إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [40]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتمد العلماء قول الغاصب في دعوى تلف قيمة أو قدر أو صفة المغصوب، وقول رب المغصوب في الرد وعدم العيب. ومن أتلف محترماً كخمر ذمي ضمن، ولا يضمن من أتلف محرماً، ويضمن صاحب البهائم ما أتلفته إن كان مفرطاً، وإتلاف الصائل هدر إن لم يندفع إلا به.

    1.   

    اختلاف قول الغاصب والمالك

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقول في قيمة التالف أو قدره أو صفته قوله، وفي رده أو تعييبه قول ربه، وإن جهل ربه تصدق به عنه مضموناً. ومن أتلف محترماً أو فتح قفصاً أو باباً أو حلَّ وكاءً أو رباطاً أو قيداً فذهب ما فيه، أو أتلف شيئاً ونحوه ضمنه. وإن ربط دابةً بطريقٍ ضيق فعثر به إنسانٌ ضمنه، كالكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه أو عقره خارج منزله. وما أتلفت البهيمة من الزرع ليلاً ضمنه صاحبها وعكسه النهار إلا أن تُرسل بقرب ما تتلفه عادة، وإن كانت بيد راكبٍ أو قائدٍ أو سائق ضمن جنايتها بمقدمها لا بمؤخرها، وباقي جنايتها هدر كقتل الصائل عليه وكسر مزمارٍ وصليبٍ وآنية ذهبٍ وفضةٍ وآنية خمرٍ غير محترمة.

    باب الشفعة: وهي استحقاق انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد، فإن انتقل بغير عوض أو كان عوضه صداقاً أو خلعاً أو صلحاً عن دم عمد فلا شفعة].

    تقدم لنا ما إذا تغيرت صفة المغصوب أو نقص المغصوب شيءٌ من الصفات، وذكرنا ثلاث صور لهذه المسألة، وكذلك أيضاً تقدم لنا حكم الأيدي -بعد يد الغاصب- التي تنتقل إليها العين المغصوبة، أي: إذا انتقلت العين المغصوبة من يد الغاصب إلى غير الغاصب، وأن هذه الأيدي عشرٌ وأنها كلها ضامنة، وأما بالنسبة لقرار الضمان ففيه تفصيلٌ سبق.

    وقوله: (ومن جنسها لا يضمن إلا أكثرهما) صورة المسألة في هذه الجملة: إذا نقص المغصوب صفة من الصفات واستفاد صفةً أخرى من جنس هذه الصفة فالمؤلف رحمه الله تعالى يقول: بأن الغاصب لا يضمن إلا أكثر الصفتين ومن جنسها لا يضمن إلا أكثرهما.

    مثال ذلك: غصب شاةً سمينة وكانت تساوي خمسمائة، ثم بعد ذلك هزلت فأصبحت تساوي أربعمائة، ثم بعد ذلك سمنت فأصبحت تساوي أربعمائة وثمانين، فعلى كلام المؤلف كم يضمن الغاصب؟ يقول: لا يضمن إلا أكثر الصفتين، وكم الفرق بين الصفة الأولى والصفة الثانية؟، نقول: الفرق عشرون، فيضمن عشرين.

    وعلى الرأي الذي رجحنا قلنا: يضمن الجميع، نقول: بأنه يضمن جميع الصفة، فهو الآن غصب شاةً سمينة تساوي خمسمائة، ثم هزلت فأصبحت تساوي أربعمائة، فيضمن المائة كاملة؛ لأنه يجب عليه أن يرد حال الهزال، وإذا رد في حال الهزال فإنه سيضمن هذه المائة، وكونه أبقاها حتى سمنت فهو متعدٍ، وهذه الزيادة يجب عليه أن يردها فنقول: يجب عليه أن يرد الزيادة الثانية ويجب عليه أن يضمن الصفة الأولى كاملةً، وهذا سبق أن أشرنا إليه خلافاً لما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    صور يقدم فيها قول الغاصب

    قال المؤلف رحمه الله: (والقول في قيمة التالف أو قدره أو صفته قوله).

    إذا اختلف الغاصب مع المالك فيقدم قول الغاصب في صور:

    الصورة الأولى: أن يختلفا في قيمة التالف، ولنفرض أنه غصب سيارةً ثم تلفت هذه السيارة فقال الغاصب: قيمتها عشرة آلاف، وقال المالك: قيمتها اثنا عشر ألف ريال، فمن القول قوله؟ يقول المؤلف رحمه الله: القول قول الغاصب؛ لأنه غارم، والقاعدة على المذهب: أن القول قول الغارم، فإذا اختلفا في قيمة التالف فالقول قول الغاصب لأنه غارم، هذه الصورة الأولى.

    الصورة الثانية: (أو قدره)، لو قال المالك: غصبت كتابين، وقال الغاصب: لم أغصب إلا كتاباً واحداً، فمن القول قوله؟ يقول المؤلف: القول قول الغاصب؛ لأنه غارم.

    الصورة الثالثة: (أو صفته) قال المالك: غصبتني سيارةً صفتها كذا وكذا، وقال الغاصب: لا بل غصبتك سيارةً صفتها كذا وكذا، فالقول قول الغاصب؛ لأنه غارم.

    صور يقدم فيها قول المالك

    قال رحمه الله: (وفي رده).

    إذا اختلفا في الرد فقال الغاصب: رددت العين المغصوبة، وقال المالك: لم ترد العين المغصوبة، فالقول قول المالك؛ لأن الأصل عدم الرد.

    قال رحمه الله: (أو تعييبه).

    فلو قال الغاصب: أنا غصبت سيارةً معيبة بها خلل كذا وكذا، وقال المالك: بل غصبت سيارةً سليمة، فالقول قول المالك؛ لأن الأصل عدم العيب ولذلك قال: (أو تعييبه قول ربه).

    فأصبحت صور الاختلاف التي ذكرها المؤلف خمس صور.

    والقاعدة في مثل هذه الأشياء -كما سلف أن أشرنا إلى شيءٍ من ذلك- نقول: إن كان هناك بينات نرجع للبينات، وإذا لم يكن هناك بينات نرجع للقرائن، وإذا لم يكن هناك قرائن فنرجع إلى كلام العلماء وما دلت عليه القواعد، مع أن عندنا أيضاً قاعدة أخرى وهي: أن الغاصب ظالمٌ متعدٍ، فيلاحظ ذلك أيضاً في الاختلاف.

    1.   

    تصرف الغاصب التائب عند جهل رب العين المغصوبة

    قال رحمه الله: (وإن جهل ربه تصدق به عنه مضموناً).

    ولنفرض أن الغاصب شخص عنده أموالٌ قد غصبها أو سرقها أو انتهبها أو اختلسها ونحو ذلك ثم تاب، فما الحكم في مثل هذه الأموال؟ المشهور من المذهب أنه يسلمها للحاكم إذا كان الحاكم أهلاً، أو يسلمها للقاضي ويبرأ من عهدتها، والذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى: أنه يتصدق به عنه مضموناً، يعني أنه يتصدق بهذه العين المغصوبة على الفقراء والمساكين مضمونة، بمعنى أنه إذا جاء صاحبها فإن أجاز الصدقة فالحمد لله، فإن لم يجز الصدقة فإنه يجب عليه أن يضمنها له، وهذا القول هو الأقرب، وقوله: ولا حاجة إلى أن يسلمها إلى القاضي، فإذا كان الإنسان عنده أموالٌ جهل ربها لكونها مغصوبة أو مسروقة أو منتهبة أو مختلسة ونحو ذلك، فنقول: بأنه يتصدق بها بنية الضمان، فإن رضي صاحبها وأجاز الصدقة فالحمد لله، وإن لم يرض صاحبها فإنه يضمنها له، ويجب عليه أن يبحث عن صاحبها، وكذلك أيضاً لا تبرأ الذمة بمجرد الصدقة؛ لأنه لابد أن يبحث أولاً، يعني كونه يبادر بالصدقة هذا لا تبرأ به الذمة، بل لابد أن يبحث عن صاحبها، وكذلك أيضاً إذا كان له ورثة فإنه يبحث عن ورثته، فإذا لم يجد صاحبها ولا وجد أحداً من ورثته فإنه يتصدق بها كما سلف.

    1.   

    الإتلافات وما يتعلق بها من ضمان

    قال رحمه الله: (ومن أتلف محترماً).

    هنا شرع المؤلف رحمه الله في ذكر ما يتعلق بالإتلافات، وقد ذكرها المؤلف تحت باب الغصب لوجهين:

    الوجه الأول: ما يتعلق بالضمان، فالغاصب ضامن، وكذلك أيضاً المتلف ضامن.

    والوجه الثاني: ما يتعلق بالإتلاف، فلاشك أن الغصب فيه نوعٌ من الإتلاف، فهو سيتلف المنافع، إن لم يتلف العين، وأيضاً هذه الإتلافات فيها إتلافٌ للأعيان.

    وذكر المؤلف رحمه الله ما يتعلق بإتلافات البهائم، وأيضاً إتلاف الأموال المحرمة كما سيأتينا إن شاء الله.

    إتلاف الأعيان المحترمة

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن أتلف محترماً).

    يعني أتلف مالاً محترماً، والمال المحترم هو: ما أباح الشارع الانتفاع به والعقد عليه، فهذا هو المال المحترم، فيخرج عندنا أمران:

    الأمر الأول: الأموال المحرمة، فالأموال المحرمة هذه ليس لها حرمة شرعاً، فلو أن شخصاً أتلف الدخان لعمرو فهذا لا حرمة له شرعاً، وهذا الدخان ليس مالاً شرعاً فلا يجب عليه الضمان، أو مثلاً أراق الخمر، والمهم إذا أتلف هذا المحرم، فنقول بأنه ليس محترماً شرعاً ولا ضمان.

    الثاني: المختصات، فالمختص ليس له قيمة شرعاً، فمثلاً لو أتلف كلب الصيد أو كلب الحرث أو كلب الماشية، فهذه الأشياء ليس لها قيمة شرعاً، فنقول: لا ضمان.

    قال رحمه الله: (ومن أتلف محترماً أو فتح قفصاً).

    المحترم: مثلاً أتلف السيارة أو أتلف الكتاب أو أتلف البر أو أتلف الثوب، أو فتح قفص طائر من الطيور.

    قال رحمه الله: (أو باباً).

    مثلاً باباً أغلق فيه على حيوان كبعير أو بقرة ونحو ذلك.

    أو (حلَّ وكاءً).

    الوكاء: هو ما يربط به الإناء ونحو ذلك مما تحفظ به الأشياء.

    (أو رباطاً).

    يعني كرباط فرس ونحو ذلك.

    (أو قيداً). أي: حل قيداً عن مقيد من حيوان وغير ذلك.

    (فذهب ما فيه أو أتلف شيئاً ونحوه).

    يعني نحو ما تقدم.

    (ضمن).

    لأنه تسبب في الإتلاف.

    يعني إذا تسبب في الإتلاف أو باشر الإتلاف فنقول بأنه يضمن، وإذا اجتمع مباشر ومتسبب فالضمان على المباشر، وإذا لم يمكن فالضمان على المتسبب، فهنا إذا حل الوكاء أو الرباط أو القيد فهو تسبب الآن في ضياع هذه الأشياء أو في تلفها ونحو ذلك، فنقول بأنه يضمنها؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92]، هذا إذا كان خطأ فكيف إذا كان عمداً.

    إتلافات الدابة في الطريق

    قال رحمه الله: (وإن ربط دابةً بطريقٍ ضيق فعثر به إنسانٌ ضمن).

    إذا ربط دابة بطريقٍ ضيق فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: إنه يضمن، فلو أنه ربط الدابة مثلاً كالحمار أو الثور أو الجمل ربطه في طريقٍ ضيق فعثر به إنسان ضمن، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لو ربط الدابة بطريقٍ واسع أنه لا ضمان.

    وعلى هذا نقول: بأن هذا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يربط الدابة بطريقٍ ضيق، فيقول المؤلف رحمه الله: يضمن؛ لأنه تعدى بالربط.

    القسم الثاني: أن يربط الدابة بطريقٍ واسع، فظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يضمن، وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه يضمن؛ لأن الارتفاق بالطريق مشروطٌ بسلامة العاقبة وهذا قول الشافعية؛ لأن الارتفاق بالطريق يعني الانتفاع بالطريق مشروط بسلامة العاقبة، فقالوا بأنه يضمن.

    والأقرب في مثل هذا أن يقال: الضابط أنه إذا تصرف في الطريق فإن تعدى أو فرط ضمن، وإن لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه؛ لأن الأصل أنه مأذونٌ له أن يتصرف في الطريق، فإن تصرف في الطريق بأن وقف دابة أو كما تقدم لنا ما يتعلق بالبناء ونحو ذلك، نقول: إذا تعدى أو فرط فإنه يضمن، وإن لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه .

    إتلافات السباع الضارية

    قال المؤلف رحمه الله: (كالكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه أو عقره خارج منزله).

    إذا أتلف الكلب العقور، والعقور: الذي يعقر الناس، يعني: يعتدي على الناس بالعقر وهو العض ونحو ذلك، ومثل ذلك أيضاً بقية السباع كالأسد والنمر ونحو ذلك، فإذا أتلفت مثل هذه الأشياء، فهل تضمن أو لا تضمن؟ أو هل يضمن من أدخلها بيته أو نقول بأنه لا يضمن؟ نقول: مثل هذه الأشياء -السباع الضارية المفترسة- إن عقرت خارج المنزل فإن صاحبها يضمن -هذا القسم الأول- لأنه متعدٍ بجلبها إلى مجامع الناس.

    والقسم الثاني: أن تعقر داخل المنزل، فإن دخل من عقر بالإذن فإن صاحبها يضمن، وإن دخل بغير إذنٍ فإن صاحبها لا يضمن؛ لأنه متعدٍ بالدخول.

    فإتلافات هذه السباع الضارية تنقسم إلى قسمين: أن يكون ذلك خارج البيت أو خارج المزرعة ونحو ذلك، فنقول: بأن صاحبها يضمن؛ لأنه متعدٍ باقتناء مثل هذه الأشياء والمؤذي يتلف.

    القسم الثاني: أن تعقر داخل البيت، فإن كان أذن بالدخول إليها فإنه يضمن، وإن لم يأذن بالدخول وإنما دخل الداخل بلا إذن فإنه لا ضمان؛ لأنه متعدٍ بالدخول.

    ومثل ذلك أيضاً: لو أن مثل هذه السباع أتلفت شيئاً من الأموال.

    إتلافات البهائم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وما أتلفت البهيمة من الزرع ليلاً ضمنه صاحبها وعكسه النهار).

    لما تكلم المؤلف عن إتلافات السباع الضارية ونحو ذلك- ذكرنا فيها هذا التفصيل السابق-شرع في إتلافات بهيمة الأنعام، وبهيمة الأنعام اقتناؤها مباح بخلاف السباع الضارية فإن اقتناءها غير مباح.

    نقول: إتلافات البهائم تنقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن تتلف البهيمة ليلاً، فقال المؤلف: يضمن صاحبها ما أتلفت، فإذا أتلفت زرعاً أو شجراً أو مالاً أو أثواباً أو طعاماً أو نحو ذلك، فإذا أتلفت في الليل فإن صاحبها يضمن، فعندنا القسم الأول: ما يتعلق بإتلافات البهائم ليلاً، نقول بأن صاحبها يضمن.

    قوله: (وعكسه النهار) هذا القسم الثاني: ما أتلفت نهاراً فإن صاحبها لا يضمن، فإذا أتلفت زرعاً أو شجراً أو مالاً بالنهار فإن صاحبها لا يضمن.

    القسم الثالث: أن تتلف نهاراً لكن صاحبها أرسلها بقرب ما تتلفه عادة، فهل يضمن أو لا يضمن؟ الأصل أن ما أتلفت نهاراً لا يضمن، لكن قال رحمه الله: (إلا أن ترسل بقرب ما تتلفه عادةً) يعني أرسلها بجانب المحلات التجارية، أو أرسلها بجانب الزروع، فهل يضمن أو لا يضمن؟ نقول: يضمن، فهذا القسم الثالث: إذا أرسلها بقرب ما تتلفه عادةً يضمن، فأصبحت الأقسام ثلاثة، ويدل لذلك حديث حرام بن سعد (أن ناقةً للبراء دخلت حائط قومٍ فأفسدته، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت بالليل فهو مضمونٌ عليه)، وهذا الحديث أخرجه الإمام مالك رحمه الله تعالى، وكذلك أيضاً ابن ماجه والشافعي وهو مرسل، وقد جاء من وجهٍ آخر متصل، لكن الصحيح أنه مرسل.

    ثم قال رحمه الله: (وإن كانت بيد راكبٍ أو قائدٍ أو سائق ضمن جنايتها بمقدمها لا بمؤخرها).

    هذا القسم الرابع: أن تكون هذه الدابة بيد راكب يركبها أو قائد يقودها أو سائق يسوقها فأتلفت، يقول المؤلف رحمه الله: يضمن إتلافاتها التي بالمقدمة دون ما أتلفته بالمؤخرة، بالمقدمة: اليد والفم، يعني إذا كان معها سائق أو قائد فأكلت من الطعام فهل يضمن أو لا يضمن؟ نقول: يضمن، فلو رفست بيدها هل يضمن أو لا يضمن؟ نقول: يضمن.

    وأتلفت بمؤخرها: الرجل والذيل كأن ضربت بذيلها أو رفست برجلها: فهل يضمن أو لا يضمن؟ يقول: لا يضمن، فيضمن ما أتلفت بمقدمها ولا يضمن ما أتلفت بمؤخرها، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( العجماء جُبار )، بمعنى الدابة هدر، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( العجماء جبار ) هذا متفقٌ عليه، وجاء أيضاً مرسلاً: ( الرجل جبار ) يعني هدر لكن هذا مرسل.

    القسم الخامس: قال رحمه الله: (وباقي جناياتها هدر)، يعني لا ضمان، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( العجماء جبار ).

    فأصبحت الأقسام خمسة:

    القسم الأول: ما أتلفته ليلاً.

    القسم الثاني: ما أتلفته نهاراً.

    القسم الثالث: ما أتلفته نهاراً إذا أرسلت بقرب ما تتلفه عادة.

    القسم الرابع: إذا كانت بيد سائق أو قائد فهذا فيه تفصيل، فما أتلفت بمقدمها يضمن، وما أتلفت بمؤخرها لا يضمن.

    القسم الخامس: باقي جناياتها.

    وخلاصة ذلك أن نقول قاعدة في إتلافات البهائم.

    نقول: النبي صلى الله عليه وسلم حكم، فقال: ( العجماء جبار )، أي: العجماء هدر، فنقول: إتلافات البهائم غير مضمونة إلا إذا تعدى صاحبها أو فرط، وهذا يلخص كل الكلام السابق، فنقول: القاعدة في ذلك: إتلافات البهائم غير مضمونة، والمقصود بالبهائم: التي يباح اقتناؤها -فأما الضواري فقد تقدم الكلام فيها- فالتي يباح اقتناؤها، نقول: إتلافاتها غير مضمونة إلا إذا تعدى صاحبها أو فرط.

    فمثلاً إنسان في الليل انفلتت البهيمة منه فخرجت وأتلفت، أو مثلاً في النهار انفلتت منه وأتلفت، أو مثلاً بمقدمها أكلت وما استطاع أن يردها: فهل يضمن أو لا يضمن؟ نقول: لا ضمان عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم فقال: ( العجماء جبار )، إلا إذا تعدى وفرط كأن أطلقها في الأسواق، ولم يحفظها في الليل، ومثل ذلك أيضاً أن يجعلها بجانب طرق السيارات فتتلف السيارات وتتلف الآدميين ونحو ذلك، نقول: ما دام أنه تعدى أو فرط صاحبها فإنه يضمن، أما إذا لم يكن بتعدٍ ولا تفريط فإنه لا ضمان.

    إتلاف الصائل

    قال رحمه الله: (كقتل الصائل عليه).

    يعني إتلاف الصائل، فإذا أتلف الصائل هل يضمن أو لا يضمن؟ نقول: الصائل إتلافه لا ضمان فيه، ويدل لذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (أن رجلاً جاء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجلٌ يريد أن يأخذ مالي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تعطه، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلته، قال: هو في النار، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد )، فالنبي صلى الله عليه وسلم حكم عليه بالنار مما يدل على أنه لا ضمان، فإذا صال على الإنسان بعير أو آدمي أو غير ذلك فإنه يجب عليه أن يدفعه بالأسهل فالأسهل، فإذا كان الدفع بالتخويف خوفه، أو بالضرب ضربه، أو بالجرح ونحو ذلك جرحه، وإذا لم يندفع إلا بالقتل فإنه لا ضمان عليه.

    المهم أن الأصل أنه يدفعه بالأسهل فالأسهل، فإذا لم يندفع إلا بالقتل فإنه يقتل، لكن لا يتجرأ على القتل ما دام أنه يقدر أن يدفعه بالأسهل فالأسهل، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن خاف أن يبدره بالقتل فله أن يبدره بالقتل، لكن الأصل أن يخوفه بالله ويقوم بالوعظ والتذكير، فإن كان يندفع بالضرب يقوم بضربه، فإذا ظن أنه سيبادره بالقتل فله أن يبادره وهو معذور أمام الله عز وجل.

    إتلاف الأعيان المحرمة

    قال رحمه الله: (وكسر مزمار).

    هنا شرع المؤلف رحمه الله في ما يتعلق بإتلاف المحرمات، ككسر المزمار أو غيره من آلات اللهو، فهذه ليس لها حرمةٌ شرعاً.

    قال رحمه الله: (وصليبٍ وآنية ذهبٍ وفضةٍ وآنية خمرٍ غير محترمة).

    هذه عموماً من المحرمات، فالأشياء المحرمة هذه ليس لها قيمةٌ شرعاً فإتلافها لا ضمان فيه، فإذا أراق الخمر أو أتلف الدخان أو كسر المزمار أو العود أو أتلف الصور أو أتلف المجلات ونحو ذلك نقول: هذه ليس لها قيمةٌ شرعاً ولا ضمان، لكن مباشرة الإتلاف النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه )، فإذا كان له سلطة الإتلاف فإنه يباشر الإتلاف باليد، وإذا لم تكن له سلطة الإتلاف فإنه يغير المنكر باللسان، وإذا لم يتمكن من أن يغير باللسان فإنه يغير بالقلب بمعنى أن يفارق ذلك المنكر.

    قوله: (وصليب). يعني كسر الصليب أو غيره من الأوثان، (وآنية ذهبٍ وفضة وآنية خمرٍ غير محترمة)، الخمر المحترمة هي خمر الذمي، أما خمر المسلم فهذه خمرٌ غير محترمة، فالذمي يقر على شرب الخمر، لكن يجب عليه أن يخفيها، فإن أظهرها فإنها تكون غير محترمة.

    وأيضاً إذا أتلف هذه المحرمات، فإن كانت هذه المحرمات ينتفع بها، يعني ممكن أن ينتفع بها فإنه يتلف المحرم فقط، وإذا كانت العين يمكن أن ينتفع بها فنقول: يتلف الصفة المحرمة، يعني كما قلنا في دفع الصائل: الأسهل فالأسهل، فمثلاً شريط الغناء إذا كان يتمكن من مسحه فهذا هو الأصل ولا يتلفه؛ لأنه ممكن أن يستفاد منه مرةً أخرى، ومثل العود، فإذا كانت الآلات -الخشب- هذه ممكن أن ينتفع بها بشيءٍ آخر فإنه يكسره بحيث لا ينتفع به في الغناء لكن ما يتعلق بالخشب ونحو ذلك إذا أمكن أن ينتفع بها مرةً أخرى فإنه ينتفع بها مرةً أخرى.

    1.   

    مسألة زرع الغاصب

    بقينا في مسألة أخيرة المؤلف رحمه الله ذكر في باب الغصب ما إذا غرس الغاصب ولم يذكر ما إذا زرع، وسبق أن ذكرنا أن العلماء يقرنون بين الغراس والبناء لطول المدة في كل منهما.

    فالغاصب إذا زرع في الأرض المغصوبة فنقول بأن هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يرد الأرض بعد الحصاد، فالمشهور من المذهب أن الزرع للغاصب والمالك له الأجرة.

    والرأي الثاني في المسألة: أن حكم هذا القسم كحكم القسم الثاني.

    فنقول: القسم الأول: أن يرد الأرض بعد الحصاد فالزرع للغاصب وللمالك الأجرة.

