إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [15]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا بيعت الثمرة بعد بدو صلاحها ولكن أُخرت إلى أوان أخذها فإن البائع يلزم بسقيها، ولو تضررت الأشجار وإن تلفت بآفة سماوية فهناك أقسام توضح من عليه الضمان من المتبايعين، وكيفية بيع الثمار عند بدو صلاح بعضها أو جميعها، وهناك أمور تتعلق ببيع العبد الذي له مال،

    1.   

    سقي الشجر المباع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويلزم البائع سقيه إن احتاج إلى ذلك وإن تضرر الأصل، وإن تلفت بآفة سماوية رجع على البائع، وإن أتلفه آدمي خير مشترٍ بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلف. وصلاح بعض الشجرة صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان. وبدو الصلاح في ثمر النخل أن تحمر أو تصفر، وفي العنب أن يتموه حلواً، وفي بقية الثمر أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله. ومن باع عبداً له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المشتري، فإن كان قصده المال اشترط علمه وسائر شروط البيع، وإلا فلا، وثياب الجمال للبائع، والعادة للمشتري.

    باب السلم: وهو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد، ويصح بألفاظ البيع والسلم والسلف بشروط سبعة: أحدها: انضباط صفاته، بمكيل وموزون ومذروع، وأما المعدود المختلف كالفواكه والبقول والجلود والرؤوس والأواني المختلفة الرؤوس، والأوساط كالقماقم والأسطال الضيقة الرؤوس والجواهر والحوامل من الحيوان. وكل مغشوش وما يجمع أخلاطاً غير متميزة كالغالية والمعاجين، فلا يصح السلم فيه. ويصح في الحيوان والثياب المنسوجة من نوعين وما خلطه غير مقصود كالجبن وخل التمر والسكنجبين ونحوها، الثاني: ذكر الجنس والنوع وكل وصف يختلف به الثمن ظاهراً، وحداثته وقدمه، ولا يصح شرط الأردأ أو الأجود بل جيد ورديء، فإن جاء بما شرط أو أجود منه من نوعه ولو قبل محله ولا ضرر في قبضه لزمه أخذه].

    تقدم لنا ما يتعلق ببيع الدور وما يدخل في بيع الدار وما لا يدخل، ثم بعد ذلك ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق ببيع الأراضي، ثم انتقل إلى ما يتعلق ببيع الأشجار، فإذا باع شجرة أو أشجاراً كالنخل أو شجر التوت أو الزيتون ونحو ذلك، فما الذي يدخل تحت هذا البيع؟ وما الذي لا يدخل؟ ثم بعد أن أنهى الكلام على بيع الأشجار انتقل إلى القسم الرابع وهو ما يتعلق ببيع الثمار، وأن الثمرة لا يجوز بيعها قبل بدو صلاحها، ثم بعد ذلك تكلم عن أحكام بيع الثمار، ثم تكلم أيضاً عن أحكام بيع الزروع وأن الزروع لا تخلو من أمرين:

    الأمر الأول: زروع تجز مرة واحدة، فهذه لا يجوز أن تباع قبل أن تشتد.

    والأمر الثاني: الزروع التي تجز مراراً كزرع البرسيم، والكراث، ونحو ذلك، أو تلقط مراراً كالباذنجان، والخيار، والطماطم.. إلخ، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق ببيع هذه الأشياء التي تجز مراراً أو تلقط مراراً، وهل يجوز بيع الجزة أو اللقطة التي لم تظهر؟ وذكرنا أن العلماء رحمهم الله اختلفوا في ذلك على قولين:

    القول الأول: وهو رأي جمهور أهل العلم، أن هذا لا يجوز.

    والقول الثاني: وهو رأي مالك ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن هذا جائز ولا بأس به.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويلزم البائع سقيه إن احتاج إلى ذلك، وإن تضرر الأصل).

    إذا بيعت الثمار بعد بدو الصلاح فإن المشتري يحتاج إلى أن يبقي هذه الثمار إلى أوان أخذها؛ لأن بدو الصلاح كما سيأتينا مثلاً في النخيل: أن تحمر أو تصفر، فإذا بدأ فيها الاحمرار أو بدأ فيها الاصفرار بدا صلاحها، لكن هذا ليس وقت الأخذ، فيحتاج المشتري إلى أن يتركها فترة إلى أن يأتي وقت أخذها، وتحتاج الثمرة على النخل في هذه الفترة إلى سقي، فمن الذي يلزم بالسقي؟ قال المؤلف رحمه الله: الذي يلزم بالسقي هو البائع، وهذا قول جماهير العلماء رحمهم الله تعالى؛ لأن البائع يجب عليه تسليمه كاملاً فلزمه أن يسقيه، وقال المؤلف: (وإن تضرر الأصل) يعني الأشجار، فقد يحصل لهذه النخلة شيء من الضرر، فنقول: يجب على البائع أن يسقيه ولو تضرر الأصل.

    1.   

    ما يستثنى من عدم جواز بيع الثمار حتى يبدو صلاحها والزروع حتى تشتد

    بقي عندنا مسألة وهي: أن المؤلف رحمه الله تعالى قرر أن الثمار لا يجوز أن تباع حتى يبدو صلاحها، والزروع لا يجوز أن تباع حتى تشتد، لكن الفقهاء رحمهم الله يستثنون ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى: إذا باعها بشرط القطع في الحال، فإن هذا جائز ولا بأس به إذا كان المشتري ينتفع بها، مثلاً: باع التمر ولا يزال أخضر، أو باع البرتقال ولا يزال أخضر، وباعه بشرط أن يقطعه المشتري في الحال فإن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن المنع من البيع قبل بدو الصلاح كان خشية العاهة، وهذا منتفٍ، فإذا شرط القطع في الحال والمشتري ينتفع به كعلف ونحو ذلك، فهذا جائز ولا بأس به.

    المسألة الثانية: إذا بيعت الثمرة مع الأصل، فلا يشترط أن يبدو صلاحها، مثلاً: هذا النخيل عليه ثمار لم يبدُ صلاحها حتى الآن فالبسر أخضر، أو البرتقال أخضر، فلم يبد صلاح هذه الأشياء، فإن هذا جائز ولا بأس به، وعندنا قاعدة وهي أنه: يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، يعني الثمرة في حال الاستقلال لا يصح أن تباع قبل بدو صلاحها، لكن في حال التبع، أي: إذا بيعت مع الأصل، فإنه يصح أن تباع قبل بدو الصلاح.

    المسألة الثالثة: إذا بيعت الثمار أو الزروع قبل الاشتداد إلى مالك الأصل، مثلاً: لنفرض أن رجلاً يملك النخيل، ورجل آخر يملك الثمرة عن طريق الوصية مثلاً، فهل يجوز لمن يملك الثمرة أن يبيع هذه الثمرة على من يملك الأصل وهي الأشجار، أو لا يجوز؟ يعني هذا زيد يملك النخل وعمرو يملك الثمرة، ولنفرض أن عمراً أوصي له بهذه الثمرة، حيث قال الرجل قبل أن يتوفى: هذه الثمرة لعمرو، توفي فوصى ابنه زيداً، فالآن زيد له النخيل، أي: له الأصل، لكن الثمرة أوصي بها لعمرو، فهل يجوز لعمرو أن يبيع الثمرة قبل بدو صلاحها على مالك الأصل زيد أم لا يجوز؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يجوز؛ لأنهم يقولون: قد حصل التسليم على وجه الكمال، ما دام أنه الآن مالك للأصل فإن هذا لا بأس به، ولكن إذا نظرنا إلى عموم الأدلة، (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وعن بيع الزرع حتى يشتد) يظهر -والله أعلم- أن هذا غير جائز، وعلى هذا نقول في هذه المسألة: لا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها حتى لو باعها على مالك الأصل، ولا يجوز بيع الزرع أيضاً قبل اشتداد حبه حتى ولو على مالك الأصل، ونظير ذلك ما تقدم لنا في بيع المبيع قبل قبضه، والصحيح أنه لا يجوز حتى ولو باعه على بائعه، وذكرنا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة أنه يجوز لك أن تبيع السلعة قبل قبضها إذا بعتها على مالكها، والصواب في هذه المسألة -كما قلنا- أنه في عمومات الأدلة لا يوجد ما يدل على التخصيص.

    1.   

    وضع الجوائح

    قال رحمه الله: (وإن تلفت بآفة سماوية، رجع على البائع).

    إذا تلفت الثمرة التي بيعت قبل بدو صلاحها بآفة سماوية وهذا يحصل اليوم لكثير من الناس، فيبيعون تمر النخيل مثلاً بعد أن يحمر أو يصفر، والمشتري يحتاج إلى أن يبقي هذه الثمرة إلى وقت الأخذ، فتأتي الآفات السماوية، والآفة السماوية هي: ما لا صنع للآدمي فيها، مثل: الأمطار التي تفسد الثمار، والحر الشديد، والبرد، والعطش، والجراد.. إلخ، فإذا تلفت بآفة سماوية، يقول المؤلف: (رجع على البائع).

    أقسام الجوائح باعتبار الضمان

    وهذه المسألة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يكون التلف قبل التخلية، يعني قبل أن يخلي البائع بين الأشجار والثمرة، فالضمان هنا يكون من مال البائع.

    القسم الثاني: أن يكون التلف بعد الجذاذ، يعني بعد أن جذ المشتري الثمرة تلفت، مثلاً: جاءت أمطار وأفسدتها، أو جاءت، رياح أو غبار فأفسدت هذه الثمار، فنقول: بأن الضمان من مال المشتري.

    القسم الثالث: أن يكون التلف ما بين التخلية والجذاذ، يعني البائع خلى بين المشتري وبين الأشجار، لكن المشتري حتى الآن لم يجذ هذه الثمرة، فحصلت آفة سماوية أفسدت هذه الثمار، فهل يكون ذلك من ضمان البائع أو من ضمان المشتري؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد ومذهب مالك أن ذلك من ضمان البائع؛ ويدل لذلك حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا بعت من أخيك ثمراً فأصابتها جائحة فلا تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟! ). رواه مسلم في صحيحه أو كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً حديث جابر في صحيح مسلم (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح). هذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية والشافعية أن الجوائح لا توضع، وعلى هذا يكون الضمان من مال المشتري، واستدلوا على ذلك بما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد (أن رجلاً أصيب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تصدقوا عليه ). فلو كان وضع الجوائح مشروعاً لوضع النبي صلى الله عليه وسلم هذه الجائحة، فجعل الضمان من مال البائع ولم يجعله على المشتري، لكن هذا الحديث يحتمل أن هذا الدين الذي أصابه أنه بسبب الجائحة، ويحتمل أنه بسبب آخر غير الجائحة، فلا يلزم أن يكون هذا الدين الذي لحق هذا المشتري يلزم أن يكون بسبب الجائحة، والحديث ليس فيه تصريح في ذلك، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال.

    فالصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه الإمام مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو القول بوضع الجوائح.

    مقدار ما يوضع من الجوائح

    ومع أنهم قالوا بوضع الجوائح إلا أنهم جعلوا ذلك إلى الثلث، فالثلث فما فوق يوضع، مثلاً: لنفرض أن رجلاً اشترى ثمرة ألف نخلة بعد أن بدا فيها صلاحها، أي: بعد أن بدأ فيها الاحمرار، أو الاصفرار، ثم بعد ذلك أجيحت بعض هذه النخل، فعندنا مائة نخلة أصابها العطش فتلفت ثمارها، فهل توضع الجائحة على رأي المالكية أو لا توضع؟

    يقولون: لا توضع ما دام أن الجائحة أقل من الثلث، فلا توضع الجائحة إلا إذا بلغت الثلث، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك رحمه الله.

    وأما ظاهر كلام المؤلف رحمه الله وهو مذهب الإمام أحمد : أنه لا فرق بين القليل وبين الكثير وهذا هو الصواب، إلا ما كان في الأشياء اليسيرة التي يصعب الاحتراز عنها ولا يمكن ضبطها، مثلاً: الإنسان اشترى هذا النخيل، فوجد بعض التمر أصابته الجائحة مثلاً: لم يأته الماء .. إلخ، فمثل هذه الأشياء اليسيرة نقول: لا توضع، لكن الأصل أنه يوضع القليل والكثير.

    ومع أن السنة واضحة في هذا، إلا أنك تجد أن بعض البائعين أو كثيراً من البائعين يبيعون الثمار بعد بدو الصلاح وتصيبه الجوائح، وبعد ذلك يأبى البائع أن يضع هذه الجائحة أو أن يضمن هذه الثمرة، وهذا خلاف لما جاء في السنة.

    ما يختص بوضع الجوائح

    وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن تلفت بآفة سماوية رجع البائع) هل وضع الجوائح خاص بالثمار أو أنه يشمل الثمرة والزروع؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى ومذهب المالكية أن وضع الجوائح خاص بالثمار، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ليس خاصاً بالثمار، يعني: يشمل الثمرة، ويشمل الزرع، فالحنابلة يقولون: خاص بالثمار، حتى لو كانت الثمرة مما يلقط تدخلها الجائحة كثمرة الطماطم أو نحو ذلك، ولا يشمل الزروع.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه يشمل الثمار ويشمل الزروع، بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يعمم المسألة، وهذه مسألة مهمة، لا يرى أن وضع الجوائح خاص، بل يتعدى ذلك حتى في الإجارة، وهذا يحصل الآن كثيراً، فمثلاً: لو أن رجلاً استأجر دكاناً بعشرة آلاف ريال، ثم بعد ذلك أصيبت بضائعه وتلفت، فهل نلزمه بعقد الإجارة؟ أو نقول: توضع عنه الجائحة؟

    ومثله أيضاً: لو أنه استأجر هذا الدكان، ثم انصرف الناس عن هذا المكان، يعني كان إيجار الدكان عندما كان الناس موجودين في هذا المكان عشرة آلاف، الآن ارتحل الناس عن هذا المكان فأصبح الإيجار خمسة آلاف، فهذه جائحة أصابته، أو مثلاً: هذا المحل حصل عنده حفريات -كما يوجد اليوم- وأصبح الناس لا يشترون ولا يتمكنون من الوصول إلى هذا المحل، فهذه جائحة أصابت هذا المحل، وواجب أن توضع هذه الجائحة وأن المؤجر يخفض الأجرة، ومثل ذلك أيضاً: ما يحصل اليوم من احتراق المصانع ونحو ذلك.

    فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى العموم في وضع الجوائح خلافاً لما عليه الفقهاء من المالكية والحنابلة الذين قالوا بوضع الجوائح ويخصونها بالثمار فقط، أما شيخ الإسلام يعممها في الزروع وغير ذلك كما ذكرنا في الإجازة ونحو ذلك، والمهم أن القاعدة في ذلك هي كما جاء في حديث جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح) وهذا يشمل الزروع والثمار والإيجارات والشركات ونحو ذلك.

    1.   

    تلف الثمار بفعل آدمي

    قال رحمه الله: (وإن أتلفه آدمي، خير مشترٍ بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلف).

    هذه الثمرة أتلفها آدمي، مثلاً: شب حريق بهذه النخيل أو بأشجار التفاح والبرتقال ونحو ذلك، هنا الآن التلف بفعل آدمي، فنقول للمشتري: لك الخيار؛ إما أن تفسخ وتطالب البائع بالثمن، والبائع يطالب المتلف، وإما أن تطالب المتلف مباشرة فأنت بالخيار.

    ولماذا فرقنا بين الآفة السماوية وبين ما أتلفه الآدمي؟ الآفة السماوية تضمن -كما قال المؤلف- من مال البائع، وهنا إذا أتلفه الآدمي لم يقل من مال البائع بل قال للمشتري: أنت مخير بين أن تطالب البائع وبين أن تطالب المتلف، لماذا؟ سبق أن هذا من باب التوسيع على المشتري؛ لأن البائع قد تكون مطالبته شديدة فلا يتمكن منه فيرجع على المتلف، وقد تكون مطالبة المتلف شديدة فيرجع على البائع، فكوننا نوسع عليه نقول: أنت بالخيار أيها المشتري، إن شئت أن تطالب البائع، وإن شئت أن تطالب المتلف، فهذا أوسع له.

    1.   

    ضابط بدو الصلاح

    قال رحمه الله: (وصلاح بعض الشجرة، صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان).

    لما ذكر المؤلف أن بيع الثمار لا يجوز قبل بدو الصلاح، الآن شرع في بيان ضابط بدو الصلاح، فقال: أولاً: (صلاح بعض الشجرة صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان) مثلاً: النخل صلاحه كما جاء في الحديث أنه يحمر أو يصفر، فإذا صلح بعض الثمر ولو بسرة واحدة جاز البيع، مثلاً: عندك ألف نخلة من السكري، وهناك بسرة واحدة بدأ فيها الاحمرار أو بدا فيها الاصفرار، فنقول: هنا يجوز لك أن تبيع ثمرة هذا السكري؛ فقال: (صلاح لها ولسائر النوع) ولنفرض أن البستان فيه أنواع: فيه سكري، وفيه برحي، وفيه شقر، وفيه عجوة.. إلخ، يعني فيه أنواع كثيرة، فإذا بدا صلاح بعض الثمرة، نقول: هذا صلاح لها ولسائر النوع، وهذا المشهور في المذهب، فمثلاً: إذا كان عندنا سكري، وبدأ الآن في نخلة احمرار أو اصفرار، فنقول: الصلاح لهذه النخلة ولسائر النوع؛ فيصح لك أن تبيع هذه النخلة ويصح أيضاً أن تبيع سائر النوع، والقاعدة: أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، وعلى هذا إذا أردت أن تبيع ثمرة نخل السكري كلها، فإذا بدأت ثمرة بسرة واحدة بالاحمرار أو الاصفرار صح، لكن إذا أردت أن تبيع بعض النخل، مثلاً: تبيع عشر .. إلخ. فنقول: لابد أن يبدو الصلاح في كل نخلة، أما إذا أردت أن تبيع كل النوع، فنقول: يكفي ولو صلاح بعض ثمرة؛ فيثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو الرأي الأول.

    وعلى هذا الأنواع الأخرى لا يصح لك أن تبيعها؛ لأن بعض الثمار يختلف، فبعضه يتسارع صلاحه، وبعضه يتأخر صلاحه، فصلاح هذا النوع ليس صلاحاً للنوع الآخر، فتبيع السكري إذا بدا فيه الصلاح، لكن البارحي ليس لك أن تبيعه حتى يبدو فيه الصلاح، وهذا هو المشهور من المذهب.

    الرأي الثاني: أن صلاح بعض الثمرة صلاح لها وصلاح لسائر الجنس، وعلى هذا إذا بدا صلاح الثمرة في أي نوع من الأنواع كالبارحي أو السكري نقول: هذا الصلاح لسائر الجنس، أي: صلاح لسائر التمر، فكل التمر يكون هذا صلاحاً له، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو مذهب المالكية والشافعية وهذا القول هو الأقرب، وعلى هذا إذا بدا الصلاح في بسرة واحدة، نقول: بدا الآن الصلاح في سائر الأنواع، وأن الغالب في أنواع الجنس أن طيبه وصلاحه يتقارب عادة.

    1.   

    معرفة بدو الصلاح في النخل والعنب وغيره من الثمرات

    قال المؤلف رحمه الله: (وبدو الصلاح في ثمر النخل أن تحمر أو تصفر، وفي العنب أن يتموه حلواً، وفي بقية الثمرات أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله).

    ما هو بدو الصلاح؟ قال المؤلف رحمه الله: إن هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن تكون الثمرة نخلاً، فنقول: بأن بدو الصلاح فيها أن يحمر أو يصفر ويدل لذلك (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تحمار أو تصفار).

    الأمر الثاني: ما عدا ذلك من الثمار، مثل: ثمرة البرتقال والتفاح والعنب ونحو ذلك، نقول: بدو الصلاح فيها كما قال المؤلف: أن يبدو فيه النضج وأن يطيب أكله، فإن بدأ فيها النضج وطاب أكلها فهذا هو صلاح الثمرة.

    1.   

    بيع العبد الذي له مال

    قال رحمه الله: (ومن باع عبداً له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع).

    ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من باع عبداً له مال فماله لبائعه، إلا أن يشترط المبتاع).

    ثم قال المؤلف: (فإن كان قصده المال، اشترط علمه، وسائر شروط البيع وإلا فلا).

    ويعني: إذا كان قصده المال الذي مع هذا الرقيق، فإنه يشترط أن يعلم المشتري بهذا المال.

    وقوله: (وسائر شروط البيع) يعني كأنه الآن اشترى سلعة أخرى، كما أنه لو اشترى هذا الرقيق، كذلك أيضاً كأنه الآن اشترى سلعة أخرى، ولهذا قال: (اشترط علمه، وسائر شروط البيع).

    وقوله: (وإلا فلا) إذا كان ليس قصده المال فإن هذا لا يشترط.

    1.   

    ثياب الجمال الموضوعة على السلعة عند شراءها

    قال رحمه الله: (وثياب الجمال للبائع، والعادة للمشتري).

    المؤلف رحمه الله تعالى يذكر ذلك على سبيل المثال، يعني ما يوضع على السلع من أجل التجميل والتحسين ونحو ذلك، يقول: ما يوضع على هذه السلع من أجل التجميل والتحسين فإنه لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن تكون هذه تابعة لهذه السلعة على سبيل العادة، فهذه داخلة في البيع.

    والأمر الثاني: أن تكون على خلاف العادة، أن تكون وضعت للجمال والتحسين، فوضعت على الرقيق، أو وضعت على السيارة.. إلخ.

    إذا إن كانت العادة جارية لوجودها فنقول: هذه تكون للمشتري، إن جرت العادة لذلك، وإن كانت في العادة ليست موجودة على هذه الدابة، أو على هذه السيارة ونحو ذلك، فنقول: إنها للبائع، إلا إذا كان هناك عرف فالمسلمون على شروطهم، وإنما كانت للبائع؛ لأنها كانت زيادة على العادة.

    1.   

    السلم

    قال المؤلف رحمه الله: (باب السلم).

    تعريف السلم ومشروعيته

    السلم نوع من أنواع البيوع وهو: تقديم الثمن وتأخير المثمن، والسلم يقال: السلم، ويقال: السلف، والعلماء يقولون: السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز.

    والسلم في اللغة: التقديم، وأما في الاصطلاح فكما عرفه المؤلف فقال: (وهو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد).

    والسلم دل له القرآن، والسنة، وإجماع المسلمين.

    أما القرآن فقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282]. وابن عباس رضي الله تعالى عنهما فسر هذه الآية بأن المراد بها هو السلم.

    ومن السنة حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ).

    والإجماع قائم على ذلك.

    الحكمة من تشريع السلم

    والنظر الصحيح يقتضيه، فالمسلم الذي ليس عنده مال يحتاج إلى مال، لكي يسير عمله، فقد يكون صاحب مزرعة فيحتاج إلى مال، فيأخذ من التاجر مالاً ويعطيه من الثمار، فالمسلم يستفيد أنه يتوسع بالمال ويقضي حاجته، والمسلم إليه يستفيد رخص السلعة؛ لأنه لو اشترى السلعة بالسعر حاضر تغير الثمن، مثلاً سيعطيه مائة ألف، والفلاح أو صاحب المصنع سيعطيه ألف صاع فإذا كان التاجر يشتري أصواعاً بهذه المائة ألف، فالآن يمكنه أن يشتري تسعمائة صاع، فالمسلم إليه يستفيد رخص السلعة، والمسلم يستفيد التوسع بالمال، ولو أن المصارف يأخذون بالسلم ما احتيج إلى الربا، والسلم بحمد الله جاءت به الشريعة، لكنهم أعرضوا عن شرع الله عز وجل.

