إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [31]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يشترط في شركة العنان شروط منها: أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين، وأن يكون لكل من الشريكين جزء من الربح مشاع معلوم، وضابط الربح أن يكون على حسب الشرط، أما الخسارة فعلى قدر المال. وشركة المضاربة جائزة بالإجماع، ولها نفس شروط شركة العنان، والربح لا ي

    1.   

    تابع شروط شركة العنان

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويشترط أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين ولو مغشوشين يسيراً، وأن يشترطا لكل منهما جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً، فإن لم يذكرا الربح، أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً، أو دراهم معلومة، أو ربح أحد الثوبين لم تصح، وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة، والوضيعة على قدر المال، ولا يُشترط خلط المالين, ولا كونهما من جنس واحد.

    فصلٌ: الثاني: المضاربة لمتجر به ببعض ربحه، فإن قال: والربح بيننا فنصفان، وإن قال: ولي أو لك ثلاثة أرباعه أو ثلثه صح، والباقي للآخر، وإن اختلفا لمن المشروط فلعامل, وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة، ولا يضارب بمال الآخر إن أضر الأول ولم يرض، فإن فعل رد حصته في الشركة، ولا يُقسم مع بقاء العقد إلا باتفاقهما، وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف، أو خسر جُبر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه].

    في الدرس السابق بدأنا بأحكام الشركة، وذكرنا أن الشركة من حيث العموم تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: شركة أملاك، أو شركة استحقاق.

    والقسم الثاني: شركة تصرف، وأنها من حيث العموم اجتماع في استحقاق أو تصرف.

    وأن شركة الأملاك -وهي: الاجتماع في الاستحقاق- هذه لا يبحثها العلماء رحمهم الله في باب الشركة، وإنما هذا العنوان يبحثون فيه ما يتعلق بشركة العقود، وهي الاجتماع في التصرف.

    وذكرنا أن شركة العقود أنواع, وبدأنا بالنوع الأول: وهي الشركة العنان، وأن العنان في اللغة يطلق على معان؛ منها: الظهور، والتساوي.

    وأما في الاصطلاح: فهي أن يشترك شخصان ببدنيهما وماليهما، أي: بعمليهما وماليهما يشتركان جميعاً، كل منهما يدفع مالاً ويشارك في العمل، وحكم هذه الشركة جائزة بالإجماع.

    وذكرنا أن هذه الشركة يشترط لها شروط، سواء كانت لهذه الشركة أو لسائر أنواع الشركات.

    وذكرنا الشرط الأول: وهو أن يكون المال معلوماً، فإن كان مجهولاً فإنه لا يصح.

    والشرط الثاني: أن يكون متساوياً، فلو كان متفاوتاً فهل تصح الشركة أو لا تصح؟ ذكرنا كلام أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة، وأن جمهور أهل العلم يرون عدم اشتراط التساوي، وأن بعض الشافعية يشترطون التساوي.

    الشرط الثالث: كون رأس المال من النقدين المضروبين

    الشرط الثالث: بدأ فيه المؤلف رحمه الله بقوله: (ويشترط أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين ولو مغشوشين يسيراً).

    هذا الشرط الثالث: أن يكون رأس مال الشركة من النقدين المضروبين، والمراد بالنقدين: الذهب والفضة.

    وقوله: (المضروبين) يُخرج ما لم يكن مضروباً من الذهب والفضة كالذهب الخام الذي لم يُضرب، أو الفضة الخام التي لم تُضرب، فلابد أن يكون رأس مال الشركة من النقدين من الذهب أو الفضة المضروبين.

    وعلى هذا إذا كان رأس مال الشركة من العروض، مثلاً هذا أتى بسيارتين، والآخر أتى بسيارتين، أو هذا أتى بسيارة، والآخر أتى بكذا وكذا من أصواع الأرز، ونحو ذلك فلا يصح، أو هذا أتى بأثواب، والآخر أتى بكتب، وقالوا: نجعل هذه العروض رأس مال الشركة، على كلام المؤلف رحمه الله لا يصح.

    وكذلك أيضاً: لو أن كلاً منهما لم يأت بدنانير من الذهب، أو بدراهم من الفضة، وإنما أتى بهذه الفلوس التي يتعامل بها الناس، أتى بريالات أو بجنيهات أو بدينارات فلا تصح الشركة.

    وعلى كلام المؤلف رحمه الله تعالى فإن سائر الشركات الموجودة اليوم شركات غير صحيحة؛ لأنه تخلف فيها شرط من شروط صحة الشركة وهو، لم يكن رأس المال من النقدين المضروبين، من الذهب والفضة المضروبين، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى هو المذهب, وهو مذهب الحنفية.

    وعلتهم في ذلك أن الذهب والفضة هما قيم الأموال وأثمان المبيعات.

    الرأي الثاني: وهو مذهب المالكية: أن هذا ليس شرطاً، وعلى هذا لو كان رأس مال الشركة من العروض، أو من الفلوس فإن هذا جائز.

    ودليل ذلك: أن المقصود من الشركة هو التصرف في المالين، وأن يكون الربح بينهما، واستثمار هذه الأموال كما يكون في النقدين أيضاً يكون في العروض والفلوس، ومما يؤيد ما ذهب إليه المالكية أن الأصل في الشركات الحِل، والأصل في المعاملات الحِل، وإذا كان كذلك فلابد من دليل بين على فساد الشركة إذا كان رأس مالها من النقدين. وهذا القول هو الصواب.

    وكما ذكرنا أن عمل الناس اليوم على هذا في سائر الشركات، يعني: حتى الشركات العادية التي تكلم عليها العلماء رحمهم الله تعالى في كتبهم، أو الشركات التي استجدت كشركات الأسهم ونحو ذلك، هذه كل رأس مالها اليوم من الفلوس، وليس رأس مالها من النقدين: من الذهب والفضة.

    وقول المؤلف رحمه الله: (ولو مغشوشين يسيراً).

    يعني: يقول المؤلف رحمه الله: يشترط أن يكون رأس مال الشركة من الذهب والفضة المضروبين حتى ولو كانا مغشوشين والغش فيهما يسير.

    فمثلاً: إذا كان رأس مال الشركة من الذهب، من الدنانير المضروبة، وهذه الدنانير فيها شيء من الفضة يسير، فيقول لك المؤلف رحمه الله تعالى: بأن هذا جائز ولا بأس به.

    أو مثلاً: رأس مال الشركة من الدراهم من الفضة، وفي هذه الفضة شيء من النحاس فإن هذا جائز ولا بأس به، لأن مثل هذه الأشياء لا يمكن التحرز منها.

    الشرط الرابع: أن يكون الربح جزءاً مشاعاً معلوماً

    قال المؤلف رحمه الله: (وأن يشترطا لكل منهما جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً).

    هذا من أهم شروط الشركة، أن تقوم الشركة على العدل، وضابط ذلك أن يُشرط لكل من الشريكين جزءٌ من الربح مشاع معلوم.

    وقولنا: (مشاع) يُخرج المعين، فلا يصح أن يُشرط لأحد الشريكين أو لكل من الشريكين جزء معين، كما سيذكر المؤلف رحمه الله في الأمثلة، بل لابد أن يُشرط لكل واحد من الشريكين جزءٌ مشاعٌ معلوم.

    ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر )، أخرجاه في الصحيحين.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم دفع أرض خيبر لليهود، لكي يعملوا عليها بشطر -يعني بالنصف- ما يخرج منها من زرع أو ثمر، وهنا لكل من النبي صلى الله عليه وسلم وأهل خيبر من اليهود لكل منهم جزءٌ مشاعٌ من الثمرة أو الزرع، وهو النصف وهكذا في الشركة.

    وهذه الشروط في أنواع الشركة، وكذلك أيضا في المساقاة، وفي المزارعة؛ لأن هذه نوع من الشركة، فيُشرط لكل من رب المال والعامل جزءٌ مشاعٌ من الربح معلوم.

    قولنا: (مشاع) يُخرج كما ذكرنا المعين، وذلك بأن يكون لأحدهما النصف، وللآخر النصف الباقي، أو للعامل الربع، وللمالك ثلاثة الأرباع، أو الثلث والثلثان وهكذا، فإذا كان كذلك فإن الشركة تكون قائمة على العدل؛ لأنهما يجتمعان في الغنم والغرم، فإذا حصل ربح فكل منهما يربح، وإذا حصلت خسارة فكل منهما يخسر، بخلاف ما إذا كان هناك شيء معين.

    فمثلاً لو قيل: إن العامل له ألف ريال، ربما ما تربح الشركة إلا ألف ريال، فيأخذه العامل ويبقى رب المال لا شيء له، لكن لو قلنا: النصف وربحت الشركة ألف ريال فهذا له خمسمائة وهذا له خمسمائة، فكل منهما ربح.

    لكن لو عينا وقلنا: العامل له ألف ريال في الشهر أو له عشرة آلاف ريال والباقي لرب المال فالشركة ربما تربح مائة ألف فرب المال يأخذ تسعين ألفاً والعامل يأخذ عشرة آلاف، وهذا فيه غبن على العامل، وربما العكس لا تربح الشركة إلا عشرة آلاف أو لا تربح إلا خمسة آلاف، فيأخذ العامل هذا الربح، ورب المال لا يكون له شيء.

    ويدل لذلك حديث رافع بن خديج في صحيح مسلم : ( أنهم كانوا يؤاجرون على الماذيانات، وإقبال الجداول، وأشياء من الزرع فيسلم هذا ويهلك هذا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك )، يعني: (إقبال الجداول) الجدول النهر الصغير الذي يجري فيه الماء، فيأتي إما العامل أو المالك فيقول: أنا لي هذا الزرع الذي يكون على حافتي النهر الصغير والباقي لك، فالذي يكون حول الماء يسلم، وأما الباقي فإنه يهلك؛ فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

    لكن لو قيل بأن هذا له النصف من الثمرة، وهذا له النصف، وهذا له نصف الزرع، وهذا له النصف، اشتركا في المغنم والمغرم، فكلام المؤلف رحمه الله ظاهر، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله.

    إذاً أهم الشروط في الشركة أن تقوم الشركة على العدل، وذلك بأن يُشرط لكل واحد منهما جزءٌ مشاعٌ معلومٌ من الربح.

    وقولنا أيضاً: (معلوم) يُخرج المجهول.

    وقولنا: (من الربح) يُخرج ما إذا شُرِط الربح لكل واحد منهما، فالفقهاء رحمهم الله لا يرون ذلك، فلو قال: خذ عشرة آلاف ريال واعمل بها ولك جميع الربح، فالفقهاء لا يرون ذلك، وبعض العلماء يرى أن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن هذا من قبيل التبرع والإسقاط، وهذا هو الظاهر والله أعلم.

    لكن كما ذكرنا إذا كان يترتب على ذلك غرر، وكل منهما يريد نصيبه من هذا الربح، فلابد أن تقوم الشركة على العدل، ولا يمكن أن تقوم على العدل إلا إذا كان لكل منهما جزءٌ مشاعٌ معلوم من الربح.

    وعند المالكية والشافعية: أن الربح بمقدار رأس المال.

    لكن الصحيح في ذلك: هو ما ذكره المؤلف رحمه الله، وهو الذي دلت له الأدلة الشرعية.

    مفسدات شركة العنان المتعلقة بالربح

    قال رحمه الله: (فإن لم يذكرا الربح، أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً).

    إذا لم يُذكر الربح فلا تصح الشركة؛ لأن الربح هو المقصود من الشركة فلابد أن يُذكر، فإذا اشتركا ولم يذكرا الربح فنقول: بأن الشركة لا تصح بل هي فاسدة، لكن الآن ربحا ما الحكم؟ لم ذكروا الربح، واشتغل العامل وكسب مائة ألف، كيف نقسم هذه المائة؟ نقول: قسمة هذه المائة أن يكون لكل واحد منهما نصيب المثل، فننظر في عُرف التجار كم يُعطى هذا العامل إذا عمل هذا العمل في هذا المال؟ فلو قالوا: يُعطى الثلث، نعطيه ثلث المال، ورب المال يكون له الثلثان، وهكذا.

    قوله: (أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً) لم تصح الشركة وتكون شركة فاسدة؛ لأن الجهالة تمنع تسليم الواجب، فمثلاً: لو قال: لك شيء من الدراهم، أو لك شيء من الربح، فنقول: لا يصح، الشركة هنا فاسدة؛ لأنه اختل شرطٌ من شروط صحتها، ويُقسم الربح -كما تقدم في الشركات الفاسدة- لكل واحد منهما نصيب المثل.

    قال رحمه الله: (أو دراهم معلومة).

    كما سبق لو قال: أنت لك ألف والباقي لي فهذا لا يصح؛ لأن الشركة ما قامت على العدل، لابد أن يُشرط لكل واحد منهما جزءٌ مشاع ليس معلوماً: ليس معيناً، كذلك لو قال: أنت لك ألف وأنا لي ألف فلا يصح، بل لابد أن يقول: لك النصف ولي النصف، أو لك الربع، المهم أن يكون مشاعاً.

    فإذا شرط لأحدهما دراهم معلومة، كأن قال: أنت لك ألف أو العامل له ألفان ونحو ذلك، والباقي للآخر، فنقول: هذا لا يصح.

    قال رحمه الله: (أو ربح أحد الثوبين لم تصح).

    مثلاً: هما يشتغلان الآن في السيارات، وفتحا محلاً كبيراً لبيع السيارات، وقال: أنت لك ربح السيارات التي صناعتها كذا وكذا، وأنا لي ربح السيارات التي صناعتها كذا وكذا، أو فتحا مكتبة لبيع الأدوات المدرسية والكتب العلمية، فقال: أنت لك ربح الأدوات المدرسية، وأنا لي ربح الكتب العلمية.

    نقول: هذا لا يصح؛ لأنها ما قامت على العدل، فقد تربح هذه الأدوات، والكتب لا تربح بل تخسر، والعكس، فلم تقم على العدل، ولهذا قال: (أو ربح أحد الثوبين لم تصح).

    قال رحمه الله: (وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة).

    لأن هذه الأشياء: المساقاة والمزارعة والمضاربة هي نوع من الشركة، فالمضاربة نوع من أنواع الشركة، وكذلك أيضاً المساقاة، الحكم فيها كالحكم في شركة العنان، والمساقاة -كما سيأتينا- هي أن يدفع الشجر لمن يقوم عليه بجزء معلوم مشاع من الثمرة.

    فلو قال المساقي للعامل: لك النوع الفلاني من التمر، ولي النوع الفلاني من التمر، هذا ما يصح؛ لأنه قد يسلم هذا ويهلك ذاك، أو قال: اعمل بالمزرعة وثمر البرتقال لك، ولي ثمر الليمون، نقول: هذا لا يصح.

    وقوله: (مزارعة)، المزارعة: هي أن يدفع الأرض لمن يعمل عليها بجزءٍ معلومٍ مشاعٍ من الزرع، فالمزارعة تكون على الأرض، والمساقاة تكون على الشجر، فلو أنه دفع أرضه لمن يعمل عليها، فقال له: ازرعها ولي أنا زرع البُر، ولك زرع الشعير، فهذا لا يصح.

    قوله: (ومضاربة) المضاربة: هي أن يدفع ماله لمن يعمل به بجزء مشاع معلوم من الربح، يعطيه مائة ألف -مثلاً- يعمل فيها، يقول له: افتح محلاً تجارياً، افتح بقالة، افتح مكتبة، فالصحيح أن يتفقا على جزء مشاع، كأن يقول مثلاً: لك الربع ولي ثلاثة أرباع، أو لك النصف ولي النصف.. إلخ.

    أما لو قال: اعمل ولي ربح الثياب ولك ربح الكتب، أو لي ربح هذا الشهر ولك ربح الشهر الثاني، نقول بأن هذا لا يصح، ولهذا قال المؤلف: (وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة).

    ضابط الربح والخسارة في شركة العنان

    قال رحمه الله: (والوضيعة على قدر المال).

    هذا ضابط في باب الشركة، أن الربح على حسب الشرط، وأن الوضيعة أي: الخسارة تكون على قدر المال.

    فالربح على حسب الشرط، كأن يشترط صاحب المال بأن قال: لي النصف أو لي ثلاثة أرباع، وهذا العامل قال: لي الربع على حسب الرضي بذلك، والمسلمون على شروطهم.

    لكن الخسارة، لو قال: نعمل بهذا المال، أنا أدفع مائة ألف وأنت تدفع مائة ألف، لكن إن كان هناك خسارة فالخسارة عليك أنت، أما أنا فما عليّ خسارة، نقول: هذا لا يصح؛ لأنه شرط باطل فاسد، والصحيح أن الخسارة على رأس كل المال.

    فمثلاً: لو دفع هذا مائة ألف وهذا مائة ألف ثم خسرا عشرة آلاف، فكم يتحمل كل واحد منهما؟ يتحمل النصف، لكن لو أن هذا دفع مائة ألف، والآخر دفع مائتي ألف ثم خسرا، فصاحب المائة كم يتحمل؟ يتحمل الثلث، وصاحب المائتين يتحمل الثلثين، وعلى هذا فقس.

    ولو أن أحدهما دفع المال، والآخر منه العمل، كما في شركة المضاربة، فالخسارة تكون على المال، فإذا أعطاه مائة ألف، ثم عمل وضارب فيها ولكنه خسر، نقول: الخسارة على رأس المال، والعامل لا يتحمل شيئاً، وسيأتينا إن شاء الله.

    المهم أن نفهم هذا الضابط، وأن الخسارة في الشركة تكون على قدر المال، بخلاف الربح فإنه يكون على حسب الشرط.

    خلط المالين

    قال: (ولا يُشترط خلط المالين).

    لا يُشترط خلط المالين، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو قول جمهور أهل العلم.

    لو قال: أنا أدفع مائة ألف، وأنت تدفع مائة ألف، وأنا أعمل بالدراهم التي معي، وأنت تعمل بالدراهم التي معك، وما كان هناك من ربح فهو بيننا، أو لك الربع ولي ثلاثة أرباع.. على حسب ما يتفقان، وعلى حسب الشرط كما ذكرنا أن الربح على حسب الشرط، فيقول لك المؤلف رحمه الله: لا يشترط خلط المال.

    والعلة في ذلك: أن القصد هو الربح، ولا يتوقف على الخلط.

    أما الشافعية فيشترطون خلط المال، قالوا: لأن عقد الشركة يستوجب الاشتراك في الربح، وهو متوقف على الخلط.

    والصحيح: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، ومما يؤيد ذلك: أن الأصل في المعاملات الحِل.

    اتفاق جنس المال

    قال رحمه الله: (ولا كونهما من جنس واحد).

    لا يُشترط أيضاً أن يكونا -أي: المالين- من جنس واحد، وهذا المذهب هو رأي جمهور أهل العلم خلافاً للشافعية، الذين يشترطون أن يكون المالان من جنس واحد، يعني: من ذهب أو من فضة، والصواب: أن هذا ليس شرطاً، فلو أتى هذا بذهب وهذا بفضة، أو أتى هذا بريالات وهذا أتى بدينارات، نقول: هذا كله صحيح، نعم يمكن أن يُضبط، فيُنظر كم نسبة الريالات للدينارات، وتُضبط مثل هذه الأشياء، فمثلاً أتى أحدهما بأصواع من الرز، أو بكتب، أو بثياب ونحو ذلك، والآخر أتى بدراهم، فيُنظر إلى قيمة هذه الأشياء وتُضبط.

    1.   

    شركة المضاربة

    قال رحمه الله: (فصلٌ: الثاني: المضاربة).

    هذا النوع الثاني، وتقدمت الشروط السابقة التي ذكرها المؤلف رحمه الله في شركة العنان، وهي تأتي في كل أنواع الشركة، تأتي في شركة المضاربة، وشركة الوجوه، وشركة المفاوضة، كما سيأتينا إن شاء الله.

    والمضاربة هي النوع الثاني من أنواع الشركة، وهي مأخوذة من الضرب في الأرض، وهو قطع المسافة، ومن ذلك قول الله عزَّ وجل: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل:20].

    والمضاربة عمل بها الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما ورد ذلك عن عمر وعن عبد الله بن عمر وغيرهما من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقد جاءت في القرآن في قول الله عزَّ وجل: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل:20].

    وشركة المضاربة جائزة بالإجماع، والضرب بمعنى السفر ليس شرطاً، لكن هذا محمول على الغالب.

    والمضاربة: هي أن يدفع ماله لمن يعمل به بجزءٍ معلومٍ مشاعٍ من الربح، فيعطيه مثلاً كذا وكذا من المال، ويقول له: اعمل فيه، والربح على حسب الشرط، لك الربع ولي ثلاثة أرباع، أو لك النصف ولي النصف، هذه هي شركة المضاربة.

    شروط شركة المضاربة وضوابطها

    تقدم أنه يُشترط أن تقوم على العدل، كما تقدم أنه يُشرط لكل منهما جزءٌ مشاع معلوم من الربح، وأن يكون الربح معلوماً، وأن يكون رأس المال معلوماً، وأيضاً هل يشترط أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين؟ تقدم الكلام على هذه المسائل، فالشروط التي سلفت تأتي هنا.

