إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب المناسك [9]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عند التحلل من العمرة يستحب الحلق أو التقصير، ولكن الحلق أفضل إلا إذا كانت المدة يسيرة بين التحلل من العمرة والإحرام بالحج فيستحب التقصير، ثم يحرم في ضحى الثامن ويستحب له المبيت بمنى، فإذا طلعت الشمس سارع إلى عرفة ووقف بها إلى غروب الشمس، ولا يشترط الجمع ب

    1.   

    التحلل من العمرة للمتمتع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى وغفر له: [ثم إن كان متمتعاً لا هدي معه قصر من شعره وتحلل، وإلا حل إذا حج، والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية.

    باب صفة الحج والعمرة:

    يسن للمحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال منها، ويجزئ من بقية الحرم، ويبيت بمنى، فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة، ويسن أن يجمع بها بين الظهر والعصر، ويقف راكباً عند الصخرات وجبل الرحمة، ويكثر من الدعاء ومما ورد فيه، ومن وقف ولو لحظة من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر، وهو أهل له صح حجه وإلا فلا، ومن وقف نهاراً ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله فعليه دم، ومن وقف ليلاً فقط فلا، ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة، ويسرع في الفجوة، ويجمع بها بين العشاءين ويبيت بها، وله الدفع بعد نصف الليل وقبله فيه دم].

    تقدم لنا ما يتعلق بشروط السعي، وذكرنا أن السعي يشترط له شروط:

    الشرط الأول: المشي إلا لعذر، كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    وذكرنا الرأي الثاني وهو رأي الشافعية: أنه لو سعى راكباً فإن هذا لا بأس به، وذكرنا أن الأحوط هو ما ذهب إليه الحنابلة لورود ذلك عن الصحابة، وقبل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ركب لحاجته إلى الركوب؛ لأن الناس يريدون أن يأخذوا منه نسكهم، وكذلك أيضاً لكي يشرف على الناس وينظر إليهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم مشى في أول الأمر ولهذا سعى بين العلمين، ثم بعد ذلك ركب للحاجة، ولورود ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما ورد عن عائشة وعمر أنه منع من الركوب في السعي، وكذلك أيضاً عائشة رضي الله تعالى عنها كرهت المشي في السعي.

    وكذلك أيضاً هل يشترط لصحة السعي رفع الحدث أو أن هذا ليس شرطاً؟ وكذلك أيضاً ما يتعلق بإزالة الخبث وستر العورة، وذكرنا أن هذه الأشياء سنة في السعي، فلو سعى وهو محدث أو عليه خبث أو نجاسة على بدنه أو ثوبه فإن سعيه صحيح، وكذلك أيضاً لو سعى وهو لم يستتر، والمقصود بالستر هنا ليس العري الكامل، وإنما لو أن ثوبه حصل فيه شيء من الشقوق أو الخروق أو نحو ذلك فإن سعيه صحيح.

    وكذلك أيضاً ذكرنا ما يتعلق بالموالاة بين أشواط السعي، وذكرنا القاعدة في ذلك وهي أن كل عبادة مركبة من أجزاء لا بد فيها من الترتيب والتوالي، لكن نفهم أن التوالي في أشواط الطواف ليس كالتوالي في أشواط السعي؛ لأن أمر السعي أخف من أمر الطواف، وعلى هذا لو قطع أشواط السعي بالاستراحة ونحو ذلك، أو مثلاً قطعه لقضاء حاجة ونحو ذلك أو لشرب، أو لصلاة فريضة، فإن هذا كله لا يضر، مثله أيضاً لو قطع أشواط الطواف لكي يستريح قليلاً، أو لكي يصلي فريضةً، أو على جنازة، أو لكي يشرب ماءً ونحو ذلك، ما دام أنه لم يطل الفصل فإنه لا يضر.

    كذلك ذكرنا أن أمر السعي أخف من أمر الطواف، وكذلك أيضاً هل تشترط الموالاة بين الطواف والسعي؟ ذكرنا بأن هذا ليس شرطاً وأنه سنة، وعلى هذا لو طاف في الصباح وسعى في المساء، أو طاف في هذا اليوم وسعى غداً، فإن هذا جائز ولا بأس به.

    وتقدم لنا ما يتعلق بالسعي إذا كان في بطن الوادي، هذا بالنسبة للرجل، أما بالنسبة للمرأة فهل تسعى سعياً شديداً، أو لا؟ نقول: بأن المرأة لا تسعى سعياً شديداً كما جاء ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه؛ لأنه جاء عن ابن عمر أنه قال: ليس على النساء رمل بالبيت، ولا بالصفاء والمروة.

    قول المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم إن كان متمتعاً لا هدي معه).

    يفهم من كلام المؤلف أنه ربما يكون متمتعاً ومعه الهدي، يعني: يمكن أن يتمتع ومعه الهدي، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، ومذهب الإمام أحمد رحمه الله كما سلف أن التمتع أفضل الأنساك ولو ساق الهدي، وعلى هذا يمكن أن يكون متمتعاً ومعه الهدي.

    كيف يكون متمتعاً ومعه الهدي؟ يطوف ويسعى ولا يقصر؛ لوجود الهدي معه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمتمتع على المذهب: (يطوف ويسعى ولا يقصر)؛ لأنه ما يمكن أن يقصر حتى يذبح الهدي، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (قلدت هديي ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أنحر) فيقولون: ممكن أن يكون متمتعاً من ساق الهدي، لكنه لا يتحلل، لكن إذا كان لا يتحلل فما أصبح متمتعاً، لكن المذهب أن التمتع أفضل ولو ساق الهدي، وممكن أن يكون متمتعاً وقد ساق الهدي، وهذا فيه نظر، والصحيح أنه لا يكون متمتعاً إذا ساق الهدي؛ لأن التمتع كما تقدم لنا في صفته أن يحل من العمرة، ثم بعد ذلك يحرم بالحج في عامه.

    المهم نفهم كلام المؤلف رحمه الله في قوله: (ثم إن كان متمتعاً لا هدي معه قصر من شعره)، إذا كان متمتعاً لا هدي معه فإنه يقصر من شعره، وهذا هو الموضع الذي يستحب فيه التقصير للرجال، الرجل الأفضل في حقه الحلق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين مرةً واحدة إلا في هذا الموضع وهو ما إذا كان متمتعاً فإن السنة أن يقصر، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كل من لم يسق الهدي أن يفسخ حجه إلى عمرة، وأن يحل وأن يقصر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتقصير كما في الصحيحين، لكن قال العلماء رحمهم الله تعالى: هذا إذا كان وقت الإحرام بالحج قريباً، أما إذا كان وقت الإحرام بالحج بعيداً، كما لو أخذ العمرة في شوال، فإن الأفضل في حقه أن يحلق؛ لأن الشعر سيتوفر للحج.

    وعلى هذا قول المؤلف رحمه الله: (قصر من شعره). هذا إذا كان وقت الإحرام بالحج قريباً لحديث ابن عمر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتقصير)، فإن كان وقت الإحرام بالحج بعيداً بحيث يتوفر الشعر للحج، فنقول: السنة أن يحلق؛ لأن الأصل هو الحلق بالنسبة للرجال، أما بالنسبة للنساء فإنه ليس عليهن حلق كما سيأتينا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وإنما عليهن التقصير.

    قال المؤلف: (قصر من شعره).

    يؤخذ من كلام المؤلف أنه لا بد أن يقصر من جميع شعره، فهو مفرد مضاف يعم جميع الشعر، وهذا هو الذي دل له القرآن والسنة، والله عز وجل قال: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27]، قال: (رُءُوسَكُمْ)، وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم حلق كل شعره وما حلق البعض وترك البعض، والتقصير يقوم مقام الحلق، فإذا كان الحلق لجميع الشعر فكذلك أيضاً نقول: التقصير يكون لجميع الشعر، لكن قال العلماء رحمهم الله: ما دام أن التقصير أخف من الحلق، يعني رخص بالتقصير لكونه أخف من الحلق، فإنه لا يشترط أن يشمل كل شعرة بعينها، لكن لا بد أن يعمم جميع الشعر بالتقصير.

    وعند الشافعية رحمهم الله تعالى: أنه يكفي أن يقصر من ثلاث شعرات، أو أن يحلق ثلاث شعرات.

    وعند الحنفية رحمهم الله: أنه يكفي أن يقصر بعض الشعر، وهذا كله فيه نظر، والصواب في ذلك ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله تعالى.

    قال رحمه الله: (وتحلل، وإلا حل إذا حج).

    يعني المتمتع إذا ساق الهدي فإنه لا يقصر ويبقى على إحرامه؛ لما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر)، لكن كما أسلفنا أن الصحيح أنه لا يكون متمتعاً إذا ساق الهدي، وإنما يكون قارناً.

    1.   

    أقوال العلماء في آخر وقت التلبية للمتمتع في العمرة

    قال رحمه الله: (والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية).

    تقدم لنا أن التلبية يبدأ بها من حين الإحرام، وهذا هو الأفضل، وأن بعض العلماء قال: إذا شرع في المسير، وبعضهم قال: إذا استوى على راحلته، وذكرنا كلام أهل العلم رحمهم الله فيما تقدم.

    متى ينتهي وقت التلبية؟ نقول: له حالتان:

    الحالة الأولى: انتهاء وقت التلبية في العمرة.

    الحالة الثانية: انتهاء وقت التلبية في الحج.

    أما الحج فسيأتينا إن شاء الله أن التلبية على الصحيح أنها تستمر إلى أن يشرع في رمي جمرة العقبة خلافاً للظاهرية، فإن الظاهرية يقولون: بأن التلبية تستمر إلى أن ينتهي من رمي جمرة العقبة، والصحيح الذي دلت له السنة أن التلبية تستمر إلى أن يشرع في رمي جمرة العقبة، هذا بالنسبة للحج وسيأتي إن شاء الله.

    بقينا في العمرة.

    مذهب الجمهور في آخر وقت التلبية للمتمتع وأدلتهم

    قال المؤلف رحمه الله: (إذا شرع في الطواف).

    وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله، وعلى هذا يلبي إلى أن يشرع في الطواف، فإذا شرع في الطواف فإنه يقطع التلبية، ويستدلون على ذلك بما يروى عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قطع التلبية حين استلم الحجر الأسود. رواه البيهقي ، وهو ضعيف، وبحديث ابن عباس مرفوعاً: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر ) رواه أبو داود ، وهذا الحديث أيضاً ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    مذهب مالك في آخر وقت التلبية للمتمتع في العمرة ودليله

    الرأي الثاني رأي الإمام مالك رحمه الله تعالى: أنه إذا أحرم من الميقات فإنه يمسك عن التلبية إذا دخل الحرم.

    ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه كان يلبي في العمرة، حتى إذا رأى بيوت مكة ترك التلبية وأقبل على التكبير والذكر. وهذا موقوف على ابن عمر في سنن البيهقي ، لكن في صحيح البخاري : (أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ويحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك)، وهذا لا شك أنه صريح.

    تدعيم أدلة الجمهور وردهم على دليل المالكية

    وجمهور العلماء رحمهم الله حملوا هذا حديث ابن عمر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية)، على أن المراد الإمساك عن كثرة التلبية، يعني: التخفيف من التلبية، بدليل أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يلبي إلى أن يرى بيوت مكة. وكذلك أيضاً ورد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما الإهلال في السعي.

    ويظهر والله أعلم أن الجمهور يقولون: يستمر في التلبية كما تقدم، وابن حزم رحمه الله يرى أن الأثر الوارد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما حجة.

    والجمهور أيضاً يستدلون بالمعنى، يقولون: بأنه ما دام أنه لم يشرع في الطواف، فإنه حتى الآن لم يشرع في أسباب التحلل، فإذا شرع في الطواف شرع في أسباب التحلل، ونظيره في الحج إذا شرع في رمي جمرة العقبة فإنه يكون مشروعاً في التحلل، حينئذ لا داعي للتلبية؛ لأن التلبية إجابة لنداء الله عز وجل عن لسان إبراهيم عليه السلام، فأنت إذا نظرت إلى المعنى فإنه يؤيد ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، مع أنه كما ذكرنا يعضده حديث ابن عباس وإن كان فيه ضعف، والأثر الوارد عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه.

    1.   

    أعمال الحاج يوم التروية

    الإهلال يوم التروية بالحج

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب صفة الحج والعمرة).

    يعني: باب الكيفية والهيئة التي تكون عليها العمرة ويكون عليها الحج.

    يقول المؤلف رحمه الله: (يسن للمحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية).

    بالنسبة لإهلال المفردين والقارنين فأمرهم ظاهر؛ لأنهم لا يزالون على إحرامهم، لكن بقينا في المتمتعين، فالمتمتع سيحل من عمرته، فمتى يشرع له أن يهل بالحج؟

    نقول: بأن المتمتع لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون واجداً للهدي، فهذا كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى السنة أن يهلوا بالحج يوم التروية، هذا هو السنة، ويدل لذلك حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، ويستحب أن يكون الإهلال بالحج ضحى يوم التروية؛ لأن السنة أن تكون صلاة الظهر في منى، وإذا كان كذلك فإن السنة أن يكون الإهلال قبل الزوال، وهذا هو وقت الضحى، فنقول: يستحب الإحرام للحج يوم التروية، كما دل على ذلك حديث جابر رضي الله تعالى عنهما.

    ويستحب أن يكون أيضاً الإهلال للحج ضحى اليوم الثامن؛ لأنه يستحب للحجاج أن يخرجوا في يوم التروية كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يصلوا ظهر يوم التروية في منى، وإنما يخرجون محرمين.

    بقينا في مسألة تتعلق بالتلبية، ظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى بالنسبة للتلبية، أن التلبية مشروعة، سواء كان نازلاً أو كان سائراً، يعني هل التلبية تشرع حال السير فقط، أو أنها تشرع حال النزول وحال السير؟ هذا ظاهر كلام المؤلف رحمه الله، وهو ظاهر كلام الفقهاء رحمهم الله، وعلى هذا يلبي أثناء سيره في تنقلاته بين المشاعر، فإذا أهل يوم التروية بالحج فإنه سيبدأ بالتلبية في أثناء خروجه إلى منى، وإذا أقام بمنى هل يلبي أو لا يلبي؟ في أثناء خروجه إلى عرفات في اليوم التاسع سيلبي، إذا أقام بعرفات هل يلبي أو نقول: بأنه لا يلبي؟ كذلك أيضاً في مسيره من عرفات إلى مزدلفة فإنه سيلبي.. وهكذا.

    نقول: كلام الفقهاء رحمهم الله: أن التلبية مشروعة من حين بدأ وقتها، وكما أسلفنا أن السنة أن تكون التلبية دبر الصلاة إلى أن يشرع في العمرة إذا استلم الحجر الأسود، وفي الحج إذا شرع في رمي جمرة العقبة، فتشرع التلبية، سواء كان نازلاً أو كان سائراً، ويدل لذلك حديث الطبراني ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في يوم عرفة: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، اللهم لا خير إلا خير الآخرة)، وهذا الحديث يحسنه الشيخ الألباني رحمه الله، وكذلك أيضاً هو ثابت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بإسناد حسن أنه لبى في يوم عرفة.

    وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن التلبية تكون أثناء المسير، يعني أثناء التنقل، ففي يوم التروية سينتقل الحجاج من مكة إلى منى يلبون في أثناء تنقلاتهم، هذا ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، لكن نقول: ما دام أنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضاً ثابت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فالصواب في ذلك هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    ظاهر كلام الفقهاء رحمهم الله أن التلبية مشروعة مطلقاً، خصوصاً أنك إذا تأملت الشريعة تجد محبة الشارع للذكر ملازمة، ولهذا شرع الذكر في كل أحوال المسلم، عند دخوله بيت الخلاء، وعند الجماع، وعند خروجه من بيت الخلاء ونحو ذلك، والأدلة الكثيرة في فضل الذكر، المهم نفهم هذه المسألة، وأن الأقرب والله أعلم أن التلبية مشروعة مطلقاً.

    يقول المؤلف رحمه الله، قلنا: بأن المتمتعين الذين أحلوا من عمرتهم لا يخلو أمرهم من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكونوا واجدين للهدي، فهذا يستحب أن يكون إحرامهم للحج في يوم التروية ضحى.

    الأمر الثاني: أن يكونوا غير واجدين للهدي، فهذه المسألة تنبني على مسألة تقدمت لنا في صيام الأيام الثلاثة، وأن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يستحب أن يكون صيام الأيام الثلاثة في السابع والثامن والتاسع، وعلى هذا يحرمون من اليوم السابع لكي يصوموا وهم محرمون.

    وعند الشافعية كما سلف لنا: أنه يستحب أن يكون صيام هذه الأيام السادس والسابع والثامن، وعلى هذا يكون إحرامهم من اليوم السادس.

    الإحرام من مكة يوم التروية

    قال المؤلف رحمه الله: (قبل الزوال، ويجزئ من بقية الحرم).

    يقول المؤلف رحمه الله: يجزئ من بقية الحرم، تقدم الكلام على هذه المسألة، وذكرنا أن المكيين يحرمون للحج من مكة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى أهل مكة يهلون من مكة).

    أيضاً بالنسبة للآفاقيين غير المكيين يأخذون حكم أهل مكة، فإنهم يحرمون من أماكنهم في مكة، والصحابة رضي الله تعالى عنهم أحرموا من الأبطح.

    لو أن المكيين والآفاقيين الذين حلوا من عمرتهم أحرموا من خارج مكة، فهل هذا جائز أو لا؟ ولنفرض أن المكي أحرم من منى أو أحرم من عرفات، أو الآفاقي أيضاً أحرم من منى ولم يحرم من مكة مع أنه أحل في مكة، والمشروع أن يهل في مكة، لكن لو خرج، وهذا يفعله كثير من الناس اليوم خصوصاً الذين يعملون في أمر الحجاج لكي لا يحرمون، ويخرجون مع الحجاج وهم غير محرمين، فيحرمون في يوم عرفة، أو يحرمون في منى، فهل هذا جائز أو ليس جائزاً؟

    تقدم لنا أن جمهور العلماء رحمهم الله يرون أن هذا جائز وأنه لا بأس به، وأن الشافعية قالوا: بأن هذا لا يجوز، ولهذا الأولى أن يحرم المتمتع الذي حل من عمرته من مكانه كما فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    المبيت بمنى عشية يوم التروية

    قال المؤلف رحمه الله: (ويبيت بمنى).

    يعني: يبيت ليلة التاسع بمنى، والبيتوتة بمنى ليلة التاسع سنة من سنن الحج ليست واجبة، ودليل ذلك حديث عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه، فإن (عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في صلاة الفجر بالمزدلفة، وذكر عروة رضي الله تعالى عنه أنه ما ترك جبلاً إلا ووقف عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه)، فالبيتوتة بمنى ليلة التاسع سنة، كذلك أيضاً الخروج إلى مكة في اليوم الثامن، والصلوات الخمس أيضاً في اليوم الثامن بمكة، هذا كله من سنن الحج، ودليل ذلك ما سلف من حديث عروة رضي الله تعالى عنه.

    والإمام مالك رحمه الله تعالى كره التقدم إلى منى قبل اليوم الثامن؛ لأن هذا خلاف السنة، وكذلك أيضاً كره التقدم إلى عرفة قبل اليوم التاسع؛ لأن هذا خلاف السنة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج إلى منى إلا في اليوم الثامن، ولم يخرج إلى عرفة إلا في اليوم التاسع.

    ويظهر والله أعلم أن يقال في مثل هذه المسائل: إن فعله الإنسان بقصد النسك، فنقول: بأن هذا خلاف السنة، بل هو بدعة، وإن فعله لا بقصد النسك، وإنما بقصد تهيئة المكان وحجزه ونحو ذلك كما يفعل كثير من الناس اليوم، فنقول: بأن هذا لا بأس به.

    1.   

    الوقوف بعرفة

    الدفع من منى إلى عرفة يوم التاسع والنزول بنمرة

    قال رحمه الله: (فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة).

    إذا طلعت الشمس سار من منى إلى عرفة فأقام بنمرة، النبي صلى الله عليه وسلم لما طلعت الشمس كما جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنهما سار من منى إلى عرفة، ثم بعد ذلك أقام بنمرة، ونمرة هي قرية في شرق عرفات، وهل نمرة من عرفة، أو أنها ليست من عرفة؟ بمعنى أن من وقف بنمرة هل يجزئه ذلك أو نقول: بأنه لا يجزئه؟

    جمهور العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: بأن نمرة ليست من عرفة، وعلى هذا إذا لم يقف إلا بنمرة فإن حجه لا يجزئه، وعند الإمام مالك رحمه الله: أن نمرة من عرفات، واستدل على ذلك بحديث جابر رضي الله تعالى عنه، قال: (حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة).

    والصحيح في ذلك هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وأن نمرة ليست من عرفة، والدليل على ذلك أن بين نمرة وبين عرفة وادي عرنة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ارفعوا عن بطن عرنة).

    وعلى هذا فالجواب عن حديث جابر بأن قوله: (حتى جاء عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة)، إما أن يقال: المعنى جاء عرفة بعد أن صلى، ومقصود جابر رضي الله تعالى عنه أن يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل عرفات إلا بعد الصلاة، وأنه قد ضربت له قبة بنمرة، أو أن المقصود بذلك أن نمرة من عرفات تاريخاً وليس شرعاً؛ لأن شرعاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ارفعوا عن بطن عرنة)، بين نمرة وعرفات عرنة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وكلها موقف إلا بطن عرنة).

    ويدل لذلك اتفاق الأئمة على ذلك، وكذلك أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عرنة).

    القصر والجمع بين صلاتي الظهر والعصر بعرفة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وسن أن يجمع بين الظهر والعصر).

    يسن أن يجمع بين الظهر والعصر، ويدل لذلك حديث جابر رضي الله تعالى عنه، (أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين)، جمع جمع تقديم، والحاج لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون غير مكي، فهذا الجمع له سنة ولا إشكال في ذلك، والعلماء يتفقون على ذلك، إلا أن الحنفية رحمهم الله هم الذين يقولون: بأن الجمع إنما يكون مع الإمام الأعظم.

    الحالة الثانية: أن يكون الحاج مكياً، والمكي هل له أن يجمع ويقصر في مزدلفة وفي عرفات، أو نقول: ليس له ذلك؟ هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، فالمشهور من مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، واختاره شيخ الإسلام : أن المكي يجمع ويقصر؛ لأن المكيين جمعوا وقصروا مع النبي صلى الله عليه وسلم في عرفات وفي مزدلفة، ولم يأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالإتمام أو بعدم الجمع، ما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام.

    الرأي الثاني: لا يجوز لهم الجمع والقصر، وهذا المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وكذلك أيضاً مذهب الشافعي ، والعلة في ذلك عدم المسافة، فعرفات قريبة منهم، ومزدلفة أيضاً قريبة منهم فلا يعتبر سفراً.

    والرأي الثالث: التفصيل، وهو رأي الحنفية: أنهم يجمعون ولكن لا يقصرون.

    والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام : أن المكيين يجمعون ويقصرون.

    ويبقى مسألة مهمة وهي: ما هي علة الجمع؟ وما هي علة القصر؟

    أما القصر فالعلة هي السفر؛ لأنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قصر إلا في السفر فقط، نفهم هذه القاعدة، يعني أن القصر من خصائص السفر، وما ورد إلا في صلاة الخوف فقط، وإلا نقول: القصر لا يشرع إلا في السفر، فنقول: علة القصر هي السفر.

    لكن لا توجد مسافة قصر، نقول: أيضاً المسافة لا دليل عليها، ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما سلف يقول: بأن المدة الطويلة في المسافة القصيرة حكمها حكم السفر، تقدم لنا هذا في الصلاة أن المدة الطويلة في المسافة القصيرة سفر، مثلاً لو ضرب خمسين كيلو وهو يريد أن يجلس يومين أو ثلاثة أيام، هذا يجعله في حكم السفر، ما هو الدليل على ذلك؟ الدليل هو فعل أهل مكة، فإن أهل مكة خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فالمدة طويلة، والمسافة قصيرة، ومع ذلك قصروا مع النبي عليه الصلاة والسلام، فنقول: الصواب من أقوال أهل العلم في علة القصر هي السفر، وأما علة الجمع فالصواب هي النسك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جمع لكي يطول زمن الدعاء والذكر.

    صفة الوقوف بعرفة

    قال المؤلف رحمه الله: (ويقف راكباً).

    لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على راحلته القصواء راكباً واستقبل القبلة، وكان رافعاً يديه، فلما سقط زمام الناقة أهوى بيده لكي يأخذه وترك اليد الأخرى رافعاً لها، فنقول: يقف راكباً هذا هو السنة.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأن هذا يختلف باختلاف الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام وقف راكباً لكي يراه الناس لحاجتهم إليه، فنقول: بأنه ينظر الإنسان ما هو الأخشع لقلبه، هل الأخشع أن يقف راكباً أو الأخشع أن يقف ماشياً، فإذا كان الأخشع له أن يقف راكباً فهذا هو الأفضل؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أو كان الناس يحتاجون إليه فيقف كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهل يقف جالساً على الأرض إذا وقف ماشياً أو أنه يقوم قائماً ويدعو؟ بعض السلف يرى هذا، كما في موطأ الإمام مالك رحمه الله أنه يقوم قائماً ويدعو الله عز وجل.

    قال المؤلف رحمه الله: (عند الصخرات وجبل الرحمة).