    والسلم يحتاج إلى تمويل، فمثلاً: يعطيه البنك مائة ألف أو مائتا ألف أو يعطيه مليوناً ويأخذ منه السلع، مثلاً: يطالب منه سيارات بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر عدد كذا وكذا من السيارات، أو كذا وكذا من الآلات بحيث أنه يستفيد رخص السلع، والذي يحتاج التمويل فإنه يتوسع بهذا التمويل.

    ولا نحتاج أن نقع أيضاً في مسائل التورق ومسائل العينة، والآن يوجد من التورقات المصرفية ونحو ذلك، فهذه كلها لن نحتاج إليها لو أنه أخذ بالسلم، فيمول البنك ويعمل صاحب المصنع بمصنعه، وصاحب التجارة يعمل في تجارته، وصاحب المزرعة يعمل بمزرعته، ويتفق مع المصرف على أن يعطيه كذا وكذا من السلع ويسدد.

    فالكثير من المشاكل التي تقع الآن، هذه كلها سببها الإعراض عن الشريعة.

    وقوله رحمه الله: (وهو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد) هذا التعريف الذي ذكره المؤلف رحمه الله عبارة عن شروط صحة السلم، وستأتينا إن شاء الله كل هذه الشروط.

    الألفاظ التي يصح بها السلم

    قال: (ويصح بألفاظ البيع والسلم والسلف).

    يصح السلم بألفاظ البيع، مثلاً يقول: بعتك كذا وكذا من السلع المؤجلة بكذا وكذا من المال الحاضر، أو سأعطيك سيارات مؤجلة بعد كذا وكذا، بمال حاضر تعطينيه الآن.

    ويصح بلفظ السلم مثلاً أسلمتك ألف ريال على أن تعطيني مائة كتاب بعد كذا وكذا، أو أسلفتك على أن تعطيني كذا وكذا.. إلخ.

    وقول المؤلف: (يصح بألفاظ البيع والسلم والسلف) لأن السلم في الحقيقة هو نوع من أنواع البيوع، إلا أن فيه تقديم الثمن، وتأخير المثمن.

    1.   

    شروط السلم

    قال رحمه الله: (بشروط سبعة).

    هذه الشروط زائدة على الشروط العامة في البيوع.

    الشرط الأول: انضباط الصفات

    قال رحمه الله: (انضباط صفاته).

    هذا الشرط الأول: انضباط صفاته، وعلى هذا نقول: كل ما أمكن ضبطه، في الوصف صح السلم فيه، ويدخل عندنا الآن سائر السلع؛ لأن السلع الآن تصنع بالآلات، وكانت السلع في الزمن الأول تصنع بالأيدي.

    ولهذا قال المؤلف: لا يصح السلم في القماقم ولا يصح في الأسطال ونحو ذلك؛ لأنها كانت في الزمن السابق تصنع باليد، أما الآن فتصنع بالآلات فلا تكاد الآن تختلف، فنقول: كل ما أمكن ضبطه في الوصف صح السلم فيه، فإذا قال: تعطيني مائة قلم صفته كذا وكذا، أو مائة ثوب صفته كذا، وكذا، أو مائة ثلاجة، أو مائة غسالة، صفتها كذا وكذا، وتاريخ صناعتها.. إلخ، نقول: بأنه يصح السلم في هذه الأشياء.

    قال المؤلف رحمه الله: (بمكيل، وموزون، ومذروع) (بمكيل) المكيل يمكن ضبطه، مثل: الأرز الدخن.. إلخ. فيقول: هذه عشرة آلاف ريال فأعطني من الأرز كذا وكذا، فهذا مكيل، أو موزون من اللحم كلحم الإبل.

    قال رحمه الله: (وأما المعدود المختلف كالفواكه والبقول والجلود والرؤوس والأواني المختلفة الرؤوس، والأوساط كالقماقم والأسطال الضيقة الرؤوس والجواهر.. إلخ).

    هذه المعدودات التي ذكرها المؤلف، الخلاصة فيها أنها تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: معدود يمكن ضبطه، فيصح السلم فيه كما ذكرنا لكم أن سائر الصناعات يصح السلم فيها؛ لأنها تضبط بالوصف، فما دام أنها تضبط بالوصف نقول: يصح السلم فيها، وهذا القسم الأول: معدود يمكن ضبطه.

    القسم الثاني: معدود لا يمكن ضبطه، فهذا يقول فيه المؤلف: (وأما المعدود المختلف.. إلخ)، فيقول: لا يصح، مثل: الفواكه؛ مع أن الشركات الآن تضبط الفواكه بالفرز، مثل: الموز، فتفرز الطويل والقصير، وكذلك البرتقال فتفرز مثل هذه الأشياء، لكن لنفرض أنها ما انضبطت الفواكه، فالرمان هذا صغير وهذا كبير، أو هذا تفاح صغير، وهذا كبير، فنقول: بأن ما أمكن ضبطه بالعد، يمكن ضبطه بالحجم، وما لم يمكن ضبطه بالحجم، يضبط بالوزن؛ لأن الأصل في ذلك الصحة، وهذا رأي المالكية، أما في المذهب فإذا كان مختلفاً لا يصح السلم فيه، وهو الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه إذا كان مختلفاً فإنك تضبطه بالوزن، وهذا رأي المالكية.

    وقول المؤلف رحمه الله: (الأواني المختلفة الرؤوس).

    هذا كان في الزمن السابق؛ لأن هذه الأواني كانت تصنع باليد، وقد لا تستطيع اليد أن تصنعها على وجه التمام، لكن الآن تصنع هذه الأواني بالآلات، ولا تكاد تختلف، فنقول: يصح السلم في مثل هذه الأشياء.

    وقوله: (القماقم).

    القمقم إناء من نحاس يسخن فيه الماء.

    ثم قال: (والأسطال الضيقة والرؤوس والجواهر)، فالجواهر يمكن أن يقال: لا يصح السلم فيها؛ لأن الجواهر قد لا يتأتى الضبط عليها خصوصاً الجواهر الطبيعية؛ لأن أثمانها غالية، أما الجواهر الصناعية فهذه سهل ضبطها، لكن الجواهر الطبيعية التي يكون لها أثمان مرتفعة، فهذه نقول: لا يصح السلم فيها.

    وقول المؤلف رحمه الله: (والحامل من الحيوان) الحامل من الحيوان يقول: لا يصح، مثلاً قال: هذه مائة ألف ريال، فأتني بألف شاة حامل، يقول المؤلف رحمه الله: لا يصح؛ لأنه قد لا يمكن أن تتهيأ له هذه الصفة، وهذا كان في الزمن السابق، لكن الآن المزارع الكبيرة، التي فيها عشرون ألف رأس أو مائة ألف رأس، يمكن أن يكون عنده خلال السنة ألف شاة حامل، فمثل هذه الأشياء أصبحت الآن تضبط، فالصحيح كما ذكرنا في الضابط: أنه كل ما أمكن ضبطه بالوصف فإنه يصح السلم فيه.

    وقوله رحمه الله: (وكل مغشوش) لأن غشه يمنع العلم بالقدر المقصود منه.

    وقوله رحمه الله: (وما يجمع أخلاطاً غير متميزة كالغالية) الغالية: نوع من أنواع الطيب، ويقال: إن أول من سماها سليمان بن عبد الملك بالغالية مع الطيب.

    وقوله: (والمعاجين)، يعني أنواع من الأدوية يتداوى بها، فلا يصح السلم فيها، مثلاً: لو كان عندك أدوية مخلطة، أو أطياب مجموعة من الأخلاط يقول: لا يصح السلم فيها؛ لأن الخلط كان في الزمن السابق ليس عن طريق الآلات وإنما عن طريق الأيدي، فقد يزيد وقد ينقص فلا يمكن ضبطه بالوصف، لكن الآن كما ذكرنا توجد كثير من الأدوية والمعلبات والأطعمة ونحو ذلك، هي خليط لكن هذا الخليط مضبوط، فيقول: كذا وكذا في كذا وكذا ملليمتر.. إلخ. فالصحيح أن مثل هذه الأشياء ما دام أنه يمكن ضبطها، نقول: يصح السلم فيها.

    قال رحمه الله: (ويصح في الحيوان، والثياب المنسوجة من نوعين).

    قال: يصح في الحيوان، ويدل على ذلك (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً ورد خيراً منه رباعياً). فيصح أن تعطيني كذا وكذا من الشياه، أو كذا وكذا من الإبل ونحو ذلك، فيقول المؤلف رحمه الله: يصح.

    وقوله: (والثياب المنسوجة من نوعين) منسوجة من قطن وصوف، أو قطن وكتان، يصح.

    قال رحمه الله: (وما خلطه غير مقصود كالجبن وخل التمر والسكنجبين ونحوها).

    المهم عندنا في كل هذه الأشياء التي يذكرها المؤلف والضابط كما ذكرنا: كل ما أمكن ضبطه بالوصف صح السلم فيه، وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، أو نقول: معظم الأشياء الآن تدخل فيه، والذي لا يدخل فيه قد لا يمكن ضبطه، مثل: الجواهر أو الأحجار النادرة الطبيعية، أو اللؤلؤ، فمثل هذه الأشياء التي قد لا يمكن أن تضبط، فلا تدخل في هذا الضابط.

    الشرط الثاني: ذكر الجنس والنوع والوصف

    قال المؤلف رحمه الله: (ذكر الجنس والنوع وكل وصف يختلف فيه الثمن ظاهراً).

    الشرط الثاني من شروط صحة السلم: ذكر الجنس والنوع، يعني إذا أسلمته تمراً، تقول: الجنس تمر، والنوع سكري، والصفات رديء أو طيب أو جيد، أو مثلاً أسلمته ثياباً، فتقول: الجنس كذا، والنوع كذا، أو أسلمته آلات، فتقول: الجنس كذا، والنوع كذا.. إلخ، والصحيح أنه إذا ذكر النوع فإنه لا حاجة إلى ذكر الجنس؛ لأنه إذا ذكر الأخص أغنى عن ذكر الأعم، فإذا قال: سكري، أو نحو ذلك كفى ذلك، فلا حاجة إلى ذكر الجنس.

    فنقول: لا بد أن يذكر الصفات التي يختلف فيها الثمن اختلافاً ظاهراً، وأما استقصاء جميع الصفات، فهذا قد يتعذر، وقد نحتاج اليوم أيضاً إلى ذكر المصنع أو ذكر الشركة؛ لأن هذا يختلف.

    قال المؤلف رحمه الله: (وحداثته وقدمه).

    أي: قد لا نحتاج إلى أن نذكر هل هو جديد أو قديم؟ لكن قد نحتاج إلى صفات أخرى كما سلف.

    قال رحمه الله: (ولا يصح شرط الأردأ أو الأجود).

    يقول المؤلف: لا يصح أن يقول: تعطيني أجود شيء في السوق، أو أردأ شيء؛ لأنه ما من رديء إلا وهناك أردأ منه، وما من جيد إلا وهناك أجود منه، وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: يصح إذا أمكن ضبطه بالعرف فيتعارف الناس أنه أجود شيء في السوق كفى ذلك؛ لأن المقصود هو دفع النزاع والشقاق، فإذا كان هناك عرف تعارف الناس أن هذا هو أردأ شيء أو أجود شيء، نقول: هذا جائز، ولا بأس به.

    قال المؤلف: (بل جيد ورديء) يعني يشترط جيد ورديء.

    قال رحمه الله: (فإن جاء بما شرط أو أجود منه من نوعه ولو قبل محله) يعني، وقت حلوله (ولا ضرر في قبضه لزمه أخذه) نعم هذه العبارة تحتها أقسام:

    القسم الأول: أن يأتي المسلَم إليه للمسلِم بما اتفقا عليه جنساً ونوعاً، ووصفاً في وقته، فهنا يجب عليه أن يقبله.

    القسم الثاني: أن يأتيه بما اتفقا عليه جنساً ونوعاً ووصفاً قبل محله، يعني قبل زمن حلوله، مثلاً: اتفقا في شعبان، فأتاه بالمُسلم فيه في رجب، يقول المؤلف رحمه الله: فيه تفصيل؛ فإن كان يتضرر بقبضه في هذا الوقت فلا يوجد عنده مثلاً مستودعات أو يخشى عليه من سرقة ونحو ذلك، فلا يجب عليه أن يقبله، وإن كان لا يتضرر بقبضه فإنه يجب عليه أن يقبله.

    القسم الثالث: أن يأتيه بما اتفقا عليه جنساً ونوعاً، لكنه يختلف معه صفة، مثلاً الجنس تمر، والنوع سكري، فجاءه بالتمر السكري، واتفقا على متوسط فجاءه برديء أو بجيد، فهنا اختلفت الصفة، فالفقهاء رحمهم الله يقولون: إن جاءه برديء، أي: جاء بأقل منه صفة يجوز له أن يقبله، لكن لا يجب عليه، وإن جاءه بأجود منه صفة فيجب عليه أن يقبله، فإذا قال: أنا لا أريد هذا، أريد متوسط، فنقول: لا، يجب عليك أن تقبله، وهناك في المذهب قاعدة وهي: أن هبة الأوصاف والمعاني يجب قبولها، فما دام أنكم اتفقتم على متوسط وجاء إليك بأعلى منه -بجيد- يجب عليك أن تقبله؛ لأنه جاءك بما اتفقتم عليه وزيادة صفة، فيجب عليك أن تقبله، والصحيح في ذلك التفصيل؛ إن كان هناك منة فإنه لا يجب أن تقبل، وإن لم يكن هناك منة فإنه يجب أن تقبله.