إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب العدد [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من كانت في عدة طلاق رجعي ومات زوجها فإنها تعتد عدة وفاة، والحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل، وعدة من تحيض ثلاث حيض إذا طلقت عند أبي حنيفة وأحمد، وعدة الصغيرة واليائسة ثلاثة أشهر، والأمة على النصف من الحرة، وأما من ارتفع حيضها وجهلت السبب فعدتها سنة جمعاً بين

    1.   

    تابع عدة المتوفى عنها زوجها بلا حمل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتعتد من أبانها في مرض موته الأطول من عدة وفاة وطلاق، ما لم تكن أمة أو ذمية، أو جاءت البينونة منها فلطلاق لا غير، وإن طلق بعض نسائه مبهمة أو معينة ثم نسيها، ثم مات قبل قرعة، اعتد كل منهن سوى حامل الأطول منهما.

    الثالثة: الحائل ذات الأقراء، وهي الحيض، المفارقة في الحياة، عدتها إن كانت حرة أو مبعضة ثلاثة قروء كاملة وإلا قرآن.

    الرابعة: من فارقها حياً، ولم تحض لصغر أو إياس، فتعتد حرة ثلاثة أشهر، وأمة شهرين، ومبعضة بالحساب، ويجبر الكسر.

    والخامسة: من ارتفع حيضها ولم تدر سببه، عدتها سنة، تسعة أشهر للحمل، وثلاثة للعدة، وتنقص الأمة شهراً، وعدة من بلغت ولم تحض، والمستحاضة الناسية، والمستحاضة المبتدأة ثلاثة أشهر، والأمة شهران، وإن علمت ما رفعته من مرض أو رضاع أو غيرهما، فلا تزال في عدة حتى يعود الحيض فتعتد به، أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدته السادسة امرأة المفقود تتربص ما تقدم في ميراثه ثم تعتد للوفاة، وأمة كحرة في التربص، وفي العدة نصف عدة الحرة، ولا تفتقر إلى حكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة، وإن تزوجت فقدم الأول قبل وطء الثاني فهي للأول، وبعده له أخذها زوجة بالعقد الأول ولو لم يطلق الثاني].

    فقد تقدم لنا شيء من أصناف المعتدات، وذكرنا أن من المعتدات الحامل، وأن عدة الحامل هي أم العدد؛ لأنها تقضي على كل عدة حتى عدة الوفاة، فإن الحامل تقضي عليها، وتقدم لنا أن عدة الحامل تنتهي بوضع كل الحمل، والحمل الذي تخرج به المعتدة من عدتها هو ما تبين فيه خلق إنسان.

    وهل يجوز إلقاء النطفة أو لا يجوز إلقاء النطفة؟ تقدم لنا الكلام على هذه المسألة، وذكرنا أن مذهب الإمام مالك رحمه الله، وبه قال ابن حزم والليث بن سعد والعز بن عبد السلام، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا يجوز إلقاء النطفة.

    وأيضاً تقدم لنا من المعتدات المتوفى عنها زوجها، وذكرنا أن عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، وهل الأمة المتوفى عنها هل عدتها كعدة الحرة، أو أن عدتها نصف ما لعدة الحرة؟ تقدم لنا الكلام على هذه المسألة.

    ثم قال المؤلف رحمه الله: (فإن مات زوج رجعية في عدة طلاق سقطت).

    تقدم الكلام على هذه المسألة، وذكرنا أن الرجعية إذا مات زوجها فإنها تستأنف عدة وفاة؛ لأن الرجعية زوجة؛ لقول الله عز وجل: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة:228] .

    قال: (وابتدأت عدة وفاة منذ مات، وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل).

    البينونة أو المبانة التي طلقها زوجها آخر الطلقات الثلاث، ومات زوجها في العدة، فهل تبني على عدة الطلاق أو أنها تستأنف عدة وفاة؟

    قلنا: بأن هذه المبانة لا تخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يطلقها الزوج في حال الصحة بحيث لا يتهم بحرمانها من الإرث، فهذه تبني على عدة الطلاق ولا تتغير عدتها؛ لأنها مطلقة، وعدة المطلقة هي ثلاث حيض أو ثلاث أشهر كما سيأتينا إن شاء الله.

    الأمر الثاني: أن تكون البينونة في مرض الموت.

    عدة المطلقة في مرض الموت

    قال المؤلف رحمه الله: (وتعتد من أبانها في مرض موته الأطول من عدة وفاة وطلاق ما لم تكن أمة أو ذمية أو جاءت البينونة منها).

    القسم الثاني: أن تكون البينونة حصلت في مرض الموت، فالمؤلف رحمه الله تعالى يقول: بأنها تعتد الأطول من عدة وفاة، أو عدة حمل، وعلى هذا لو أن الزوج طلقها في مرض موته، وهي في نهاية الحمل، ولنفرض أنها في الشهر التاسع أو الثامن، فإنها تعتد عدة وفاة، والعكس بالعكس، ولو أن الزوج طلقها في بدايات الحمل، كأن طلقها في الشهر الأول أو الثاني، فإنها تعتد عدة حمل، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهو رأي أبو حنيفة، تعتد عدة طلاق لكونها مطلقة، وتعتد عدة وفاة لكونها وارثة.

    وأعيد ضرب المثال بما هو أوضح.

    المطلقة عدتها ثلاث حيض، والمتوفى عنها زوجها عدتها أربعة أشهر وعشراً، فإذا حاضت حيضتين طلقها آخر الطلقات الثلاث في مرض موته، ثم بعد ذلك حاضت حيضتين، بقي عليها حيضة واحدة، ثم مات عنها، فماذا تعتد؟ نقول: بأنه تعتد عدة وفاة؛ لأن عدة الوفاة هنا أطول.

    أيضاً مثالاً آخر: طلقها زوجها آخر الطلقات الثلاث وهي في بداية الحمل، ثم مات عنها زوجها، فهل تعتد عدة وفاة أو تعتد عدة حمل، بحيث تكون عدتها عدة وضع كل الحمل؟ نقول هنا تعتد ماذا؟ عدة حمل، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، والعلة في ذلك كما تقدم، وبه قال أبو حنيفة.

    والرأي الثاني: أنها تعتد عدة طلاق؛ لأنها مبانة، ولا تعتد عدة وفاة؛ لأنه ليست زوجة، وكونها ترث لا يلزم من ذلك أن تعتد عدة وفاة، يعني كونها نورثها إذا كان متهماً بقصد حرمانها من الإرث، لا يلزم من ذلك أن تعتد عدة الوفاة، وهذا قال به الإمام مالك والشافعي رحمهم الله تعالى، وهذا القول هو الأقرب في هذه المسألة.

    قال المؤلف رحمه الله: (مالم تكن أمة).

    استثنى المؤلف رحمه الله الأمة والذمية لأنها غير وارثة، فالرق والكفر من موانع الإرث، وعلى هذا لو طلق زوجته آخر الطلقات الثلاث، وهذه الزوجة أمة أو ذمية طلقها في مرض موته، ثم مات عنها في العدة، فعدتها عدة طلاق، ولا تعتد عدة وفاة؛ لأنها لا ترث.

    عدة من جاءت البينونة منها في مرض موت زوجها

    كذلك أيضاً إذا كان الزوج ليس متهماً بحرمانها من الإرث، قال المؤلف: (أو جاءت البينونة منها فلطلاق لا غير)، قال لها: إن كلمت زيداً فأنت طالق، ثم بعد ذلك كلمت زيداً، يعني عندنا صورتان أو مثالان، قال: إن كلمت زيداً فأنت طالق. فكلمت زيداً في مرض موته، هنا جاءت البينونة من قبل الزوجة، والطلاق حصل في مرض الموت، فالزوج ليس متهماً بحرمانها من الإرث؛ لكون البينونة جاءت من قبل الزوجة، فنقول: بأنها تعتد عدة طلاق، ولا تعتد عدة وفاة، كونها لا ترث.

    أيضاً مثالاً آخر: طلقها الطلقة الثانية، وشرعت في العدة، والطلاق على المذهب يقع، وقال لها: إن كلمت زيداً فأنت طالق، فكلمته في مرض موته، نقول: بأنها لا تنتقل عن عدة الطلاق، بل تبني على عدة الطلاق، ولا تعتد عدة وفاة لكونها غير وارثة؛ لأن البينونة جاءت من قبلها.

    عدة من طُلقت إحداهن ولم تُعلم

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن طلق بعض نسائه مبهمة، أو معينة، ثم نسيها، ثم مات قبل قرعة اعتد كل منهن، سوى حامل الأطول منهما).

    إذا طلق بعض نسائه مبهماً، وصورة ذلك إذا قال: إحدى نسائي طالق، ولم يعين، أو عينها فقال: فلانة طالق، ثم نسيها.

    يقول المؤلف رحمه الله: إذا مات تعتد كل واحدة منهن الأطول من عدة الطلاق، أو عدة الوفاة، فإذا كان الأطول عدة الطلاق فتعتد عدة الطلاق، وإذا كان الأطول عدة الوفاة فإنها تعتد عدة الوفاة، ومثال الأطول عدة الوفاة: كما لو طلقها في آخر الحمل، ومثال الأطول عدة الطلاق، كما لو طلقها في أول الحمل، فيقول لك المؤلف: تعتد الأطول من عدة طلاق، ومن عدة وفاة، والعلة في ذلك أن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون هي المطلقة التي وقع عليها الطلاق.

    قال المؤلف رحمه الله: (سوى حامل الأطول منهما).

    الحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل؛ لأن عدة الحامل تقضي على كل عدة، وكما قال المؤلف رحمه الله: (إذا طلق بعض نسائه مبهمة أو معينة، ثم نسيها، ثم مات قبل قرعة اعتدت كل واحدة منهن الأطول منهما).

    يعني من عدة طلاق إلى عدة وفاة، واستثنى المؤلف رحمه الله الحامل، فنقول: عندنا إن كانت حاملاً فعدتها وضع كل الحمل، وإن لم تكن حاملاً فتعتد الأطول من عدة وفاة أو عدة طلاق؛ لأن كل واحدة يحتمل أن تكون هي التي وقع عليها الطلاق.

    مثال ذلك: عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً، وعدة الطلاق ثلاث حيض، لكن لو فرضنا أن هذه المرأة لا تحيض إلا بعد شهرين مرة واحدة، فالأطول في هذه الحال عدة الطلاق؛ لأنها ستحيض كل شهرين مرة، ثم شهرين مرة، ثم شهرين مرة، فتكون بعد ستة أشهر، بخلاف عدة الوفاة فإنها أربعة أشهر وعشراً، وإذا كانت تحيض في الثلاثة أشهر ثلاث حيض فإنها تعتد عدة وفاة.

    فتلخص لنا أنها إن كانت حاملاً فعدتها وضع كل الحمل، إن لم تكن حاملاً فإنها تعتد الأطول من عدة طلاق أو عدة وفاة، وكما تقدم لنا إذا كانت تحيض بعد شهرين، فإن الأطول هي عدة الطلاق، وإن كانت تحيض حيض معتاداً في كل شهرٍ مرة، أو ربما حاضت في شهرين ثلاث حيض، نقول: تعتد عدة وفاة.

    1.   

    عدة الحائل ذات الأقراء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الثالثة: الحائل ذات الأقراء).

    الحائل، أي: التي ليست حاملاً، ذات الأقراء، وهي الحِيَض، المفارقة في الحياة، قال الله عز وجل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، وفي تفسير القرء للعلماء رحمهم الله تعالى رأيان: الرأي الأول: وهو الذي مشى عليه المؤلف، وهو مشهور المذهب، أن القرء هو الحيض، وهو قول أبو حنيفة رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني وبه قال مالك والشافعي : أن القرء هو الطهر، وعلى رأي أبي حنيفة وأحمد لا بد أن تحيض ثلاث حيض تكون العدة، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228] ، قالوا لو كان المراد الأطهار لكان يكفيها قرآن وبعض الثالث؛ لأنه سيطلقها في طهر، ثم بعد ذلك تطهر طهرين، والله عز وجل قال : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولو كان القرء هو الطهر لكفاها قرآن وبعض الثالث.

    كذلك أيضاً استدلوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة: (دعي الصلاة أيام أقرائك)، ولا شك أنها تترك الصلاة أيام الحيض، ولا تتركها أيام الطهر.

    وأيضاً لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تستبرئ بحيضة، أي: تعتد بحيضة، وهذا رواه أبو داود والترمذي .

    وأيضاً الربيع بنت معوذ اختلعت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة.

