إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الأطعمة [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله بخلقه أن أحل لهم جميع الأطعمة إلا ما كان ضاراً أو نجساً، أو ما كان ذا ناب أو مخلب، أو تولد من مأكول وغيره كالبغل، وما أمر الشارع بقتله، أو نهى عن قتله، وما عدا ذلك فمباح من حيوان البر والبحر.

    1.   

    تعريف الأطعمة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الأطعمة. الأصل فيها الحل، فيباح كل طاهر لا مضرة فيه من حب وثمر وغيرهما، ولا يحل نجس كالميتة والدم، ولا ما فيه مضرة كالسم ونحوه، وحيوانات البر مباحة إلا الحمر الإنسية، وما له ناب يفترس به غير الضبع، كالأسد والنمر والذئب والفيل والفهد والكلب والخنزير وابن آوى وابن عرس والسنور والنمس والقرد والدب، وما له مخلب من الطير يصيد به، كالعقاب والبازي والصقر والشاهين والباشق والحدأة والبومة، وما يأكل الجيف، كالنسر والرخو واللقلق والعقعق والغراب الأبقع والغداف -وهو أسود صغير أغبر- والغراب الأسود الكبير، وما يستخبث، كالقنفذ والنيص والفأرة والحية والحشرات كلها والوطواط، وما تولد من مأكول وغيره كالبغل والسمع.

    فصل: وما عدا ذلك فحلال كالخيل وبهيمة الأنعام والدجاج والوحش من الحمر والبقر والضب والظباء والنعامة والأرنب وسائر الوحش.

    ويباح حيوان البحر كله إلا الضفدع والتمساح والحية، ومن اضطر إلى محرم غير السم حل له منه ما يسد رمقه].

    قال رحمه الله تعالى: (كتاب الأطعمة).

    الأطعمة: جمع طعام، وهو ما يؤكل ويشرب، فما يؤكل يقال له: طعام، وما يشرب أيضاً يقال له: طعام، ومن ذلك قول الله عز وجل: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [البقرة:249]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ماء زمزم: (طعام طعم)، فما يؤكل يقال له: طعام، وما يشرب أيضاً يقال له: طعام.

    1.   

    الأصل في الأطعمة

    يقول المؤلف رحمه الله: (الأصل فيها الحل).

    الأصل في الأطعمة الحل، فالأطعمة من المآكل والمشارب الأصل فيها الحل، وعلى هذا لا نسأل عن أي طعام: هل هو حلال أو حرام؟ الأصل فيها الحل، فمن ادعى التحريم فلابد أن يقيم الدليل على أن هذا الطعام أو هذا الشراب حرام، ويدل لذلك قول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، وقال سبحانه وتعالى: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن:10]، وفي صحيح البخاري قال: (أعظم الناس جرماً رجل سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته).

    وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الله عز وجل إنما أباح الطيبات لمن يستعين بها على طاعته، لا من يستعين بها على معصيته، لقول الله عز وجل: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا [المائدة:93]، إذاً الأصل في الأطعمة الحل لمن يستعين بها على طاعة الله، أما الذي يستعين بها على معصية الله فليس الأصل فيها الحل بالنسبة له، فلا يجوز أن يستعان بهذه الأطعمة على معصية الله عز وجل.

    1.   

    ضوابط الطعام المباح

    قال رحمه الله تعالى: (فيباح كل طاهر لا مضرة فيه).

    طاهر: يخرج النجس ويخرج المتنجس، والنجس ما كانت ذاته وعينه نجسة، مثل: دهن الميتة وذاته نجسة، هذا محرم، والمتنجس ما كانت عينه وذاته طاهرة، لكن طرأت عليه نجاسة، كخبز أصابه شيء من الدم المسفوح، فلا يباح، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157].

    الأول: عدم المضرة

    قال: (لا مضرة فيه من حب وثمر وغيرهما، ولا يحل نجس كالميتة والدم.. إلى آخره).

    عندنا أصل، وعندنا أشياء خرجت عن هذا الأصل، ما هو الأصل؟ الأصل الحل، وعندنا أشياء أخرجها المؤلف رحمه الله عن هذا الأصل.

    الشيء الأول: قال: (لا مضرة فيه من حب وثمر وغيرهما).

    الشيء الأول: كل مضر لا يباح، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29]، ومن هذا يؤخذ تحريم شرب الدخان؛ لأنه ثبت بالطب أنه مضر، فعلى هذا نقول: كل مضر لا يباح، ولا يجوز.

    وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يحرم على الشخص أن يأكل حتى يضر بنفسه، وبعض الناس قد يأكل كثيراً ويضر بنفسه، وشيخ الإسلام يرى أن هذا لا يجوز، نحن نقول: صحيح الأصل في الأطعمة الحل، لكن ليس لك أن تضر نفسك؛ لأن المباح وإن كان مباحاً، إلا أن الإنسان إذا أكثر منه ينقلب إلى كونه مضراً، وإن كان نافعاً إلا أنه ينقلب إلى كونه مضراً.

    ومن الأمثلة على ذلك: أن بعض المرضى يمنع من بعض الأطعمة، فإذا تناول هذا الطعام أضر به، نقول: هذا الطعام بالنسبة له حكمه: لا يجوز؛ لأن الله عز وجل قال: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، مثلاً: الذين فيهم داء السكري تحرم عليهم الكثير من الأطعمة؛ لأنه إذا أكل هذا الطعام سيؤدي به ذلك إلى الضرر، وما دام سيؤدي به إلى الضرر نقول: لا تأكل هذا، أو لا تكثر منه، وإنما تأكل منه بنسبة يسيرة بحيث أنها لا تضرك.

    إذاً: الضابط الأول الذي تخرج من هذه القاعدة الكبيرة، نقول: كل مضر لا يجوز، وفرع عليه ما شئت.

    الثاني: الطهارة

    قال: (ولا يحل نجس).

    هذا الضابط الثاني: كل نجس أو متنجس لا يحل، ويدل لذلك قول الله عز وجل: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام:145] ، قال: فإنه رجس، وأيضاً كما تقدم لنا قول الله عز وجل: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157]، فنقول: كل نجس أو متنجس فإنه لا يجوز، هذا هو الضابط الثاني.

    قال: (كالميتة).

    الميتة هي كل ما مات حتف أنفه، أو ذكي ذكاة غير شرعية.

    قال: (والدم).

    أيضاً الدم محرم، كما تقدم في الآية: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145]، وقد كان العرب في الجاهلية يجمعون الدم المسفوح ويشوونه ويأكلونه، فحرمه الله عز وجل، وأيضاً كان الواحد منهم إذا جاع فصد الإبل ومص دمها، وهذا حرمه الشارع قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة:3].

    الثالث: إباحة حيوانات البر إلا الحمر

    قال: (ولا ما فيه مضره كالسم ونحوه).

    قال: (وحيوانات البر مباحة إلا الحمر).

    حيوانات البر مباحة تبعاً للأصل، والأصل الحل، إلا الحمر الأهلية، هذا الضابط الثالث، يقول: الحمر الأهلية محرمة ولا تجوز، وهذا رأي جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، ويدل لذلك حديث جابر في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل)، وعند الإمام مالك رحمه الله تعالى أنها مباحة، وتقدم لنا في القواعد النورانية أن مذهب الإمام مالك رحمه الله هو أوسع الناس في باب الأطعمة، فالمالكية يرون كراهتها، وإلا فإنها مباحة عندهم.

    ويستدلون بقول الله عز وجل: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ [الأنعام:145]، وحديث غالب بن أبجر في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أطعم أهلك من سمين حمرك)، لكن الحديث لا يثبت، ففيه غالب بن أبجر.

    الرابع: حرمة ما له ناب يفترس به

    قال: (وما له ناب يفترس به).

    هذا الضابط الرابع: ما له ناب يفترس به، لابد من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون له ناب، والناب هو السن التي تكون خلف الرباعية.

    الأمر الثاني: يفترس به، أي: ينهش بنابه ويعض بنابه، إذاً لابد من أمرين: يكون له ناب ويفترس بنابه، فإذا توفر الأمران، فإن هذا محرم ولا يجوز، ولهذا أمثلة كثيرة ذكرها المؤلف رحمه الله، ويدل لذلك حديث أبي ثعلبة الخشني في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير)، ومثله أيضاً حديث أبي هريرة في مسلم ، وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم.

    وهذا رأي جماهير العلماء: أن ما له ناب يفترس به فإنه محرم ولا يجوز، وعند الإمام مالك رحمه الله ومذهب المالكية: الإباحة، ويتمسكون بآية الأنعام: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145].

    قال: (غير الضبع).

    الضبع استثناها المؤلف رحمه الله، فهي لها ناب تفترس به، ومع ذلك الشارع استثناها، فالمذهب ومذهب الشافعية أن الضبع مباحة، لحديث جابر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأكل الضبع)، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيره وصححه البخاري.

    وعلى هذا يكون استثناء الضبع سنة مستقلة، وإلا الأصل أن كل ذي ناب من السباع محرم، وكما تقدم في جحد العارية، الأصل أن اليد ما تقطع إلا في السرقة، أما جحد العارية ما فيه سرقة، نقول: هذه سنة مستقلة، وقيل: إن الضبع تختلف عن بقية السباع؛ فهي لا تعتدي إلا على من يعتدي عليها، بخلاف بقية السباع، فإن بقية السباع تعتدي وإن لم يُعتد عليها.

    قال المؤلف: (كالأسد والنمر والذئب والفيل والفهد والكلب والخنزير وابن آوى وابن عرس والسنور والنمس والقرد والدب).

    إذاً الضابط الرابع أن كل ما له ناب من السباع فإنه محرم ولا يجوز، وقلنا: إنه لابد أن يتوفر أمران:

    الأمر الأول: أن يكون له ناب.

    والأمر الثاني: أن يفترس بنابه.

    الخامس: حرمة ما له مخلب من الطير يصيد به

    قال: (وما له مخلب من الطير يصيد به).

    هذا الضابط الخامس، ما له مخلب من الطير يصيد به.

    قال: (كالعقاب والبازي والصقر والشاهين والباشق والحدأة والبومة).

    ويدل لذلك ما تقدم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في مسلم (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير)، والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة، فإن المالكية كما تقدم يتوسعون في باب الأطعمة، بخلاف الجمهور فيرون أن هذه الأشياء محرمة.

    السادس: حرمة ما يأكل الجيف

    قال: (وما يأكل الجيف، كالنسر والرخم واللقلق والعقعق والغراب الأبقع والغداف -وهو أسود صغير أغبر- والغراب الأسود الكبير).

    هذا الضابط السادس، ما يأكل الجيف كالنسر والرخم، فهذه التي تأكل الجيف يقول المؤلف رحمه الله تعالى: بأنها محرمة ولا تجوز.

    ويدل على أن هذه الأشياء محرمة ولا تجوز التي تأكل الجيف: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الجلالة وألبانها)، والجلالة هي التي تأكل العذرة، فمادام أن الشارع نهى عن الجلالة، فكذلك هذه بمنزلة الجلالة؛ لأنها تأكل الجيف وتأكل الميتات.

    وأيضاً يدل على ذلك أن لحوم هذه الطيور التي تأكل الجيف قد تكون مضرة بسبب أكلها لهذه الميتات والجيف ونحو ذلك، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    وعلى هذا، يقال والله أعلم: إن مثل هذه الأشياء التي تأكل الجيف من الميتات ونحو ذلك، إذا ظهر أثر ما تأكله في اللحم في الطعم أو الرائحة أو العرق، نقول: بأنها لا تجوز، أما إن لم يظهر شيء من ذلك واستحالت هذه الجيف، فإن النجاسة تطهر بالاستحالة، والله أعلم.

    وذكر المؤلف رحمه الله الغراب الأبقع، وكذلك أيضاً والأسود الصغير الأغبر، وكذلك الغراب الأسود الكبير، فالغراب محرم لا يجوز أكله، ويدل لذلك حديث عائشة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل خمس فواسق، وذكر منها الغراب)، فلو كان مباحاً ما أمر الشارع بقتله، وإنما أباح صيده، وهذا مما يدل على أنه ليس مباحاً، ويستثنى من الغربان غراب الزرع الذي يأكل الحب، فجماهير العلماء على أنه مباح؛ لأن مرعاه الزرع.

    السابع: ما يستخبثه العرب

    قال: (وما يستخبثه العرب).

    هذا الضابط السابع، ما يستخبثه العرب، يرون أنه محرم ولا يجوز، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، واستدلوا على ذلك بأن الله عز وجل قال: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157].

    والمراد بالعرب ذوو اليسار، ولا عبرة باستخباث غيرهم، والشافعية يقولون: إنهم سكان القرى والريف دون البوادي، والحنابلة يقولون: إن المراد بهم أهل الحجاز دون غيرهم.

    والرأي الثاني: أنه لا يرجع أصلاً إلى استخباث العرب، لا أهل القرى والأمصار ولا أهل الحجاز، وإنما يرجع إلى ما دلت عليه السنة؛ لأن من العرب من يستخبث الطيب، ومنهم من يستطيب الخبيث، ولهذا العرب الذين نزل القرآن بلغتهم في مكة وهم أهل الحجاز يستطيبون بعض الخبائث، من شرب الخمور وأكل الميتات والدماء ونحو ذلك، فالصواب في ذلك أنه لا يرجع في الاستخباث إلى طبائع الناس؛ لأن من الناس -كما تقدم لنا- من يستطيب الخبيث، ومنهم من يستخبث الطيب.

    الثامن: ما تولد من مأكول وغيره

    قال رحمه الله: (وما تولد من مأكول وغيره، كالبغل والسمع).

    هذا الضابط الثامن مما يخرج من القاعدة الكبيرة، ما تولد من مأكول وغيره كالبغل، فالبغل متولد من الخيل والحمر الأهلية، والسمع متولد من الذئب والضبع، فما تولد من مأكول وغيره اجتمع فيه الحلال والحرام، ودل على ذلك حديث عدي رضي الله تعالى عنه على تجنبه، فإن عدياً رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجد مع كلبه كلباً آخر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على الكلب الآخر)، وذكر أنه يجد الصيد في الماء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تأكل فإنك لا تدري أسهمك قتله أم الماء؟)، فهنا اجتمع حظر بمباح، فغلب النبي صلى الله عليه وسلم جانب الحظر.

    1.   

    التاسع: ما أمر الشارع بقتله أو نهى عن قتله

    الضابط التاسع: ما أمر الشارع بقتله أو نهى الشارع عن قتله فهو محرم ولا يجوز، والذي أمر الشارع بقتله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة : (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الفأرة، والحية، والعقرب، والحدأة، والغراب الأبقع)، وكذلك الشارع أمر بقتل الوزغ، فما أمر الشارع بقتله يقول: إنه محرم، وكذلك أيضاً ما نهى الشارع عن قتله كما جاء في حديث ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد)، ونقول: بأن هذه الأشياء التي أمر الشارع بقتلها، أو نهى الشارع عن قتلها، نقول: بأنها محرمة ولا تجوز.

    1.   

    حكم الخيل

    قال رحمه الله تعالى: (فصل. وما عدا ذلك فحلال، كالخيل وبهيمة الأنعام والدجاج والوحش من الحمر والبقر والضب والظباء والنعامة والأرنب وسائر الوحش).

    هنا قول المؤلف رحمه الله: (وما عدا ذلك فحلال) هذا يغني عنه ما تقدم؛ لأن المؤلف رحمه الله تقدم أن ذكر قاعدة كبيرة.

    وقول المؤلف رحمه الله: (الخيل) المشهور من المذهب وكذلك عند الشافعية أنها مباحة لحديث أسماء في الصحيحين أنها قالت: (نحرنا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فرساً فأكلناه)، خلافاً لمذهب أبي حنيفة ومالك ، فإنهم يرون أنها محرمة، ومالك مع أنه يتوسع في باب الأطعمة إلا أنه يرى أن الخيل محرمة، ومهما أوتي الإنسان من العلم فإنه لا يزال ضعيفاً، ولا يزال يعتريه النقص، وإلا فإن الإمام مالكاً رحمه الله إمام من أئمة المسلمين.

    1.   

    حكم حيوان البحر

    قال: (ويباح حيوان البحر كله).

    حيوان البحر مباح كما ذكر المؤلف رحمه الله على رأي جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، ويدل لذلك قول الله عز وجل: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ [المائدة:96]، صيده ما أخذ حياً، وطعامه ما أخذ ميتاً، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية، يرون أن حيوانات البحر محرمة إلا السمك وما طفا منه، يعني السمك مباح إلا ما طفا منه فإنه محرم، فهم يستثنونه من الإباحة، ويرون أنه محرم، وتقدم لنا أن الحنفية يوسعون في الأشربة ويضيقون في الأطعمة، والصواب في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، ويؤيده حديث أبي هريرة : (الحل ميتته).

