إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الجنائز [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يشرع لمن كان عند المحتضر جملة من الآداب كبلِّ حلقه وتندية شفتيه، وأهمها تلقينه الشهادتين، فإذا مات شرع إغماض عينيه وشد لحييه وتليين مفاصله والإسراع بتجهيزه مع الحرص على إنفاذ وصيته وقضاء دينه، وغيرها من الأمور.

    1.   

    الآداب المشروعة لمن كان عند المحتضر

    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا نزل به سن تعاهد بلّ حلقه بماء أو شراب، وندى شفتيه بقطنة، ولقنه: لا إله إلا الله مرة، ولم يزد على ثلاث إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه برفق، ويقرأ عنده يس، ويوجهه إلى القبلة، فإذا مات سن تغميضه، وشد لحييه، وتليين مفاصله، وخلع ثيابه، وستره بثوب، ووضع حديدة على بطنه، ووضعه على سرير غسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه، وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأة، وإنفاذ وصيته، ويجب الإسراع في قضاء دينه].

    تعاهد بل حلقه وتندية شفتيه

    قال رحمه الله: (وإذا نزل به).

    من الآداب التي ينبغي فعلها عند المريض (إذا نزل به) يعني: إذا احتضر وقرب موته ونزل به الملك لقبض روحه.

    قال: (سن تعاهد بل حلقه بماء أو شراب).

    وهذه آداب عند الاحتضار، هذا الأدب الأول، الآداب السابقة عند المريض، وهذه عند المريض المحتضر الذي حضره الموت، فيقول المؤلف رحمه الله: يسن أن يتعاهده أرفق أهله به، ويدل لذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لولي من زنت: (أحسن إليها، فإذا ولدت فأتني بها)؛ لأن المحتضر بحاجة إلى الرفق، وحاجته إلى الرفق أشد من حاجة غيره؛ فإن خروج الروح فيه شيء من المعاناة والشدة.. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه).

    وقوله رحمه الله: (بل حلقه بماء أو شراب)؛ لأن هذا مما يسهل خروج الروح، والنطق بالشهادة، ويطفئ ما نزل به من الشدة، فيبل حلقه وتبل شفتاه بشيء من الشراب.

    وقوله رحمه الله: (وندى شفتيه بقطنة) هذا كما تقدم يسهل عليه خروج الروح والنطق بالشهادة.

    تلقين المحتضر

    قال رحمه الله: (ولقنه: لا إله إلا الله).

    هذا الأدب الثاني: أن يلقنه لا إله إلا الله، ودليله حديث أبي سعيد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله).

    وكيفية التلقين، أن يلقن كما يلقن الطفل؛ يعني كما يعلم الطفل، فإذا أردت أن تعلم الطفل فإنك تذكر الكلمة ثم بعد ذلك الطفل يرددها بعدك، وعلى هذا من يكون حول المحتضر يقول: لا إله إلا الله، ثم بعد ذلك المحتضر يقول: لا إله إلا الله، هذا معنى التلقين، وعلى هذا لا يؤمر، ولا يقال له: قل: لا إله إلا الله؛ لأن المحتضر -كما أسلفنا- يكون في شدة وقد يكون عنده شيء من الضجر والقلق والتعب..، فربما إذا قال له: قل: لا إله إلا الله يرفض أن يقول: لا إله إلا الله، ولهذا قال العلماء رحمهم الله : لا يأمره بقوله: قل: لا إله إلا الله.

    وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا بأس أن يقول له: قل: لا إله إلا الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد عمه أبا طالب قال: (يا عمي! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)، والجواب عن هذا سهل؛ لأن أبا طالب لو رفض أن يقول: لا إله إلا الله لم يتغير من حاله شيء.

    وكذلك أيضاً ورد في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من الأنصار فقال: (يا خالي! قل: لا إله إلا الله)، فهذا يحتاج إلى النظر في إسناده، فإن ثبت الحديث فإنه يقال: لا بأس أن يقال: قل: لا إله إلا الله، أو يقال: بأن هذا يختلف باختلاف الناس باختلاف المحتضرين، فمن المحتضرين من يكون عنده صبر وجلد وقوة إيمان، فلا بأس أن تقول له: قل، ومن المحتضرين من لا يكون كذلك، فنقول: بأنه يختلف، أو نقول: إن ثبت الحديث فإنه يقال مطلقاً، ولعل الأولى أن يقال: إنه يختلف باختلاف المحتضرين، فمن الناس من يكون عنده صبر وقوة نفس وقوة إيمان.. فهذا تقول له: قل: لا إله إلا الله.

    وقوله رحمه الله: (مرة ولم يزد على ثلاث).

    يعني: يلقنه مرة واحدة فقط ولا يزيد على ثلاث، لماذا؟ قالوا: لئلا يضجره؛ لأنه إذا زاد على ثلاث مرات قالوا: بأنه يضجر من ذلك.. وأيضاً الصواب في هذا الأمر: ما دام ليس هناك توقيف على النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال: بأنه يرجع إلى اختلاف حال المحتضر، فمن الناس من يكون عنده قوة إيمان وصبر فيقال له أو يكرر عليه أكثر من ذلك، ومن الناس من ليس كذلك، فالصواب: أنه يختلف.

    وقد ذكروا في ترجمة أبي زرعة رحمه الله -وهو من أئمة أهل الحديث- أنه حضره الموت فعاده محمد بن مسلم -محمد بن مسلم أيضاً من أئمة الحديث- وأبو حاتم - وهو من أئمة الحديث، وكان من أقرانه ومن زملائه في الطلب في أخذ الحديث- فأرادا أن يلقناه كلمة: لا إله إلا الله، ومعروف أن أبا زرعة من أئمة الإسلام ومن علماء الحديث، فكأنه ما وجد في أنفسهما أن يلقن هذا العالم كلمة: لا إله إلا الله، فتحيل على ذلك بأن ذكر الحديث مقلوب الإسناد؛ يعني قال أبو حاتم: حدثنا فلان عن فلان عن فلان.. وهو مقلوب الإسناد، وأبو زرعة يسمع فانتبه لذلك، وصحح إسناد الحديث، وقال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله ثم مات دخل الجنة) قالوا: بأن روحه خرجت مع الهاء، وهذا يدل على أن الإنسان إذا كان مشتغلاً بشيء فإنه يموت على ما كان مشتغلاً عليه، فـأبو زرعة لما علم الله عز وجل منه صدق النية، وحسن التوجه، وأنه صابر نفسه مع الحديث ومع طلب العلم، ورواية سنة النبي صلى الله عليه وسلم والمحافظة عليها مات على ذلك، وهذا أيضاً مشاهد والتجربة تدل على ذلك، فالإنسان إذا كان مصابراً على عمل من الصالحات فإن من حسن الظن بالله عز وجل أن يحسن خاتمته على هذا العمل الصالح، فإذا كان مصابراً نفسه على الدعوة إلى الله عز وجل فإنه سيموت على ذلك بإذن الله، وإن كان مصابراً نفسه على طلب العلم والتعليم فإنه يموت على ذلك، وإن كان مصابراً على الفسق يموت على ذلك إلا إن منّ الله عز وجل عليه بالتوبة والرجوع والإنابة.. وهكذا، وهذا هو حسن الظن بالله عز وجل، فلا يظن بالإنسان إذا كان راجعاً إلى الله عز وجل أن الله عز وجل يخذله ويتركه، هذا لا يظن بالله عز وجل.

    قال: (مرةً)، ولهذا أيضاً ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بالنسبة لما يتعلق بعرض الأديان على الميت، هل الميت تعرض عليه الأديان أو لا تعرض عليه الأديان؟ يقول شيخ الإسلام: بأن هذا يختلف باختلاف الناس، ليس كل أحد تعرض عليه الأديان.

    قال رحمه الله: (إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه).

    يعني: لو أنه قال: لا إله إلا الله وتكلم؛ فإنه يشرع أن يلقنه؛ لكي يكون آخر كلامه: لا إله إلا الله.

    قال: (برفق) يعني: يكون التلقين برفق، ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه).

    وأيضاً قول عائشة : (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله).

    قراءة سورة يس عند المحتضر

    قال رحمه الله: (ويقرأ عنده يس).

    هذا الأدب الثالث: أن المحتضر يقرأ عنده سورة يس، وهذا دليله ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اقرءوا على موتاكم سورة يس) وهذا حديث معقل بن يسار ، وهذا الحديث أخرجه أبو داود وكذلك أيضاً ابن ماجه والإمام أحمد والطيالسي وغيرهم، وهو لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وعلى هذا إذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام فإنه لا يشرع؛ لأن العبادات توقيفية، وعلى هذا نقول: الصواب في ذلك أنه لا يشرع أن تقرأ سورة يس، ومن باب أولى أيضاً ما يذكره الفقهاء رحمهم الله من أنه تشرع قراءة سورة الفاتحة عند المحتضر، فالصواب في ذلك أن هذا لا يشرع لا ما يتعلق بقراءة سورة يس، ولا بقراءة سورة الفاتحة؛ لعدم ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    توجيه المحتضر إلى القبلة

    قال رحمه الله: (ويوجهه إلى القبلة).

    هذا الأدب الرابع: إذا أراد أن يموت يوجه إلى القبلة، وهذا دليله ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن البيت الحرام: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً)، وهذا الحديث أخرجه أبو داود وغيره، من حديث عمير بن قتادة الليثي وهو ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً ما يروى في سنن البيهقي وغيره: أن البراء بن معرور أوصى أن يصرف إلى القبلة عند موته. أيضاً هذا ضعيف.

    وكذلك أيضاً في مصنف ابن أبي شيبة أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إذا حضرت الوفاة فاصرفني، يعني: اصرفني إلى القبلة. فهذا إن ثبت عن عمر رضي الله تعالى عنه فالأمر في ذلك ظاهر، وأنه يستحب توجيه الميت إلى القبلة، وإن لم يثبت هذا عن عمر رضي الله تعالى عنه فإنه يستدل لذلك بأن الميت -كما سيأتينا إن شاء الله- في قبره يوجه إلى القبلة، وعلى هذا عمل المسلمين، وبالنسبة لأثر عمر في المجلد الثالث من مصنف ابن أبي شيبة يحتاج إلى أن يراجع الإسناد.

    وضع المحتضر على جنبه الأيمن

    هذا الأدب الخامس: أن يكون على جنبه الأيمن، وهذا أيضاً نقول: بأنه ليس عليه دليل، فالأقرب في ذلك أنه يعمل به الأرفق؛ يعني كون المحتضر يقلب على جنبه الأيمن قد يكون في هذا مشقة عليه، فيعمل بالأرفق به.

    وعلى هذا نقول: الأحسن والأصوب أنه يكون على ظهره؛ لأن الأرفق أن يكون على ظهره.

    1.   

    الآداب المشروعة بعد الموت

    المؤلف رحمه الله ذكر آداباً عند زيارة المريض وعيادته، ثم بعد ذلك آداباً عند حضور المحتضر، ثم بعد ذلك عند الموت هناك آداب.

    تغميض الميت

    قال رحمه الله: (فإذا مات سن تغميض عينيه).

    وذلك لأن البصر يشخص تابعاً للروح كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون بصره شاخصاً، فالسنة أن تغمض عيناه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أغمض أبا سلمة وقال: (إن الملائكة يؤمنون على ما تقولون)، وهذا أخرجه مسلم.

    وهل يشرع أن يقول: باسم الله وعلى وفاة رسول الله كما ذكر الفقهاء رحمهم الله ؟ نقول: هذا ليس عليه دليل، وإنما ورد عن أبي بكر بن عبد الله المزني وهو تابعي. إذاً: الأدب الأول: تغميض عينيه.

    شد لحيي الميت

    قال رحمه الله: (وشد لحييه).

    الأدب الثاني: شد لحييه مع رأسه بخرقة، إذا مات فإنه يشد لحياه؛ يعني: تربط اللحيان مع الرأس، ودليل ذلك قالوا: بأنه ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال لابنه: إذا رأيت روحي قد بلغت لهاتي فضع يدك اليمنى على جبهتي، واليسرى تحت ذقني.

    وأيضاً قالوا: بأن شد اللحيين فيه فائدة؛ وهي ألا تكون صورته مشوهة؛ لأن الإنسان إذا كان فمه مفتوحاً يكون في هذا شيء من التشويه له، وأيضاً عند غسله قد يدخله شيء من الماء، وإذا دخل إلى جوفه شيء من الماء فإن الميت لا تستمسك أعصابه، ويخرج هذا الماء مباشرة.

    تليين مفاصل الميت

    قال رحمه الله: (وتليين مفاصله).

    الأدب الثالث: تليين المفاصل؛ وتليين المفاصل أن ترد الساقان إلى الفخذين، وترد الذراعان إلى العضدين، والعلة في ذلك أن هذا يكون أسهل في تغسيله؛ لأنه إذا لم يردها يكون ذلك سبباً لقسوتها.

    خلع ثياب الميت

    قال رحمه الله: (وخلع ثيابه).

    هذا الأدب الرابع: أن تخلع ثيابه، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات اختلفوا هل نجرده كما نجرد موتانا؟)، وهذا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه ، وصححه الحاكم .

    وأيضاً مما يستدل لهذا أن جسمه يحمى عليه إذا لم تخلع الثياب ويجرد منها، فينبغي أن يجرد من ثيابه، وأيضاً تجريده من الثياب يحتاج إليه في الغسل؛ لأن السنة أن يبادر بتجهيزه.

    ستر الميت وبيان كيفية التعامل مع عورته

    قال رحمه الله: (وستره بثوب).

