إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب البيع [9]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من القواعد الفقهية: الخراج بالضمان, فللمشتري ما استفاده من غلة المبيع إذا رده لعيب أو تدليس؛ لأنه كان عليه ضمانه لو هلك عنده, فالغنم بالغرم, ومن صور التدليس: تصرية الإبل والغنم, وعلى من وجد عيباً في السلعة أن يبادر إلى ردها بلا تراضي, وقد تكلم الفقهاء عن

    1.   

    تابع خيار العيب

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن وجد أحدهما بما اشترى عيباً لم يكن علمه فله رده أو أخذ أرش العيب).

    تقدم هذا، وهو القسم الثالث من أقسام الخيارات، وهو خيار العيب، وذكرنا أن العيب في اللغة: النقص، وأما في الاصطلاح: فهو ما ينقص قيمة المبيع في عرف التجار، وقال بعض العلماء في تعريفه: هو ما ينقص قيمة المبيع عند التجار أو يفوت غرضاً صحيحاً، وهذا تعريف الشافعية رحمهم الله.

    وذكرنا أن من وجد عيباً في السلعة فهو بين أمرين: إما أن يفسخ ويرد السلعة ويأخذ ما دفعه، وإما أن يمسك ويأخذ الأرش، وتكلمنا عن تقدير الأرش فيما تقدم، وذكرنا أن بعض العلماء أيضاً قال: ليس لمن وجد عيباً أن يأخذ الأرش إلا برضا الآخر الذي سيدفع الأرش.

    ملكية النماء في فترة خيار العيب

    ثم قال المؤلف رحمه الله: [وما كسبه المبيع أو حدث فيه من نماء منفصل قبل علمه بالعيب فهو له].

    ما حصل من نماء في العين المبيعة إذا تبين بها عيب، فإن كان ذلك قبل علمه بالعيب فالنماء لمالك العين، لمن اشتراها، يعني إذا وجد المشتري في السلعة عيباً، ولم يكن علمه قبل، وحصل كسب بهذه السلعة، مثلاً نفرض أن هذه السلعة سيارة، وعمل عليها المشتري واكتسب، فنقول: بأن الكسب هنا يكون للمشتري؛ لأنه كسب ملكه، فالسيارة ملك له.

    وكذلك أيضاً: لو أن المبيع كان حيواناً ثم ولد هذا الحيوان، حمل وولد عند المشتري، ثم تبين أن فيه عيباً فنقول: بأن الولد يكون للمشتري؛ لأنه نماء ملكه؛ لأنه بالعقد ينتقل الملك للمشتري، ملك السلعة ينتقل للمشتري، وملك الثمن يكون للبائع، ويدل لهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع)، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم أن مال هذا الرقيق يكون للبائع، دل ذلك على أن الرقيق أصبح الآن للمشتري، (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع).

    وإذا كانت السلعة المباعة انتقلت إلى ملك المشتري، فما حصل فيها من نماء فإنه يكون للمشتري، حتى ولو فسخ المشتري لوجود عيب نقول: النماء له لأن الملك ملكه، كما أنه لو حصل فيها نقص يكون الضمان على المشتري، الخراج بالضمان، والنفقة تكون على المشتري، الخراج بالضمان، الغنم بالغرم، وعلى هذا فقس.

    وقول المؤلف رحمه الله: (أو حدث فيها من نماء منفصل قبل علمه بالعيب).

    قوله: نماء منفصل يفهم من كلامه أنه إذا كان النماء متصلاً يكون للبائع، يكون للمالك الأول، والصحيح أنه لا فرق بين النماء المنفصل والنماء المتصل، وأن الجميع يكون لمن انتقلت إليه العين، فالسلعة انتقلت الآن للمشتري فنقول: إذا حصل فيها نماء هذا النماء سواء كان متصلاً أو كان منفصلاً فإنه يكون للمشتري، هذا الصواب، ولا فرق.

    وقول المؤلف رحمه الله: (قبل علمه).

    يفهم منه أنه إذا علم بالعيب وأراد أن يفسخ فإن النماء يكون للبائع.

    قال: [فهو له لأن الخراج بالضمان].

    هذا لفظ حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخراج بالضمان)، ما معنى الخراج بالضمان؟

    يعني أن من له خراج شيء فعليه ضمانه، ومن عليه ضمانه فله خراجه، الغنم بالغنم، والخراج هو ما يكون من العين، مثل الكسب، مثل الأجرة، مثل اللبن، مثل الصوف، مثل الشعر، مثل الولد... إلى آخره.

    فخراج الشاة مثلا ما يحصل من الولد واللبن والصوف ونحو ذلك، وخراج السيارة ما يحصل من الانتفاع بها والكسب, وهكذا الخراج بالضمان، هذا الرجل الآن الذي اشترى هذه السلعة ثم تبين فيها عيب نقول: لك الخراج لأن عليك الضمان، فهذا الرجل مثلاً الذي اشترى هذه الشاة ثم بعد ذلك حلبها أو حملت وولدت عنده نقول: هذا الولد للمشتري، لك هذا الخراج لأن عليك الضمان، لو ماتت هذه الشاة وهي عنده الضمان يكون على المشتري, لو تعيبت عيباً آخر نقول: العيب هنا من ضمان المشتري، فكما أن عليك الضمان لك الخراج، وهذا هو مقتضى العدل، مقتضى العدل الخراج بالضمان، فمن له خراج شيء عليه ضمانه.

    متى يتعين أرش العيب

    قال: [وإن تلفت السلعة أو أعتق العبد أو تعذر رده فله أرش العيب].

    ذكر المؤلف أن من وجد فيما انتقل إليه عيباً أنه مخير بين أمرين: إما أن يمسك ويأخذ الأرش، وإما أن يفسخ ويأخذ الثمن.

    هنا ذكر مسائل يتعين فيها الأرش، ما فيه رد وأخذ الثمن، وإنما الرد هنا يتعذر ويتعين الأرش .

    قال: (وإن تلفت السلعة)، تلفت السلعة سواء كان بإتلاف المشتري، أو بتلف من أجنبي، أو من قبل الله عز وجل, فنقول: هنا يتعين الأرش، مثال ذلك: رجل اشترى أرزاً، اشترى الأرز وأكله، لما أكل الأرز تبين أن فيه عيباً، هنا هل يتمكن من رد الرز أو ما يتمكن؟ ما يتمكن من رده؛ لأنه تلف الآن، ما نقول له؟ نقول: الآن لك الأرش، تعين لك الأرش.

    اشترى سيارة ثم بعد ذلك احترقت السيارة، أو صار عليها حادث وتلفت ثم تبين أن فيها عيباً، نقول: للمشتري الأرش؛ لأنه يتعذر الآن أن ترد، فهذه المسألة الأولى إذا تلفت السلعة، سواء كان التلف من قبل آدمي، أو مما لا صنع للآدمي فيه.

    قال: (أو أعتق العبد).

    هذه المسألة الثانية، إذا انتقل الملك عن المشتري نقول الآن: ليس لك إلا الأرش، هذا رجل اشترى سيارة، فلما اشترى السيارة ذهب وباعها، أو ذهب وأوقفها، قال: هذه في سبيل الله لطلبة العلم أو لمن يحفظ القرآن ونحو ذلك، الآن انتقل الملك أو وهبها، ثم بعد ذلك تبين أن فيها عيباً، نقول هنا: له الأرش، ما يتمكن الآن من الفسخ.

    ومثله أيضاً إذا كان عنده رقيق ثم أعتقه، اشترى من زيد رقيقاً، وهو لا يدري أن فيه عيباً، ثم بعد ذلك أعتق الرقيق، لما أعتق الرقيق تبين أن فيه العيب، نقول له: لك الأرش، المهم المسألة الثانية: إذا انتقل الملك عن المشتري فإنه يتعين له الأرش.

    المسألة الثالثة قال: (أو تعذر رده).

    هذه هي المسألة الثالثة التي يتعين فيها الأرش، إذا تعذر رده، كما لو لم يتمكن من الرد، مثلا اشترى سيارة، وهذه السيارة سُرقت، ثم تبين أن فيها عيباً، ما يتمكن الآن أنه يرد السيارة، أو مثلاً الحيوان هرب، وتبين أن فيه عيباً، ما يتمكن الآن من الرد، فنقول: لك الأرش.

    1.   

    خيار التدليس

    قال المؤلف رحمه الله: [وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر)].

    هذا القسم الرابع من أقسام الخيارات، وهو خيار التدليس، والتدليس في اللغة: مأخوذ من الدُّلْسة وهي الظلمة، وأما في الاصطلاح فهو أن يظهر البائع السلعة الرديئة بصورة جيدة، أو يظهر الجيد بصورة أجود ليزيد في الثمن، فنقول: هذا تدليس، والتدليس هذا محرم؛ لأنه كالعيب ما يجوز؛ لأن الله عز وجل يقول: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188]، وهذا من أكل أموال الناس بالباطل، وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من غشنا فليس منا)، وهذا من الغش.

    التدليس نوعان:

    النوع الأول: أن يظهر الرديء بصورة الجيد، والنوع الثاني: أن يظهر الجيد بصورة الأجود لكي يزيد في الثمن، واليوم التدليس كثير، كما أن العيوب أيضاً تكثر, اليوم التدليس كثير، وخصوصاً في الصناعات والمنتجات ونحو ذلك، فتجد أن هذه الآلة من صناعة البلد الفلاني، فيكتب عليها صنعت في البلد الفلاني؛ لأن المشتري إذا رأى أنها صنعت في البلد الفلاني زاد في الثمن وأقدم على الشراء، وهذا كما ذكرنا كثير، أو أنها من إنتاج الماركة الفلانية أو الشركة الفلانية إلى آخره، يكتب عليها أنها من إنتاج الشركة الفلانية بحيث يزيد في الثمن، وهذا محرم لما في ذلك من الغش.

    تصرية الإبل والغنم

    من صور التدليس: ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصروا الإبل)، تصرية الإبل هي أن تربط ضروع بهائم الأنعام حتى يجتمع الحليب، فيظن المشتري أن هذا عادة، فإذا حلبها وجد النقص في الحليب، هذا من التدليس، هو أظهر السلعة بصورة غير الحقيقة لكي يزيد في الثمن، إذا جاء المشتري وجد أن هذا الضرع قد امتلأ وكبر، فيظن أن هذا عادة لها، ثم بعد ذلك إذا حلبها وجد النقص، فنقول: هذا محرم ولا يجوز .

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن ابتاعها- يعني اشتراها- فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر)، إذا حلبها المشتري، حلب اللبن الموجود فيها، ثم بعد ذلك تبين النقص في الحليب، فنقول له: أنت بالخيار بين أمرين:

    إما أن تردها وترد معها صاعاً من التمر، وإما أن تمسك، إما أن ترضى وإما أن تردها وترد صاعاً من تمر، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها ورد صاعاً من تمر، صاع التمر هذا مقابل الحليب، وهل التمر متعين أو ليس متعيناً؟

    قول النبي عليه السلام: (أو صاعاً من تمر)، هذا ذكر شُرَّاح الحديث فيه مسائل، ورتبوا عليه مسائل:

    أولاً: هل التمر متعين أو نقول: بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره على سبيل التعيين، وإنما ذكره لأنه غالب القوت في ذلك الوقت؟

    هذا موضع خلاف، فكثير من العلماء يقول: بأنه على سبيل التعيين، وأن النبي عليه الصلاة والسلام عين التمر فيتعين.

    والرأي الثاني: أن التمر لا يتعين، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صاعاً من تمر)؛ لأن التمر هو القوت في ذلك الوقت، فيرد هذه البهيمة وصاعاً من غالب قوت البلد، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    والصواب في هذه المسألة أنه على سبيل التعيين، إلا إذا اتفقا فالأمر إليهما راجع، فنقول: النبي صلى الله عليه وسلم عين صاعا من تمر درءاً للنزاع والخلاف والشقاق فيتعين؛ لأنه قد يأتيه بصاع من غالب قوت البلد، ثم يحصل النزاع والشقاق، فالصواب أنه يتعين صاعاً من تمر، والتمر غالب ما يأكله الناس، فغالب ما يأكله الناس يعطيه صاعاً من تمر .

    لو رد عليه اللبن، هو حلب اللبن ثم رد البهيمة معها اللبن، هل يلزم البائع به، أو نقول: بأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بالتمر، لابد أن ترد تمراً؟

    نقول: إن اتفقا الحمد لله، إن رضي البائع أن يأخذ البهيمة مع اللبن فالحمد لله، لكن إن رد اللبن فنقول: نرجع إلى حكم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم باللبن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما حكم لدرء النزاع والخلاف، فالصواب في ذلك أنه يرجع إلى حكم النبي عليه الصلاة والسلام .

    أيضاً لو اتفقا على القيمة، نقول: الأمر إليهما راجع، إذا اتفقا على القيمة نقول: هذا لا بأس به، لكن لو اختلفا فنقول: يرجع إلى حكم النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال المؤلف رحمه الله: [فأما إن علم تصريتها قبل حلبها ردها ولا شيء معها].

    إذا علم بالتصرية والتدليس فإنه لا شيء له؛ لأنه دخل على بصيرة وقد أسقط حقه.

    حكم التراخي في طلب الفسخ للعيب والتدليس

    قال المؤلف رحمه الله: [وكذلك كل مُدَلَّسٍ لم يُعلم تدليسه له رده].

    وهل خيار التدليس على التراخي أو على الفور؟ وقبل ذلك خيار العيب هل هو على التراخي أو على الفور؟

    خيار العيب ينقسم إلى قسمين، ومثله أيضاً خيار التدليس، نقول: خيار العيب وخيار التدليس ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: إثبات الحق في الخيار، فنقول: متى علم بالعيب أو علم بالتدليس فله حق الخيار حتى لو علم بالعيب بعد سنة، نقول: له حق الخيار، مثلاً هذا رجل اشترى كتاباً، وبعد سنة شرع في القراءة في الكتاب، فوجد أن الكتاب بداخله طمس صفحات، هل يثبت له الحق أو ما يثبت؟

    نقول: يثبت له الحق، أو اشترى كتاباً ثم تبين أنه قد دلس عليه، كُتب أنه من طباعة كذا وإذا ليس كذلك، أو أنه أشرف على طبعه أو خدمته كذا وليس كذلك، دُلس عليه، نقول: يثبت له حق الخيار ولو طالت المدة، هذا القسم الأول.

    القسم الثاني: حق طلب الفسخ، هل هذا على الفور؟ يعني حق طلب الفسخ بعد العلم بالعيب أو التدليس، القسم الأول: قبل العلم، القسم الثاني: بعد العلم، حق طلب الفسخ بعد العلم، فنقول: المذهب أنه أيضاً على التراخي، يعني أنت إذا علمت أن السيارة فيها عيب، فلك أن تتراخى في الفسخ، إذا علمت أن السيارة فيها عيب لك أن تفسخ اليوم غدا بعد أسبوع إلى آخره، لكن تبقى أمانة عندك، تحتفظ بها حتى تذهب وتفسخ، إذا علمت أن فيها تدليساً لك أن تتراخى في الفسخ، هذا ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله.

    والرأي الثاني: وهو قول الشافعية، أنه يجب المبادرة بالفسخ إذا علم العيب أو علم التدليس، وهذا القول هو الصواب؛ لأن كون الإنسان يؤخر يؤدي إلى ضرر البائع، البائع يتضرر بدلاً من أن يبيع ويستفيد يتضرر، وقد تكسد السلعة يعني يذهب وقتها, فالصواب في ذلك أنه إذا علم العيب أو التدليس يجب عليه أن يبادر بالفسخ، نقول: يجب عليك أن تبادر بالفسخ، ولا يجوز لك أن تتراخى، اللهم إلا إذا كان شيئاً يسيراً، مثل يوم يوماً ونصف ونحو ذلك، لكي يتخفف من العمل الذي عنده، لكي ينتظر الصباح، المهم إذا كان شيئاً يسيراً فلا بأس، أما إذا كان كثيراً فإن هذا غير جائز.

    من صور التدليس في البيع

    قال المؤلف رحمه الله: [وكذلك كل مدلس لم يعلم تدليسه له رده، كجارية حَمَّر وجهها].

    جارية حمر وجهها، هذا تدليس، يعني صبغه بالألوان... إلى آخره، هذا نوع من التدليس، فهو دلس على المشتري.

    [أو سَوَّد شعرها].

    قد تكون كبيرة، أو قد تكون شابة، لكن الشعر ليس أسود، فيقوم بصبغه بالأسود ثم يتبين.

    [أو جعده].

    يعني بدلاً من أن يكون سبطاً، جعله جعدا؛ لأنه إذا كان جعداً يدل على القوة.

    قال: (أو رحىً ضم الماء وأرسله عند عرضها على المشتري).

    الرحى هي التي يطحن بها الحب، وهذه الرحى تدور على الماء، يعني لها سير يكون مرتبط بمكان فيه ماء، فيأتي البائع ويجمع الماء، ثم إذا جاء المشتري أرسل الماء، فإذا كان الماء مجتمعاً ثم أرسل فإنها تدور بسرعة، فيظن المشتري أن هذا عادة، ثم بعد ذلك يتبين خلاف ذلك، فنقول: يثبت له حق الخيار.

    المهم كما قلنا: القاعدة في التدليس هو أن يظهر الرديء بصورة الجيد، أو الجيد بصورة الأجود.

    قال: [وكذا لو وصف المبيع بصفة يزيد بها في ثمنه فلم يجدها، كصناعة في العبد، أو كتابة أو أن الدابة هملاجة].

    الهملاجة هي حسنة السير.

    [والفهدَ صيود أو معلم أو أن الطير مصوت ونحوه].

    يعني إذا وصف السلعة بصفة، ثم بعد ذلك لم يجدها المشتري، فنقول: له حق الخيار.

    حكم من علم بالتدليس قبل البيع

    وقول المؤلف رحمه الله: [وكذلك كل مدلس لم يَعلم تدليسه له رده].

    ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه إذا تبين للمشتري أنه قد دلس عليه، أنه يرد السلعة وليس له أرش، لو قال المشتري: أنا أمسك السلعة، هو دلس علي يعني هذه السلعة رديئة وأظهرها بصورة الجيدة، رديئة مثلاً بكذا، وجيدة بكذا، أنا أريد أن آخذ الأرش، هل له حق الأرش أو ليس له حق الأرش؟ هه؟ على كلام المؤلف ليس له ذلك.

    والرأي الثاني في هذه المسألة: إن كان البائع قد غش ودلس فإنه يعامل بأضيق الأمرين، وعلى هذا نقول للمشتري: أنت بالخيار، إن شئت أن ترد، وإن شئت أن تمسك وتأخذ الأرش، هذا الأقرب في هذه المسألة.

    1.   

    خيار التخبير بالثمن

    قال المؤلف رحمه الله: [ولو أخبره بثمن المبيع فزاد عليه رجع بالزيادة وحظها من الربح إن كانت مرابحة، وإن بان أنه غلط على نفسه خُيِّرَ المشتري بين رده وإعطائه ما غلط به].

    هذا القسم الخامس من أقسام الخيارات، وهو خيار التخبير بالثمن، وقد ذكر العلماء رحمهم الله له أربع صور:

    الصورة الأولى: التورية، والتورية هي أن يبيعه برأس ماله، كيف يبيعه برأس ماله؟ تأتي إليه: بكم السلعة؟ قال لك :بعت السلعة برأس مالي، إذا قال: برأس مالي, يشتري المشتري، يقدم على هذا؛ لأنه يعرف الآن أن البائع ما ربح عليه، وأنه هو الغانم ما دام برأس ماله، قال: أنا برأس مالي أبيع عليك، هذه التورية.

    ثم بعد ذلك يتبين أن رأس ماله أقل، برأس مالك تبيع عليَّ السيارة؟ قال: نعم برأس مالي، كم رأس مالك؟ قال: رأس مالي عشرة آلاف ريال، ثم بعد ذلك يتبين أن رأس ماله تسعة آلاف ريال، كذب، فيقول المؤلف رحمه الله: خُيِّرَ المشتري بين رده وإعطائه ما غلط به.

    الصورة الثانية: المرابحة، وأشار إليها بقوله: وحظها من الربح إن كان مرابحة، قال: أنا أبيعك برأس مالي، ولي ربح كذا وكذا، لي ربح ألف أو لي ربح خمسمائة ونحو ذلك، كم رأس مالك؟ قال: رأس مالي عشرة آلاف ريال، يكون الثمن بكم؟ قال: لي ربح ألف يكون الثمن أحد عشر ألفاً، ثم بعد ذلك يتبين أن رأس المال تسعة آلاف، هو قال: أبيعك برأس مالي، ولي ربح ألف, هذه تسمى مرابحة.

    الصورة الثالثة: الشركة، قال: أبيعك نصف السلعة، نصف رأس مالي، كم رأس مالك؟ رأس مالي عشرة، ثم يتبين أن رأس ماله تسعة، نقول: يثبت له الخيار .

    الصورة الرابعة: المواضعة، والمواضعة أن يقول: بعتك برأس مالي وخسارة ألف، كم رأس مالك؟ قال: رأس مالي عشرة ليس تسعة، أعطني تسعة، ثم يتبين أن رأس ماله تسعة.

    هذه أربع صور للتخبير بالثمن، الآن تبين للمشتري أن البائع قد كذب عليه، فاختلف العلماء رحمهم الله في ذلك على قولين:

    القول الأول: أن المشتري مخير بين أمرين: إما أن يفسخ ويأخذ ما دفعه، وإما أن يمسك ولا شيء له، يعني ما يتعلق بالزيادة التي زادها ليس له، لو قال: هو قال لي: رأس مالي عشرة، ثم تبين أن رأس ماله تسعة، يرد عليه ألف ريال ولا يمسك السلعة، هل له ذلك أو ليس له ذلك؟ على هذا الرأي ليس له ذلك، هو مخير بين أن يمسك ولا شيء له، أو أن يفسخ ويأخذ ما دفعه من الثمن .

    والرأي الثاني: أنه أيضاً مخير، له أن يطالب بما زاده البائع عليه، فنقول: أنت مخير بين أن تفسخ وتأخذ ما دفعت، وبين أن يأخذ ما زاد عليه؛ لأن كل من غش أو دلس يعامل بأضيق الأمرين، وهذا فيما إذا غش أو دلس، أما إذا قال: غلطت، أنا قلت: برأس مالي، ورأس مالي كذا، ثم تبين أنه ليس كذا فنقول: بأنه ليس للمشتري إلا أن يمسك أو يفسخ ويأخذ ما دفعه .

    والأقرب في هذه المسألة أنه إن كان البائع قد غش ودلس نعامله بأضيق الأمرين، وأما إن كان لم يغش ولم يدلس فهذا نقول للمشتري: أنت بالخيار، إما أن تمسك ولا شيء لك، أو تفسخ وتأخذ ما دفعت.

    قال: [وإن بان أنه غلط على نفسه خُيِّرَ المشتري بين رده وإعطائه ما غلط به].

    يقول المؤلف رحمه الله: وإن بان أنه غلط على نفسه، خُيِّرَ المشتري بين رده وإعطائه ما غلط به، يعني قال البائع: بعتك برأس مالي، كم رأس مالك؟ قال: رأس مالي تسعة، ثم بعد ذلك تبين أن رأس ماله عشرة، فيقول المؤلف رحمه الله: بأنه يخير المشتري بين رده أو إعطائه ما غلط به، نقول: أنت مخير أيها المشتري ما دام أنه غلط بين أن ترده وتأخذ ما دفعت، أو تعطيه ما غلط به، يعني هو قال الآن: بعتك برأس مالي، كم رأس مالك؟قال: رأس مالي تسعة، ثم يتبين أنه غلط، وأن رأس ماله عشرة، فنقول للمشتري: أنت بالخيار، إما أن تعطيه الألف، وإما أن تفسخ وتأخذ ما دفعت.

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن بان أنه مؤجل ولم يخبره بتأجيله فله الخيار بين رده وإمساكه].

    يعني قال البائع: بعتك برأس مالي. كم رأس مالك؟ قال: رأس مالي عشرة، وهو صادق أن رأس ماله عشرة، لكن تبين للمشتري أنه اشتراه بثمن مؤجل، وإذا كان اشتراه بثمن مؤجل سيزيد, فلابد أن تخبر المشتري؛ لأنه إذا قال: برأس مالي سيقدم المشتري، لابد أن يبين للمشتري أنه اشتراه برأس ماله؛ لأنه بثمن مؤجل، يعني إذا كان بثمن مؤجل سيزيد في السلعة، في هذا ضرر على المشتري، لابد أن يخبر, ولهذا قال لك: إذا تبين للمشتري أن البائع قد اشتراه بثمن مؤجل فله الخيار بين رده وإمساكه، يعني يكون مخيراً بين الرد وبين الإمساك بالثمن حالّاً

    هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، نقول للمشتري: أنت مخير بين أن ترده وتأخذ الثمن، وبين أن تمسك، والرأي الثاني في هذه المسألة: أنه لا خيار للمشتري، وإنما يكون الثمن مؤجلاً عليه، فكما أن البائع اشتراه بثمن مؤجل، أيضاً نقول للمشتري: يكون الثمن مؤجلاً عليك للبائع.

    فالرأي الأول الذي ذكره المؤلف رحمه الله أن المشتري مخير بين أن يمسك السلعة، وبين أن يردها ويأخذ ما دفع.

    والرأي الثاني: أنه لا خيار له، وإنما يكون مؤجلاً على البائع، كما أن البائع قد اشتراه بثمن مؤجل.

    العلماء رحمهم الله يشددون في هذه المسألة؛ لأن المشتري سيقدم، لو ما قال: بعتك برأس مالي، ثم تبين أنه شرى بثمن مؤجل، هل المشتري له الفسخ أو ليس له الفسخ؟ ليس له الفسخ، لكن المشكل إذا قال: بعتك برأس مالي.

    العلماء يذكرون صوراً كثيرة، مثل ذلك أيضاً لو قال: بعتك برأس مالي، كم رأس مالك؟ قال: رأس مالي عشرة آلاف ريال، وصحيح أن رأس ماله عشرة آلاف ريال، لكن تبين أنه قد اشتراه من أبيه، قال العلماء: يثبت الخيار؛ لأنه قد يحابي أباه، قد يتبين أنه اشتراه من ابنه، قد يحابي ابنه، قد يتبين أنه اشتراه لحاجة، لغرض، يثبت له الخيار.

    المهم أنه متى تبين أنه قد حصل ضرر على البائع بسبب قول البائع: بعتك برأس مالي يثبت له الخيار.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966333176

    عدد مرات الحفظ

    711638677