    وهذا هو الوارد عن كثير من الصحابة، كـعمر وعلي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم.

    ويدل له أيضاً حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة)، وما قال النبي صلى الله عليه وسلم: حتى تستبرئ بشهر، وما قال: حتى تستبرئ بطهر، وإنما قال: حتى تحيض حيضة، مما يدل على أن الأقراء هي الحيض.

    والذين قالوا: إن الأقراء هي الأطهار، استدلوا على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى قال: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، فاللام هنا للوقت، يعني طلقوهن في وقت عدتهن، والمرأة تطلق في الطهر، فدل ذلك على أن المرأة لا تطلق في حال الحيض، وإنما تطلق في الطهر الذي لم يحصل فيه جماع، فدل ذلك على أن القرء هو الطهر.

    وأجيب عن ذلك قالوا: لا يسلم على أن اللام في عدتهن للوقت، وإنما هو للاستقبال، يعني: طلقوهن في زمن يستقبلن فيه العدة، وذلك بأن لا يطلقها حال الحيض؛ لأنه إذا طلقها في حال الحيض فإنها لا تستقبل العدة، وإنما يطلقها في حال الطهر فتستقبل العدة التي هي ثلاث حيض.

    وكذلك أيضاً قالوا: إن هذا وارد عن بعض الصحابة كـعائشة وابن عمر وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم، والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة أن الأقراء هي الطهر، وأما الآثار الوردة عن الصحابة رضي الله عنهم فنقول: خالفهم غيرهم من الصحابة؛ بل أكابر الصحابة كـعمر وعلي رضي الله تعالى عنهما.

    وتظهر ثمرة الخلاف في الحيضة الثالثة، فإذا قلنا: بأن الأقراء هي الحيض، وطلقها في الطهر، لا بد أن تحيض الحيضة الأولى، والحيضة الثانية، والحيضة الثالثة تامة كاملة، وإذا قلنا: بأن الأقراء هي الأطهار، فإنها إذا شرعت في الحيضة الثالثة تنتهي العدة، فيكون الفرق بين القولين حيضة واحدة، يعني مدة ستة أيام أو سبعة أيام، وهذا لا شك أنه زمن كاف للمراجعة على القول بأنه طلقها في هذا الطهر، فيحسب الطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم تحيض، فإذا حاضت انتهى الطهر الثالث، أو القرء الثالث، على القول بأنها الأطهار.

    قال المؤلف رحمه الله: فعدتها إن كانت حرة ثلاثة قروء كاملة، لما تقدم من قول الله عز وجل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، وإلا قرآن، إذا كانت الزوجة أمة، فيقول المؤلف رحمه الله: بأن عدتها قرآن، وهذا كما تقدم رأي جمهور أهل العلم؛ يرون أن الإماء على النصف من الحرائر، واستدلوا على ذلك بما تقدم، وقالوا: إنه وارد عن جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كـعمر وابن عمر وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عن الجميع.

    وأيضاً جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان)، وهذا الحديث رواه ابن ماجه وهو ضعيف.

    وتقدم لنا الرأي الثالث في هذه المسألة، وهو رأي الظاهرية، ورأي ابن سيرين حيث يقول: لا أعلم أن عدة الأمة إلا كعدة الحرة إلا أن تكون مضت في ذلك سنة. ودليلهم على ذلك هي العمومات، وقد تقدم لنا ما يتعلق بآثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    عدة الصغيرة والآيسة

    قال (الرابعة: من فارقها حياً ولم تحض لصغر أو إياس فعدتها ثلاثة أشهر).

    من فارقها حياً بطلاق، ولم تحض لكونها صغيرة، أو لكونها كبيرة يئست من دم المحيض، فهذه عدتها ثلاثة أشهر، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4]، فاللائي لم يحضن عدتهن ثلاثة أشهر، وكذلك أيضاً اللائي يئسن من المحيض، أيضاً عدتهن ثلاثة أشهر، وهذا بالإجماع باتفاق الأئمة.

    قال: (وأمة شهرين، ومبعضة بالحساب، ويجبر الكسر).