    النبي صلى الله عليه وسلم لم يصعد الجبل، وعلى هذا نقول: بأن صعود الجبل ليس مشروعاً، وأيضاً نفهم أن جبل عرفات ليس له شيء من الفضائل، وهذا خلاف ما يفعله اليوم كثير من الناس، يعتقدون أن له فضيلة، ويصعدون الجبل، وربما أنهم يطوفون به أو يتمسحون أو غير ذلك من الخرافات.

    أيضاً تسميته بجبل الرحمة هذا لا دليل عليه، وإنما هو جبل من سائر الجبال، والنبي صلى الله عليه وسلم وقف حوله وقال: (وقفت ها هنا وعرفات كلها موقف)، ليس له شيء من الفضائل، ولم يثبت قصده.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويكثر من الدعاء مما ورد).

    والذي ورد هو حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي ، وفي إسناده محمد بن أبي حميد ، بعض أهل العلم يضعفه، وبعضهم يحسن الحديث من أجل هذا الرجل.

    وعلى كل حال قوله: (مما ورد)، يعني يظهر أنه ما دام أن هذا الحديث ما ثبت فليس هناك ذكر خاص وارد في عرفات، لكن المقصود جنس الأدعية الواردة في الكتاب والسنة، فكون الإنسان يدعو بالأدعية الواردة في القرآن والواردة في السنة فهذا هو الأفضل.

    بداية وقت الوقوف بعرفة ونهايته وأقل زمن للوقوف

    قال رحمه الله: (ومن وقف ولو لحظةً من فجر يوم عرفة إلى يوم النحر وهو أهل له صح حجه).

    هنا شرع المؤلف رحمه الله في بيان وقت الوقوف ومدة الوقوف، أما مدة الوقوف ولو لحظة واحدة، فإذا حصل في عرفات ولو لحظة واحدة، وهو من أهل الوقوف في وقت الوقوف فإن حجه مجزئ.

    قال المؤلف رحمه الله: (من فجر يوم عرفة إلى يوم النحر).

    وقت الوقوف بعرفة ينتهي بطلوع فجر يوم النحر بالاتفاق، وبالاتفاق أن ليلة العاشر محل وزمن للوقوف، ويدل لذلك حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من جاء ليلة جمع فقد أدرك).

    أما بالنسبة لبداية وقت الوقوف بعرفة فالمؤلف رحمه الله يقول: (يبدأ من فجر اليوم التاسع).

    وعند الشافعية والحنفية: أنه من بعد الزوال، وعند الإمام مالك رحمه الله: أن وقت الوقوف الركن يبدأ من بعد غروب الشمس، بمعنى أنه لو دفع قبل غروب الشمس فحجه غير صحيح، وغير مجزئ على رأي الإمام مالك رحمه الله تعالى.

    والحنابلة يستدلون بحديث عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً)، قالوا: (أو نهاراً)، هذا يشمل ما بين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.

    والشافعية والحنابلة قالوا: إنما وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعد الزوال؛ لأنه لما زالت الشمس انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بطن عرنة ثم صلى الصلاتين وخطب، ثم بعد ذلك انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عرفات، فكون النبي صلى الله عليه وسلم انتقل بعد زوال الشمس، فهذا يدل على أن وقت الوقوف بعرفة بدأ.

    وأما رأي الإمام مالك رحمه الله تعالى: أنه لا يبدأ وقت الوقوف إلا من بعد غروب الشمس، لحديث عبد الرحمن بن يعمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كما سلف قال: (من جاء ليلة جمع قبل الطلوع فقد أدرك)، والجواب على هذا سهل، بأن نقول: المقصود من جاء ليلة جمع، يعني: إذا لم يقف نهاراً، وأن الشارع وسع وقت الوقوف، فالصحيح في ذلك هو ما ذهب إليه الشافعية والحنفية أن وقت الوقوف يبدأ من بعد زوال الشمس.

    ويشترط للوقوف أن يكون محرماً، وقاصداً الوقوف بعرفة، حتى وإن جهل أنها عرفة، كما يدل له حديث عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه، حتى العلماء رحمهم الله يقولون: لو وقف نائماً فإن هذا مجزئ، ولو وقف وهو مغمى عليه فهذا موضع خلاف بين أهل العلم: هل يجزئه أو لا يجزئه؟

    عند أبي حنيفة ومالك : أنه يجزئه، وعند الإمام أحمد والشافعي: أنه لا يجزئه.

    جمع الوقوف بالليل والنهار بعرفة

    قال: (ومن وقف نهاراً ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله فعليه دم).

    إذا وقف نهاراً يجب عليه أن يجمع بين الليل والنهار، وعلى هذا لو دفع قبل غروب الشمس فإن عاد ووقف إلى غروب الشمس أجزأ، وإن لم يعد حتى غربت الشمس، فإن عاد في الليل أجزأ؛ لأنه جمع بين الليل والنهار، وإن لم يعد حتى طلع الفجر الثاني فإنه لا يجزئه ويجب عليه دم.

    قول المؤلف رحمه الله: (فعليه دم). وهذا سيأتينا إن شاء الله في واجبات الحج.

    قال رحمه الله: (ومن وقف ليلاً فقط فلا) يعني: لا دم عليه، لو أنه اقتصر في وقوفه على الليل، فجمهور أهل العلم أنه لا دم عليه، ويجزئه لما تقدم من حديث عبد الرحمن بن يعمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من جاء ليلة جمع فقد أدرك).

    وعند المالكية يقولون: إن ترك الوقوف نهاراً لعذر لم يتمكن -كما يحصل اليوم تحبسه السيارات أو نحو ذلك لعذر- فلا شيء عليه، وإن ترك الوقوف نهاراً لغير عذر فإنه يلزمه دم.

    1.   

    الدفع إلى مزدلفة

    قال المؤلف رحمه الله: (ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة).

    بعد غروب الشمس يدفع، ويجب عليه أن يقف إلى غروب الشمس، والوقوف إلى غروب الشمس هذا من واجبات الحج، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف إلى أن غربت الشمس واستحكم غروبها، وذهبت الصفرة، ويدل لذلك أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص للضعفة في الدفع قبله، وأيضاً ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً )، ولا شك أن الدفع في ضوء النهار أيسر، ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفع في ضوء النهار وإنما انتظر حتى غربت الشمس، وقد قال: (خذوا عني مناسككم)، فهذا يدل على أنه لا بد أن تغرب الشمس لكي يجمع في وقوفه بين الليل والنهار.

    صفة الدفع إلى مزدلفة

    قال المؤلف رحمه الله: (إلى مزدلفة بسكينة).

    السكينة هي عدم العجلة، يعني: التأني وعدم العجلة والتؤدة، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس! السكينة.. السكينة).

    قال: (ويسرع في الفجوة).

    يعني: في الفراغ، إذا وجد فراغاً فإنه يسرع؛ لقول أسامة بن زيد : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنق، فإذا وجد فجوةً نص)، يعني: أسرع.

    الجمع بين العشاءين بمزدلفة

    قال: (ويجمع بها بين العشاءين).

    قول المؤلف رحمه الله: (بها) يفهم من كلامه أنه لا يصلي في الطريق، وهذا هو الذي دلت له السنة؛ لأن أسامة لما وقف النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق وبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً، قال أسامة : (يا رسول الله! الصلاة، قال: الصلاة أمامك)؛ ولهذا ابن حزم رحمه الله يقول: بأن الصلاة خارج مزدلفة لا تصح، لا بد أن تكون في مزدلفة، والصواب: أنها تصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، بل إذا خشي أن يطلع عليه الوقت بأن ينتصف الليل وهو لم يصل إلى مزدلفة، فنقول: بأنه يصلي ولو في الطريق ولو على راحلته، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها.

    قال رحمه الله: (يجمع بها بين العشاءين) لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، فإن النبي عليه الصلاة والسلام جمع، ويظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع جمع تأخير، ويظهر -والله أعلم- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل مزدلفة إلا بعد دخول وقت العشاء، ويجمع بها مباشرة قبل حط رحله، الرحل وتبريك الجمال.

    حكم المبيت بمزدلفة ليلة النحر

    قال رحمه الله: (ويبيت بها) يعني: يبيت بمزدلفة، والبيتوتة بمزدلفة واجبة من واجبات الحج، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم.

    الحنفية يقولون: بأن البيتوتة بمزدلفة واجبة إلا على الضعفة، يرون أن الضعفة لا تجب عليهم البيتوتة، وجمهور أهل العلم رحمهم الله يرون أن البيتوتة واجبة على الضعفة وعلى الأقوياء، بل من العلماء من يرى أنه ركن من أركان الحج، مثل الشعبي والنخعي والحسن البصري.

    والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله: أن البيتوتة بمزدلفة من واجبات الحج للقوي والضعيف، ويدل لذلك ما تقدم من حديث عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه أنه قال: (من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه).