إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [19]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا حل القرض فللمقرض أن يطالب المقترض إذا كان القرض أثماناً، أما إذا كان لحمله مئونة فيطالبه بالقيمة إلا إذا كانت ببلد القرض أكثر. والودائع الجارية التي تكون تحت الطلب عبارة عن قروض، وودائع الاستثمار غير جائزة وهي محرمة. والبطاقات الائتمانية إما أن تكون

    1.   

    ضابط المثلي والقيمي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويحرم كل شرط جر نفعاً، وإن بدأ به بلا شرط أو أعطاه أجود أو هدية بعد الوفاء جاز، وإن تبرع لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به لم يجز إلا أن ينوي مكافأته، أو احتسابه من دينه، وإن أقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر لزمته، وفيما لحمله مؤونة قيمته إن لم تكن ببلد القرض أكثر].

    تقدم لنا شيء من أحكام القرض، وذكرنا من ذلك تعريفه، وأن القرض في اللغة: القطع، وأما في الاصطلاح: فهو بذل مال أو دفع مال بمن ينتفع به ويرد بدله، وذكرنا دليله من القرآن ومن السنة ومن الإجماع.

    وأيضاً ذكرنا حكمه، وأن المؤلف رحمه الله تعالى: ذكر أنه في حق المقرض مندوب، وأما في حق المقترض فهذا مباح وجائز إذا كان هناك حاجة، أما إذا لم يكن هناك حاجة فالأولى أنه لا يقترض؛ لأنه يُشغل ذمته، والشارع يتشوف كثيراً إلى إبراء الذمم، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان في أول الأمر إذا قُدم إليه الميت سأل: هل عليه دين أو لا؟ فإن كان عليه دين قال: ( صلوا على صاحبكم )، ثم بعد ذلك لما فُتحت الفتوح وجُلبت الغنائم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ديناً أو عيالاً فإليّ وعليَّ ).

    وتقدم ما الذي يصح قرضه، وأن المؤلف رحمه الله ذكر ضابطاً وهو: كل ما صح بيعه صح قرضه، وتقدم لنا ضابط ما يصح بيعه، وأن كل ما أُبيح نفعه أُبيح بيعه إلا ما استثناه الشارع، وهل يُملك بقبضه أو بالعقد؟ تقدم، وكذلك أيضاً: هل يتأجل القرض بالتأجيل أو لا يتأجل، وذكرنا أنهم يفرقون بين دين القرض وبين بقية الديون، وأن بقية الديون تتأجل بالتأجيل، وأما دين القرض فيرون أنه لا يتأجل بالتأجيل، والصحيح في ذلك أن دين القرض كسائر الديون وأنه يتأجل بالتأجيل.

    كما تقدم لنا أنهم يفرقون بين دين السلم وبقية الديون، فدين السلم لا يصح بيعه ولا أخذ الرهن به ولا الكفيل ولا الضمين ولا الحوالة به ولا الحوالة عليه، فهم يضيقون فيه، والصحيح أنه لا فرق.

    وتقدم لنا المثل والقيمة، وما هو المثلي وما هو القيمي؟ والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الشافعية: أن المثلي هو كل مكيل أو موزون لا صناعة فيه مباحة يصح السلم فيه، وما عدا ذلك فهو قيمي.

    والرأي الثاني في المسألة هو ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى: أن المثلي ما له مثل في الأسواق، والقيمي ما ليس له مثل في الأسواق، وعلى هذا يكون المثلي أوسع من القيمي بخلاف ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، فإن الشافعية والحنابلة يرون أن المثلي مخصوص بالمكيلات والموزونات، والقيمي ما عدا ذلك.

    والصحيح أن المثلي ما له مثل في الأسواق، والقيمي ما ليس له مثل في الأسواق، وهذا القول الذي ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله، وهو الصواب في هذه المسألة.

    ويدل لذلك: أن إحدى أمهات المؤمنين أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً وهو عند عائشة ، فضربت عائشة يدي من معه الطعام فسقط الإناء وانكسر وانتثر الطعام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إناء بإناء، وطعام بطعام )، فقوله: (إناء بإناء) مع أن الإناء دخلته الصناعة فهو على المذهب قيمي، أي: دخلته الصناعة، والطعام أيضاً قيمي دخلته الصناعة ومع ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إناء بإناء، وطعام بطعام )، فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم المثل، ولم يوجب القيمة، فدل ذلك على أن المثلي: ما له مثل في الأسواق، وأن القيمي ما ليس له مثل بالأسواق، هذا هو الصواب في هذه المسألة.

    وعلى هذا إذا أقرضه ثوباً فإنه يجب عليه أن يرد عليه ثوباً، وإذا أقرضه كتاباً فإنه يجب عليه أن يرد عليه كتاباً، وإذا أقرضه دراهم وجب عليه أن يرد دراهم، وهكذا.

    1.   

    المنفعة في القرض

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( ويحرم كل شرط جر نفعاً ).

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: ( ويحرم كل شرط جر نفعاً ) كل شرط جر نفعاً في القرض، يقول المؤلف رحمه الله: محرم ولا يجوز، وذلك أن عقد القرض من عقود التبرعات التي يُقصد بها الإرفاق والإحسان ولا يقصد بها العوض؛ لأن صورة القرض: هي ربا النسيئة مثاله: تعطيه ذهباً قرضاً وتأخذ ذهباً بعد شهر، فهذا ربا النسيئة، تعطيه ألف ريال تأخذها بعد شهر فهذا ربا النسيئة.

    والواجب عندما تبادل ذهباً بذهب أو فضة بفضة، الواجب أن يكون ذلك يداً بيد، وكذلك أيضاً عندما تعطيه ريالات أو جنيهات فالواجب أن يكون ذلك يداً بيد، لكن جوز تأخير القبض؛ لأنه من عقود الإرفاق والإحسان والتوسعة على الناس فحرُم أن يؤخذ عليه منفعة؛ لأن منفعة القرض هذه محرمة ولا تجوز؛ لأنك إذا أخذت منفعة على هذا القرض أو شرطت منفعة على هذا القرض أخرجه عن موضوعه، وموضوعه هو التبرع والإحسان؛ ولهذا جوز به تأخير القبض مع أن صورته صورة الربا، فإذا شُرطت فيه المنفعة أخرجه ذلك عن موضوعه إلى أن يكون من عقود المعاوضة، فإذا كان من عقود المعاوضة فإنه لابد فيه من قبض، يعني: عندما تبادل هذا الربوي بجنسه فلا بد فيه من القبض، وأيضاً هذا هو الوارد في السنة والوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يحل سلف وبيع )، ويدخل في ذلك أن يقول: أقرضتك على أن تبيعني.

    وكذلك أيضاً: هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كـعبد الله بن سلام رضي الله عنه، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيرهما من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكذلك أيضاً هو وارد عن عمر رضي الله عنه.

    أقسام المنفعة في القرض

    المنفعة في القرض تنقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن تكون المنفعة مشروطة، كأن يقول: أقرضتك على أن تبيعني، أو أقرضتك على أن تزيديني، أو أن تؤجرني، أو أن تهديني هدية أو غير ذلك فهذا محرم ولا يجوز، فإذا كانت هذه المنفعة مشروطة فإن هذا محرم ولا يجوز.

    قال رحمه الله: ( وإن بدأ به بلا شرط، أو أعطاه أجود، أو هدية بعد الوفاء جاز ).

    القسم الثاني: أن تكون المنفعة بعد الوفاء، فهذا جائز ولا بأس به.

    صورة ذلك: أن يقرضه ألف ريال ثم بعد ذلك يردها عليه ألفاً ومائة ريال، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به، وقد استلف النبي صلى الله عليه وسلم بكراً ورد خيراً منه رباعياً، وقال: ( خيركم أحسنكم قضاء ) يعني: سواء كان ذلك في الكمية: كأن أقرضه ألف ريال فردها ألفاً ومائة، أو في الكيفية كأن أقرضه براً متوسطاً فرده براً جيداً، أو أقرضه ثوباً رديئاً فرده ثوباً جيداً فنقول أيضاً: هذا جائز.

    وبعض أهل العلم يفرق بين الكمية والكيفية، فيقولون في الكمية: ذلك لا يجوز، وإذا كان في الكيفية جاز؛ لأن هذا هو الذي وردت به السنة، والصواب في ذلك: أنه لا فرق بين الكمية والكيفية، فالمهم إذا كان ذلك بعد الوفاء فإن هذا جائز ولا بأس به.

    قال رحمه الله: ( وإن تبرع لمقرضه قبل وفائه بشيء، لم تجر عادته به، لم يجز إلا أن ينوي مكافأته على ذلك، أو احتسابه من دينه ).

    هذا القسم الثالث: أن تكون هذه المنفعة قبل الوفاء، ولم تكن مشروطة، فيقول المؤلف رحمه الله: هذه المنفعة لا تجوز وهي محرمة، لكن يستثنى من ذلك إذا نوى احتسام ذلك من دينه كما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    مثال ذلك: أقرضه ألف ريال، ثم أعطاه قبل الوفاء قلماً هدية أو طعاماً أو سأله، فالمقترض أرسل للمقرض، فنقول: إذا نوى أن يحتسمه من دينه، فإن هذا جائز ولا بأس به.

    أقرضه ألفاً وهذه الهدية بخمسين ريالاً، يحتسم خمسين ريالاً لا يأخذها منه، كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، هذه المسألة الأولى تستثنى.

    المسألة الثانية: إذا علمنا أن هذه الهدية ليست من أجل قرض، وإنما هي لسبب آخر كأن يكون جرت بينهما مهاداة قبل القرض، أو يكون بينهما قرابة، فعلمنا أن هذه الهدية لأجل القرابة، فهي إما من أجل المهاداة أو من أجل القرابة أو من أجل جوار، فالمهم علمنا أن القرض لا أثر له في هذه الهدية، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به لزوال المحظور.

    المسألة الثالثة التي تستثنى: إذا عُلم أن هذه المنفعة له ولغيره، فهذه المنفعة بعد القرض ليس لها أثر فيه له ولغيره، كما لو كان عنده طعام عام فدعاه كما دعا غيره فنقول: بأن هذا لا بأس به، يعني: ما أطعمه هذا الطعام وهو خاص به.

    عنده مثلاً: مناسبة زواج فدعاه كما دعا غيره، فهنا الطعام ليس خاصاً بالمقرض، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به، أو أنه أضافه في بيته وقدم له ما جرت العادة أن الناس يقدمونه، قدم له ماء أو شراباً جرت العادة أن الناس يقدمونه، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به؛ لكن لو ميزه بشيء لم تجر به العادة كأن ميزه بطعام، فهنا لابد أن يحتسبه من دينه.

    وأيضاً لا فرق بين أن تكون المنفعة عينية، وبين أن تكون معنوية، عينية كما لو أعطاه قلماً أو كتاباً، معنوية كما لو أركبه على سيارته أو أسكنه في بيته يعني: في الأشياء التي لم تجر في العادة، أما ما جرت عادة الناس أن مثل هذه الأشياء تُبذل لهذا الشخص ولغيره، فإنها ليست داخلة، فنقول: الهدية قبل الوفاء محرمة إلا في هذه الصور الثلاث.

    جمعية الموظفين

    وبهذا نعرف ما يسمى بجمعية الموظفين هل هي داخلة في هذه المسألة أو لا؟

    وصورة جمعية الموظفين: هي أن يشترك مجموعة من الناس بدفع مبلغ معين من المال يأخذه أحدهم كل مرة يعني: كل شهر أو كل أسبوع أو كل سنة حسب ما يتفقان عليه، فهذه الجمعية هل هي داخلة في القرض الذي جر منفعة، أو ليست داخلة؟ بعض العلماء يرى أنها داخلة، وقال: بأنه أقرضه لكي ينتفع بالقرض، هو أقرضه لكي يُقرضه.

    الرأي الثاني: أن هذا ليس داخلاً، وإنما هنا انتفع المقرض بما ليس فيه زيادة على القرض، وهو دفع القرض، وهذا دفع له القرض، وإذا كان انتفاع المقرض بما ليس فيه زيادة في القرض، فإن هذا جائز ولا بأس به، هنا ليس فيه زيادة يعني: المقرض ما أخذ زيادة، وهذا القول هو الصواب، فعلى هذا نفهم أن مثل هذه الجمعية جائزة ولا بأس بها.

    وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على جواز قرض المنافع، وأن هذا جائز ولا بأس به، وهذا نقيض ذلك يعني مثلاً: الفلاح يقول لجاره الفلاح: اعمل معي اليوم في وقت الحصاد، وأعمل معك غداً، جذ معي الثمار وأجذ معك غداً، فهذا من باب قرض المنافع، وأن هذا جائز ولا بأس به.

    1.   

    مطالبة المقرض للمقترض

    قال رحمه الله: (وإن أقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر لزمته، وفيما لحمله مؤونة قيمته إن لم تكن ببلد القرض أكثر).

    فإذا كان في غير بلد القرض، كأن أقرضه في المدينة ثم سافر إلى مكة، فلما سافر المقرض إلى مكة طالب المقترض بالقرض قال: أعطني القرض.

    أحوال مطالبة المقرض للمقترض

    فنقول: بأن هذا لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون القرض أثماناً كدراهم أو دنانير، فإذا كان أثماناً فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: يلزم المقترض أن يعطي المقرض القرض، إذا كان حل على الصحيح ذلك، وعلى المذهب أنه لا يشترط الحلول؛ لأنهم يرون أنه قرض يتأجل بالتأجيل؛ لكن على الصحيح إذا حل فنقول: يلزمه. هذا القسم الأول إذا كانت أثماناً ولذلك قال: (وإن أقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر لزمته) هذا القسم الأول.

    الحالة الثانية: أن يكون القرض غير أثمان ( لحمله مؤونة ) مثلاً: أقرضه عشرة أكياس بُر، أو أقرضه أرزاً لحمله كلفة، أو أقرضه أثواباً أو أقرضه كتباً فيقول المؤلف رحمه الله: (وفيما لحمله مؤونة قيمته) مثلاً: أقرضه عشرة أكياس أرز فلقيه في مكة، فقال المقرض للمقترض: اعطني القرض، يقول المؤلف رحمه الله: يجب عليه لما لحمله مئونة القيمة، فيجب عليه أن يعطيه قيمته، كم قيمة هذا الأرز ببلد القرض؟

    قول المؤلف رحمه الله: (إن لم تكن ببلد القرض أكثر) مثال ذلك: أقرضه عشرة أكياس أرز هذه الأكياس الأرز المقرض طالب المقترض بها في مكة فيلزمه قيمتها، ولكن كم قيمة هذه الأكياس في المدينة بلد القرض وفي مكة؟ إذا كانت هذه الأكياس عشرة أكياس بألف ريال في المدينة، وفي مكة ثمانمائة ريال فهل يجب عليه أن يعطيه القيمة أو لا يجب عليه أن يعطيه القيمة؟ نقول: لا يجب؛ لأنها في بلد القرض أكثر؛ لأنه سيعطيه ألف ريال، هنا لا يجب عليه، لكن إذا كانت في بلد القرض أنقص وجب عليه أن يعطيه.

    يعني: هو أقرضه الآن في المدينة عشرة أكياس أرز طالبه في مكة، وبمكة بألف وبالمدينة ثمانمائة، قال: اعطني الثمانمائة الآن، يجب عليه أن يعطيه الثمانمائة، أو لا يجب عليه؟ يجب عليه أن يعطيه الثمانمائة إذا كانت أنقص، أما إذا كانت أكثر في بلد القرض، فإنه لا يجب عليه بل ينتظر حتى يرِد إلى بلد القرض ثم بعد ذلك يسلمه ما اتفقا عليه.

    أُعيد الكلام في القسم الثاني: كما ذكرنا إذا كانت في بلد القرض، يقول رحمه الله: ( أكثر ) كأن أقرض في المدينة أرزاً فطالبه في مكة، يقول المؤلف رحمه الله: يجب عليه أن يعطيه القيمة، لكن متى يجب عليه أن يعطيه القيمة؟ يشترط أن تكون في بلد القرض أنقص، فإن كانت في بلد القرض أكثر لا يجب عليه.

    فمثلاً: هذا الأرز قيمته في المدينة ألف، وفي مكة ثمانمائة فلا يجب عليه أن يعطيه ألفاً، لكن لو كانت قيمته في المدينة ثمانمائة، وفي مكة ألف يجب عليه أن يعطيه الثمانمائة.

    1.   

    الودائع الجارية

    بقي علينا بعض المسائل التي تتعلق بالقرض، منها: الودائع البنكية، والودائع التي توجد في المصارف أشهرها قسمان:

    القسم الأول: الودائع الجارية التي تكون تحت الطلب، والودائع الجارية: هي عبارة عن المبالغ التي يودعها أصحابها في المصارف بقصد أن تكون حاضرة عند الطلب، وهي تسمى في المصارف بالحساب الجاري.

    التكييف الفقهي للودائع الجارية

    هذه الودائع اختلف المتأخرون في تكييفها الفقهي: ما هو التكييف الفقهي لهذه الودائع؟ على رأيين:

    الرأي الأول: أنها عبارة عن قرض، يعني: العميل إذا دفع هذه الأموال للمصارف فهو يُقرض هذه المصارف، وهذا ما عليه أكثر المتأخرين وعامة المجامع الفقهية الآن.

    والرأي الثاني: أن هذه المبالغ إنما هي ودائع اعتباراً لقصد العميل وبما جرى عليه الإثم.

    والصواب في هذه المسألة: هو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم، وأن هذه الودائع عبارة عن قروض.

    ويدل لذلك عدة أدلة:

    الدليل الأول: أن الفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون: إن المودِع إذا أذن للمودَع أن يتصرف في الوديعة فإنها تنقلب إلى كونها قرضاً، فلو أودعته ألف ريال ثم قلت: إن شئت تتصرف تصرف فيها، فأخذ وباع واشترى بهذه الألف فهنا انقلبت إلى كونها قرضاً.

    الدليل الثاني: أن المصرف دخل على أنه ضامن يضمن هذه الوديعة، وهذا هو القرض، فالمقترض يضمن مال القرض مطلقاً، ولو كانت وديعة المودع هل يضمن أو لا يضمن؟ المودع لا يضمن؛ لأن المودع أمين فلا يضمن إلا إن تعدى أو فرط.

    الدليل الثالث: أن الوديعة ترد بعينها، أما هنا فإن الوديعة لا ترد بعينها، فأنت إذا أودعته دراهم فيجب عليه أن يرد هذه الدراهم بعينها، وإذا لم يردها بعينها فهذه ليست وديعة، وعلى هذا فالصواب في هذه المسألة: أن هذه المبالغ التي تصير في هذه المصارف قروض.

    ويترتب على هذا مسائل:

    الفوائد التي تعطيها المصارف

    المسألة الأولى: ما يتعلق بالفوائد التي تعطيها البنوك أو المصارف، كما يوجد في المصارف التقليدية التجارية فهذه تعطي فوائد، فهذه داخلة في المنافع المحرمة: ( كل قرض جر منفعة فهو ربا )، وهو الآن يعطي فوائد قبل قبض المقترض العميل لهذه الأموال، هذه المسألة الأولى مما يترتب على ذلك ما يتعلق بهذه الفوائد، نقول: بأنها محرمة ولا تجوز.

    الهدايا التي تقدمها المصارف

    المسألة الثانية: ما يتعلق بالهدايا التي تقدمها المصارف الآن لعملائها، وهذه الهدايا تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: هدايا لم يلاحظ بها القرض، وإنما بُذلت لجميع الناس، مثل: الأقلام، فكل من جاء إلى المصرف يُعطى قلماً، ومثل التقاويم. فالأشياء التي لا يلاحظ فيها القرض وإنما هي تُبذل لعموم الناس فهذه رخص فيها بعض العلماء من المتأخرين وقال: بأن هذه ليست داخلة في القرض الذي جر منفعة؛ لأنه كما تقدم لنا الأشياء التي جرت بها العادة ليست داخلة في المنفعة؛ ولذلك قالوا: بأن هذا جائز.

    وبعض العلماء حرمها من وجه آخر لا من جهة أنها قرض جر منفعة، وإنما حرمها من جهة أنها دعاية لهذه المصارف؛ لأنه لاشك أن هذه المصارف تجعل اسمها في هذا دعاية لهذا المصرف، وعلى هذا إذا كان اسم المصرف على مثل هذه الأشياء فالتورع عنها هو الأليق بالمسلم، هذا القسم الأول.

    القسم الثاني من الهدايا: الهدايا التي يُلاحظ فيها القرض، وأنه كلما زاد حساب العميل فإنه يُخصص له بعض الهدايا، كأن يُخصص له بعض الألبسة أو بعض المراكب أو نحو ذلك، فإن هذا محرم ولا يجوز.

    هناك قسم ثالث من الهدايا يُقصد منها التيسير على العميل في استيفاء ماله، فهذا لا يدخل في التحريم، مثل: لو أعطاك المصرف دفتر شيكات أو أعطاك بطاقة الصراف الآلي ونحو ذلك، فمثل هذه الأشياء التي يُقصد منها التيسير على العميل لكي يستوفي ما له من مال عند هذا المصرف، نقول: بأن هذا جائز ولا بأس به.

    1.   

    ودائع الاستثمار

    القسم الثاني: ودائع الاستثمار: وهي الودائع الآجلة، وودائع الاستثمار هي: الودائع المرتبطة بأجل لا يستطيع صاحبها السحب من رصيده إلا بعد مضي مدة متفق عليها، أو إشعار المصرف بمدة سابقة.

    هذه ودائع الاستثمار والمصارف تعطي عليها فوائد، وهذه الفوائد تزيد وتنقص بحسب طول المدة وقصرها، وتعطي على هذه الودائع أيضاً شهادات تسمى هذه الشهادات بشهادات الاستثمار، ولاشك أن هذا النوع محرم ولا يجوز، وأيضاً بيع مثل هذه الشهادات عبارة عن بيع دين، فبيع النقود بنقد دون التقابض أو مع الزيادة والفضل كله داخل في الربا.

    1.   

    البطاقات الائتمانية

    أيضاً من المسائل قبل أن ننتقل إلى باب الرهن ما يتعلق بالبطاقات الائتمانية، ومعنى الائتمانية: الإقراضية.

    والبطاقات الاقتراضية تتنوع إلى أنواع:

    النوع الأول: بطاقات السحب الفوري أو الخصم الفوري، وتسمى: ببطاقات الديت كارد، وهي بطاقة الصرافة الآن الموجودة، وهذه ليست من البطاقات الاقتراضية الائتمانية، وإنما تستخدم مثل هذه البطاقة لكي يستوفد العميل شيئاً من حسابه، واستخدام هذه البطاقة بيعاً وشراءً جائز، حتى ولو أخذ عليها المصرف عمولة، سواء كانت العمولة مقطوعة، أو كانت العمولة بنسبة، هذه جائزة ولا بأس بها، وليست داخلة في البطاقات الائتمانية، وغالباً يذكرها العلماء رحمهم الله في أقسام البطاقات من باب التكميل.

    وبطاقة الصراف الآلي أو بطاقة الخصم الفوري يصح استخدامها في الشراء حتى فيما يتعلق بشراء الذهب والفضة يصح أن تشتري فيها ذهباً وفضة، فيصح أن تشتري من صاحب الذهب ذهباً وفضة بهذه البطاقات؛ لأن القبض يحصل فوراً، فعندما يمرر البطاقة على الجهاز يُخصم فوراً من حساب المشتري، إما إلى حساب العميل وإما إلى حساب البائع مباشرة أو أنه يُحجز ويكون في هذا وكالة من قِبل البائع لمصدر هذه البطاقة، فيحجز هذا المبلغ ثم بعد ذلك يدخل بعد فترة إلى حساب البائع، فالمهم أن الخصم من حساب المشتري هذا يحصل مباشرة.

    النوع الثاني: البطاقات الائتمانية أو البطاقات الاقتراضية وهذه نوعان:

    النوع الأول: بطاقات الدين المتجدد.

    بطاقات الدين المتجدد هي عبارة عن بطاقات يتم فيها تقسيط الدين المستحق على العميل على فترات وتزداد قيمة الدين بزيادة فترة التسديد، وهذه البطاقات محرمة ولا تجوز، يعني: كلما تأخرت المدة زيد في الدين فنقول: بأنها محرمة ولا تجوز.

    النوع الثاني: بطاقات الخصم الشهري: وهي عبارة عن بطاقات يتم تسديد المبلغ على العميل دفعة واحدة بعد مضي المدة المتفق عليها، والغالب أن المدة المتفق عليها لا تتجاوز ستين يوماً، وهذه البطاقات منها بطاقات ذهبية، ومنها بطاقات فضية على حسب قيمة المبلغ الذي يقرضه المصرف للعميل.

    وهذه البطاقات الائتمانية سواء كانت ذهبية أو كانت فضية تستخدم استخدامين:

    الاستخدام الأول: في الاقتراض، والمصارف تجعل سقفاً في الاقتراض، فيقترض العميل من المصرف بهذه البطاقة، إذا كانت ذهبية قد يصل إلى عشرين ألفاً، وإذا كانت فضية قد يصل إلى عشرة آلاف وحسب ما تقرر أن كل قرض جر منفعة فهو ربا، فنقول: بأن الاقتراض بمثل هذه البطاقات يشترط له شروط:

    الشرط الأول: إذا كانت البطاقة برسم، يعني: أصدرها المصرف برسم وهذا الغالب، فالغالب أن تكون هذه البطاقة يصدرها المصرف برسم بكذا وكذا قد يكون مجاناً، فالمهم إذا كانت برسم فيجب أن يكون بقدر التكاليف التي بذلها البنك في إخراج هذه البطاقة.

    الشرط الثاني: عند اقتراض العميل بهذه البطاقة فإن المصرف غالباً يأخذ عمولة عند كل عملية يجريها العميل.

    فمثلاً: اقترض ألفاً فيأخذ عليه عشرة ريالات أو يأخذ عليه عشرين ريالاً، فيجب أن تكون هذه العمولة مقطوعة لا تزيد بزيادة الدين، وأن تكون بقدر الكلفة التي يبذلها البنك، فهذا إذا استخدمت هذه البطاقة للاقتراض.

    النوع الثاني من استخدام هذه البطاقة: أن تستخدم هذه البطاقة في شراء السلع، فهنا نشترط كما تقدم إذا كانت غير مجانية لابد أن يكون الرسم الذي أخذه المصرف بقدر الكلفة التي بذلها عند إخراج هذه البطاقة، هذا الشرط الأول.

    الشرط الثاني: أيضاً إذا كان المصرف يأخذ عمولة عند استخدام العميل لهذه البطاقة فيجب أن يكون ذلك بقدر الكلفة التي بذلها المصرف.

    وهنا أيضاً مسألة أخرى: وهي أن المصرف عندما يستخدم العميل هذه البطاقة في شراء السلع، فإن المصرف يحمل التاجر نسبة مقابل إجراء هذه العملية، والتاجر يُحمل هذه النسبة للعميل، فهذا التحميل منع منه بعض العلماء.

    وعلى هذا هل يجوز للتاجر أن يُحمل هذه النسبة للعميل؟ بعض العلماء منع من ذلك، يعني: إن المصرف مقابل إجراء هذه العملية يُحمل التاجر نسبة، والتاجر يقوم بتحميل هذه النسبة للعميل، فقالوا: بأن تحميل هذه النسبة للعميل هذا غير جائز.