إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب النكاح [9]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تنقسم عيوب النكاح إلى ثلاثة أقسام: ما يخص الرجل كالجب والعنة، وما يخص المرأة كالقرن والرتق، وما يشتركان فيه كالباسور والناسور، وحينئذ يحق الفسخ لكن لابد من حكم حاكم، والفسخ لا يسقط المهر إن حصل بعد الدخول بخلاف إذا ما كان قبله، والصحيح جواز تزويج المجنونة

    1.   

    تابع العيوب الخاصة بالرجل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن ثبتت عنته بإقراره أو بينة على إقراره، أجل سنة منذ تحاكمه، فإن وطئ فيها وإلا فلها الفسخ، وإن اعترفت أنه وطئها فليس بعنين، ولو قالت في وقت: رضيت به عنينًا سقط خيارها أبدًا.

    فصل في بقية العيوب: الرتق والقرن والعفل والفتق واستطلاق بول ونجو وقروح سيالة في فرج، وباسور وناصور، وخصاء وسل ووجاء، وكون أحدهما خنثى واضحًا، وجنون ولو ساعة، وبرص وجذام يثبت لكل واحد منهما الفسخ، ولو حدث بعد العقد أو كان بالآخر عيب مثله، ومن رضي بالعيب أو وجدت منه دلالته مع علمه فلا خيار له، ولا يتم فسخ أحدهما إلا بحاكم، فإن كان قبل الدخول فلا مهر، وبعده لها المسمى يرجع به على الغار إن وجد.

    والصغيرة والمجنونة والأمة لا تزوج واحدة منهن بمعيب، فإن رضيت الكبيرة مجبوبًا أو عنينًا لم تمنع، بل من مجنون ومجذوم وأبرص، ومتى علمت العيب أو حدث به لم يجبرها وليها على فسخه.

    باب نكاح الكفار: حكمه كنكاح المسلمين إذا اعتقدوا صحته في شرعهم ولم يرتفعوا إلينا].

    خلاصة لما سبق من أحكام عيوب النكاح

    تقدم أن شرعنا فيما يتعلق بعيوب النكاح، وذكرنا أن ما يفوت به غرض أحد الزوجين ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: فوات كمال، وهذا لا يثبت الفسخ.

    والقسم الثاني: وجود عيب، وهذا يثبت به الفسخ، لكن هل العيوب معدودة أو محدودة؟ ذكرنا أن للعلماء رحمهم الله في ذلك مسلكين:

    المسلك الأول: مسلك العد، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله.

    والقسم الثاني: مسلك الحد وأنها مضبوطة بضابط، وذكرنا أن أقرب الضوابط في ذلك أن كل عيبٍ ينفر من الاستمتاع خلقةً عرفًا، يثبت به الفسخ، وهذا لا ينطبق على عيوبٍ معدودة، وإنما يشمل.. بعض ما ذكره الفقهاء رحمهم الله وما يوافقه في المعنى، فالعبرة هي النفرة من كمال الاستمتاع.

    وما ذكره الفقهاء رحمهم الله من عيوبٍ عددوها، يمكن أن تعالج وأن تزول الآن بعد ترقي الطب ممكن أن تداوى وأن تعالج وأن تزول، كما أنه قد استجدت عيوب أخرى لم تكن على وقت العلماء رحمهم الله مما تنفر عن الاستمتاع والمهم في هذا كله هو مراعاة الضابط للعيب.

    وشرعنا في العيوب وذكرنا أن المؤلف رحمه الله ذكر أن العيوب تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: عيوب خاصة بالرجل، والقسم الثاني: عيوب خاصة بالمرأة، والقسم الثالث: عيوب مشتركة، وشرع المؤلف رحمه الله في العيوب المتعلقة بالرجل، فقال: (ومن وجدت زوجها مجبوبًا) وتكلمنا على مسألة الجب إلى آخره، ثم شرع في العيب الثاني وهو العنة، وعرفنا العنة إلى آخره، وقال المؤلف رحمه الله: (أجل سنةً منذ تحاكمه)؛ لأن هذا هو الوارد عن جمعٍ من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كـعمر وعثمان وابن مسعود والمغيرة وغيرهم من الصحابة: أنه يؤجل سنة؛ لكي تمر عليه الفصول الأربعة، فقد يكون عدم الوطء من اليبوسة فيطأ في الرطوبة، وقد يكون من الحرارة فيطأ في البرودة، وقد يكون من البرودة فيطأ في الحرارة وهكذا، فلكي تمر عليه الفصول الأربعة، فإذا مرت عليه الفصول الأربعة ولم يطأ، علم أن العنة خلقة.

    أثر وطء العنين في فترة الإمهال

    قال رحمه الله: (منذ تحاكمه، فإن وطئ فيها وإلا فلها الفسخ).

    أي: إذا وطئ في هذه المدة وإلا فلها الفسخ؛ لأنه تبين لنا أنه عنين، ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله: أنه لو وطئ ولو مرة واحدة فليس لها حق الفسخ، مع أن المرأة قد يلحقها شيء من الضرر.

    وسيأتينا في باب عشرة النساء أن الواجب إذا كان الإنسان قادرًا على الوطء أن يطأ في كل ثلث سنة مرة، وأما إذا كان غير قادرٍ على الوطء فهذا لا يجب عليه، لكن لو ثبت أنه وطئ ولو مرة واحدة، فيقولون: ليس بعنين، ويقولون: بأن العنة لا تحدث، بمعنى: لو أن الشخص جامع زوجته مرة واحدة ثم حبس عنها، وأصبح لا يتمكن من الجماع، فيرون أن العنة لا تحدث، فلو أنه تزوج ثم وطئها، ثم قالت: نعم وطئني، لكنه الآن لا يطأ، فيقولون: العنة لا تحدث، وهذا ليس بعنين، ما دام قد وطئ مرةً واحدة.

    ولا شك أن هذا ضعيف، فما دام أنه الآن محبوس عن الوطء، الصحيح أنه عنين، لكن أكثر الفقهاء يرون أنه إذا وطئ ولو مرةً واحدة فليس بعنين، وأن العنة لا تحدث وهذا معنى قول المؤلف: (وإن اعترفت أنه وطئها فليس بعنين) والصواب: أن العنة تحدث، والصواب أيضًا: أنه إذا لحق المرأة ضرر بسبب ترك الوطء، فإن لها حق الفسخ.

    قال رحمه الله: (ولو قالت في وقت: رضيت به عنينًا سقط خيارها أبدًا).

    يعني أن الخيار يسقط إذا وجد دليل الرضا، فإذا وجد من المرأة ما يدل على رضاها بهذا العنين فإن خيارها يسقط، إما بالقول كأن تقول: رضيت به عنينًا أو نحو ذلك، كما لو تزوجته وهي عالمة بعنته إلى آخره، فإنه يسقط خيارها.

    وأما إذا مكنته من الوطء فللعلماء رحمهم الله في سقوط خيارها رأيان:

    الرأي الأول: أن خيارها لا يسقط؛ لأنه يجب عليها أن تمكنه من الوطء؛ لكي نعلم هل زالت عنته، أو أنه لا يزال عنينًا.

    والرأي الثاني وهو قول كثيرٍ من الحنابلة رحمهم الله: أن خيارها يبطل؛ لوجود دليل الرضا، والصواب: أن الخيار لا يبطل؛ لأن التمكن لا بد منه؛ لكي نعلم هل لا يزال عنينًا أو أن عنته قد زالت.

    1.   

    العيوب الخاصة بالمرأة

    قال رحمه الله: (فصل: والرتق والقرن).

    هذا القسم الثاني من العيوب، وهو خاص بالمرأة.

    والرتق وهو: أن يكون فرج المرأة مسدودًا بأصل الخلقة.

    والقرن لحم زائد ينبت في الرحم فيسده.

    قال رحمه الله: (والعفل).

    وهو ورم في مسلك المرأة يضيق منه الفرج فلا يسلك فيه الذكر.

    قال رحمه الله: (والفتق).

    وهو: انخراق ما بين مخرج البول ومخرج الغائط، أو ما بين مخرج البول ومخرج المني.

    فهذه عيوب يثبت بها الفسخ، وهذه الأشياء أعني: الرتق والقرن والعفل والفتق إلى آخره يمكن معالجتها، الآن بعد تقدم الطب وترقيه، وأصبحت لا تنفر ولا تمنع من الاستمتاع.

    قال رحمه الله: (واستطلاق بولٍ ونجو).

    النجو هو الغائط، يعني: إذا كان فيه سلس بول أو فيها سلس بول، أو فيه سلس نجو أو فيها، فهذا من العيوب التي تثبت الفسخ، ومثل هذا كما أسلفنا مع ترقي الطب الآن يمكن أن يداوى.

    قال رحمه الله: (وقروح سيالة).

    يعني: قروح سيالة في الفرج، ويؤخذ من كلام المؤلف: أنه إذا كانت هذه القروح ليست سيالة وإنما يابسة، فإنها لا تثبت الفسخ، وهذا أيضًا يقال فيه كما تقدم: إن مثل هذه الأشياء يمكن أن تداوى وأن تعالج، فإذا حصلت المداواة والمعالجة فلا فسخ، وهذا الذي يظهر، والله أعلم.

    1.   

    العيوب المشتركة بين الزوجين

    قال رحمه الله: (وباسور وناصور).

    هذا هو القسم الثالث، وهي عيوب مشتركة بين الزوجين: الباسور والناسور، وهما داءان في المقعدة، ومثل ذلك أيضًا هذه البواسير والنواسير الموجودة الآن التي أصبح علاجها اليوم سهل جدًا على خلاف ما كانت عليه في الأزمان السابقة من صعوبة ومشقة العلاج.

    قال رحمه الله: (وخصاء).

    هذا من القسم الأول، وهي من العيوب الخاصة بالرجال، والخصاء: هو قطع البيضتين مع الجلدة.

    قال رحمه الله: (وسل).

    السل: هو سل البيضتين، يعني: قطع البيضتين دون الجلدة.

    وقال: (ووجاء) وهو: رض البيضتين.

    فالوجاء: رض البيضتين، والسل: سل البيضتين دون الجلدة، والخصاء: هو قطع البيضتين مع الجلدة، ولا شك أن هذا من العيوب؛ لأنه إذا كان مخصيًا قطعت بيضتاه، أو رضت، أو سلت، فإن هذا مما يضعف الوطء.

    قال رحمه الله: (وكون أحدهما خنثى واضحًا).

    إذا كان مشكلًا لا يجوز تزويجه أصلًا، وتقدم لنا هذا في باب المحرمات، لكن إذا كان خنثى واضحًا فهذا مما ينفر، فمثلًا: إذا اتضح أنه ذكر لوجود علامات الذكورة، أو اتضح أنه أنثى لوجود علامات الأنوثة، فهذا عيب يثبت به الفسخ؛ لأنه مما ينفر، وهو من القسم الثالث، وهي العيوب المشتركة، وهذا كان أيضًا في الزمن السابق، أما الآن فمثل هذا الخنثى يعالج منذ الصغر، لأنه يتبين أمره عن طريق الكشف ونحو ذلك.

    قال رحمه الله: (وجنون ولو ساعة)

    الجنون عيب مشترك، وهو: فقد للعقل يصحبه اضطراب وهيجان أحيانًا، ولو فترة من الزمن، وإذا كان مجنونًا جنونًا مطبقًا فهذا لا شك أنه عيب؛ لأنه مما ينفر ويمنع من كمال الاستمتاع، وكذلك إذا كان يجن في بعض الأحيان ويفيق في بعض الأحيان، فإن هذا مما يثبت به الفسخ.

    قال رحمه الله: (وبرص).

    البرص: بياض يكون في الجلد، وهو عيب يثبت به الفسخ.

    قال رحمه الله: (وجذام).

    الجذام: أيضًا قروح ترعى في البدن تتآكل منها الأطراف، وهو من العيوب التي تثبت الفسخ، والضابط كما أسلفنا: أن الذي يثبت به الفسخ هو: كل ما ينفر خلقةً عرفًا، فإذا كانت مثل هذه الأشياء مما ينفر ثبت فيها الفسخ؛ لأن البرص قد يكون بقعة يسيرة كالظفر، ومثل هذا العيب هذا يظهر لي أنه يسير ولا يثبت به الفسخ، والله أعلم.

    1.   

    العيوب الحادثة بعد النكاح

    قال رحمه الله: (يثبت بكل واحد منهما الفسخ، ولو حدث بعد العقد أو كان بالآخر عيب مثله).

    العيب إما أن يكون قبل العقد، وهذا الأمر في ذلك ظاهر وأنه يثبت به الفسخ، لكن لو حدث بعد العقد، يعني: تزوج هذه المرأة وهي سليمة، أو تزوجت هذا الرجل وهو سليم، ثم بعد ذلك وجد فيه عيب، ولنفرض أنه حصل له حادث سيارة، ثم بعد ذلك حصل فيه عيب من هذه العيوب كاستطلاق بول، أو استطلاق نجو أو نحو ذلك، أو كما ذكرنا مما ينفر خلقةً عرفًا، فالمؤلف رحمه الله تعالى يقول بأنه يثبت الفسخ، حتى ولو حدث العيب بعد ذلك.

    والدليل على هذا: القياس على الإجارة، فكما أنه إذا استأجر بيتًا ثم حصل في البيت عيب من العيوب، فإن حق الفسخ يثبت له، فكذلك أيضًا هنا.

    الرأي الثاني: التفصيل في المسألة، قالوا: إن كان العيب قد حصل بالمرأة فليس للزوج الخيار، فلو فرض أن المرأة حصل لها عيب من العيوب كقطع الرجل أو قطع اليد، أو نحو ذلك فإنه لا يثبت للزوج حق الفسخ، ويكون هذا مما ابتلاه الله عز وجل به فله الطلاق، وإن كان العيب حصل بالرجل فإنه يفرق بين اليسير والضار؛ فإن كان ضارًا تتضرر بالمقام معه كالجنون والجذام والبرص فإنها تخير، وإن كان غير ضار فإنها لا تخير.

    وكذلك ما يتعلق بالخصاء والاعتراض -وهو: عدم انتصاب الذكر- والكبر المانع من الوطء إلى آخره، يقولون: إذا حدثت هذه الأشياء بعد أن كان الزوج قد وطئ فإن المرأة لا خيار لها إلا إن كان قد تسبب بأن جب نفسه مثلاً فلها الخيار وإن كان لم يطأ، وهذا التفصيل رأي المالكية.

    إذاً: المالكية يقولون: إن كان العيب حدث بالزوجة فالزوج لا خيار له، كما لو جنت المرأة بعد العقد والدخول وأنجبت الأولاد ثم جنت، ففي المذهب يثبت له الفسخ، لكن عند المالكية لا يثبت، وإن كان العيب حصل بالزوج فهذا فيه تفصيل: إن كان يسيرًا فلا خيار لها، وإن كان كثيرًا يضرها فإنه يثبت لها الخيار، وفصلوا أيضاً فيما يتعلق بالوطء كالخصاء والاعتراض والكبر، فقالوا: إن كان وطئ ولو مرة واحدة فلا خيار لها، وإن كان لم يطأ فلها الخيار، وذكرنا أنه لا خيار لها إلا إن كان تسبب ذلك لنفسه، فهذا رأي المالكية.

    والأقرب في مثل هذا -والله أعلم- أن يقال: إذا حدث العيب بعد العقد فإنه لا خيار لواحدٍ من الزوجين، لأن الأصل بقاء النكاح، والزوج إن أراد أن يطلق طلق، وأما الزوجة فلا خيار لها أيضًا؛ لأن الأصل بقاء النكاح، إلا في العيوب التي تتضرر منها المرأة ضررًا فاحشًا، كما ذكر المالكية، كما لو جن، أو أصبح لا يستطيع أن يطأ، حتى لو وطئ فيما تقدم.

    والخلاصة في ذلك: إذا حدث العيب بعد العقد، فالأصل بقاء النكاح، وأنه ليس لواحدٍ أن يفسخ، إلا إذا كان فيه ضرر فاحش، كالجنون أو أصبح لا يتمكن من الوطء؛ لأن المرأة تحتاج إلى العفاف، ولا يمكن أن يأتيها العفاف إلا عن طريق الزوج، أما لو لحقه شيء من البرص بسبب هذا المرض الذي أصابه فلا فسخ، وكذا لو لحقه سلس بول، سلس غائط فلا فسخ؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ومثل ذلك أيضًا لو لحقه انقطاع يدٍ أو رجلٍ أو نحو ذلك فلا فسخ.

    1.   

    فسخ المعيب إن وجد بالآخر عيباً مثله

    قال رحمه الله: (أو كان بالآخر عيب مثله).

    يعني أن الزوج إن وجد في زوجته شيئًا من البرص فله حق الفسخ، ولو كان فيه عيب آخر؛ لأن الإنسان يأنف من عيب غيره ولا يأنف من عيب نفسه.

    مثال آخر: هذه امرأة وجدت أن في زوجها سلس بول، وهي أيضًا فيها استحاضة، وقالت: أريد الفسخ فتمكن من الفسخ؛ لأن الإنسان وإن كان فيه عيب فهو يأنف من عيب غيره ولا يأنف من عيب نفسه.

    قال رحمه الله: (ومن رضي بالعيب أو وجدت منه دلالته مع علمه فلا خيار له).

    تقدم أن الرضا إما أن يكون بالقول كأن يقول: لا بأس أو رضيت أو نحو ذلك من الألفاظ، أو بالفعل بأن يمكن من الاستمتاع، فلو أن المرأة علمت أن في زوجها عيبًا ثم مكنته من الاستمتاع، فليس لها حق الخيار ما دام أنه قد وجد دليل رضا بالقول أو بالفعل، إلا إذا مكنته من الاستمتاع وهي تريد أن تستشير أو تستخير ونحو ذلك، فإن حقها لا يزال باقيًا.

    أما لو مكنته من الاستمتاع وهي تجهل الحكم، وأن لها حق الفسخ، فهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ فالمذهب أن حقها يبطل بالتمكين، حتى ولو كانت تجهل حق الفسخ.

    والرأي الثاني: أن حقها لا يبطل بالتمكين، وهذا القول هو الصواب.

    قال رحمه الله: (ولا يتم فسخ أحدهما إلا بحاكم، فإن كان قبل الدخول فلا مهر، وبعده لها المسمى يرجع به على الغار).

    يقول المؤلف رحمه الله: لا يتم الفسخ إلا بحاكم؛ أي: قاضٍ؛ لأن هذه مواضع خلاف بين أهل العلم، فيحتاج إلى اجتهاد القاضي، فمثلًا: لو أنها وجدت في زوجها عيبًا وطلبت الفسخ، فلا بد أن نذهب إلى القاضي في المحكمة لكي يقوم بالفسخ، وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله هو المذهب، والدليل على ذلك: أن هذه مسائل خلافية يحتاج فيها إلى اجتهاد القاضي.

    الرأي الثاني في المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن أمر الزوجين لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يتفقا على الفسخ لوجود العيب، فهنا نقول: لا حاجة إلى القاضي، فيقول الزوج مثلًا: فسخت زوجتي فلانة بنت فلان؛ لوجود العيب الفلاني، أو تقول هي: فسخت زوجي فلان إلى آخره؛ لوجود العيب الفلاني، ولا حاجة إلى القاضي.

    والحالة الثانية: أن يختلفا في الفسخ، هل هذا العيب مما يفسخ به العقد أو لا يفسخ به العقد؟ فهنا نحتاج إلى القاضي؛ لأن حكم الحاكم يحتاج إليه في مثل هذه المسائل؛ لقطع النزاع.

    1.   

    حكم المهر إن حصل الفسخ

    قال رحمه الله: (ولا يتم فسخ أحدهما إلا بحاكم، فإن كان قبل الدخول فلا مهر).

    يعني: إذا تم الفسخ قبل الدخول لا مهر لها، وسيأتينا هذا في باب الصداق، وهذه قاعدة أيضًا ذكرها ابن رجب رحمه الله في كتابه: القواعد، وهي قاعدة جيدة، وذكر فيها رحمه الله قاعدتين: متى يتنصف المسمى، ومتى لا يتنصف، ومتى يتقرر الصداق، ومتى لا يتقرر، وفصل في هذه المسائل، وسنذكرها إن شاء الله على سبيل التفصيل في باب الصداق.

    وظاهر كلام المؤلف: أنه سواء كان الفسخ لعيب الزوجة أو لعيب الزوج، وهذا هو المذهب، أما إن كان لعيب الزوجة فالأمر في ذلك ظاهر؛ لأنها هي التي غشت ودلست فلا تستحق شيئًا، وأما إن كان لعيب الزوج فهذا فيه نظر، والصحيح أن لها نصف المسمى؛ لأن الفرقة جاءت من قبل الزوج، والفرقة إذا جاءت من قبل الزوج وكان هناك مسمى، فإن المرأة لها نصف المسمى، كما سيأتينا إن شاء الله في باب الصداق.

    فتلخص لنا: إذا كان الفسخ قبل الدخول، فالمذهب أنه لا شيء لها مطلقًا، والصواب أنه إن كان لعيب الزوجة فلا شيء لها؛ لأنها هي التي غشت ودلست، وإن كان لعيب الزوج، فالمذهب أيضًا لا شيء لها، والصواب أن لها نصف المهر؛ لأن الفرقة جاءت من قبل الزوج، وسيأتينا في القاعدة إن شاء الله: أنه إذا حصلت الفرقة من قبل الزوج قبل الدخول فللزوجة نصف المسمى.

    قال رحمه الله: (وبعده لها المسمى).

    أي: إذا كان الفسخ بعد أن دخل بها ووطئها فوجد بها عيبًا فلها المسمى، ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فلها المهر بما استحل من فرجها ) رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح، والمسمى يتقرر بالدخول.

    قال المؤلف: (يرجع به على الغار إن وجد).

    أي أنه يعطي المرأة مهرها بما استحل من فرجها، ثم يرجع بعد ذلك على من غره، ثم الغار إما أن يكون الزوجة أو الولي، فإن كان الولي عالمًا بالعيب، فنقول: ارجع على الولي وخذ منه المهر؛ لأنه هو الذي غش ودلس وهو الذي باشر العقد، وكان الواجب عليه أن يخبر الزوج بالعيب، وإن كان الولي جاهلًا فإنه يرجع على المرأة؛ لأن المرأة غشت ودلست وكان الواجب عليها أن تبين ذلك.

    1.   

    تزويج الصغيرة أو المجنونة أو الأمة بمعيب

    قال رحمه الله: (والصغيرة والمجنونة والأمة لا تزوج واحدة منهن بمعيب)

    أما الصغيرة والأمة فظاهر؛ لأن مبنى الولاية على المصلحة، وليس من المصلحة أن تزوج الصغيرة بمعيب كمجنون ونحوه، وليس من مصلحة الأمة أيضاً أن تزوج بمعيب، ويفهم من كلام المؤلف: أن الكبيرة ليس لها أن تزوج بمعيب إلا إذا رضيت فالأمر إليها، لكن استثنى المؤلف رحمه الله بعض العيوب كما سيأتي.

    وصريح كلام المؤلف: أن المجنونة أيضًا لا تزوج بمعيب فلو كان عندنا امرأة مجنونة وجاء مجنون يخطبها، أو معتوه أو إنسان فيه سلس بول أو نحو ذلك على القول بأن هذه من العيوب، فلا تزوج، وهذا الكلام فيه نظر؛ لأن مثل هذه المعيبة لا يتزوجها إلا شخص معيب.

    نحن نحتاط لها إن جاء شخص غير معيب، لكن إذا لم يأت إلا شخص معيب، فكوننا نتركها بلا تزويج هذا فيه نظر؛ لأنه ليس من مصلحتها.

    قال رحمه الله: (فإن رضيت الكبيرة مجبوبًا أو عنينًا لم تمنع، بل من مجنون ومجذوم وأبرص).

    أي أن الكبيرة إذا رضيت المعيب فلها ذلك، فلو قيل لها: هو مجبوب أو قطع ذكره كله، أو قطع ذكره ولم يبق له شيء يطأ به، أو هو عنين، فقالت: رضيت، فنقول: الوطء حق لها وقد أسقطته فإنها تزوج، وقد تكون لا رغبة لها في الوطء لكن لها رغبة برجلٍ يقوم عليها ويكفلها وينفق عليها ويخدمها ويؤانسها.

    قال رحمه الله: (بل من مجنون ومجذوم وأبرص).

    يعني: لو جاء مجنون وخطبها وهي كبيرة، فقالت: رضيت به، وسأقوم عليه احتسابًا لوجه الله عز وجل، فإنها تمنع، وكذا لو جاء رجل مجذوم، أو أبرص ولو كان طالب علم أو عالمًا فإنها تمنع، يمنعها وليها.

    وإذا كان الولي سيمنعهم فمعنى ذلك أنهم لن يزوجوا، وهذا الكلام فيه نظر، فإن قيل: ذلك عار عليها وعلى أهلها وضرر يتعدى، كالبرص والجذام وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( فر من المجذوم فرارك من الأسد ) والمرض ينتقل، فالجواب عن ذلك: أن الحق للمرأة، فإذا رضيت بالزواج من واحدٍ من هؤلاء، فالحق لها وقد أسقطته.

    1.   

    الصور التي لا يجبر الولي فيها موليته على الفسخ

    قال رحمه الله: (ومتى علمت العيب أو حدث به لم يجبرها وليها على الفسخ).

    هذه قاعدة فقهية وهي: الدفع أهون من الرفع، والاستدامة أقوى من الابتداء، يعني: لو أن المرأة تزوجت هذا الرجل وليس به جنون، فلا يملك الولي أن يفسخ؛ لأن الدفع أهون من الرفع، فهو يستطيع أن يدفع العقد ابتداءً، لكن ليس له أن يرفع العقد.

    وكذلك لو تزوجت هذا الرجل وفيه برص بظهره وهي تجهل هذا العيب، وقال الولي: أريد أن أفسخ، فليس له الحق في الفسخ، ما دام أنها قد رضيت؛ لأن له حق المنع قبل العقد، ولكن لا يملك أن يرفع العقد بعد وقوعه، ولهذا قال المؤلف: (ومتى علمت العيب أو حدث به لم يجبرها وليها على الفسخ).

    1.   

    نكاح الكفار

    قال رحمه الله: (باب نكاح الكفار).

    الكفار: جمع كافر، وهو من ليس مسلمًا، سواءً كان كتابيًا أو كان غير كتابي كالمجوسيين والدهريين إلى آخره، قال المؤلف: والأصل في هذا: القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن فقول الله عز وجل: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد:4]، وقال تعالى: اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ [التحريم:11] إلى آخره، فأضاف الزوجية إلى هؤلاء الكفار، وفي السنة كما سيأتينا إن شاء الله أحاديث كثيرة، والإجماع قائم عليه في الجملة.

    قال رحمه الله: (حكمه كنكاح المسلمين).

    يعني أن القاعدة: أن الأصل في أنكحة الكفار الصحة، وما يترتب عليها من أحكام فالأصل فيه الصحة، وهذا رأي جماهير العلماء رحمهم الله خلافاً للإمام مالك فيرى أنها فاسدة، والصحيح في ذلك رأي الجمهور، ودليل ذلك ما تقدم أن الله سبحانه وتعالى قال: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد:4] فأضاف الزوجية إليهم، مما يدل على صحة أنكحتهم.

    وعلى هذا يترتب مسائل كثيرة منها: الطلاق فلو أن كافراً طلق زوجته طلقتين ثم أسلم، فما بقي له إلا طلقة واحدة، فما يترتب على نكاحهم من أحكام، فالأصل فيه الصحة، وهكذا لو أن كافراً تزوج امرأة ثم ظاهر منها ثم أسلم، ما الحكم: فالظهار صحيح ومثله نقول: تجب عليه النفقة، ولو آلى منها فحلف ألا يطأها أبدًا أو مدةً تزيد على أربعة أشهر، فالإيلاء صحيح، فما رتب على ذلك من أحكام من الطلاق والظهار والإيلاء.

    وكذلك المهر، فلو أنه تزوجها وجب لها مهر ويكون محصنًا لو تزوج امرأة ثم وطئها وهو كافر ثم أسلم ثم زنى، فإننا نرجمه.

    إذاً: الأصل في أنكحتهم وما رتب عليها من مسائل الصحة.

    قال رحمه الله: (ويقرون على فاسده إذا اعتقدوا صحته في شرعهم ولم يرتفعوا إلينا).

    يعني: إذا كان عقدهم فاسدًا فيقرون عليه بشرطين:

    الشرط الأول: أن يعتقدوا صحته في شرعهم، فمثلًا: النكاح بلا ولي عند المسلمين فاسد، لكن ما داموا أنهم يعتقدون صحته في شرعهم فيقرون عليه.

    والشرط الثاني: ألا يترافعوا إلينا، فما دام أنهم لم يرتفعوا إلينا فيقرون عليه، لكن لو ترافعوا إلينا فنحكم على شرعنا؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (إذا اعتقدوا صحته في شرعهم ولم يرتفعوا إلينا) فإذا ترافعوا إلينا نحكم بشرعنا، إذا كانوا يعتقدون فساده في شرعهم وكان في شرعهم فاسدًا، فهذا لا عبرة به.