    عدة الأمة شهران، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم حيث يرون أن الإماء على النصف من الحرائر، وهنا المؤلف رحمه الله تعالى يرى أن عدتها شهران، وعند أبي حنيفة ومالك أنه شهر ونصف، واستدلوا على ذلك أنه وارد عن عمر ، وكذلك أيضاً وارد عن علي رضي الله عنه، وذكرنا الرأي الثاني كما تقدم: رأي ابن سيرين ورأي ابن حزم رحمهما الله، وأن الأمة كالحرة تماماً لعمومات الأدلة.

    قال: (ومبعضة بالحساب).

    يعني: التي بعضها حر وبعضها رقيق عدتها بالحساب، فإن كان عندنا زوجة نصفها حر ونصفها رقيق، فعدتها بالنسبة للرق شهران، ثم تأخذ من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، فتأخذ منه إن كان نصفها حر أخذت نصفه، وإن كانت ربعها حر أخذت ربعه وهكذا، فإذا كان نصفها حر أخذت خمسة عشر يوماً، فيكون عدتها شهران وخمسة عشر يوماً.

    قال: (ويجبر الكسر).

    لو كان ربعها حر، قلنا: تأخذ شهرين، هذا بالنسبة لعدة الرقيق، فإذا كان ربعها حر، فيكون ربع الثلاثين سبعة ونصف، فنجبر الكسر ونقول: إن عدتها شهران وثمانية أيام بعد أن يجبر الكسر.

    1.   

    عدة من ارتفع حيضها

    عدة من ارتفع حيضها وجهلت السبب

    قال المؤلف رحمه الله: (الخامسة: من ارتفع حيضها ولم تدر سببه، فعدتها سنة؛ تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة), هذه الخامسة من المعتدات وهي من ارتفع حيضها ولم تدر، فمن ارتفع حيضها على قسمين:

    القسم الأول: لا تدري ما هو السبب في رفع دم الحيض، هل هو رضاع أو مرض، أو غير ذلك من الأشياء؟ فيقول المؤلف رحمه الله: عدتها سنة؛ تسعة أشهر للحمل وثلاث أشهر للعدة، لورود ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه.

    قال الله عز وجل: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4] ، ثلاثة أشهر للآية، وسنة للحمل؛ لأنه يحتمل أن تكون حاملاً، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهو أيضاً مذهب المالكية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقالوا أيضاً: إن هذا وارد عن عمر رضي الله تعالى عنه.

    والرأي الثاني رأي الحنفية والشافعية: أنها تبقى في عدة حتى تحيض، أو تبلغ سن الإياس خمسين سنة، وعلى هذا إذا كان عمرها ثلاثين فإنها تنتظر عشرين سنة حتى تبلغ سن الإياس، ثم تعتد عدة آيسة ثلاثة أشهر؛ لأن هذه المرأة لا يخلو أن تكون ذات أقراء حيض، وإما أن تكون آيسة، فلا بد من أحد هذين الأمرين، ولا شك أن هذا القول ضعيف.

    والصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنابلة والمالكية من أنها تعتد سنة، ثلاثة أشهر للإياس، وتسعة أشهر للحمل، والآن عن طريق الطب إذا بين الطب أنه لا يمكن أن يعود الحيض، ولنفرض أن هذه المرأة استؤصل رحمها، وفرض عن طريق الطب أنه لا يمكن أن يعود إليها الحيض لاستئصال الرحم، أو غير ذلك من الأمراض الخ، فلا حاجة إلى مدة التربص، ونقول: أنها تعتد عدة الآيسة للآية: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ [الطلاق:4] وهذه يئست من المحيض، إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4]، هذا القسم الأول.

    عدة من ارتفع حيضها وعلمت السبب

    قال المؤلف: (وإن علمت ما رفعه من مرض، أو رضاع، أو غيرهما فلا تزال في عدة، حتى يعود الحيض فتعتد به).

    هذا القسم الثاني، فإذا علمت الذي رفع دم حيضها، رضاع كان أو مرض، أو غير ذلك، فالمشهور من المذهب أنها لا تزال في عدة، حتى يعود الحيض فتعتد به، وإذا لم يرجع الحيض فإنها تمكث حتى تبلغ سن الإياس فتعتد سن الآيسة.

