إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الزكاة [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين النبي صلى الله عليه وسلم ما يخرج من زكاة السائمة بالتفصيل، ولكيفية إخراج الزكاة منها أحكام معلومة بحسب أحوال السائمة ككونها كلها سليمة، أو فيها صحاح ومراض، وكبار وصغار، وذكور وإناث، ونحو ذلك. وتأثر الخلطة في الزكاة؛ لأنها تجعل المالين مالاً واحداً، ول

    1.   

    أحكام زكاة السائمة

    تقدم لنا شيء من أحكام السائمة، وذكرنا أن السائمة تنقسم ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: الإبل، فتجب الزكاة فيها سواء كانت من البخاتي أو من العراب، وأن أقل النصاب في الإبل خمس، فلا شيء فيها حتى تبلغ خمساً ففيها شاة، ثم بعد ذلك لا تتغير الفريضة، فإذا بلغت عشراً ففيها شاتان، ثم لا تتغير الفريضة حتى تبلغ خمسة عشر بعيراً، فإذا بلغت خمسة عشر بعيراً ففيها ثلاث شياه، فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياه، فإذا بلغت خمساًوعشرين ففيها بنت مخاض، فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان، فإذا زادت عن عشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، يعني: مائة وعشرون فيها حقتان، وليس ثلاث بنات لبون، بل إذا زادت عن عشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، فمن إحدى وتسعين فيها حقتان حتى تزيد على عشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، فمائة وعشرون فيها حقتان، ثم بعد ذلك تستقر الفريضة، في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.

    النوع الثاني: البقر، وذكرنا أن أقل النصاب ثلاثون وفيه تبيع أو تبيعة، ثم بعد ذلك لا تتغير الفريضة حتى تبلغ أربعين ففيها مسنة، ثم تستقر الفريضة، في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.

    النوع الثالث: الغنم، أقل النصاب فيها أربعون شاة، ثم بعد ذلك لا تتغير الفريضة حتى تزيد على عشرين ومائة، يعني: مائة وعشرون فيها شاة واحدة، فإذا زادت عن مائة وعشرين واحدة ففيها شاتان، ثم بعد ذلك لا تتغير الفريضة حتى تبلغ مائتين وواحدة ففيها ثلاث شياه، ثم تستقر الفريضة في كل مائة شاة.

    ما يجزئ إخراجه في زكاة السائمة

    ثم قال المؤلف رحمه الله: [ولا يخرج إلا أنثى صحيحة إلا في الثلاثين من البقر، وابن لبون مكان بنت مخاض إذا عدمها…].

    تقدم أن ذكرنا أن الأصل في زكاة السائمة أن يخرج أنثى، وأنه يجوز إخراج الذكر في مواضع:

    الموضع الأول: إذا كان النصاب كله ذكوراً، فإنه يخرج ذكراً.

    الموضع الثاني: في زكاة البقر ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة على التخيير.

    الموضع الثالث: إذا لم يجد بنت مخاض، وعنده ابن لبون، يعني: إذا كان الإنسان عنده خمس وعشرون من الإبل، فيجب عليه بنت مخاض، أو عنده ثلاثون يجب عليه بنت مخاض، لم يجد بنت المخاض فإنه لا بأس أن يخرج ابن اللبون، وأيضاً أولى من ذلك أن يخرج حقاً أو جذعاً، هذا لا بأس، يعني: يخرج عن بنت المخاض ابن اللبون، أو الحق، أو الجذع، كما ورد أن ابن اللبون يجزئ عن بنت المخاض.

    الموضع الرابع والأخير: إذا شاء المتصدق، يعني: الساعي الذي يأخذ الصدقة، فإذا شاء أن يأخذ ذكراً لمصلحة الزكاة فإن هذا لا بأس به.

    قال المؤلف رحمه الله: [إلا أن تكون ماشية كلها ذكوراً أو مراضا، فيجزئ واحدة منها، ولا يخرج إلا جذعة من الضأن أو ثنية من المعز، والسن المنصوص عليها].

    بالنسبة للغنم يخرج جذعة من الضأن، أو ثني معز، والجذع من الضأن له ستة أشهر، والثني من المعز له سنة، فمثلاً: عنده أربعون شاة أو أربعون من المعز، نقول: يجب عليك شاة، إما أن تخرج جذع ضأن، أو ثني معز، أنت بالخيار.

    كذلك أيضاًعنده خمس من الإبل عليه شاة، نقول: أنت بالخيار، إما أن تخرج جذع ضأن فما فوق، أو ثني معز، وعلى هذا فقس.

    قال: (والسن المنصوص عليها)، تقدم لنا في الإبل: بنت مخاض في خمس وعشرين إلى ست وثلاثين، بنت لبون..، حقة، جذعة... إلى آخره، في البقر: تبيع تبيعة، مسنة... إلى آخره.

    إخراج السن الأعلى من الواجب

    قال المؤلف رحمه الله: [إلا أن يختار رب المال إخراج سن أعلى من الواجب].

    فهذا الأمر إليه، فإذا اختار رب المال أن يخرج سناً أعلى من السن الذي وجب عليه فإن هذا جائز ولا بأس به، فمثلاً: رجل عنده ثلاثون من الإبل فيها بنت مخاض، قال: أنا أريد أن أخرج بنت لبون، فنقول: هذا جائز ولا بأس به، هذا زيادة فضل من المالك، أو رجل عنده أربعون من الإبل يجب عليه بنت لبون، قال: أنا أريد أن أخرج حقة أو جذعة، نقول: هذا كله جائز ولا بأس به، أو رجلٌ عنده ثلاثون من البقر، قال: أريد أن أخرج مسنة بدلاً من أخرج تبيعاً أو تبيعة، نقول: بأن هذا جائز ولا بأس به، الأمر إليه ما دام أنه اختار أن يتبرع بالزائد.

    إخراج الصغيرة

    قال المؤلف رحمه الله: [أو تكون كلها صغاراً فيخرج صغيرة].

    إذا كان عنده نصاب صغار، فهذا نقول: لا يجب عليه أن يخرج كبيرة، ويتصور ذلك فيما إذا كان الإنسان عنده نصاب الكبار فأبدله بنصاب صغار، عنده نصاب سائمة كبار، فأبدله بنصاب سائمة صغار، فنقول هنا: يجب عليه أن يخرج صغيرة، ولا يكلف أن يخرج كبيرة ما دام أن النصاب كله صغار، ونظير ذلك كما تقدم إذا كان النصاب كله ذكورا، فإنه يخرج ذكراً، أو يكون النصاب كله مراضاً، فإنه يخرج مريضة.

    كيفية إخراج الزكاة من السائمة التي فيها صحاح ومراض ونحو ذلك

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن كان فيها صحاح ومراض، وذكور وإناث، وصغار وكبار، أخرج صحيحة كبيرة قيمتها على قدر المالين].

    يعني: إذا كان النصاب فيه صغار وكبار، أو فيه ذكور وإناث، وهذا الغالب، فيه صحيحات وفيه معيبات؟ نقول: ما دام أنه مختلط فلا تخرج صغيرة، وإنما تخرج كبيرة بلغت السن الشرعي كما تقدم، والسن الشرعي تقدم بيانه، في الغنم: جذع ضأن، أو ثني معز، في الإبل: بنت مخاض، بنت لبون... إلى آخره، وتخرج أنثى ما تخرج ذكراً، وتخرج صحيحة.

    قال المؤلف رحمه الله: (على قدر قيمة المالين)، كيف على قدر قيمة المالين؟

    نقول: يسلك الإنسان الطريقة الآتية:

    إذا فرضنا أن عنده صحاحاً ومعيبات، أو صغار وكبار... إلى آخره، ولنفرض أن هذا رجل عنده صحاح ومعيبات، فنقول:

    الخطوة الأولى: أن ننسب عدد الصحيح إلى المال الزكوي.

    الخطوة الثانية: أن ننسب عدد المعيب إلى المال الزكوي.

    الخطوة الثالثة: أن ننظر إلى متوسط قيمة الصحيح، وإلى متوسط قيمة المعيب، فنخرجه بمقدار تلك النسبة.

    الخطوة الأخيرة: أن نجمع القيمتين، فنخرج كبيرة صحيحة أنثى بمقدار هذه القيمة.

    مثال ذلك: رجل عنده مائة شاة، المائة الشاة زكاتها شاة واحدة، لكن هذه المائة فيها معيبات، فيها صحيحات، فيها كبار، فيها صغار، فيها ذكور، فيها إناث، كيف نعمل؟ إذا فرضنا فيها صحاح وكبار؟

    الخطوة الأولى: ننسب الصحيح إلى المال الزكوي، هذا عنده مائة شاة، نفرض أن الصحيحات خمس وسبعون شاة، فنسبة الخمسة والسبعين إلى المائة ثلاثة أرباع، ومثلها أيضاً: ننسب المعيبات إلى المال الزكوي، كم نسبة المعيبات الخمسة وعشرين إلى مائة؟ الربع، هذه الخطوة الثانية، الخطوة الأولى: ننسب عدد الصحيح إلى مجموع المال الزكوي، الصحيح خمسة وسبعون، ننسبه إلى مائة يساوي ثلاثة أرباع، المعيب خمسة وعشرون ننسبه إلى المائة يساوي الربع.

    الخطوة الثالثة: ننظر إلى قيمة متوسط الصحيح، وإلى قيمة متوسط المعيب، فنخرجه بمقدار تلك النسبة، هذه الصحيحات فيها شيء قيمته ستمائة ريال مثلاً، وشيء قيمته أربعمائة ريال، وشيء قيمته ثلاثمائة ريال، وشيء قيمته مثلاً خمسمائة، وما المتوسط هنا؟ أربعمائة، نأخذ الأربعمائة هذه، ونخرج هذه الأربعمائة بمقدار تلك النسبة، كم نسبة الصحيح إلى المعيب؟ ثلاثة أرباع، نأخذ ثلاثة الأربعمائة، كم ثلاثة أرباع الأربعمائة؟ ثلاثمائة، مثله أيضاً: في المعيب، عندك في المعيبات شيء بمائتين، وشيء بثلاثمائة، وشيء بمائة، المتوسط مائتان، فنسبة المعيب إلى مجموع المال الربع، فربع المائتين خمسون، تجمع القيمتين ثلاثمائة زايد خمسين يساوي ثلاثمائة وخمسين، فتخرج شاة واحدة كبيرة أنثى صحيحة قيمتها ثلاثمائة وخمسين ريالاً، وهذا عدل، يعني: ما يغبن المالك، ولا يغبن أهل الزكاة.

    قال المؤلف رحمه الله: [فإن كان فيها بخات وعراب، وبقر وجواميس، ومعز وضأن، وكرام ولئام، وسمان ومهازيل، أخذ من أحدهما بقدر قيمة المالين].

    بالطريقة السابقة، إذا كان عنده كبار وصغار، ذكور وإناث، مراض وصحاح، اختلفت الأنواع، جواميس وبقر، عراب وبخاتي، ضأن ومعز، أيضاً عنده سمان ومهازيل، عنده أيضاً كرام ولئام، كل هذه تسلك هذه الطريقة.

    زكاة الخليطين

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن اختلط جماعة في نصاب من السائمة حولاً كاملاً].

    تقدم لنا أن السائمة لها خصائص، وذكرنا أن الجبران من خصائص السائمة، وأيضاً الوقص، فالأوقاص لا زكاة فيها، وأيضاً من خصائص السائمة -على ما ذهب إليه المؤلف وهو قول أكثر أهل العلم رحمهم الله- الخلطة، والخلطة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: خلطة اشتراك وأعيان:

    فهذه لا إشكال أن المالين كالمال الواحد، وخلطة الاشتراك والأعيان هي أن يملك اثنان من أهل الزكاة فأكثر نصاباً من السائمة بهبة، أو ميراث، أو شراء، بحيث لا يتميز نصيب أحدهما على الآخر، بل كلهم يشتركون في كل فرد من أفراد هذه السائمة، كل منهما شريك في كل فرد من أفراد هذه السائمة، فهذه لا إشكال أنها كالمال الواحد، مثال ذلك: زيد وعمرو اشتريا نصاباً من السائمة، فهذا عليهم الزكاة، اشتريا أربعين شاة، وحال عليها الحول وهي سائمة، نقول: عليهم الزكاة أو ورثاها أو اتهباها نقول: عليهم الزكاة.

    القسم الثاني الذي هو مراد المؤلف رحمه الله، وهو الذي اختلف فيه أهل العلم رحمهم الله، خلطة الأوصاف والجوار:

    وذلك بأن يتميز نصيب كل واحد من المختلطين؛ لكن تشترك هذه السائمة في الاختلاط ببعض الأوصاف، فخلطة الأوصاف يتميز نصيب كل واحد من المختلطين؛ لكن هذه السائمة تشترك في بعض الأوصاف حال الاختلاط، هل هذه الخلطة تصير المالين كالمال الواحد أو أنها لا تصير المالين كالمال الواحد؟

    مثال ذلك: زيد وعمرو، هذا زيد له عشرون شاة، وعمرو له عشرون شاة، هذا دفع الشياة التي له إلى هذا الراعي لكي يرعاها، وهذا أيضاًقام ودفع هذه الشياه، وبكر كذلك إلى آخره، نصيب زيد متميز، ونصيب عمرو متميز، ونصيب بكر متميز، هذه يسميها العلماء: خلطة الأوصاف والجوار، وهي التي وقع فيها الخلاف بين الأئمة، هل هذه الخلطة مؤثرة أو ليست مؤثرة؟

    الجمهور أنها مؤثرة، تؤثر تغليظاً وتخفيفاً، وعند الحنفية أنها لا تؤثر، والصواب ما عليه جمهور أهل العلم لدلالة الحديث، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية )، هذا ما عليه جمهور أهل العلم بدلالة الحديث، وتؤثر تخفيفاً وتغليظاً، تغليظاً مثاله: زيد يملك عشرين شاة، وبكر يملك عشرين شاة فاختلطا حولاً، نقول: الزكاة تجب عليهم، لو أن زيداً انفرد، وأيضاً الآخر انفرد ما وجب عليهما الزكاة، يعني: لو أن زيداً له عشرون شاة يرعاها حولاً كاملاً ما وجبت عليه الزكاة؛ لأنه لم يملك نصاباً، كذلك أيضاً لو أن عمراً انفرد لم تجب عليه الزكاة بهذه العشرين؛ لأنها لم تبلغ نصاباً؛ لكن لما اختلطا وجب عليهما شاة، هنا أفادت التغليظ، فنقول: يجب عليهما شاة، فيدفع أحدهما شاة، ويرجع على شريكه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية )، فإذا دفع زيد الشاة يرجع على من خالطه بنصف شاة إذا كان له نصف وهذا له نصف، ولو كان لزيد ثلاثون، ولعمرو عشر، ما الحكم؟ تجب عليهم الزكاة، فلو أخذنا من زيد الشاة يرجع على عمرو بالربع، هو يجب عليه ثلاثة أرباع شاة، وخليطه يجب عليه ربع، نقول: يرجع عليه بالربع، ولو كان العكس، لو أخذنا الشاة من صاحب الربع يرجع على خليطه بثلاثة الأرباع، هذه تفيد التغليظ.

    مثال إفادتها التخفيف: زيد له أربعون، وعمرو له أربعون اختلطا، لو أن كل واحد منهما انفرد كم يجب عليه؟ زيد يجب عليه شاة، وعمرو يجب عليه شاة؛ لكن الآن لما اجتمعا أصبح مالهما كالمال الواحد فيجب عليهما شاة واحدة.

    مثال آخر: زيد له أربعون، وعمرو له أربعون، وبكر له أربعون، كم يجب عليهم؟ شاة واحدة، لو انفرد كل واحد منهم يجب عليه شاة مستقلة، يعني: بدلاً من أن تجب ثلاث شياه وجبت الآن شاة واحدة، فأفادت الخلطة التخفيف، وأفادت أيضاً التغليظ.

    شروط الخلطة

    هذه الخلطة لها شروط، أشار المؤلف رحمه الله إلى الشروط فقال: [في نصاب من السائمة].

    هذا الشرط الأول: أن تكون في السائمة، وعلى هذا لو كانت في غير السائمة، فسيأتينا إن شاء الله هل تؤثر أو لا تؤثر؟ مثلاً: لو اختلطوا في عروض التجارة، أو اختلطوا في الذهب والفضة.

    قال المؤلف رحمه الله: [حولاً كاملاً].

    هذا الشرط الثاني: أن يكون الاختلاط حولاً كاملاً، وعلى هذا لو اختلطوا ستة أشهر أو ثمانية أشهر لا تؤثر الخلطة، يكون لكل مالٍ حكم نفسه، فمثلاً: زيد وعمرو، زيد له عشرون وعمرو له عشرون، اختلطا عشرة أشهر، ثم تفارقا، وليس تحيلاً على إسقاط الزكاة، هل تجب الزكاة أو لا تجب؟

    نقول: لا تجب الزكاة؛ لأنهما لم يختلطا حولاً كاملاً، فلكل حكم نفسه، هذا له عشرون لا تجب عليه الزكاة، وهذا له عشرون لا تجب الزكاة.

    أيضاً: زيد له أربعون، وعمرو له أربعون، واختلطا عشرة أشهر هل تجب عليهم أو لا تجب؟

    يجب على كل واحد شاة مستقلة، ما نقول: يدفعون شاة واحدة فقط، بل لكل حكم نفسه.

    قال المؤلف رحمه الله: [وكان مرعاهم وفحلهم ومبيتهم ومحلبهم ومشربهم واحداً].

    الشرط الثالث: أن تشترك في صفات، هذه الصفات اختلف أهل العلم رحمهم الله في تعدادها، فعدد المؤلف فقال:

    (مرعاهم واحد)، أي المكان التي ترعى فيه، لو كان هذا يرعى في هذا الوادي، وهذا في هذا الوادي، الخلطة ما لها أثر.

    (مبيتهم) هذه الشياة مبيتها واحد، لو كانت هذه تبيت في هذا المكان, وهذه في هذا المكان، ما له عبرة.

    (محلبهم) هذه تحلب هنا وهذه تحلب هنا، لا عبرة.

    (مشربهم) هذه تشرب من هنا وهذه تشرب من هنا، لا بد أن تتفق في هذه الصفات.

    المذهب: أنها لا بد أن تشترك في المراح، والمسرح، والمرعى، والفحل، والمحلب، يعني: خلاف ما ذكره المؤلف رحمه الله، المذهب لا بد أن تشترك في هذه الصفات الخمس: المراح، والمسرح، والمرعى، والفحل، والمحلب.

    والشافعية كالحنابلة إلا أنهم يزيدون صفتين: المشرب، والراعي.

    والمالكية قالوا: لا بد أن تشترك في ثلاثة أوصاف من خمسة أوصاف، وهذه الأوصاف الخمسة هي: المراح، والمسرح، والمشرب، والفحل، والراعي.

    وهناك قول لـابن مفلح رحمه الله صاحب الفروع قال: هذه الصفات يرجع في تحديدها إلى العرف؛ لأنه لم يرد شيء ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، والذي ورد ضعيف، فيرجع في تحديد هذه الصفات إلى العرف.

    الشرط الرابع: أن يكون مجموع السائمة نصاباً، فلو اشتركا في أقل من نصاب فهذا لا يؤثر، لو هذا له بعيران، وهذا له بعيران واختلطا حولاً كاملاً، لا يؤثر؛ لأن أقل نصاب الإبل خمس من الإبل.

    الشرط الخامس: أن يكون كل خليط من أهل الزكاة، لا بد أن يكون الخليط من أهل الزكاة، فلو كان ليس من أهل الزكاة فلا أثر، فلو اختلط كافر ومسلم، نقول: المسلم له حكم نفسه، فمثلاً: زيد مسلم له عشرون، وعمرو كافر له عشرون، اختلطا حولاً، هل يؤثر ذلك أو لا يؤثر؟ نقول: لا يؤثر، هل تجب الزكاة على زيد أو لا تجب؟ نقول: لا تجب؛ لأنه الآن لا يملك إلا عشرين، فنقول: لا تجب الزكاة.

    تراجع الخليطين بالسوية

    قال المؤلف رحمه الله: [فحكم زكاتهم حكم زكاة الواحد، وإذا أخرج الفرض من مال أحدهم رجع على خلطائه بحصصهم].

    هذا تقدم فمثلاً: زيد وعمرو اختلطا، زيد له خمسون شاة، وعمرو له خمسون شاة، المجموع مائة، يجب عليهم شاة، إذا أخذنا هذه الشاة من زيد يرجع على عمرو بالنصف.

    مثال آخر: زيد له ثمانون، وعمرو له عشرون المجموع مائة، فيها شاة واحدة، إذا أخذنا من صاحب الثمانين الشاة على بكم يرجع على عمرو؟ زيد له الثمانون وعمرو له عشرون، إذا أخذنا من زيد الشاة يرجع على عمرو بالخُمس، نقول: يجب عليه خُمس شاة، وإذا أخذنا من عمرو الشاة يرجع على زيد بأربعة أخماس، ودليل هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ).

    الخلطة في غير السائمة

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا تؤثر الخلطة إلا في السائمة].

    هذا المذهب وهو قول أكثر أهل العلم: أن الخلطة لا تؤثر إلا في السائمة، فلا تؤثر في عروض التجارة، ولا في النقدين، ولا في الخارج من الأرض.

    الرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله: أن الخلطة تؤثر حتى في غير السائمة، والشافعية لا يجعلون الخلطة من خصائص السائمة، بل يقولون: تؤثر حتى في الأموال الزكوية الأخرى، فمثلاً: زيد وعمرو اختلطا في عروض التجارة، لهما عروض تجارة خلطاها، مثلاً: هذه عروض التجارة لعمرو، وهذه عروض التجارة لزيد، جعلاها في دكان واحد، مثلاً: يبيعان البر، هذا بر زيد، وهذا بر عمرو، يبيعان في دكان واحد، الميزان واحد، والدكان واحد، والمخزن واحد، اشتركا في مثل هذه الصفات، هل هذا مؤثر أو ليس مؤثراً؟

    الحنابلة وجمهور أهل العلم على أنها ليست مؤثرة، لكل واحد منهما ماله وله حكم مستقل، لكل واحد منهما حكم نفسه، فـزيد يزكي ماله، وعمرو يزكي ماله، إذا كان مال زيد أقل من النصاب ما يجب عليه، وإذا كان مال عمرو نصاباً يجب عليه يزكي وحده فقط، هذا رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله، وقالوا: بأن الدليل إنما ورد في السائمة فقط، والأصل براءة الذمة، وعند الشافعية أن الخلطة تؤثر؛ لأن الخلطة أثرت في السائمة لحصول الارتفاق للملاك، بحيث إن الراعي أصبح واحداً، والمحلب واحداً، والمبيت واحداً، فحصل لهم ارتفاق، وحصل لهم نوع من السهولة، فأثرت الخلطة، فكذلك أيضاً الآن المخزن واحد، والميزان واحد، والبائع قد يكون واحداً... إلى آخره، فيحصل لهم أيضاً ارتفاق، فقالوا: بأنها مؤثرة.

    والأقرب -والله أعلم- رأي جمهور أهل العلم، وأن الخلطة إنما تكون مؤثرة في السائمة فقط.

    1.   

    زكاة الخارج من الأرض

    قال المؤلف رحمه الله: [باب زكاة الخارج من الأرض:

    وهو نوعان: أحدهما النبات، فتجب الزكاة منه في كل حب وثمر يكال ويدخر].

    الخارج من الأرض، هذا النوع الثاني من أنواع الأموال الزكوية، تقدم أن الأموال الزكوية أربعة:

    الأول: السائمة وتقدمت، والثاني: الخارج من الأرض، والثالث: الأثمان، والرابع: عروض التجارة كما سيأتينا إن شاء الله.

    زكاة الخارج من الأرض دليله القرآن، والسنة، والإجماع، أما القرآن فقول الله عز وجل: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام:141] ، وأيضاً قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267].

    والسنة كما ثبت في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فيما سقت العيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر ).

    والإجماع قائم على ذلك من حيث الجملة، وإن اختلف العلماء رحمهم الله في بعض التفاصيل.

    قال: (وهو نوعان: أحدها النبات).

    ما الذي تجب فيه الزكاة من النبات؟

    المشهور من المذهب: أن النبات لا يخلو من أمرين:

    إما أن يكون حباً أو ثمراً، حباً مثل: البر، مثل: الشعير، مثل: الأرز، مثل: الدخن... إلى آخر هذه الحبوب، أو ثمر مثل: التمر، مثل: اللوز، مثل: الفستق، مثل: التين، مثل: المشمش... إلى آخره الثمار.

    يقولون: أنه إن كان حباً فالزكاة تجب في كل الحبوب، وإن كان ثمراً لا بد من قيدين:

    القيد الأول: أن يكون مكيلاً.

    والقيد الثاني: أن يكون قوتاً.

    أما بالنسبة للحبوب، فقالوا: تجب في الحبوب كلها، حتى لو لم تكن قوتاً مثل: حب الرشاد، قالوا: بأن الزكاة تجب فيه، هذا هو المذهب. فلا بد من قيدين: القيد الأول: الاقتيات، والقيد الثاني: الكيل.

    والرأي الثاني: رأي الشافعية والمالكية قالوا: لا بد من قيدين:

    القيد الأول: الادخار، والقيد الثاني: الاقتيات، أن يكون مدخراً مقتاتاً.

    الرأي الثالث: رأي الحنفية، والحنفية هم أوسع المذاهب في الخارج من الأرض، قالوا: تجب الزكاة في كل ما خرج من الأرض من الحبوب والثمار مما يقصد الآدمي تنميته.

    يقابل قول الحنفية ما ذهب إليه بعض السلف كـالحسن البصري وغيره، قالوا: بأن الزكاة لا تجب إلا في أربعة أصناف فقط: البر، والشعير، والتمر، والزبيب.

    فأصبح عندنا طرفان ووسط، الحنفية يتوسعون، والرأي الأخير يحصر الزكاة في أربعة أصناف فقط، والحنابلة، والمالكية، والشافعية يتوسطون وإن كانوا يختلفون، فالمذهب أنه يجب في كل الحبوب، وأما الثمار فيشترط أن تكون مكيلة مقتاتة، وأما بالنسبة للمالكية، والشافعية فيقولون: يشترط أن تكون مدخرة مقتاتة.

    والأقرب في ذلك ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله، أو المالكية، والشافعية؛ لكن مذهب الحنابلة رحمهم الله أقرب، فالحنابلة بالنسبة للحبوب تجب في كل الحبوب، وأما بالنسبة للثمار فيشترطون أن تكون مكيلة مدخرة، يشترط في كل ثمر يكال ويدخر، عبارة الزاد يشترط أن تكون مكيلة ومدخرة.

    المالكية، والشافعية يشترطون أن تكون مقتاتة مدخرة، لا يشترطون الكيل، الحنابلة هم الذين يشترطون الكيل، والدليل على اشتراطهم الكيل حديث أبي سعيد في الصحيح: ( ليس فيما بين دون خمسة أوسق صدقة )، والوسق هذا من معايير الكيل، قالوا: وهذا دليل على اعتبار الكيل، قالوا: والدليل على اعتبار الادخار أن النعمة لا تكتمل إلا بما يدخر.

    المالكية والشافعية قالوا: الدليل على اشتراط الادخار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب الزكاة في الفواكه والخضروات؛ لأنها ليست مدخرة، ومقتاتة لأن تمام النعمة لا يكتمل إلا بما يقتات.

    وأما الحنفية فاستدلوا بعموم الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267].