    هذا الأدب الخامس: ستره بثوب، فبعد أن يجرد يستر بثوب، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي سجي ببرد حبرة)، وهذا في الصحيحين، وقد ذكر العلماء رحمهم الله : أن الميت إذا مات يكون له عورتان: عورة مخففة وعورة مغلظة، فالعورة المغلظة: هي ما بين السرة إلى الركبة، والعورة المخففة: هي كل البدن؛ يعني كل بدنه يكون عورةً، ولهذا سيأتينا إن شاء الله في كيفية تغسيل الميت أن المغسل لا يمس سائر البدن إلا من وراء حائل؛ يحضر قفازات للفرجين، وقفازات لسائر البدن.

    وضع حديدة على بطن الميت

    قال رحمه الله: (ووضع حديدة على بطنه).

    هذا الأدب السادس أنه يوضع على بطنه حديدة، وقالوا: الدليل على ذلك أنه ورد عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: (ضعوا على بطنه شيئاً من الحديد لئلا ينتفخ)، وهذا لا يثبت عن أنس رضي الله تعالى عنه، ولهذا قال ابن المنذر رحمه الله: ليس في وضع سيف أو الحديد سنة مضت، وعلى هذا إذا لم يكن في ذلك سنة فإنه لا حاجة إلى وضع شيء من حديد، أو حصى، أو حجر ونحو ذلك؛ ولأنه لا حاجة إلى مثل هذه الأشياء؛ لأن السنة أن يبادر بتجهيزه كما سيأتينا إن شاء الله.

    وضع الميت على سرير الغسل متوجهاً إلى القبلة ومنحدراً نحو رجليه

    قال رحمه الله: (ووضعه على سرير غسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه).

    هذا الأدب السابع: أنه يرفع عن الأرض، ويوضع على سرير الغسل، ويكون متوجهاً إلى القبلة؛ يعني: رأسه إلى القبلة، والدليل على ذلك أن وضعه على سرير التغسيل هذا أبعد له عن هوام الأرض، وكذلك أيضاً أبعد له من أن يندى برطوبة الأرض؛ ولأن هذا أيضاً أسرع في تغسيله.

    وقوله: (متوجهاً) أي: إلى القبلة لما تقدم من الدليل على أنه يستحب توجيهه عند الموت إلى القبلة.

    وقوله: (منحدراً نحو رجليه) يعني: يكون رأسه أعلى من رجليه؛ لأنه عند صب الماء إذا كان منحدراً فالماء لا يبقى، وإنما ينزل مباشرةً.

    سرعة تجهيز الميت

    قال رحمه الله: (وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأة).

    هذا الأدب الثامن: أنه يسرع بتجهيزه، وهذا هو السنة، ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحةً فخير تقربونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم)، وهذا في الصحيحين، فنقول: السنة إسراع تجهيزه.

    وهنا قال المؤلف: (إن مات غير فجأة) الفجأة: هو الموت بغتة من غير تقدم سبب، فإذا مات بغتة من غير تقدم سبب -ليس هناك مرض أو أي سبب من الأسباب التي تؤدي إلى الوفاة مثل سقوط،أو حادث، أو نحو ذلك- فإنه ينتظر حتى يتيقن موته.

    وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله علامات للموت، فذكروا من علامات الموت: انخساف صدغيه -الصدغ هذا يكون داخلاً ينخسف- وميل أنفه -أنفه يكون مائلاً- وكذلك أيضاً انفصال كفيه -الكف هذه تنفصل كأنها تنفصل من العصب كأنها مقطوعة- وكذلك أيضاً استرخاء رجليه -رجله بدل من أن تكون قائمة تكون مسترخيةً- فاسترخاء الرجلين وانخساف الصدغين انفصال الكفين هذه علامات يذكرها العلماء رحمهم الله للتأكد من الموت، والآن الأطباء عندهم علامات أخرى يعرفون بها موت الإنسان؛ فبسبب ترقي الطب ووجود الآلات المختلفة تبين الموت.

    وأما عمل كثير من الناس اليوم فهو خلاف السنة؛ يعني العلماء رحمهم الله رخصوا أن ينتظر مثلاً إلى وقت الفريضة، مثلاً: إذا مات في الضحى ينتظر إلى الظهر، أو مثلاً مات بعد الظهر ينتظر إلى العصر..، فهذه الأشياء اليسيرة هذه رخص فيها العلماء رحمهم الله. أما أن يموت في الصباح ولا يجهز إلا في الليل، أو يموت في الليل ولا يجهز إلا في الصباح هذا خلاف السنة، النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أسرعوا في الجنازة)، وأيضاً ما ثبت في الصحيحين من قصة المرأة التي كانت تقم المسجد فتوفيت في الليل، ومع ذلك ما انتظر بها الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى الصباح وإنما جهزوها، فلما سأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه أنها ماتت وأنهم دفنوها في الليل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أفلا كنتم آذنتموني؟) يعني: أعلنتموني، فذهب وصلى على قبرها.

    المبادرة بإنفاذ وصية الميت

    قال رحمه الله: (وإنفاذ وصيته).

    الأدب التاسع: إنفاذ وصيته بعد الموت، فيستحب أن يبادر بإنفاذ وصيته، والوصية إما أن تكون واجبة كقضاء ديون لله أو للمخلوق فهذا يجب أن يبادر بها، وإما أن تكون مستحبة كتبرعات وهذه يستحب أن يبادر بها؛ لما في ذلك من تعجيل الأجر للميت. وأيضاً عمل كثير من الناس الآن خلاف ذلك، تجد أن الميت يوصي بتبرع أو بإحسان أو بصلة أو غير ذلك ومع ذلك تظل هذه الوصية السنوات لا تنفذ، وهذا كله من الخطأ وخلاف صلة الميت وبره إن كان والداً.

    وجوب الإسراع بقضاء دين الميت

    قال رحمه الله: (ويجب الإسراع في قضاء دينه).

    الأدب العاشر: يجب الإسراع في قضاء دينه، سواء كان هذا الدين لله عز وجل أو للمخلوق، ويدل لذلك حديث سعد الأطول وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن فلاناً مأسور بدينه)، فيجب أن يبادر بقضاء الدين، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي ، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وأيضاً يدل لذلك (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في أول الإسلام إذا قدمت له الجنازة سأل: هل عليه دين أم لا؟ فإن كان عليه دين قال: صلوا على صاحبكم)، فما ينبغي للإنسان أن يتهاون في قضاء الدين، وعليه أن يسرع في إبراء ذمته منه ما أمكن إلى ذلك سبيلاً.

    1.   

    فضل رمضان والحث على استغلاله

    أوصي الإخوان في مقدم هذا الشهر المبارك أن يعنوا بعمل الصالحات والتقرب إلى الله عز وجل، فإن هذا هدي السلف الصالح، قد ثبت في مصنف عبد الرزاق وسنن البيهقي أن السلف رحمهم الله كان القارئ يقرأ بالمئين في صلاة القيام، يعني: بمئات الآيات، وكانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وكانوا لا ينصرفون إلا عند طلوع الفجر، وفي موطأ الإمام مالك رحمه الله أنهم كانوا يستعجلون الخدم لئلا يفوتهم الفلاح، فانظر كل الليل كانوا يقضونه في القيام.

    أما النهار فكان السلف رحمهم الله يقضونه في قراءة القرآن والذكر، ولهذا الإمام مالك رحمه الله كان إذا دخل رمضان نفر من مجالسة أهل الحديث وكب على قراءة القرآن من المصحف، وكان الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان قال: إنما هو إطعام للطعام وقراءة للقرآن، وعطاء وعكرمة والإمام أحمد وغيرهم رحمهم الله كانوا يختمون القرآن كل سبعة أيام مرة، فإذا دخل عليهم شهر رمضان ختموه أكثر من ذلك، وما ذاك إلا لأن هذا شهر تضاعف فيه الحسنات، وتعظم الأجور، وهو شهر مبارك، يكفي من بركاته ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، (ومن صام رمضان إيمانا واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، (ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).

    وأيضاً في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الله عز وجل يقول: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، وبركاته كثيرة معلومة لكن ينبغي علينا أيها الأحبة أن نستغل هذا الشهر في العبادة، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر يتفرغ لإطالة العبادة بالاعتكاف، السلف كانوا يلزمون المساجد ويقولون: نحفظ صيامنا، وأيضاً ينبغي للإنسان أن يعظم شعائر الله عز وجل، وأن يحفظ لسانه ويديه ورجليه وبصره؛ لأن تعظيم شعائر الله عز وجل من تعظيم الله عز وجل ومن تقوى الله عز وجل، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30]، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، فينبغي أن يعرف لأيام الله حقها ويعرف فضلها، وإعظامها وإجلالها من إعظام الله عز وجل وإجلال الله عز وجل، فنسأل الله عز وجل أن يمن علينا بالصيام إيماناً واحتساباً، والقيام إيماناً واحتساباً، وبالهدى والتقى لنا خاصة وللمسلمين عامة، والنصر العاجل والعز والتمكين لأمة الإسلام، إنه ولي ذلك والقادر عليه، اللهم صل على محمد.