    فالقسم الثاني إذا كان السبب الرافع للحيض معلوماً للمرأة، كرضاع أو مرض، فلا بد أن تتربص حتى يعود الحيض فتعتد به، فإن لم يرجع الحيض فإنها تنتظر حتى تبلغ سن الإياس فتعتد عدة آيسة ثلاثة أشهر، وعلى هذا هم يوافقون الحنفية والشافعية في القسم الأول، وكما تقدم أنهم يقولون: إذا كان ارتفاع دم الحيض لسبب لا تعلمه المرأة، فإنها تنتظر حتى يعود الحيض، فإن لم يعد عليها أن تنتظر سن الإياس فتعتد ثلاثة أشهر، ودليلهم على هذا كما تقدم قول الله عز وجل: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4] ، فالعدة إما بالحيض -الأقراء- أو بالإياس.

    والرأي الثاني: أن من ارتفع حيضها لسبب معلوم، وزال السبب، ولم يعد الحيض، فإنها تكون آيسة، وتعتد بثلاثة أشهر، وهذا رواية عن الإمام مالك رحمه الله، وهو أيضاً رواية عن الإمام أحمد: أنه إذا انقطع السبب وزال ولم يعد الحيض، فإنها تعتد سنة -كما تقدم- تسعة أشهر للحمل، وثلاثة للإياس.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إذا زال السبب ولم يعد الحيض، وعلمت أن الحيض لن يعود مع زوال السبب، فإنها تعتد عدة آيسة؛ ثلاثة أشهر.

    وكلام شيخ الإسلام إذا كانت تعلم أنه لن يعود الحيض، كما لو تناولت دواء رفع الحيض، وتعلم معه أن دم الحيض لن يعود، فإنها تعتد عدة آيسة، وهذا كما ذكرنا فيمن استؤصل رحمها، فإنه لا حاجة إلى أن تتربص، بل تعتد عدة آيسة.

    عدة من بلغت سن الحيض ولم تحض، وعدة المستحاضة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعدة من بلغت ولم تحض والمستحاضة الناسية والمستحاضة المبتدئة ثلاثة أشهر).

    من بلغت ولم تحض فعدتها ثلاثة أشهر؛ لقول الله عز وجل: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4]. والمستحاضة: هي التي أطبق عليها الدم، وتحتها أقسام:

    القسم الأول: المستحاضة التي لها حيض معلوم، وهذه ترجع إلى حيضها المعلوم فتعتد به.

    القسم الثاني: المستحاضة التي لها تمييز صالح، لكنها تقول: أرى الدم متميزاً من كذا إلى كذا، فنقول: هذا هو حيضها فتعتد به.

    القسم الثالث: المستحاضة التي نسيت عادتها، فلا تدري هل عادتها في أول الشهر أو في آخره الخ، وليس لها تمييز، فهذه التي ذكر المؤلف أنها تعتد ثلاثة أشهر.

    والمستحاضة المبتدئة: هي التي أول مرة يأتيها دم الحيض، فاستحيضت بمعنى جاءها دم الحيض، وأطبق عليها دم الحيض، فهذه ليس لها حيض معلوم، فنقول: هذه تعتد بثلاثة أشهر.

    1.   

    عدة امرأة المفقود

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (السادسة: امرأة المفقود تتربص ما تقدم في ميراثه، ثم تعتد للوفاة).

    امرأة المفقود تتربص ما تقدم في ميراثه، وسيأتي في باب المواريث، والمفقود لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون ظاهر غيبته الهلاك، فتتربص أربع سنوات، ثم بعد ذلك تعتد عدة الوفاة كما لو فقد في سفينة في لجة البحر، أو فقد عند التحام الصفين في القتال، ونحو ذلك، فهذا غالب فقده الهلاك، تتربص أربع سنوات، ثم بعد ذلك تعتد عدة وفاة، أربعة أشهر وعشراً.

    الأمر الثاني: أن يكون غالب فقده السلامة، كما لو خرج من بين أهله ولم يرجع، فهذه تتربص حتى يبلغ تسعين سنة منذ ولد، ولنفرض أنه فقد وله خمسون، فإنها تنتظر أربعين سنة، فإذا بلغ تسعين سنة منذ ولد نقول: الآن تعتد عدة وفاة، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    قالوا: ضرب هذه المدة وارد عن عمر رضي الله تعالى عنه، وأنه ضرب أربع سنوات.

