إسلام ويب

شرح الأصول الثلاثة [11]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان بالرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان، والرسل هم رجال أوصى الله إليهم بشرع وأمرهم بتبليغه، فيجب على المؤمن الإيمان بهم جميعاً، واعتقاد أن رسالة محمد هي خاتم الرسالات، وناسخة لجميع ما قبلها من الأحكام، والكفر برسول واحد هو كفر بجميع الرسل.

    1.   

    تابع أركان الإيمان

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المصنف رحمنا الله وإياه: [وأركانه ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره.

    والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة:177].

    ودليل القدر: قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49].

    المرتبة الثالثة: الإحسان... ].

    تقدم لنا شيء من أركان الإيمان، من ذلك: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله.

    الركن الرابع: الإيمان بالرسل

    الرسل: جمع رسول، وهو ذكر أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه، وأول الرسل نوح عليه الصلاة والسلام، وآخرهم محمد عليه الصلاة والسلام.

    ويدل لذلك قول الله عز وجل: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163].

    وأيضاً ثبت في صحيح البخاري في حديث أنس بن مالك الطويل في الشفاعة: (أن الناس يأتون إلى آدم، فيعتذر ويقول: اذهبوا إلى نوح أول رسول بعثه الله) هذا يدل على أن نوحاً عليه الصلاة والسلام هو أول الرسل.

    وأن آخرهم هو محمد صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل يقول: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40].

    وقال عليه الصلاة والسلام: (لا نبي بعدي).

    وكل أمة بعث فيها رسول، والأمة: الطائفة من الناس، كما قال الله عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] .

    والإيمان بالرسل يتضمن أموراً:

    الأمر الأول: الإيمان بوجودهم، وأنهم موجودون حقيقةً، ودليل ذلك -كما تقدم- قول الله عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

    والأمر الثاني: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى، وأن من كفر برسالة واحد فقد كفر رسالة الجميع؛ لأن الله عز وجل قال: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105] ، وهم ما كذبوا إلا نوحاً عليه الصلاة والسلام، لكن لما كذبوا نوحاً فكأنهم كذبوا جميع المرسلين؛ لأن رسالة الرسل واحدة، وهي الدعوة إلى الله عز وجل، الدعوة إلى التوحيد.

    فقوله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] ، هذه رسالة الرسل جميعاً.

    الأمر الثالث: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم، فهناك رسول اسمه موسى نؤمن به، ورسول اسمه عيسى، ورسول اسمه يونس، وهود، وصالح، وشعيب... إلى آخرهم، وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به على سبيل الإجمال، كما قال الله عز وجل في سورة غافر: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر:78].

    الأمر الرابع مما يدخل في الإيمان برسالة الرسل: الإيمان بما جاؤوا به من الأخبار، وهذا قبل التحريف؛ لأن الأخبار لا تنسخ، فما جاؤوا به من الأخبار نقول: هذا يجب الإيمان به؛ لأن الأخبار كما ذكرنا لا تنسخ، وأما ما يتعلق بالأعمال فهي منسوخة، وشرائع الأنبياء السابقين نسخت بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيجب العمل بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام، ويدل لذلك قول الله عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واليوم الآخر].

    اليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان، واليوم الآخر هو يوم القيامة، وسمي هذا اليوم باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده، فهو آخر يوم تطلع فيه الشمس، وبعد ذلك تكور الشمس وتلف كما يلف الثوب الخلق، ويلقى بها في جهنم، فأهل النار يكونون في ظلمة، نسأل الله السلامة والعافية.

    وأما أهل الجنة فإنهم يكونون في نور، وليس هناك شمس ولا قمر؛ ولهذا سمي هذا اليوم باليوم الآخر.

    فأهل الجنة يكونون في نور، قال العلماء: هذا النور كالنور الذي يكون قبل طلوع الشمس، فأهل الجنة يكونون في هذا النور، وأما أهل النار فإنهم يكونون في ظلمة، ويسمى هذا اليوم بيوم القيامة، وإنما سمي بيوم القيامة لثلاثة أمور:

    الأمر الأول: لقيام الناس من قبورهم.

    والأمر الثاني: لقيام العدل فيه.

    والأمر الثالث: لقيام الأشهاد.

    والإيمان باليوم الآخر: ما الذي يدخل فيه وما الذي لا يدخل فيه؟ هذا بينه شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: كل ما يكون بعد الموت فإنه يكون داخلاً في الإيمان باليوم الآخر، وعلى هذا عذاب القبر يكون داخلاً في اليوم الآخر، سؤال الملكين يكون داخلاً في اليوم الآخر، البعث يكون داخلاً في الإيمان باليوم الآخر، الجنة، النار، الصراط، الميزان، الحساب، الحوض، كل ما يكون بعد الموت فإنه داخل في الإيمان باليوم الآخر.

    وعلى هذا الذي ينكر الصراط هل آمن باليوم الآخر أو لم يؤمن به؟ نقول: ما آمن، والذي ينكر عذاب القبر نقول: ما آمن باليوم الآخر، الذي ينكر الحوض نقول بأنه ما آمن باليوم الآخر، وعلى هذا فقس.

    فنقول: الذي يدخل في الإيمان باليوم الآخر هو كل ما يكون بعد الموت، فإنه داخل في الإيمان باليوم الآخر، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الواسطية.

    الركن السادس: الإيمان بالقدر

    قال: [وتؤمن بالقدر خيره وشره].

    هذا هو الركن السادس من أركان الإيمان، والقدر: تقدير الله تعالى للكائنات حسب سبق علمه، أو حسب علمه السابق وحكمته النافذة.

    نقول: تقدير الله عز وجل للكائنات حسب ما سبق به علمه واقتضته حكمته.

    والإيمان بالقدر ذكر المؤلف رحمه الله دليله كما سيأتينا إن شاء الله، لكن مراتب الإيمان بالقدر أربع مراتب عند أهل السنة والجماعة، وهي:

    المرتبة الأولى: مرتبة العلم، فيجب أن تؤمن بأن الله عز وجل يعلم كل شيء، علم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، فالله عز وجل عالم كل شيء، ودليل ذلك قول الله عز وجل: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70].

    وأيضاً قول الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7] .

    ومن علمه سبحانه وتعالى أنه علم أفعال العباد، وما سيفعله العباد... إلى آخره، هذه المرتبة الأولى.

    المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، وأن الله عز وجل كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، كما تقدم لنا في قول الله عز وجل: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70] وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر:52-53]، كل شيء مسطر مكتوب.

    وأول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ماذا أكتب يا ربي؟! قال: فجرى القلم بما هو كائن إلى قيام الساعة، فهذه المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة.

    المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة، وأن الله عز وجل شاء كل شيء، ولا يكون في الكون شيء إلا بمشيئته سبحانه وتعالى وإرادته، ومن ذلك أفعال العباد، فإن الله سبحانه وتعالى شاءها وأرادها، كما قال سبحانه وتعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68]، وقال سبحانه وتعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:112]، وقال سبحانه وتعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30].

    فما يحدث في الكون من حركة أو سكون ونحو ذلك إلا كان ذلك بمشيئة الله عز وجل، ومن ذلك أفعال العباد.

    المرتبة الأخيرة: مرتبة الخلق، وأن الله عز وجل خلق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، فإن الله سبحانه وتعالى خلقها، ويدل لذلك قول الله عز وجل: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16]، فأفعال العباد الله عز وجل -كما تقدم لنا- شاءها وأرادها وخلقها، كما قال سبحانه وتعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]، هذه مراتب الإيمان بالقدر عند أهل السنة والجماعة، أربع مراتب:

    المرتبة الأولى: مرتبة العلم.

    المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة.

    والمرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة.

    والمرتبة الرابعة: مرتبة الخلق.

    وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وأنهم يؤمنون بهذه المراتب الأربع.

    وقد ضل في مسألة الإيمان بالقضاء والقدر طائفتان: طائفة غلت، وطائفة نفت وحرفت، وأصبحوا بين طرفي نقيض: القدرية المعتزلة في طرف، والجبرية في طرف آخر، والقدرية المعتزلة كان فيهم الغلاة وكان فيهم غير الغلاة، الغلاة هؤلاء وجدوا في أواخر عهد الصحابة في عهد ابن عباس ، وابن عمر ، وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم... إلى آخره، وكان الغلاة ينكرون مرتبة العلم والكتابة، ويقولون بأن الله عز وجل لا يعلم أفعال العباد حتى تقع من العبد، ولم يكتبها في اللوح المحفوظ ولا يعلمها، هؤلاء الغلاة، وهؤلاء صاح بهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وكفروهم؛ كونهم ينكرون علم الله عز وجل، وكذلك أن الله عز وجل كتب أفعال العباد... إلى آخره، والغلاة الآن يكادون يكونون انقرضوا.

    أما عامتهم فهم غير الغلاة، وهؤلاء الذين ينكرون مرتبة المشيئة والخلق، يقولون بأن الله عز وجل لم يشأ أفعال العباد ولم يخلقها، وإنما العبد هو الذي خلق فعل نفسه.

    ويقابلهم في ذلك الجبرية، فالجبرية يقولون: الله هو الذي شاءها والمخلوق لم يشأها، أي: الله هو الذي خلقها، والمخلوق ليس له مشيئة ولا إرادة، وإنما حركة المخلوق وعمله مثل حركة المرتعش، ومثل الريشة في مهب الريح.

    فهؤلاء في جانب وهؤلاء في جانب، القدرية المعتزلة يقولون بأن الله لم يشأ أفعال العباد ولم يخلقها، المخلوق هو الذي يخلق فعل نفسه، وهو الذي شاءه، والجبرية يقولون: بأن الله هو الذي شاء والمخلوق لم يشأ، وأهل السنة توسطوا في هذه المسألة وقالوا: بأن الله عز وجل هو الذي خلق فعل العبد وشاءه، وجعل للعبد مشيئة وإرادة، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29]، لكن مشيئة العبد وإرادة العبد تابعة لمشيئة الله وإرادته.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك.