إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب البيع [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينقسم الربا في البيع إلى قسمين: ربا فضل وربا نسيئة، وقد اختلف الفقهاء في تحديد علة الربويات المنصوص عليها في السنة، بعد اتفاق الجمهور على كون التحريم هنا معقول المعنى.

    1.   

    الربا

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الربا:

    عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى), ولا يجوز بيع مطعوم مكيل أو موزون بجنسه إلا مثلاً بمثل.

    ولا يجوز بيع مكيل من ذلك بشيء من جنسه وزناً ولا موزون كيلاً، وإن اختلف الجنسان جاز بيعه كيف شاء يداً بيد، ولم يجز النَّساء فيه, ولا التفرق قبل القبض، إلا في الثمن بالمثمن].

    تقدم لنا في الدرس السابق جملة من البيوع المنهي عنها, منها: بيع الملامسة والمنابذة والحصاة، وما يتعلق بالبيع على بيع أخيه، وبالشراء على شرائه.. إلى آخر ما تكلمنا عليه.

    ثم بعد ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الربا عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل, سواءً بسواء, فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد).

    1.   

    تعريف الربا وحكمه

    الربا في اللغة: يطلق على معانٍ منها البركة والزيادة.

    وأما في الاصطلاح: فهو تفاضل في أشياء ونساء في أشياء, مختص بأشياء، وهذا التعريف فيه إجمال، لكن سيتضح إن شاء الله.

    والربا محرم ولا يجوز, وكان في الجاهلية قبل الإسلام ثم جاء الإسلام وأبطله وحرمه لما فيه من الظلم وأكل أموال الناس بالباطل.

    والأدلة على تحريمه ظاهرة من القرآن والسنة والإجماع في صور, واختلف العلماء رحمهم الله في صور أخرى.

    أما القرآن فقول الله عز وجل: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275] وأيضاً قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] .

    وأما السنة فحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) وذكر منها أكل الربا.

    وأيضاً حديث جابر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه) أخرجه مسلم في صحيحه.

    والمسلمون مجمعون على تحريم الربا.

    1.   

    أقسام الربا

    الربا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ربا الفضل، والقسم الثاني: ربا النسيئة.

    ربا الفضل

    الفضل في اللغة: الزيادة.

    وأما في الاصطلاح: فهو الزيادة في أحد الربويين الحالين المتحدي الجنس.

    وسيأتينا إن شاء الله ما هي الأموال الربوية، إذا فهمنا ما هو المال الربوي استطعنا أن نفهم الربا؛ لأنه ليس كل الأموال ربوية، ليس كل الأموال إذا بادلت بعضها ببعض بالزيادة أو مع التأخير وقعت في الربا، الربا خاص ببعض الأموال دون بعض كما سيأتي.

    فنقول في تعريف ربا الفضل: الزيادة في أحد الربويين المتحدي الجنس الحالين.

    مثال ذلك: عشرون غراماً من الذهب بعشر غرامات, الذهب من الأموال الربوية، الآن بادلت ذهباً بذهب مع الزيادة فوقعت في ربا الفضل.

    ومثل ذلك أيضاً: مبادلة عشرين غراماً من الفضة بعشر غرامات.

    مثال ثالث: مبادلة صاعين من التمر بصاع من التمر, وقعت في الربا، التمر من الأموال الربوية فبادلت ربوياً بجنسه مع الزيادة, وكل منهما حال يداً بيد: تمر بتمر يداً بيد، ذهب بذهب يداً بيد لكن زدت في أحد العوضين فوقعت في الربا.

    مثال رابع: خمسة ريالات بستة ريالات، صرفت مثلاً خمسمائة ريال بأربعمائة وتسعين أو بأربعمائة وتسعة وتسعين، وقعت الآن في ربا الفضل, الريالات هذه أموال ربوية, فبادلت ربوياً بجنسه مع الزيادة.

    أيضاً: دينارات بدينارات، جنيهات بجنيهات، حالة يداً بيد لكن مع الزيادة في أحدها نقول بأنك وقعت في ربا الفضل.

    ربا الفضل هل هو محرم أو ليس بمحرم؟

    جماهير أهل العلم على أنه محرم, وإن كان ورد عن بعض السلف عدم التحريم، لكن جمهور أهل العلم على أنه محرم, ويدل على هذا ما أورده المصنف حديث عبادة : (الذهب بالذهب, والفضة بالفضة, والبر بالبر, والشعير بالشعير, والتمر بالتمر, يداً بيد, فمن زاد أو استزاد فقد أربى) هذا ربا الفضل، زاد أو استزاد فقد أربى, وقع في الربا، فإذا أخذ في ذلك زيادة وقع في الربا.

    وذهب بعض العلماء إلى أن الربا خاص بربا النسيئة فقط لحديث أسامة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الربا في النسيئة).

    وهذا أجاب عنه العلماء رحمهم الله بأجوبة من هذه الأجوبة:

    أن المراد بقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما الربا في النسيئة) يعني: الربا الأشد والأغلظ إنما هو في النسيئة, ولا يمنع هذا من ثبوت ربا الفضل, وهناك أجوبة أخرى لا حاجة إلى سردها, لكن يكفينا هذا؛ لأن الأحاديث صريحة ثابتة صحيحة في إثبات ربا الفضل, هذا القسم الأول وهو ربا الفضل.

    ربا النسيئة

    القسم الثاني: ربا النسيئة.

    النسيئة في اللغة: التأخير.

    وأما في الاصطلاح: فهو تأخير القبض في أحد الربويين اللذين اتفقا في علة ربا الفضل, وهذا الكلام يحتاج إلى شرح يتضح فيما بعد, لكن نضرب على ذلك أمثلة.

    من الأمثلة: عندما تبادل بُرًا بشعير, البر مال ربوي، والشعير مال ربوي، يتحدان في علة ربا الفضل كما سيأتي إن شاء الله، وعلة ربا الفضل في البر والشعير، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الطعم مع الكيل, والطعم مع الوزن, فالبر مطعوم مكيل، والشعير مطعوم مكيل, فاتفقا في علة ربا الفضل, واختلفا في الجنس, عندما نبادل أحدهما بالآخر نشترط شرطاً واحداً وهو أن يكون يداً بيد, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) فعندما تبادل بُرًا بشعير يجوز التفاضل لكن لابد أن يكون يداً بيد, فإن حصل التأخير (عدم القبض) فإنك تكون وقعت في ربا النسيئة, إذا بادلت ذهباً بذهب مع تأخير القبض عشر غرامات ذهب بعشر غرامات ذهب مع تأخير القبض هنا يتحدان في العلة, علتهما واحدة كما سيأتي، فإذا تأخر القبض في أحد العوضين فإنك تكون وقعت في ربا النسيئة، فتبادل عشر غرامات بعشر غرامات بعد يوم أو يومين تبادل ريالات بريالات تصرف ريالات بريالات, تقول بعد يومين: أعطيك بدلاً يعني تأخذ منه مائة ريال, تقول: أعطيك الصرف بعد يوم يومين وقعت في ربا النسيئة, وربا النسيئة محرم بالإجماع, ويدل له ما تقدم من الآيات.

    وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة في الصحيحين: (إنما الربا في النسيئة).

    1.   

    الأموال الربوية

    لكي نفهم باب الربا لابد أن نفهم ما هي الأموال الربوية؟

    النبي صلى الله عليه وسلم عدد ستة أصناف: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح) هذه أموال ربوية بالاتفاق، بالإجماع على أنها أموال ربوية, العلماء مجمعون عليها, والأدلة صريحة فيها, لكن هل يُقتصر على هذه الأموال الستة فقط, أو أن هذه الأموال يُلحق بها غيرها؟ أو نقول: بأن هذا مقصور على هذه الأموال الستة؟

    جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة : أن الربا ليس مقصوراً على هذه الأموال الستة بل يُلحق بها غيرها, يُلحق بهذه الأموال الستة غيرها مما يقارنها ويماثلها في العلة.

    والدليل على أنه لا يُقتصر على هذه الأموال الستة أن الربا جاء في غيرها, فثبت في صحيح مسلم من حديث معمر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطعام بالطعام مثلاً بمثل)، وثبت أيضاً الربا في العنب والزبيب, وعدم بيع العنب بالزبيب؛ كما في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما, فهذا يدل على أن الأمر ليس محصوراً في هذه الأصناف الستة؛ ولأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات.

    والرأي الثاني: رأي الظاهرية وابن عقيل من الحنابلة وغيرهم قالوا: بأن الربا محصور في هذه الأصناف الستة فقط لا يتعداها إلى ما سواها.

    واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم عدد، والنبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم فلو كان يتعداها لقال عبارة أشمل لقال: المكيلات بالمكيلات أو الموزونات بالموزونات مثلاً بمثل, سواءً بسواء.. إلى آخره، لكن النبي عليه الصلاة والسلام عدد, والنبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم, فكونه عدد يدل على أن الربا محصور في هذه الأصناف.

    الراجح قول جمهور أهل العلم رحمهم الله أن الربا ليس خاصاً, الربا يشمل هذه الأصناف الستة وغيرها.

    1.   

    علة الأموال الربوية

    الذين قالوا بأن الربا يشمل الأصناف الستة وغيرها اختلفوا ما هي العلة في هذه الأصناف الستة التي إذا وجدت ألحقنا غيرها بها؟ ما هي العلة؟

    فعندنا الذهب والفضة اختلف العلماء رحمهم الله فيها وعندنا أيضاً الأصناف الأربعة الباقية المطعومة: التمر والبر والشعير والملح، اختلف العلماء رحمهم الله في علتها.

    علة الذهب والفضة

    من الأصناف عندنا: الذهب والفضة.

    اختلف العلماء في علتهما على آراء هي:

    الرأي الأول: وهو مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة أن العلة في الذهب والفضة الوزن، وعلى هذا قالوا: يجري الربا في كل موزون, كل موزون يجري فيه الربا, الحديد يجري فيه الربا, النحاس الصفر الشعر الحرير القطن الكتان الصوف السكر اللحم، المهم العلة عندهم الوزن، وعلى هذا يجري الربا في كل موزون سواء كان مطعوماً أو كان غير مطعوم, هذا كما قلنا: مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد .

    الرأي الثاني: أن العلة هي غلبة الثمنية, وهذا مذهب مالك والشافعي ، العلة غلبة الثمنية بمعنى أن الربا لا يتعدى الذهب والفضة فقط, وعلى هذا لا يجري الربا عندهم في الحديد ولا الصفر ولا النحاس .. إلى آخره.

    العلة عندهم هي غلبة الثمنية, وعلى هذا لا يجري الربا عندهم في أي شيء في الموزونات: الحديد والرصاص والنحاس, هذه الموزونات لا يجري الربا عندهم فيها, أما المطعومات وإن كانت موزونة فلهم كلام فيها.

    والرأي الثالث: أن العلة هي الثمنية, وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، وعلى هذا يجري الربا في كل شيء اتخذه الناس ثمنا للأشياء، كل شيء اتخذه الناس ثمنا للأشياء فإن الربا يجري فيه, مثل الريالات الجنيهات الدينارات الدولارات إلى آخره يجري فيها الربا، هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, وعلى هذا نضرب أمثلة.

    فعندما نبادل كيلو حديد بكيلوين حديد هل هو ربا أو ليس ربا على رأي شيخ الإسلام ؟

    ليس من الربا، على رأي مالك والشافعي ليس من الربا، على رأي أحمد وأبي حنيفة يقولون: بأنه ربا.

    عندما نبادل ريالات بريالات مع الزيادة عند شيخ الإسلام ربا؛ لأنه يقول العلة هي الثمنية, فكل ما جعله الناس ثمناً يجري فيه الربا، فعند شيخ الإسلام يري أنه ربا، عند أبي حنيفة وأحمد ليس ربا؛ لأنها ليست موزونة، عند مالك والشافعي ليست ربا؛ لأنهم يقصرون الربا على الذهب والفضة.

    عندما تبادل نحاساً بنحاس مع الزيادة أو مع تأخير القبض على رأي أحمد وأبي حنيفة ربا، وعلى رأي مالك والشافعي ليس ربا، وعلى رأي شيخ الإسلام ليس ربا.

    عندما تبادل حديداً بنحاس مع تأخير القبض على القول الأول: ربا، وعلى القول الثاني: ليس ربا، والثالث: ليس ربا.

    عندما تبادل حديداً بنحاس مع القبض لكن فيه تفاضل مثلاً خمسة كيلو حديد بكيلوين نحاس يداً بيد مع التقابض على رأي أحمد وأبي حنيفة ليس ربا، جائز؛ لأنه ( إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد ) كما سيأتينا.

    إذا اتفقا في العلة واختلفا في الجنس يشترط شرطاً واحداً فقط وهو: التقابض، وإذا اتفقا في الجنس يشترط شرطين، حديد بحديد يشترط شرطين: التماثل والتقابض، إذا اختلفا نشترط شرطاً واحداً فقط وهو الحلول والتقابض، هذا بالنسبة لما يتعلق بالذهب والفضة.

    علة الربا في بقية الأصناف

    أما الأصناف الأربعة الباقية وهي: البر, الشعير, التمر, الملح, ما هي العلة فيها؟

    اختلف العلماء رحمهم الله في ذلك:

    الرأي الأول: لـأبي حنيفة وأحمد أن العلة هي الكيل، وعلى هذا يجري الربا في كل المكيلات سواء كانت مطعومة أو غير مطعومة, مطعومة مثل: البر, الشعير, التمر, الملح, سائر الحبوب: الرز العدس كل شيء يُكال الذرة الدهن الرشاد الحلبة، كل شيء يُكال يجري فيه الربا.

    أو غير مطعومة مما يُكال مثل: الأشنان، الأشنان هذا لا يُطعم فيقولون: يجري الربا في كل المكيلات سواء كانت مطعومة أو غير مطعومة.

    الرأي الثاني: رأي الشافعي ، أن العلة في الأصناف الأربعة كونها مطعومة, الرأي الأول يقولون: كونها مكيلة، أما الرأي الثاني يقول: العلة هي الطعم, وهذا أوسع يعني كل شيء يطعم يجري فيه الربا, رأي الشافعي واسع جداً, العلة عنده الطعم فيجري الربا في المطعومات سواء كانت تقتات أو لا تقتات، وهذا كما ذكرت من أوسع المذاهب.

    الرأي الثالث: رأي مالك ، الاقتيات والادخار, العلة كونها تقتات يعني قوت وتدخر.

    الرأي الرابع والأخير: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن العلة هي: الطعم مع الكيل أو الوزن, وهو رأي الشافعية إلا أنه قيده بكونه مطعوماً مكيلاً أو موزوناً.

    نعيد الأقوال مرة ثانية:

    الرأي الأول: العلة الكيل قول أبي حنيفة وأحمد .

    الثاني: الطعم الشافعي .

    الثالث: الاقتيات والادخار مالك .

    الرابع: الطعم مع الكيل أو الوزن، اختيار شيخ الإسلام .

    أمثلة تطبيقية

    نضرب أمثلة نستعرض المذاهب:

    مبادلة بيضة ببيضتين، جاء واحد يسألك يقول لك: بادلت أعطيته بيضة وأعطاك بيضتين هل وقع في الربا أو لم يقع في الربا؟

    لم يقع؛ لأن البيض ما يُكال، ما تكيله بالصاع أو بالمُد، مبادلة بيضة ببيضتين على رأي أحمد وأبي حنيفة ما فيه ربا.

    على رأي الشافعي وقع في الربا.

    على رأي مالك لم يقع في الربا، لا تقتات ولا تدخر.

    على رأي شيخ الإسلام ما وقع، ليس مكيلاً ولا موزوناً, وإن كان مطعوماً لكن ليس مكيلاً ولا موزوناً، فأصبح عند الشافعي فقط يجري ربا في بيضة ببيضتين.

    موزة بموزتين عند أحمد وأبي حنيفة لا يقع لأنه ما يكال، عند الشافعي يقع الربا, عند المالكية لا يقع الربا، عند شيخ الإسلام لا يقع الربا، فأصبح عندنا الشافعي فقط.

    صاع من الذرة بصاعين, عند أحمد وأبي حنيفة يقع لأنه مكيل، الشافعي يقع، مالك يقع، شيخ الإسلام يقع فيه الربا؛ لأنه مطعوم مكيل، فيتفقون على الذرة بالذرة. كيلو لحم بكيلوين, عند أحمد وأبي حنيفة ما يقع؛ لأنه لا يُكال بل يوزن, الكيلو معيار للوزن, ما هو بمعيار للكيل, المعيار للكيل المُد والصاع.. إلى آخره، عندما تبادل كيلو لحم بكيلوين عند أحمد وأبي حنيفة لا يقع لكنهم يوقعونه من جهة العلة السابقة؛ لأنهم يرون الوزن يعني من جهة علة الكيل ما يرونه, لكن من جهة الوزن هم يقولون: العلة في الذهب والفضة الوزن، فيرون أنه يقع في أي شيء في الموزونات المطعومات والمكيلات كما أنه يقع عندهم الربا في المكيلات المطعومة وغير المطعومة, فالعلة عندهم الوزن والكيل مطعوم وغير مطعوم.

    فتبين أنه على رأي أحمد وأبي حنيفة يقع من جهة أنه موزون، وهم يرون أنه يقع في الموزونات.

    على رأي الشافعي يقع لأنه مطعوم، على رأي مالك لا إشكال إنه قوت, لكن إذا قلنا: بأنه يُدخر فيظهر أنه يقع، كان يُدخر اللحم ييبس ويُدخر.

    على رأي شيخ الإسلام يقع.

    مبادلة ساعة بساعتين، عند أحمد وأبي حنيفة ما يقع؛ لأن الساعات ليست مكيلة ولا موزونة، فمبادلة ساعة بساعتين لا يقع فيها الربا، عند الشافعي لا يقع؛ ليست مطعومة، وأيضاً ليست ذهباً أو فضة، على رأي مالك أيضاً لا يقع؛ ليست قوتا يُدخر وليست ذهباً أو فضة، على رأي شيخ الإسلام لا يقع، وعلى هذا فقس.

    نلخص المسألة:

    لما فهمنا الآن كلام العلماء رحمهم الله ما هو المال الربوي على الراجح؟

    نقول: المال الربوي على الراجح يشمل أمرين:

    الأمر الأول: ما كان ثمن الأشياء، كل ثمن للأشياء، كل ثمن أو كل شيء اتخذه الناس ثمناً.

    الأمر الثاني: ما كان مطعوماً مكيلا أو مطعوماً موزوناً، هذه الأموال الربوية.

    وعلى هذا إذا قرأت في كتب الحنابلة إذا قالوا: ربوي يقصدون المكيلة والموزونة, وعلى هذا نفهم الأموال الربوية, نحن نسير على ضابط شيخ الإسلام , وقد نتعرض للمذهب؛ لأن الكتاب على المذهب، على ضابط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الأموال الربوية تشمل أمرين:

    الأمر الأول: ما كان ثمناً للأشياء, وكل ما اتخذه الناس ثمناً للأشياء.

    الأمر الثاني: المطعوم المكيل والمطعوم الموزون.

    نستعرض بعض الأشياء:

    الريالات ربوية؛ لأنها ثمن، الذهب ربوي؛ لأنه ثمن يتخذ للبس كما تشتري به كانوا في الزمن السابق ما يشترون إلا بالذهب والفضة.

    الكتاب ليس من الأموال الربوية، تبادل كتاب بكتابين مع القبض, مع تأخير القبض كله جائز ليس من الأموال الربوية ما نشترط شيئاً، السيارات ليست ربوية, تبادل سيارة بسيارتين.. ثلاث سيارات مع القبض مع تأخير القبض هذه ليست من الأموال الربوية.

    الثلاجات ليست من الأموال الربوية, الأقلام ليست ربوية, السكر مطعوم موزون ربوي، الحليب ربوي مطعوم مكيل، العلماء يقولون: كل المائعات مكيلات الحليب مطعوم مكيل، العسل ربوي لأنه مطعوم مكيل، الدهن السمن ربوي؛ لأنه مطعوم مكيل.

    العلماء يقولون: كل المائعات مكيلات، كل الحبوب عندهم أيضاً يعتبرونها مكيلات، الحبوب كلها مكيلات.

    الرز ربوي لأنه مطعوم مكيل.

    الأثواب ليست ربوية، ليست مطعومة ولا مكيلة ولا موزونة, القطن ليس ربوياً، الصوف ليس ربوياً، الشعر ليس ربوياً, وعلى هذا فقس، يعني: الأموال التي ليست ربوية كثيرة جداً, لكن الربوية الذي يتوفر فيها هذان الضابطان كما ذكرنا اختيار شيخ الإسلام رحمه الله.

    1.   

    ضوابط الربويات

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يجوز بيع مطعوم بمكيل أو موزون بجنسه إلا مثلاً بمثل، ولا يجوز بيع مكيل من ذلك بشيء من جنسه وزناً ولا موزون كيلاً، وإن اختلف الجنسان جاز بيعه كيف شاء يداً بيد، ولم يجز النَّساء فيه، ولا التفرق قبل القبض، إلا الثمن بالثمن).

    نأخذ ضوابط:

    الضابط الأول: تعريف ربا الفضل وربا النسيئة وقد تقدم.

    الضابط الثاني: المراد بالمال الربوي، وأن المراد به على الراجح ما اجتمع فيه أحد أمرين:

    الأمر الأول: الثمنية. والأمر الثاني: الطعم مع الكيل أو الطعم مع الوزن.

    يُشترط شرطان عند مبادلة ربوي بجنسه:

    الشرط الأول: التماثل. والشرط الثاني: الحلول والتقابض، ربوي بجنسه, الربوي عرفناه كما تقدم بالضابط الثاني، مثال ربوي بجنسه: شعير بشعير، بر ببر، بادلنا الآن ربوي بجنسه شعير بشعير بر ببر تمر بتمر ذهب بذهب رز برز لحم بلحم, نشترط شرطين:

    الشرط الأول: التماثل لابد صاع بصاع, يداً بيد, ذهب بذهب عشر غرامات بعشر غرامات, يداً بيد, لابد من توافر شرطين, فعند تخلف أحد هذين الشرطين تكون وقعت في الربا.

    ثم قال: (ولا يجوز بيع مكيل من ذلك بشيء من جنسه وزناً، ولا موزون كيلاً، وإن اختلف الجنسان جاز بيعه كيف شاء يداً بيد).

    الضابط الرابع: إذا اختلف الجنس الربوي واتحدا في العلة نشترط شرطاً واحداً فقط وهو الحلول والتقابض.

    مثال: اختلفا في الجنس واتحدا في العلة: شعير ببر، الجنس هنا مختلف, والعلة التي اتحدا فيها الكيل، خذ قاعدة: كل الحبوب مكيلات، وكل المعادن موزونات، وكل المائعات مكيلات، فالمائعات: الحليب واللبن والعسل والسمن كلها مكيلات، الحبوب كلها مكيلات, المعادن كلها موزونات.

    قلنا: بر بشعير نشترط التقابض فقط.

    مثال ثاني: الذهب بالفضة اختلفا في الجنس واتحدا في العلة.

    الضابط الخامس: إذا اختلفا في الجنس والعلة لا نشترط شيئاً، مثل الذهب والبر، اختلفا في الجنس, واختلفا في العلة, كل منهما ربوي لكن الذهب علته الثمنية والبر علته الطعم مع الكيل.