    القسم الثاني: أن يرد الأرض قبل الحصاد فالمالك مخير بين أن يأخذ الزرع بكلفته وبين أن يترك الزرع للغاصب وله الأجرة، والرأي الثاني في المسألة في القسم الأول: أن حكم القسم الأول كحكم القسم الثاني.

    1.   

    الشفعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الشفعة).

    تعريف الشفعة

    الشفعة في اللغة: مأخوذةٌ من الشفع وهو الزوج؛ لأن الشريك يضم نصيب شريكه إلى نصيبه فيكون زوجاً بعد أن كان وتراً.

    وأما في الاصطلاح فعرفها المؤلف رحمه الله قال: وهي استحقاق، والصحيح أن يقال انتزاع، فالشفعة: هي انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوضٍ مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد.

    مشروعية الشفعة

    والأصل في الشفعة السنة كما في حديث جابر في صحيح البخاري (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصارت الطرق فلا شفعة).

    والإجماع كما حكاه ابن المنذر ، وإن كان ورد عن أبي بكر الأصل عدم مشروعية الشفعة، لكن جماهير أهل العلم على خلاف ذلك ولهذا يحكون الإجماع، والنظر الصحيح يدل للشفعة؛ لأن الشريعة جاءت بفض الشركة إما عن طريق المقاسمة وإما عن طريق الشفعة، وهذا من مصالح الشفعة، فالشفعة فيها دفع لضرر الشريك الجديد المتوقع.

    وقول المؤلف رحمه الله: (وهي استحقاق انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوضٍ مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد)، هذا التعريف الذي ذكره المؤلف في الاصطلاح هو عبارة عن شروط صحة الشفعة أو يتضمن كثيراً من شروط صحة الشفعة كما سيأتينا.

    1.   

    صورة الشفعة وطرق انتقال النصيب

    قال رحمه الله: (فإن انتقل بغير عوضٍ أو كان عوضه صداقاً أو خلعاً أو صلحاً عن دم عمدٍ فلا شفعة).

    هذا الشرط الأول من شروط صحة الشفعة: أن يكون النصيب انتقل بعوض.

    وصورة الشفعة زيد وعمرو شريكان في هذه الأرض، زيدٌ باع نصيبه على صالح فعمرو له أن يشفع على صالح، فله أن يشفع على المشتري الجديد ويعطيه ما دفعه لشريكه الذي هو زيد ويأخذ النصيب، فيستقل عمرو بجميع النصيب، وهذا فيه مصلحة ظاهرة.

    والشفعة يشترط لصحتها شروط: الشرط الأول: أن يكون النصيب قد انتقل بعوض.

    وعلى هذا انتقال النصيب لا يخلو من أقسام: القسم الأول: أن يكون الانتقال عن طريق البيع، فهذا تثبت به الشفعة بالاتفاق، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل أن يبيع حتى يؤذن شريكه )، فإن باع ولم يستأذنه فهو أحق به، فإذا باع الشريك نصيبه فلشريكه أن يشفع على المشتري.

    القسم الثاني: أن يكون الانتقال عن طريق الإرث، فهذا لا تثبت به الشفعة بالاتفاق.

    فمثلاً لو أن أحد الشريكين مات وانتقل النصيب للورثة، فهل للشريك أن يشفع على الورثة أو ليس له أن يشفع على الورثة؟ نقول: ليس له أن يشفع على الورثة بالاتفاق.

    القسم الثالث: أن يكون انتقال النصيب بغير عوض، مثل: الهبة، الوصية، الصدقة، فهل تثبت به الشفعة أو لا تثبت؟ كلام المؤلف رحمه الله تعالى يدل على أنه لا تثبت به الشفعة، وهذا قول جمهور أهل العلم؛ لأن النصيب انتقل بغير عوض فأشبه الميراث، والميراث متفق على أنه لا تثبت به الشفعة، فمثلا لو أن الشريك وهب نصيبه لزيد أو تصدق به على عمرو أو أوصى به إلى آخره، المهم انتقل بغير عوض فجماهير العلماء يرون أنه لا تثبت الشفعة؛ إلحاقاً لهذه الأشياء بالميراث لعدم العوض.

    القسم الرابع: وهو ما أشار إليه المؤلف رحمه الله: أن يكون هناك عوض لكن هذا العوض غير مالي ونتكلم عليه في الدرس القادم إن شاء الله.