المسلمين إذا رجعوا إلى الله سبحانه وتعالى، واتحدت قلوبهم وأبدانهم، كان في ذلك العز والنصر والفلاح لهم، أما أعداء الإسلام فيسوؤهم ذلك، ولهذا يجلبون على المسلمين، ويزينون لهم الذنوب والمعاصي بالأفلام والمسلسلات، ويقومون بالإعلان عن مثل هذه الأشياء، وفعل الذنوب والمعاصي يدل على عدم تقوى القلب، والله عز وجل يقول: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30]، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، كونك تعظم شعائر الله هذا من تقوى القلوب، فإذا كنت تريد الخيرية فعظم حرمات الله عز وجل.

    وكان السلف الصالح رحمهم الله تعالى تبعاً للنبي عليه الصلاة والسلام الذي كان يتعبد لله عز وجل بأنواع العبادات، بالصلاة والصيام والجهاد والدعوة إلى الله عز وجل، كلما مضى شيء من الشهر ازداد عبادة، حتى إنه كان يعتكف العشر الأواخر، ويختلي بالله سبحانه وتعالى، ويجمع قلبه على الله عز وجل، ويكثر من التبتل والدعاء والذكر والقراءة، وقيام الليل، وتحري هذه الليلة الفضيلة ليلة القدر، بخلاف ما عليه كثير من الناس -نسأل الله السلامة لهم- الآن يسهرون كما ذكر السائل على شيء من اللهو الباطل، وشرب الدخان، واللعب، وربما غيبة ونميمة، ومشاهدة النساء ونحو ذلك، وهذا كله خلاف حكمة الصيام ومقصده، وكل هذا يدل على عدم تقوى الله عز وجل، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30].

    وهذا كله مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومخالفة لسنة الصحابة، ومخالفة لسنة السلف الصالح رحمهم الله الذين كانوا يحبسون أنفسهم في المساجد ويقرءون القرآن، وكما سمعنا أنهم يختمون أكثر من ختمه في الشهر، يختمون عدة ختمات، ويجتهدون في الصلاة وفي الدعاء وفي إطعام الطعام إلى آخره، فنقول: حري بالرجال والنساء جميعاً أن يتوبوا إلى الله عز وجل، وأن يحفظوا أسماعهم وأبصارهم، وأن يتخذوا من هذا الشهر الفضيل فرصة في العودة إلى الله عز وجل، والتوبة من هذه القنوات وهذه المسلسلات والشاشات وشرب الدخان وغير ذلك.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني والجميع لما يحبه ويرضاه، اللهم تب على التائبين، واغفر ذنوب المذنبين، اللهم اجعل صيامنا إيماناً واحتساباً، وقيامنا إيماناً واحتساباً، ووفقنا لقيام ليلة القدر يا ذا الجلال والإكرام، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد.