إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الجنايات [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من معالم الشريعة الإسلامية العظيمة العدل حتى مع الجاني فاشترطت المماثلة عند القصاص في الاسم والموضع والصحة والكمال؛ فلا قصاص ليسار بيمين ولا لصحيحة بشلاء، وكذلك اعتبار القصاص فيما يمكن من الجراح وإلا فيرجع إلى الدية والأرش، ويؤخر القصاص حتى تتبين سراية ال

    1.   

    تابع شروط القصاص

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الثاني: المماثلة في الاسم والموضع، فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا خنصر ببنصر، ولا أصلي بزائد، وعكسه، ولو تراضيا لم يجز.

    الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال فلا تؤخذ صحيحة بشلاء، ولا كاملة الأصابع بناقصة، ولا عين صحيحة بقائمة، ويؤخذ عكسه ولا أرش.

    فصل: النوع الثاني: الجراح فيقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم كالموضحة وجرح العضد، والساق، والفخذ، والقدم، ولا يقتص في غير ذلك من الشجاج، والجروح غير كسر سن إلا أن يكون أعظم من الموضحة كالهاشمة، والمنقلة، والمأمونة فله أن يقتص موضحة وله أرش الزائد، وإذا قطع جماعة طرفا، أو جرحوا جرحاً يوجب القود، فعليهم القود وسراية الجناية مضمونة في النفس فما دونها، وسراية القود مهدورة ولا يقتص من عضو وجرح قبل برئه...].

    تقدم لنا ما يتعلق بشروط استيفاء القصاص، وما هو المراد بهذه الشروط؟ وأن استيفاء القصاص يشترط له شروط الشرط الأول: أن يكون مستحقه مكلفاً، والشرط الثاني: اتفاق الأولياء المستحقين له على استيفائه، والشرط الثالث: أن يؤمن الحيف أثناء الاستيفاء إلى آخر ما تكلمنا عليه، وأيضاً هل يتعين الاستيفاء بالسيف، أو أنه يستوفى القصاص بمثل ما قتل القاتل؟ ذكرنا أن العلماء رحمهم الله لهم في ذلك رأيان: الرأي الأول: وهو المشهور من المذهب، أنه يتعين الاستيفاء بالسيف، وهو قول الحنفية، والرأي الثاني: أنه لا يتعين بل يستوفى القصاص بمثل ما قتل الجاني، إلا أن يكون محرماً فإنه يستوفى بالسيف.

    ثم بعد ذلك تكلمنا عن القصاص في ما دون النفس، وأن المؤلف رحمه الله ذكر ضابطاً فقال: (مَن أقيد بالنفس أُقيد بما دون النفس)، فالمسلم يُقاد بالمسلم في النفس فكذلك أيضاً يقاد به في ما دون النفس ومن لا فلا.

    والكافر لا يُقتل به المسلم، كذلك إذا قطع طرفاً من أطرافه، أو كسر سِنَّه ونحو ذلك، أو جرحه موضحة فإنه لا يقاد به، فالمسلم كما أنه لا يقاد بالكافر في النفس فكذلك أيضاً لا يقاد به فيما دون النفس.

    وتقدم أيضاً من الشروط أنهم يقولون: لا بد أن تكون الجناية من مفصل، أو له حد ينتهي إليه، كمارن الأنف، وهو: ما لان منه، فإذا قطع هذا المارن ففيه القصاص. فالجناية من مفصل فيها القصاص، من عند الكوع، أو من عند المرفق، أو من عند الكعب، أو من عند الركبة.

    أما إذا قطعه من غير مفصل، كأن يقطعه من نصف الذراع، أو من نصف العضد، أو من نصف الساق، أو نصف الفخذ ونحو ذلك فيقولون: إنه لا قصاص.

    وذكرنا أن الصواب في هذه المسألة: أنه متى أمكن القصاص، سواء كان ذلك في الأطراف أو في الجروح أو في المنافع أو في الكسور وجب ذلك؛ لقول الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ [البقرة:178]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كتاب الله القصاص )، وخصوصاً في وقتنا الحاضر بسبب ترقي الطب فمن الممكن الآن أن يقتص بدون حيف.

    1.   

    الشرط الثاني: المماثلة في الاسم والموضع

    قال رحمه الله: (الثاني: المماثلة في الاسم والموضع، فلا تؤخذ يمين بيسار ولا يسار بيمين ولا خنصر ببنصر).

    الشرط الثاني من شروط القصاص فيما دون النفس (المماثلة في الاسم والموضع، فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين) ولو تراضيا على ذلك، كما أنها لا تؤخذ يد برجل ولا رجل بيد، فلو أنه قطع يده اليسار فإنها تؤخذ باليسار، ولو اتفقا على أن اليمين هي التي تقطع فإن هذا لا يجوز، كما أنه لو قطع رجله واتفقا على أن تقطع يده فإن هذا لا يجوز؛ لقول الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ [البقرة:178] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كتاب الله القصاص)، وكلمة: القصاص تشعر بالمساواة والمماثلة، وإذا اختلف الموضع واختلف الاسم فإنه لا مساواة ولا مماثلة.

    فلا بد من المماثلة في الاسم والموضع.

    قال رحمه الله: (ولا أصلي بزائد ولا عكسه).

    يعني: لو كان هناك إصبع زائدة فجاء الجاني وقطع الإصبع الزائدة، كرجل له ستة أصابع، فجاء الجاني وقطع الزائد، فإننا نقطع من الجاني الزائد ولا نقطع الأصل، فإذا لم يكن هناك إصبع زائدة فإننا لا نأخذ الأصل، فالأصلي لا يؤخذ بالزائد، والزائد لا يؤخذ بالأصلي كما تقدم الدليل على ذلك.

    قال رحمه الله: (ولو تراضيا لم يجز).

    لأن الرضا ما دام يخالف الشرع فإنه لا عبرة به.

    1.   

    الشرط الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال

    لا تؤخذ صحيحة بشلاء

    قال رحمه الله: (الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال، فلا تؤخذ صحيحة بشلَّاء، ولا كاملة الأصابع بناقصة)، في الصحة والكمال، وعلى هذا قال: فلا، فالفاء للتفريع، فالمعنى: لا تؤخذ صحيحة بشلَّاء، فلو أن جانياً جنى على يد شخص شلاء وقطعها فننظر إلى يد الجاني فإن كانت شلاء فنأخذها، وإن كانت صحيحة فإننا لا نأخذها، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    وخالف في ذلك داود الظاهري حيث قال: تؤخذ الصحيحة بالشلاء، والجمهور يقولون: لا تؤخذ؛ لما ذكرنا من الدليل، ( كتاب الله القصاص )، والقصاص كلمة تشعر بالمساواة والمماثلة، وهنا لا مساواة ولا مماثلة، وأيضاً أن الشلاء بمنزلة الميت، ونحن لا نقطع الحي بالميت، (فلا تؤخذ صحيحة بشلَّاء، ولا كاملة الأصابع بناقصة) فلو قطع يد شخص اليسرى وهي ناقصة الأصابع كأربع أصابع فقط، فهل نأخذ يده الكاملة الأصابع أو نقول: لا نأخذها؟ يقول المؤلف رحمه الله: لا تؤخذ الكاملة بالناقصة، وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، ودليلهم على ذلك كما تقدم قول الله عز وجل..( كتاب الله القصاص) إلى آخره.

    ورأي داود الظاهري أن الكاملة تؤخذ بالناقصة.

    وهذه المسألة محل اجتهاد، يمكن أن يقال: إن الصواب ما ذهب إليه جماهير أهل العلم، ويمكن أن يقال أيضاً: إن الصواب ما ذهب إليه داود الظاهري ؛ وكما أنه يقتل العاقل بالمجنون، فلو أن عاقلاً قتل مجنوناً قُتل به بالإجماع، ويقتل الكبير بالصغير، والعالم بالجاهل فكذلك أيضاً هنا فنقول: هذه المسألة محل اجتهاد، فإن رأى القاضي أن تقطع الكاملة بالناقصة ردعاً عن التعدي على المعصومين وزجراً لهم، وإن رأى أيضاً أنها لا تقطع ويلزم المجني عليه بدفع الأرش فله ذلك، فمثلاً: اليد كما سيأتينا في الديات فيها نصف الدية: خمسين من الإبل، والإصبع فيها عشر من الإبل، وهذه ناقصة إحدى الأصابع فدية الكاملة خمسون، ودية الناقصة أربعون، فنلزم المجني عليه إما أن يأخذ الدية أو يأخذ القصاص مع دفع الأرش.

    لا تؤخذ عين صحيحة بعين قائمة

    قال رحمه الله تعالى: (ولا عين صحيحة بقائمة).

    العين القائمة هي: التي لا يبصر بها، يعني: ذهب ضوؤها مع وجودها، فيقول المؤلف رحمه الله: (لا عين صحيحة بقائمة)، هذا رجل عينه اليسرى صحيحة فقأ العين اليسرى القائمة لرجل آخر، فهل نفقأ عينه؟ هل نأخذ الكاملة بدلاً من الناقصة؟هل نأخذ هذه العين الصحيحة بدلاً عن العين القائمة التي لا يبصر بها؟ قال لك المؤلف: لا، وهذا -كما تقدم- هو قول جماهير أهل العلم، وتقدم كلام داود الظاهري .

    أخذ الشلاء بالصحيحة

    قال رحمه الله: (ويؤخذ عكسه ولا أرش).

    عكس ذلك يؤخذ، فلو أن رجلاً يده شلاء وقطع يد رجل صحيحة فنقول لهذا المجني عليه: أنت بالخيار: إما أن تأخذ الدية وإلا نقطع يده الشلاء، فإذا قال: أنا أريد القصاص، نقول: خذ القصاص وتقطع يده الشلاء، ولو قال: أريد الأرش؛ لأن اليد الشلاء ليست كالصحيحة فيقول المؤلف رحمه الله: ليس له أرش وإنما له القصاص أو الدية.

    ومثله أيضاً: لو أن رجلاً يده ناقصة وقطع يد رجل كاملة فقال المجني عليه الذي قطعت يده الكاملة: أنا أريد القصاص، قلنا: نقطع يده الناقصة، قال: أريد الأرش؛ لأن اليد فيها أربع أصابع والأرش عشر من الإبل كما تقدم لنا، قال: تقطع يده وأعطوني عشراً، يقول المؤلف رحمه الله: لا أرش، إما أن تأخذ الدية كاملة وهي خمسون من الإبل، وإلا القصاص ولا أرش لك.

    وهذه أيضاً -يظهر والله أعلم- محل اجتهاد، فإن رأى القاضي أن يلزم بالأرش، وإلا فلا.

    مستثنيات من عدم أخذ الصحيح بالناقص

    وقد ذكرنا أن الصحيح أن لا يؤخذ بالناقص على رأي الجمهور، إلا عند داود الظاهري ، لكن العلماء رحمهم الله استثنوا مسألتين، فقالوا: إن الصحيح لا يؤخذ بالناقص إلا في مسألتين:

    المسألة الأولى: أُذُن السميع تؤخذ بأذن الأصم الشلاء، فهذا رجل أصم لا يسمع أذنه مشلولة، جاء رجل فقطعها، فالحكم أننا نقطع أذنه الصحيحة التي يسمع بها؛ لأن المقصود هنا الجمال، وأما المنفعة فليست في الأذن وإنما في محل آخر، فتؤخذ هذه الأذن الصحيحة بالأذن الشلاء.

    ومثله أيضاً المسألة الثانية: مارن الأنف، فمارن الأنف الصحيح يؤخذ بمارن الأخشم، والصحيح هو: الذي يشم، والأخشم هو: الذي لا يشم فلو جاء شخص وقطع أنف الذي لا يشم، فإنا نقطع أنف الصحيح الذي يشم؛ لأن المنفعة في محل آخر غير الأنف، والأنف هذا لمنفعة الجمال فقط.

    1.   

    القصاص في الجراح

    قال رحمه الله: (فصلٌ: النوع الثاني: الجراح، فيقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم كالموضحة).

    تقدم أنهم يرون القصاص فيما دون النفس عداً، فبعض الأطراف رأوا فيها القصاص، وبعضها لا يرون القصاص فيها. أيضاً لا يقتص في كل الجروح، فالمسلك عندهم مسلك العد، والجروح التي يقتص فيها: الموضحة، والموضحة هي: الجرح في الوجه والرأس والأفخاذ، وهي التي توضح العظم وتبرزه، يعني: أن يجرحه إلى أن يظهر العظم، فهذه يقتص فيها.

    القصاص في جرح العضد والساق والقدم

    ثانيا مما يقتص فيه قال: (وجرح العضد والساق والفخذ والقدم).

    أي: جرح العضد، حتى وصل إلى العظم، وكذلك جرح الساق، والفخذ، والقدم، حتى وصل في كلهن إلى العظم، فهذه يقتص فيها.

    وما عدها لا قصاص، فلو جرحه جرحاً لم يصل فيه إلى العظم، كالخارصة، والبازلة، والدامية، والمتلاحمة، هذه أنواع من الجروح، كلها يقولون: لا قصاص فيها، فلو شق الجلد لكنه ما وصل إلى العظم، يرون أنه لا يقتص، ولهذا قال: (ولا يقتص في غير ذلك من الشجاج).

    والصحيح في ذلك كما تقدم أن الصواب أنه يقتص من كل جرح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كتاب الله القصاص )، والله عز وجل يقول: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ [البقرة:178].

    فالصحيح أن كل جرح ممكن أن يقتصَ منه يقتصُ منه، ولا نقيد ذلك بالموضحة، أو الجرح الذي يصل إلى العظم، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة .

    وعلى هذا فأنواع الجروح مما يذكره العلماء من: الخارصة، والبازلة، والمتلاحمة، والدامية، وغير ذلك من أنواع الجروح، نقول: الصواب فيها: أنه يقتص، خصوصاً في وقتنا الحاضر الذي تقدم فيه الطب، وتطورت الآلات، فصار القصاص ممكناً دون أن يكون هناك حيف.

    الجراح التي لا قصاص فيها

    قال رحمه الله: (والجروح غير كسر سن إلا أن يكون أعظم من الموضحة، كالهاشمة والمُنقِّلة والمأمومة فله أن يقتص موضحة وله أرش الزائد).

    يعني: كل الجروح ما فيها قصاص إلا التي ذكرنا: الموضحة، وجرح الساق الذي وصل للعظم وجرح العضد والقدم إلى آخره، هذه الأشياء التي وصلت للعظم يقتص فيها، وما عداها لا قصاص.

    وقوله: (الهاشمة)، هذه ليس فيها قصاص، وهي تصل إلى العظم وتهشمه، والموضحة تصل إلى العظم ولا تهشمه، فالهاشمة ليس فيها قصاص، لكن للمجني عليه أن يقتص موضحة، ويأخذ أرش الزائد، والموضحة فيها من الإبل خمس، والهاشمة فيها عشر، فإذا اختار القصاص فنقول: لك أرش الزائد. تقتص موضحة وتأخذ خمساً؛ لأن الموضحة فيها خمس من الإبل.

    كذلك أيضاً المنقلة، والمنقلة تنقل العظام، وفيها خمس عشرة من الإبل، فنقول: لك أن تقتص موضحة، ولك أرش الزائد: عشر من الإبل.

    والمأمومة، هي التي تصلْ إلى خريطة المخ، يعني: الجرح يخرق جلدة الرأس والجمجمة إلى أن يصل إلى الخريطة، لكنه ما يفتح الخريطة، ولو فتح الخريطة الغالب أنه يهلك فيسمونها الدامغة.

    فيقول المؤلف رحمه الله: لا يقتص من المأمومة، لكن له أن يقتص موضحة، والموضحة خمس من الإبل، ويأخذ الفرق بين دية الموضحة والمأمومة.

    والصواب كما ذكرنا وخصوصاً في مثل هذا الوقت أنه متى أمكن القصاص في سائر الجروح، فإن القصاص هو الواجب، إلا إذا كان ذلك سيؤدى إلى الهلاك والتلف الذي يتعدى القصاص والاستيفاء.

    بالنسبة للكسور ليس فيها قصاص إلا كسر السن كما ذكرنا، ولو كسر ذراعه أو كسر ساقه أو كسر إصبعه إلى آخره، يقولون: لا قصاص إلا في كسر السن فقط كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( كتاب الله القصاص )، وعندما كسرت الربيع رضي الله تعالى عنها ثنية إحدى الصحابيات من الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كتاب الله القصاص).

    والصواب في ذلك: أن سائر الكسور يقتص منها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كتاب الله القصاص )، والله عز وجل يقول: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ [البقرة:178].

    الخلاصة في القصاص فيما دون النفس

    فالخلاصة في القصاص فيما دون النفس أنهم يضيقون ذلك، ففي الأطراف يعددون بعض الأطراف، وفي الجروح ليس هناك قصاص إلا فيما يصل للعظم، كالموضحة في الرأس والوجه، أو الجرح في العضد أو الساق أو الذراع الذي يصل إلى العظام، وما عدا ذلك ليس فيه قصاص.

    والكسور ليس هناك قصاص إلا في كسر السن، وإذهاب المنافع، ليس فيها قصاص، كأن أذهب منفعة السمع، أو منفعة البصر، أو منفعة الشم، أو منفعة النكاح.

    والعلة في ذلك: أن استيفاء مثل هذه الأشياء لا يؤمن أن يتعدى، وكيف يمكن أن تُذهِب منفعة السمع أو البصر؟! لكن الآن بسبب ترقي الطب يمكن استعمال أدوية تذهب سمعه أو بصره، أو عن طريق الجراحات.

    فنقول: الصواب في ذلك أنه متى أمكن القصاص في الأطراف، والجروح والكسور، والمنافع، والقصاص واجب لما ذكرنا من أدلة.

    قال رحمه الله تعالى: (وإن قطع جماعة طرفاً أو جرحوا جرحاً يوجب القود فعليهم القود).

    كما تقدم لنا في القصاص في النفس أن الجماعة تقتل بالواحد في صورتين: الصورة الأولى: التواطؤ، فإذا تواطأ جماعة على قتل شخص يُقتلون جميعاً، ويدخل فيه الممسك والمباشر إلى آخره، الصورة الثانية: أن يصلح فِعْل كل واحد منهم للقتل، فنقول: يقتلون جميعاً.

    الصورة الثالثة ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى هنا فقال: وإن قطع جماعة طرفاً أو جرحوا جرحاً يوجب القود فعليهم القود، هذه الصورة الثالثة: أن يأتوا بالحديدة ونحو ذلك ويعتمدوا عليها جميعاً حتى يقطعوا يده أو رجله أو إصبعه، فنقول: إن القود عليهم جميعاً.

    1.   

    السراية المضمونة، والسراية المهدورة

    قال رحمه الله تعالى: (وسراية الجناية مضمونة في النفس فما دونها).

    سراية الجناية مضمونة في النفس فما دونها، فإذا جنى على شخص على إصبعه، ثم بعد ذلك سرت الجناية فامتد المرض وتزايد حتى أتى على الكف كلها يضمن الجاني الجميع: الإصبع والكف.

    ولو سرت الجناية إلى النفس فإنه يضمن النفس كلها.

    قال رحمه الله: (وسراية القود مهدرة).

    سراية القود مهدرة، أي: قود القصاص، فلو أنه قطع إصبع شخص، ثم أتينا به وقطعنا إصبعه، لكن بسبب القطع تلفت يده، هل تُضمن له اليد أو لا تضمن؟ لا تضمن.

    ولو تلفت نفسه بالقطع، نقول: إنه لا ضمان؛ لأنه مأذون لنا في هذا القطع، والقاعدة: أن ما ترتب على المأذون غير مضمون.

    فالفرق بين سراية الجناية وسراية القود: أن سراية الجناية مضمونة؛ لأنه غير مأذون فيها، بخلاف سراية القود فإنها غير مضمونة؛ لأنه مأذون فيها.

    1.   

    الانتظار بالقصاص خشية السراية

    قال رحمه الله تعالى: (ولا يقتص من عضو وجرح قبل بُرئه).

    لحديث جابر أن رجلاً جرح رجلا فأراد أن يستقيد، (فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح)، (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح).

    فإذا قطع يده فقال: أريد أن تقطعوا يده، نقول: اصبر حتى يبرأ الجرح؛ لأنه ربما يسري الجرح إلى النفس كلها، أو إلى بقية اليد، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: رأي الشافعي ، أنه يجوز أن يقاد من الجاني قبل أن يبرأ جرح المجني عليه؛ لأن الأصل في القصاص الفورية.

    ويظهر والله أعلم أن مثل هذه المسألة يرجع فيها إلى الطب، وهل من الممكن أن تسري الجناية؛ لأن الحديث الوارد، حديث جابر ضعيف، فما دام أنه ضعيف لا يؤخذ به، لكن يرجع إلى الطب، فإذا قال الأطباء: أنه لا يمكن أن يسري الجرح، اقتص منه؛ لأن الأصل في القصاص الفروية. وإذا كان يحتمل السراية فنقول: انتظر، فربما تحصل سراية إلى الكف أو إلى النفس.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966332430

    عدد مرات الحفظ

    711587990