    قال المؤلف رحمه الله: (المضاربة لمتجرٍ به ببعض ربحه فإن قال: والربح بيننا، فنصفان).

    كأن قال: اعمل بهذا المال، افتح محلاً تجارياً واشتغل فيه، والربح بيننا، فإذا قال: والربح بيننا فيكون الربح بينهما نصفان, لكل واحدٍ منهما النصف؛ لأنه أضاف الربح إليهما إضافةً واحدة ولا مرجح، فاقتضى التسوية.

    قال رحمه الله: (وإن قال: ولي أو لك ثلاثة أرباعه أو ثلثه صح، والباقي للآخر).

    أي: لو قال: لي الثلث، صح ذلك، والباقي للآخر؛ لأن هذا مفهوم وهو أن الباقي وهو الثلثان يكون للآخر، ولو قال: لي الربع، فثلاثة الأرباع الباقية تكون للآخر، فإذا قُدر نصيب أحدهما فالباقي للآخر بمفهوم اللفظ.

    قال رحمه الله: (وإن اختلفا لمن المشروط فلعامل).

    إذا اختلفا رب المال والعامل لمن الجزء المشروط؟ ولنفرض أن الجزء المشروط ثلثان، قال العامل: الثلثان لي، قال رب المال: لا، الثلثان لي أنا، الثلثان شُرطت لي، وقال العامل: لا، بل الثلثان لي أنا، يقول المؤلف رحمه الله: فالجزء المشروط يكون للعامل.

    وعلى هذا نقول: القول قول العامل، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وعلته في ذلك أنه يستحق الجزء المشروط بالعمل.

    الرأي الثاني: أنه لرب المال، وأن القول قول رب المال؛ لأن رب المال متمسك بالأصل، وهو عدم الجزء الزائد في الربح؛ لأنهما قد يتفقان على النصف، لكن العامل يدعي الزيادة، فقد يتفقان على الثلث والعامل يدعي الزيادة، والأصل عدم الزيادة، والأصل أن الربح لرب المال؛ لأنه ربح ماله.

    والصواب في ذلك: أن يقال: إن كان هناك بينة فيُرجع للبينات، وإذا لم يكن هناك بينة فنرجع للقرائن، وننظر للأعراف، فقد يكون المرجح هو قول العامل، وقد يكون المرجح هو قول المالك، فإذا جرى العُرف أن الشرط يكون للعامل، وهذا الآن عُرف الناس أنهم يشرطون للعامل، يقال للعامل: أنت لك الربع، أو لك ثلاثة أرباع، أو لك الثلث، فإذا كان هناك أعراف أو قرائن تدل لقول أحدهما فنرجع إلى ذلك.

    فإذا اطرد العُرف أن الشرط يكون للعامل أو يكون لرب المال رُجع إلى ذلك، لكن إذا لم يكن فيه عُرف، وهناك قرينة دلت لذلك، العامل مثلاً يدعي الثلثين، ومثله لو عمل بهذا المال يكون نصيبه يساوي الثلثين، فهذه قرينة، يعني: مثله عند التجار لو عمل يأخذ الثلثين، ورب المال لا يأخذ إلا الثلث، فهذه قرينة تؤيد قول العامل.

    فنقول: إذا كان هناك عُرف أو قرائن فنرجع إلى ذلك، وإذا لم يكن هناك عُرف ولا قرائن فنرجع إلى كلام العلماء رحمهم الله.

    قال المؤلف رحمه الله: (وكذا مساقاة ومزارعة).

    يعني: وكذلك الحكم هنا أيضاً، فمثلاً: لو اختلف رب الشجر مع عامل المساقاة، فقال رب الشجر: لي الثلثان، وقال العامل: لا، أنا لي الثلثان، لي ثلثا الثمرة، فمن القول قوله؟ هل القول قول رب الشجر، أو القول قول عامل المساقاة؟

    نقول: إن كان هناك بينة رجعنا لذلك، فإذا لم يكن هناك بينة فإننا نرجع للأعراف، وإذا لم يكن هناك أعراف فنرجع للقرائن، وإذا لم يكن ثم قرائن فنرجع إلى كلام العلماء رحمهم الله.

    والذي يظهر والله أعلم أن الأصل مع رب المال، وأن ما يدعيه العامل من الزيادة من الربح خلاف الأصل.

    وعلى هذا نقول: إن كان هناك بينة فنرجع للبينة، فإن لم يكن هناك بينة فنرجع للعُرف، وإذا لم يكن فنرجع للقرائن، فإذا لم يكن فنرجع إلى كلام العلماء.

    والأصل في ذلك أن القول قول رب المال ورب الشجر؛ لأنهما يتفقان على شيء، لكن يتنازعان في الزيادة، والأصل عدم هذه الزيادة، وأن الربح تابع للمال، هذا هو الأصل.

    شروط المضاربة بمال الآخر

    قال رحمه الله: (ولا يضارب بمال الآخر إن أضر الأول ولم يرض، فإن فعل رد حصته في الشركة).

    أي: هذا العامل لا يضارب بمال الآخر، يعني: أخذ من زيد مائة ألف، وقال: اعمل عليها في بيع الكتب أو بالسيارات أو غير ذلك، فهل للعامل نفسه أن يأخذ أيضاً من عمرو مائة ألف ويعمل فيها، أو ليس له ذلك؟

    يقول المؤلف رحمه الله: ليس له ذلك بشرطين:

    الشرط الأول: أن يحصل الضرر على الأول.

    الشرط الثاني: ألا يرضى الأول.

    فإذا توفر الشرطان فإنه ليس له أن يضارب بمال الآخر، وهو الآن أخذ مائة ألف لزيد لكي يعمل بها، ويريد أن يأخذ من عمرو أيضاً، فنقول: إن كان يضر زيداً فليس له أن يأخذ من عمرو، لكن إذا لم يكن هناك مضرة، أو كان هناك ورضي زيد فهذا جائز.

    ومثال إذا لم يكن هناك مضرة: إذا اتفقا على أنه يعمل من أول النهار إلى نصف النهار، ويأخذ من عمرو ويعمل في آخر النهار، هذا ليس فيه مضرة على الأول، فنقول: له ذلك، أو أنه استأذن الأول فرضي بأخذه من عمرو أيضاً وقال: اعمل..، فهذا جائز؛ لأن الحق الذي له قد أسقطه.

    إذاً: إذا كان هناك ضرر فلا يجوز إلا برضا الأول، وإذا لم يكن هناك ضرر فجائز، أو كان هناك ضرر ورضي الأول فنقول بأن هذا جائز ولا بأس به.

    ولو فُرض أن في المضاربة الثانية ضرر على الأول، ثم ربح في المضاربة الثانية، يقول المؤلف: (فإن فعل رد حصته في الشركة) نقول: الآن لما أخذ من عمرو مائة ألف ريال، وضارب بها، وكان يلحق زيداً ضرر بسبب المضاربة الثانية، كم ربحت؟ قال: ربحت كذا وكذا، ربحت مثلاً ألف ريال، واتفقا على النصف، ربح ألفين هذا له النصف وهذا له النصف، فنقول: رُد الألف التي ربحتها من المضاربة الثانية واجعلها في المضاربة الأولى.

    هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، أنه مادام يلحق المضارب الأول فيرد ربحه من المضاربة الثانية في المضاربة الأولى.

    والرأي الثاني: أنه لا يجب عليه أن يرد ذلك، وهذا رأي ابن قدامة رحمه الله تعالى، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأن المضارب الأول وإن لحقه ضرر إلا إنه لا يستحق شيئاً من الربح إلا بالمال أو العمل، وليس منه لا مال ولا عمل.

    فالصحيح في ذلك: أنه لا يلزمه أن يرد ما ربح في المضاربة الأولى، يعني: ما ربحه من المضاربة الثانية لا يلزمه أن يرده في المضاربة الأولى؛ لأن المضارب الأول لا يستحق الربح إلا بعمل أو مال، وليس منه عمل ولا مال، فكيف نقول: يجب على العامل؟! نعم، صحيح أنه أخطأ، لكن لا يجب عليه أن يرد الربح في المضاربة الأولى.

    تقسيم الربح في شركة المضاربة

    قال رحمه الله: (ولا يُقسم مع بقاء العقد إلا باتفاقهما).

    يقول المؤلف رحمه الله: لا يُقسم الربح مع بقاء العقد إلا باتفاقهما، فالشركة لا تخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن تكون مؤقتة، كأن يكون ضارب بهذا المال لمدة سنة أو لمدة سنتين، فإذا انتهى الوقت فلكل واحد منهما الحق بالمطالبة بقسمة الربح، فإذا كانت الشركة مؤقتة لمدة سنة، فأخذ المال وعمل به، ثم مضت السنة، فلكل واحد منهما أن يُطالب بقسمة الربح بعد مضي السنة.

    الأمر الثاني: أن تكون الشركة مطلقة ليست مؤقتة، لم تُحدد بسنة أو سنتين، فهنا قال المؤلف رحمه الله: (ولا يُقسم مع بقاء العقد إلا باتفاقهما) أي: لابد أن يتفقا على القسمة، فلو قال رب المال: لا يُقسم الربح، بل واصل العمل، فنقول: يُجاب طلبه؛ لأن الربح جبرٌ لرأس المال، بمعنى: أنه لو تصرف ثم خسر فإننا نجبر الخسارة من الربح، ولا نأخذه من رأس المال عموماً مادام فيه ربح، ولهذا لو أن رب المال قال: لا، ما نقسم الربح بل اعمل، فنقول: لابد من رضا رب المال؛ لأن الربح وقاية لرأس المال.

    فمثلاً: لو أنه في الشهر الأول أعطاه مائة ألف، فاشترى تمراً -مثلاً- وباع واشترى فربح عشرين ألف ريال، الآن أصبحت مائة وعشرين ألفاً، قال العامل: نقسم العشرين، قال رب المال: لا، ما نقسم العشرين، فمن الذي يُجاب؟

    نقول: رب المال هو الذي يُجاب، لابد من رضاه بالقسمة؛ لأن العامل الآن أصبح عنده مائة وعشرون، فلو عمل الآن بالبطيخ -مثلاً- ثم خسر عشرة آلاف ريال، فإننا نأخذ العشرة من الربح، أي: من العشرين، ولو كنا قسمنا العشرين لأصبحت العشرة -الخسارة- من رأس المال، فالربح وقاية لرأس المال.

    ولهذا إذا رفض رب المال أن يُقسم الربح فإنه يُجاب إلى طلبه، وأيضاً مثله العامل، فلو قال: رب المال: نقسم، الآن ربحنا عشرين ألفاً، فنقسم العشرين، وقال العامل: لا نقسم؛ لأن له مقصداً في زيادة المال، يعني كلما زاد المال زاد الربح، فلابد من اتفاقهما على القسمة، وقول العامل هنا يؤثر.

    التلف والخسارة في شركة المضاربة

    قال رحمه الله: (وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف، أو خسر جُبر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه).

    أشرنا لهذه المسألة، أنه لو تلف رأس المال، أو تلف بعض رأس المال وكان هناك ربح، فإن الخسارة تُجبر من الربح، فإذا انتهى الربح كانت الخسارة من رأس المال، ولذلك قال المؤلف: (وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف).

    لكن إن تلف رأس المال قبل التصرف انفسخت الشركة، فالمضارب أمين، ولو أنه سُرق منه المال ولم يتعد ولم يفرط، فإن الشركة بهذا الآن تكون قد انفسخت.

    قال رحمه الله: (جُبر من الربح قبل قسمته).

    قوله: (قبل قسمته)، لو أن الربح قُسم ثم حصلت خسارة، فتكون الخسارة على رأس المال، ولو أن الربح لم يُقسم ثم حصلت خسارة فإن الخسارة على الربح، ولذلك قال: (قبل قسمته).

    قال رحمه الله: (أو تنضيضه).

    التنضيض: هو ما يسمى عندنا بالتصفية، يعني: أن يقلب العروض إلى مال، ولنفرض أن الشركة كُتب، أو ألبسة، أو رز ونحو ذلك. فتنضيض الشركة أن يقلب العامل هذه العروض إلى مال، يعني: يصفي الشركة بحيث إنه يقلبها إلى مال، فإذا حصلت القسمة فالخسارة على رأس المال، ولا يُجبر من الربح بعد القسمة أو بعد التنضيض.

    ولنفرض أنهما قلبا نصف الشركة إلى دراهم وتحاسبا، ثم بعد ذلك حصلت خسارة.

    فنقول: ما حصل تنضيضه والمحاسبة فيه بأن يعلم كل واحد منهما ما له من هذا الربح ويأخذه، فإن الخسارة بعد ذلك من رأس المال أما إذا حصلت الخسارة قبل القسمة أو قبل التنضيض فإنها تكون على الربح.