إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب النكاح [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله النكاح لمصالح كثيرة منها تحصين الفرج وتكثير النسل، ويختلف حكمه باختلاف الناس وأحوالهم، وفعله مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة خلافاً للشافعي، أما التعدد فالراجح استحبابه، هذا ويسن في المرأة أن تكون دينة، أجنبية، بكراً، ولوداً، ويجوز النظر إلى ما ي

    1.   

    مميزات أحكام النكاح

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب النكاح:

    وهو سنة، وفعله مع الشهوة أفضل من نفل العبادة، ويجب على من يخاف الزنا بتركه، ويسن نكاح واحدةٍ دينةٍ أجنبية بكرٍ ولودٍ بلا أم، وله نظر ما يظهر غالباً مراراً بلا خلوة].

    أحكام الأنكحة تتميز بأنها أحكام سهلة وواضحة المعاني، بخلاف ما سبق من أحكام المعاملات فإنها قد تحتاج إلى شيءٍ من التصوير ونحو ذلك، وكذلك أيضاً ما يتعلق بأحكام العبادات فإنه أيضاً تحتاج إلى كثيرٍ من الأدلة؛ لأن العبادة مبنية على الدليل، والأصل فيها الحظر، وأما ما يتعلق بأحكام المعاملات إلى آخره فالحمد لله تقدم لنا أحكامها ومباحثها، وقد كانت تحتاج إلى شيءٍ من العناء في تصوير بعض المسائل وشرح بعض الألفاظ، بخلاف ما يتعلق بأحكام الأنكحة.

    وقد نسرع في أثناء الشرح؛ لأن أبواب النكاح كثيرة، خصوصاً ما يتعلق بالطلاق.

    1.   

    سبب ذكر أبواب النكاح بعد أبواب المعاملات

    المؤلف رحمه الله تعالى لما أنهى الكلام عن أحكام المعاملات، وما تتضمنه من أحكام المعاوضات وأحكام التبرعات شرع رحمه الله تعالى فيما يتعلق بأحكام الأنكحة، وهكذا العلماء رحمهم الله تعالى يرتبون تصانيفهم وتآليفهم فيبدءون بأحكام العبادات، وسبق لنا مناسبة ذلك، ثم بعد ذلك أحكام المعاملات، ثم بعد ذلك ما يتعلق بأحكام الأنكحة.

    إذ إن شهوة الفرج تأتي بعد شهوة البطن، ففي أحكام المعاملات شهوة البطن، وشهوة البطن قبل شهوة الفرج، فالإنسان بطبعه محتاج إلى ما يقيمه ويقيته من الطعام والشراب من صغره، فالبيع والشراء محتاج إليه، بخلاف النكاح فقد لا يحتاج إليه إلا في فترة معينة من عمره، فالمؤلف رحمه الله بعد أن تكلم على أحكام المعاملات، إذ إن أحكام المعاملات يحتاج إليها المكلف أكثر من حاجته إلى أحكام الأنكحة، إذ لا يمر عليه يوم ونحو ذلك إلا وقد باع واشترى، أو عقد عقد شركة أو إجارة ونحو ذلك؛ لما ذكرنا: أن شهوة البطن تتعلق بأحكام المعاملات، ثم بعد شهوة البطن تأتي شهوة الفرج، فتذكر أحكام الأنكحة.

    1.   

    تعريف النكاح وبيان مقاصده

    قال رحمه الله: (كتاب النكاح).

    النكاح في اللغة يطلق على معانٍ، منها: الضم، والجمع، والتداخل، وأيضاً يطلق على العقد، ويطلق أيضاً على الجماع، فإذا قيل: نكح امرأته، فالمقصود بذلك جامعها، وإذا قيل: فلان نكح فلانةً امرأةً أجنبية، فالمراد بذلك: عقد عليها.

    وأما في الاصطلاح فعرف النكاح بأنه: عقد يعتبر فيه لفظ إنكاحٍ أو تزويج في الجملة.

    ومعنى: عقد يعتبر فيه، أي يشترط فيه لفظ إنكاح أو تزويج في الجملة، وسيأتينا إن شاء الله في صيغة عقد النكاح: هل يشترط لفظ الإنكاح أو التزويج في عقد النكاح، أو أن هذا ليس شرطاً؟ المهم أن النكاح عرف بهذا التعريف.

    والأقرب أن يقال في تعريف النكاح بأنه: العقد على امرأةٍ بقصد امتثال أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحصيل مصالح النكاح.

    ومصالح النكاح كثيرة، لكن أهم مصالح النكاح: هو امتثال أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، والتعبد لله عز وجل بذلك، وتحصيل الخدمة من قبل الزوجة لزوجها، وكذلك أيضاً تحصيل الولد، وكذلك أيضاً الاستمتاع، وهذه أهم مصالح النكاح، وإلا فإن مصالح النكاح كثيرة، منها: ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج ) وما يحصل من العفاف وغض البصر وسكينة النفس وراحة البال، والطمأنينة، ولهذا قال الله عز وجل: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21] .

    وأيضاً من مصالحه: ما يحصل بين الزوجين من المودة والرحمة، ومن ذلك أيضاً: تكثير هذه الأمة، ومن ذلك أيضاً: تحقيق مباهاة النبي صلى الله عليه وسلم في أمته إذا كانت كثيرةً، ومن ذلك أيضاً: تحقيق نصر هذه الأمة، ولا شك أن من أسباب النصر الكثرة، ولهذا امتن الله عز وجل على بني إسرائيل بقوله: وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً [الإسراء:6] ، ومن مصالح النكاح أيضاً: بقاء النوع الإنساني، ومن مصالحه أيضاً: القيام على المرأة وكفالتها وإعفاف فرجها إلى آخره.

    ومن مصالحه: حصول السعادة والفلاح والنجاح للفرد والمجتمع، ولا شك أنه إذا حصل هذا التزاوج تقل المفاسد وتكثر المصالح، بخلاف ما إذا حوربت هذه العبادة، فإن المفاسد من الزنا واللواط والفجور والاعتداء على الأعراض بل والاعتداء على الأموال والدماء سيكثر، ومن مصالحه: حصول الأجر والتعبد لله عز وجل بذلك، فهذه جملة من مصالح النكاح.

    وبما أنك تعقد على المرأة فما هو الشيء المعقود عليه؟

    الفقهاء يقولون: بأن المعقود عليه هو منفعة الاستمتاع؛ لأنك تعقد على هذه المرأة بقصد أن تستمتع فقط، هذا المشهور عند الفقهاء رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقول بأن المعقود عليه هو الازدواج كالمشاركة، فيكون هذا من باب المشاركات لا من باب المعاوضات.

    وهذا القول الذي يذكره الفقهاء بأن المعقود عليه هو منفعة الاستمتاع ويجعلون هذا من قبيل المعاوضة، فالزوج يبذل العوض وهو المهر، والمرأة تبذل المعوض وهو الاستمتاع بها، وهذا يترتب عليه مسائل كثيرة جداً، وسيأتينا إن شاء الله في ثنايا كلام العلماء رحمهم الله شيءٌ من ذلك.

    فمثلاً من المسائل المترتبة على ذلك: هل يجب على الزوجة أن تخدم زوجها، أو لا يجب عليها أن تخدم زوجها؟ هم يقولون: لا يجب على الزوجة أن تخدم زوجها؛ لأن المعقود عليه هو منفعة الاستمتاع، ويترتب على هذا أن المرأة لو حبست ولو ظلماً، فالنفقة تسقط؛ لأن المعقود عليه هو الاستمتاع وقد تعذر على الزوج أن يستمتع فلا يجب عليه أن ينفق.

    والمهم أن هناك مسائل يرتبها العلماء رحمهم الله على هذه المسألة، وسيأتينا إن شاء الله شيء من ذلك.

    1.   

    حكم النكاح

    قال رحمه الله: (وهو سنة).

    هذا من حيث الأصل، وإلا فإن النكاح تدور عليه الأحكام التكليفية الخمسة، لكن ما هو الأصل في عقد النكاح: هل الأصل فيه الوجوب، أو نقول: بأن الأصل فيه هو السنية؟

    المؤلف رحمه الله تعالى يقول بأن الأصل فيه أنه سنة، وهذا قول جمهور أهل العلم، بمعنى: أن الإنسان إذا تركه فإنه لا يأثم، لكن إن فعله بقصد امتثال أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا سنة يؤجر عليه، وهو من حيث المعنى العام عبادة، لأنه كما تقدم لنا أن العبادة: كل ما أمر الله عز وجل به، من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فكل ما أمر الله عز وجل به فهو عبادة؛ ولذا فأنت تتعبد الله عز وجل بهذا النكاح.

    المهم أن النكاح سنة، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى وليس واجباً، ويستدلون على هذا بأدلة كثيرة، ومن هذه الأدلة: أن الله عز وجل قال: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3] فقالوا بأن الله سبحانه وتعالى علق النكاح على الاستطابة، ولو كان واجباً لم يعلق على الاستطابة، وأيضاً يدل لذلك قول الله عز وجل: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3]، فالله سبحانه وتعالى قد جعل التسري معادلاً للنكاح، والتسري ليس واجباً، وأيضاً قالوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به أحداً من الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع أن بعض الصحابة لا زوج له.

    الرأي الثاني: رأي الظاهرية، واستدلوا على ما ذهبوا إليه بظواهر الأوامر كالأمر في قوله تعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3] وأيضاً قول الله عز وجل: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32] ، وأيضاً حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج ) وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.

    والأظهر -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وأن الأصل فيه السنية هو الأقرب، وأما ما ذكره الظاهرية من هذه الظواهر فيجاب عنها: بأن ظواهر هذه الأوامر صرفت من الوجوب إلى الاستحباب لما تقدم في أدلة الجمهور.

    المفاضلة بين النكاح ونوافل العبادات

    قال رحمه الله: (وفعله مع الشهوة أفضل من نفل العبادة).

    يعني: إذا كان عند الإنسان الشهوة فليس عنيناً، وطبيعته مستقيمة فيشتهي فالأفضل له أن يتزوج، وإن كان هذا الزواج سيشغله عن شيء من نوافل العبادات.

    ولا شك أن الإنسان إذا كان متفرغاً ليس كمن له زوجة وأولاد ونحو ذلك، فالإنسان المتفرغ يستطيع أن يقوم الليل وأن يصوم النهار، وأن يخرج متى شاء للدعوة إلى الله عز وجل، وأن يجلس متى شاء لتعلم العلم، أما إذا كان متزوجاً فإنه يحتاج إلى القيام على أهله وأولاده، فالمؤلف رحمه الله يقول بأن فعله مع الشهوة أفضل من نوافل العبادات، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    واستدل على ذلك بما تقدم من أن النكاح تترتب عليه مصالح عظيمة مما تقدم من تكثير الأمة وامتثال أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم إلى آخر ما عددنا من المصالح، وأيضاً أن النكاح هو سنة الأنبياء والمرسلين، وقد قال الله عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً [الرعد:38] ، وأيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) .

    الرأي الثاني: قالوا بأن التفرغ لنوافل العبادة أفضل، وهذا قال به الشافعية، واستدلوا على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى أثنى على نبيه يحيى بقوله: وَسَيِّداً وَحَصُوراً [آل عمران:39] قالوا: الحصور: هو الذي لا يأتي النساء، وأجيب عن هذا بجوابين:

    الجواب الأول: أنه لا يسلم بأن الحصور هو الذي لا يأتي النساء، والصواب: أن الحصور هو الذي لا يأتي الفواحش.

    والجواب الثاني: لو سلم فنقول بأن هذا في شرع من قبلنا، وأما شرعنا فبقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) .

    فالصواب في هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وأن فعله مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة، لكن ينبغي أن يلحظ أن الإنسان إذا أراد أن يتزوج أو أراد أن يأتي أهله فليقصد بذلك امتثال أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، لكي يكون عمله عبادةً يؤجر عليها؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أفرأيتم لو وضعها في حرام ) إلى آخره.

    النكاح الواجب

    قال رحمه الله: (ويجب على من يخاف الزنا بتركه).

    تقدم أن الأصل في النكاح هو السنية، ولكن إذا خاف على نفسه الزنا فإنه يجب عليه أن يتزوج؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وترك الزنا واجب ولا يتم هذا الواجب إلا بالنكاح فإذا كان هذا الواجب لا يتم إلا بالنكاح فنقول: إن النكاح حينئذٍ يكون واجباً، فقوله رحمه الله: ( ويجب على من يخاف الزنا بتركه ) حتى ولو ظناً، فلو ظن أنه سيزني إلى آخره، فنقول له: يجب عليك النكاح، وعبارة ابن قدامة رحمه الله تعالى: يجب على من يخاف على نفسه فعل المحظور، ليس خاصاً بالزنا، يعني: لو كان هذا الشخص يخشى على نفسه فعل المحظور، من زنا أو لواط أو استمناء أو غير ذلك، فإنه يجب عليه أن يتزوج؛ لأن هذا هو طريق إعفاف نفسه عن هذه المحظورات، فهذان حكمان.

    النكاح المكروه

    الحكم الثالث: يكره النكاح إذا لم يكن عند الإنسان قدرة مالية ولا بدنية، كإنسان فقير ليس عنده قدرة بدنية، فليس عنده قدرة مالية لكونه فقيراً، وأيضاً ليس عنده قدرة بدنية لكونه كبيراً أو كونه عنيناً، قال الفقهاء رحمهم الله: يكره له أن يتزوج في هذه الحالة؛ لأنه عنين، أو كبير لا شهوة له، وليس عنده مال، فهذا سيلحق نفسه شيئاً من التبعات فيما يتعلق بالمرأة والنفقة عليها والقيام إلى آخره.. هكذا قال العلماء رحمهم الله: يكره لفقير لا شهوة له.

    وهذا محل نظر؛ لأن الفقر ليس عيباً، والله عز وجل يقول: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32] فنقول: ينبغي للإنسان أن يتزوج وليست مصلحة النكاح منحصرة في الاستمتاع بل قد يحتاج إلى من يخدمه، فهذا الكلام الذي ذكره العلماء رحمهم الله فيه شيءٌ من النظر.

    فالذي يظهر -والله أعلم- أن الفقر ليس عيباً، والصحابة رضي الله عنهم كان أحدهم يتزوج وليس عنده شيء، كقصة الواهبة نفسها في حديث سهل ، قال: ( التمس ولو خاتماً من حديد ) فذهب ولم يجد خاتماً من حديد، ( قال: ما معك من القرآن؟ قال: احفظ كذا وكذا، قال: زوجتك بما معك من القرآن ) ولما قال: ( أصدقها إزاري ) قال الراوي: عليه إزار ما عليه رداء، يعني: ما عنده شيء فنصف بدنه الأعلى مكشوف، ونصف بدنه الأسفل مستور، فالإنسان مع حسن الظن بالله عز وجل لا يضره الفقر، لكن لا بد أن يبين للمرأة أنه لا شهوة له.

    النكاح المباح والنكاح المحرم

    الحكم الرابع: يباح النكاح إذا كان لا شهوة له وعنده مال، ككبير أو عنين لا شهوة له لكن عنده مال، بمعنى: من عجز عن القدرة البدنية لكن عنده قدرة مالية، وهذا أيضاً فيه شيء من النظر كما تقدم والأصل الاستحباب.

    الحكم الخامس: يحرم النكاح إذا ترتب على ذلك محذور شرعي، وقد ذكر العلماء رحمهم الله من ذلك صوراً: إذا كان النكاح في دار الحرب، بمعنى: البلد التي بيننا وبين أهلها حرب؛ لأنه عندما يتزوج في بلاد الحرب سيترتب عليه أن يستولي الكفار على زوجته وأولاده إلى آخره، فيحرم عليه أن يتزوج إلا لضرورة، ويستثنون من ذلك الأسير.

    وكذلك أيضاً يحرم النكاح إذا كان فيه غش وتدليس على المرأة، كما لو أظهر نفسه أنه غني وليس غنياً، أو تبين أنه عنين أو أنه لا شهوة له ونحو ذلك، فهذا لا بد أن يبينه للمرأة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( من غشنا فليس منا ) .

    1.   

    تعدد الزوجات

    قال رحمه الله: ( ويسن نكاح واحدةٍ ).

    هنا شرع المؤلف رحمه الله في بيان صفات المرأة التي ينبغي أن تنكح، قال: (يسن نكاح واحدة) بمعنى: أن الأفضل لك ألا تعدد وأن تقتصر على واحدة فقط، قالوا: لأن الإنسان عندما يعدد فإنه سيترتب عليه أن يحصل شيء من العداوة والخلاف بين أولاد الضرات كما هو معلوم، مما قد يترتب على ذلك قطيعة الرحم، وكذلك سيعرض نفسه للمحرم من عدم العدل بين الزوجات، كما قال الله عز وجل: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [النساء:129].

    والرأي الثاني في المسألة: أن الأفضل هو التعدد، وأن الاقتصار على واحدة هو المباح خلاف ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، ودليل ذلك: أن الله سبحانه وتعالى بدأ بالتعدد فقال: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3] فالله سبحانه وتعالى بدأ بالاثنتين والثلاث والأربع، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3] وهذا القول هو الصواب.

    ويؤيد ذلك ما تقدم من مصالح النكاح الكثيرة، فكلما أكثر من الزواج كلما كثرت هذه المصالح، لكن يشترط أن يكون عنده القدرة المالية والبدنية، وأن يعرف من نفسه أنه سيعدل أو يجاهد نفسه على العدل، وحينئذ فلا شك أن الأفضل هو التعدد؛ لما ذكرنا من الدليلين: أن الله سبحانه وتعالى بدأ بالتعدد، وأيضاً ما يترتب على ذلك من مصالح كثيرة، وكلما كثر هذا الزواج كلما كثرت هذه المصالح.

    1.   

    صفات الزوجة

    أن تكون دينة

    قال رحمه الله: ( دينة ).

    هذه الصفة الأولى للمرأة بمعنى: أن تكون المرأة ذات دينٍ؛ ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة المخرج في الصحيحين: ( فاظفر بذات الدين تربت يداك )، ومعرفة كون المرأة دينة إما بحال المرأة، بحيث يسأل عن حال المرأة فيما يتعلق بصلاتها وصيامه وزكاتها وعفتها وحجابها ونحو ذلك، أو أن يعرف ذلك عن طريق بيت المرأة، فإذا كانت المرأة في بيت دين واستقامة، فالغالب على حالها أن تكون دينةً؛ لأن الإنسان يتأثر بالمحيط الذي يعيش فيه، فإذا كان أهلها من ذوي الدين، فالغالب أنها تكون دينةً.

    أن تكون أجنبية

    قال رحمه الله: (أجنبية).

    هذه الصفة الثانية: أن تكون أجنبية، والحقيقة أني لم أجد عند الحنابلة تفسيراً لكلمة: (أجنبية)، لكن الشافعية يفسرون الأجنبية، فيقولون: الأجنبية هي التي لا تكون في أول درجات العمومة أو الخئولة، يعني: ما تتزوج بنت عمك ولا بنت عمتك، ولا ابنة خالك ولا ابنة خالتك، ما عدا هؤلاء فإنها تكون بعيدة وأجنبية، فمثلاً: ابنة ابن ابن عمك أجنبية، أما ابنة عمك فقريبة لا تتزوجها، لكن ابنة بنت عمك هذه يعتبرونها أجنبية، فبنت العم هذه في أول الدرجات فهم يرونها قريبة فلا يتزوجها، لكن ما نزل من الدرجات فإنها تعتبر بعيدة، وهم يستدلون على هذه الصفة بدليلين:

    الدليل الأول، يقولون: الغِراب أنجب، لأن الولد يأخذ من دم أعمامه وآباءه، ويأخذ أيضاً من دم أخواله، فيقولون: الغِراب أنجب.

    والدليل الثاني: أنه ربما حصل طلاق فإذا كانت قريبة ترتب على ذلك شيء من قطيعة الرحم.

    والصواب في هذه المسألة: أننا ننظر إلى الميزان الذي وزن به النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الكلام لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فاظفر بذات الدين تربت يداك ) هذا الميزان الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم، فنقول: الزوج يُحث على أن يظفر بذات الدين، سواء كانت قريبة أو كانت بعيدة.

    وأما القول بأن الغراب أنجب فهذا غير مسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم زوج فاطمة عليها السلام أفضل نساء أهل الجنة زوجها من ابن عمها علي بن أبي طالب وأنجبت الحسن والحسين ولا أنجب منهما، وهما سيدا شباب أهل الجنة، ومثل ذلك أيضاً كثير في السلف من الصحابة والتابعين إلى آخره.

    وأما القول بأنه يترتب على ذلك قطيعة رحم إلى آخره، فنقول: الأصل عدم الطلاق، بل بالعكس فيترتب على ذلك صلة رحم وأن الإنسان إذا تزوج قريبةً له فإن هذا يكون أدعى إلى شدة القرابة، وقوة الصلة، وكون الإنسان يبر قريبته فيتزوجها أفضل من أن يبر امرأةً بعيدة.

    وعلى كل حال فالميزان الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو: ( اظفر بذات الدين تربت يداك ) .

    أن تكون بكراً

    قال رحمه الله: (بكر).

    هذه الصفة الثالثة: أن تكون بكراً، بمعنى: أن تكون عذراء لم يسبق لها الزواج؛ ويدل لذلك حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك ) وهذا خرجاه في الصحيحين.

    والرأي الثاني في هذه المسألة: أنه يقدم الثيب إذا كان هناك مصلحة، ويدل لذلك أيضاً قصة جابر رضي الله تعالى عنه، فإن جابراً رضي الله تعالى عنه تزوج ثيباً وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن أباه استشهد في أحد، وأنه خلف سبعة بنات أو تسع بناتٍ وأنه تزوج امرأةً ثيباً لكي تقوم عليهن، فبارك له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فنقول: إذا كان هناك مصلحة فإنها تقدم الثيب، أما إذا لم يكن هناك مصلحة فيتزوج بكراً، كما حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم: ( فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك ).

    أن تكون ولوداً

    قال رحمه الله: ( ولوداً ).

    هذه الصفة الرابعة: أن تكون ولوداً، ويعرف ذلك بنسائها، فإذا كانت هذه المرأة من نساءٍ عرفن بالولادة كأخواتها وأمهاتها فإنه يتزوج الولود، أما إذا كانت هذه المرأة من نساءٍ لم يعرفن بالولادة، أو قد تكون ولادتهن قليلة فإنه يتخير الولود، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ).

    أن تكون بلا أم

    قال رحمه الله: (بلا أمٍ).

    هذه الصفة الخامسة، وهذه اللفظة ليست موجودة في المتن، ومتن المقنع الذي اختصر من متن زاد المستقنع ليست موجودة، وأيضاً ليست موجودة في المنتهى، ولا في الإقناع، ولا في كشاف القناع شرح الإقناع، ولا: شرح المنتهى، فهذه اللفظة ليست موجودة في كتب المذهب المعتمدة عند المتأخرين.

    ولأن هذه اللفظة قلقة، كيف نقول: بلا أم؟! يعني أننا نقول: ابحث عن امرأة ليس لها أم، وهذا يكاد يكون متعذراً، وهم يقولون: التعليل الذي عللوا به ذكر هذه اللفظة هو أن أمها ربما أفسدتها، وهذا ضعيف، بل الغالب أن كثيراً من الأمهات تصلح الزوجة لزوجها، ولو قال المؤلف رحمه الله: لها أم صالحة لكان أحسن، أما القول بأنها ليس لها أم فغريب، فهذه اللفظة قد بحثت عنها في أصل الكتاب، وأيضاً في كتب المتأخرين كالإقناع وشرحه، والمنتهى وشرحه، والإنصاف للمرداوي فلم يذكروها، وهذا يدل على أن المتقدمين أيضاً ما ذكروها، وإنما انفرد بها الحجاوي في كتاب: زاد المستقنع، فهذه اللفظة فيها نظر.

    فالصحيح أن هذه صفة غير معتبرة عند العلماء رحمهم الله تعالى، وأيضاً قبل ذلك ليست معتبرةً في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولو أن المؤلف رحمه الله قال: لها أم صالحة لكان أحسن.

    1.   

    النظر إلى المخطوبة

    قال رحمه الله: (وله نظر ما يظهر غالباً).

    الآن شرع المؤلف رحمه الله تعالى في بيان أحكام النظر إلى المخطوبة، وتحته مسائل:

    حكم النظر إلى المخطوبة

    المسألة الأولى: حكم النظر إلى المخطوبة، وهو قول المؤلف رحمه الله: (وله نظر ما يظهر غالباً) (له): اللام للإباحة، فيؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن النظر إلى المخطوبة مباح وليس سنة، واستدلوا على هذا بحديث أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا خطب أحدكم امرأةً فلا جناح عليه أن ينظر إليها) ونفي الجناح يعني: رفع الإثم وهذا يقتضي الإباحة.

    والرأي الثاني رأي الشافعية: أن النظر إلى المخطوبة سنة ومستحب، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: ( انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ) أي: أن يؤلف بين قلبيكما، يعني: هذا أجدر أن تقع الألفة بين الخاطب ومخطوبته، وما دام أنه يترتب عليه هذه المصلحة العظيمة -وهي: أنه يؤلف بين القلوب- فإنه لا يكتفى فيه بالإباحة وإنما يصار إلى الاستحباب، وعلى هذا نقول: الراجح ما ذهب إليه الشافعية، وأن النظر إلى المخطوبة سنة وليس مباحاً كما يذكر المؤلف رحمه الله.

    قال رحمه الله: (ما يظهر غالباً).

    شروط النظر النظر إلى المخطوبة

    هذه المسألة الثانية: النظر يشترط له شروط:

    الشرط الأول: أن ينظر ما يظهر غالباً، وهو: الوجه والكفان والقدمان، والرقبة، وأما الرأس فهو موضع خلاف، والمشهور من المذهب أنه لا ينظر إليه، والصواب أنه ينظر إليه، وعلى هذا فالذي ينظر إليه هذه الأمور الخمسة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فقدر أن يرى منها ما يدعوه إلى نكاحها ) والذي يدعو إلى النكاح هذه الأمور الخمسة: الوجه، الكفان، والقدمان، والرأس على الصحيح، وكذلك أيضاً الرقبة.

    هذا الشرط الثاني قال رحمه الله: ( مراراً ).

    يعني: أن ينظر بقدر الحاجة، وعلى هذا إذا رأى منها ما يدعوه إلى نكاحها فلا يجوز له أن ينظر مرةً أخرى؛ لأنها امرأة أجنبية، والحاجة تقدر بقدرها، وأبيح له أن ينظر لحاجته إلى النظر فينظر بقدر ما يدعوه إلى نكاحها، ولو احتاج أن يكرر النظر فلا بأس، يعني: ينظر مرة، مرتين، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: [ مراراً ] .

    ويدل لذلك قصة الواهبة نفسها فإن النبي صلى الله عليه وسلم صعد النظر وصوبه، بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كرر النظر، فنقول: ينظر بقدر الحاجة.

    الشرط الثالث: بلا شهوة، يعني: لا يجوز له أن ينظر بشهوة؛ لأن هذه امرأة أجنبية منه، ولا يجوز أن يستمتع بامرأة لا تحل له، لكن قد تطرأ عليه الشهوة أثناء النظر وهذا أجاب عنه العلماء رحمهم الله بأنه إذا طرأت عليه الشهوة فإنه يدافع النظر بشهوة.

    الشرط الرابع: أن ينظر إليها في حالتها العادية، أما أن تضع طيباً أو محسنات أو مجملات، فلا يجوز؛ لأن هذه امرأة أجنبية ولا يجوز لها أن تتحسن لرجل أجنبيٍ عنها، ولما في ذلك أيضاً من الغش والتدليس.

    وأما النظر إلى الصورة فهل نقول بأنه مشروع، أم نقول بأنه محرم أو غير ذلك؟ والذي يظهر -والله أعلم- أن النظر إلى الصورة لا يكفي وأنه لا يشرع ولا ينبغي؛ لأن الصورة لا تعطي الصفة الحقيقية للمرأة، وقد يحصل فيها شيء من التدليس وغير ذلك، اللهم إلا عند الحاجة كما لو كانت المرأة في بلادٍ بعيدة فقد يصار إلى ذلك، أما ما عدا ذلك فنقول بأن النظر الذي جاء به الشارع هو أن ينظر إليها حقيقةً.

    الشرط الخامس: هل النظر يكون قبل الخطبة أو بعد الخطبة؟ هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله؛ فمنهم من قال بأنه قبل الخطبة ومنهم من قال بأنه بعد الخطبة، والذين قالوا بأنه قبل الخطبة استدلوا بحديث محمد بن مسلمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا ألقى الله عز وجل في قلب امرئٍ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها ) ، والرأي الثاني أنه بعد الخطبة؛ لحديث جابر : ( إذا خطب أحدكم امرأةً فاستطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل ) .

    والأقرب في مثل هذه المسألة أن يقال بأن هذا يرجع إلى الأعراف والقرائن، فربما يخطب ثم يطلب النظر، وربما ينظر ثم بعد ذلك يخطب، والله أعلم.

    الشرط السادس: أن يعرف من نفسه أنه لن يرد، فلو كان هذا الشخص يعرف من نفسه أنه إذا خطب هذه المرأة فإن أولياءها سيردونه فإنه لا يجوز له أن ينظر في هذه الحال.