    1.   

    حكم الضفدع

    قال المؤلف رحمه الله: (إلا الضفدع والتمساح والحية).

    استثنى المؤلف رحمه الله من حيوانات البحر الضفدع، فيرى المؤلف رحمه الله أنها محرمة ولا تجوز، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، وقد جاء في مسند الإمام أحمد أن طبيباً سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها، والحديث في سنن النسائي وأبي داود، وعند الإمام مالك رحمه الله أنه لا بأس بأكل الضفدع.

    لكن يبقى علينا هذه الضفادع هي برمائية أو هي مائية؟ يعني هل هي تعيش في البر والبحر، أو تعيش في البحر فقط، أو تعيش في البر والماء جميعاً؟

    بالنسبة للضفادع، أولاً: نقول: هل الحديث ثبت أو لم يثبت؟ إن كان ثابتاً فنسلم كما تقدم لنا أن ما نهى الشارع عن قتله هذا حرام، لكن الحديث فيه مقال، وإن كان يصححه بعض الأئمة.

    بقينا هل الضفادع برمائية تعيش في البر والبحر، أو أنها مائية ما تعيش إلا في الماء؟ إن كانت لا تعيش إلا في الماء فحكمها حكم حيوان الماء كما تقدم، وإن كانت برمائية فحكمها حكم حيوانات البر، وحيوانات البر الأصل فيها الحل إلا مع الضوابط التي تقدمت.

    إذاً الخلاصة: إن صح الحديث أخذنا به، لكن الحديث هذا فيه شيء من الضعف، وإن لم يصح الحديث نقول: إن كانت تعيش في الماء فقط فحكمها حكم حيوانات الماء، والأصل الإباحة، وإن كانت تعيش في البر كحيوانات البر الأصل الإباحة إلا ما تقدم: هل لها ناب تفترس به؟ هل لها مخلب؟ هل لها مضرة؟ المهم حسب الضوابط.

    1.   

    حكم التمساح والحية

    قال: (والتمساح).

    هل التمساح يعيش في الماء أو يعيش في الماء والبر؟ التمساح له ناب يفترس به، لكن إن كان يعيش في الماء فقط، فالأصل الحل تبعاً لحيوانات البحر، وإن كان برمائياً يكون تبع حيوانات البر، وقد تقدم لنا أن كل ذي ناب من السباع محرم، وهو له ناب، وتقدم لنا أن كل ذي ناب من السباع أنه محرم، وعلى هذا يكون التمساح محرماً.

    قوله: (والحية).

    حية البر هذه محرمة؛ لأنه كما تقدم لنا أن الشارع أمر بقتلها، وهي مضرة أيضاً، لكن حية البحر التي لا تعيش إلا في البحر، فالأصل في ذلك الحل.

    1.   

    الاضطرار إلى أكل محرم

    قال رحمه الله تعالى: (ومن اضطر إلى محرم غير السم حل له منه ما يسد رمقه).

    من اضطر إلى محرم كأكل الميتة أو شرب جرعة خمر ونحو ذلك، فنقول: لابد من شرطين كما قال الله عز وجل: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:173]، والشرطان:

    الشرط الأول: (غير باغ) والباغي هو الذي يبغي الحرام مع قدرته على الحلال، من خبز ونحو ذلك لكنه يبغي الحرام.

    (ولا عادٍ) العادي الذي يأخذ من الحرام أكثر من حاجته.

    إذاً: لابد أن يتوفر هذان الشرطان:

    الشرط الأول: غير باغٍ، والشرط الثاني: غير عادٍ.

    وقول المؤلف رحمه الله: (غير السم حل له منه ما يسد رمقه).

    يعني ينقذ حياته، كما تقدم غير باغ ولا عاد.

    وقول المؤلف رحمه الله: (غير السم) هذا كان في الزمن السابق، أما الآن في زمننا فالسموم هذه أصبحت أنواعاً من العلاجات والأدوية، فبسبب ترقي الطب الآن بعض ذوات السموم تستخلص منها السموم وتعمل للعلاج.