    والرأي الثاني: أن مدة التربص يرجع فيها إلى اجتهاد الحاكم، ولا نقدرها بأربع سنوات أو بتسعين سنة منذ ولد، بل نقول: هذا يختلف باختلاف الزمان والمكان، وقال بهذا الشافعي رحمه الله، وهذا القول هو الصواب، وعلى هذا نقول: ما ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه بحكم الاجتهاد، والقاضي يجتهد، فمثلاً في مثل وقتنا هذا، بسبب التطور وآلات الاتصال ونحو ذلك، قد يضرب سنة، وقد يضرب نصف سنة.. إلخ، ثم بعد ذلك يحكم بموته، ثم تعتد عدة وفاة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأمة كحرة في التربص).

    الأمة كالحرة في التربص، لكن الأمة تفترق عن الحرة في العدة، وتقدم في المذهب أن عدة الأمة شهران وخمسة أيام للوفاة، فمدة التربص واحدة، تتربص أربع سنوات إن كان غالب فقده الهلاك، وإلى أن يبلغ التسعين سنة منذ ولد، إن كان غالب فقده السلامة، لا فرق بين الحرة والأمة، وهذا مما يدلك أيضاً أنه لا فرق بين الحرة والأمة حتى في العدة، ثم بعد ذلك إذا كانت أمة تعتد عدة الأمة، وعدة الأمة شهران وخمسة أيام.

    قال: (وفي العدة نصف عدة الحرة).

    تقدم الكلام عليه.

    قال: (ولا يفتقر الحاكم بضرب المدة وعدة الوفاة).

    يقول المؤلف رحمه الله: لا يفتقر ضرب المدة إلى الحاكم، أي القاضي، يعني مجرد أن يُفقد تبدأ المدة، ولا حاجة لأن نذهب إلى القاضي كي يضرب له مدة، فإما أن يكون غالب فقده السلامة، أو غالب فقده الهلاك، لكن إذا أخذنا برأي الشافعي رحمه الله تعالى، وأن مدة التربص تختلف، فنقول: إنه لا بد من اجتهاد الحاكم، يعني هذا إذا سلمنا ما ذكره المؤلف، وأن مدة التربص إذا كان غالب فقده الهلاك أربع سنوات، وإذا كان غالب فقده السلامة أن يبلغ تسعين سنة منذ ولد، هذا إذا أخذنا بهذا، يقول لك المؤلف: إنه لا حاجة إلى القاضي، لكن إذا قلنا: بأن المدة يرجع فيها إلى اجتهاد القاضي فنحتاج إلى اجتهاد في ضرب المدة؛ لأن المدة قد يضرب شهر، قد يضرب شهرين، قد يضرب سنة، قد يضرب نصف سنة الخ، فنحتاج إلى اجتهاد القاضي.

    قال: (وإن تزوجت فقدم الأول قبل وطء الثاني فهي للأول وبعده له).

    إذا تزوجت امرأة المفقود، وضربنا مدة التربص وتربصت، ثم اعتدت لوفاة، ولنقل إن غالب فقده الهلاك، جلست أربع سنوات، ثم اعتدت الوفاة، ثم تزوجت، ثم جاء زوجها، ما الحكم فيما يتعلق بالزوجة والصداق.. إلخ؟ المشهور من المذهب التفريق كما تقدم، قال: (قبل وطء الثاني فهي للأول وبعده له)، قال لك: إذا كان الزوج الثاني ما وطئ فهي تكون مباشرة للزوج الأول.

    وإن كان الزوج الثاني قد دخل بها نقول: أيها الزوج الأول أنت بالخيار، إن شئت أن تأخذ زوجك فخذها، وإن شئت أن تأخذ الصداق الذي دفعته لها فخذه، فأنت بالخيار بين أن تأخذ المرأة، وبين أن تأخذ الصداق، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    والرأي الثاني: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن الزوج الأول بالخيار مطلقاً، فنقول للزوج الأول إذا قدم: أنت بالخيار، سواء وطئ الثاني أو لم يطأ، نقول: إن شئت أن تأخذ المرأة فخذها، وإن شئت أن تأخذ الصداق فخذ الصداق، ولا فرق بين أن يكون ذلك بعد الدخول أو قبل الدخول؛ لأن الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم التخيير، دون أن يكون هناك فرق بين الدخول وغير الدخول، والله أعلم.