إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الفضائل [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله في القرآن العظيم أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وهو ما أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقاً لكتاب ربه، كما ذكر مع ذلك أن الله إذا أراد بأمة رحمة قبض نبيها قبل أن يعذبها، فيكون شافعاً لها، وإذا سخط الله عليها أقر عين نبيها ف

    1.   

    ختم النبوة بسيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم

    قال مسلم رحمه الله: [حدثنا عمرو بن محمد الناقد ، قال: حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله، فجعل الناس يطيفون به، يقولون: ما رأينا بنياناً أحسن من هذا، إلا هذه اللبنة، فكنت أنا تلك اللبنة).

    وحدثنا محمد بن رافع ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها: وقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ( مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتاً فأحسنها وأجملها وأكملها، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البنيان، فيقولون: ألا وضعت هاهنا لبنة فيتم بنيانك؟! فقال محمد صلى الله عليه وسلم: فكنت أنا اللبنة).

    وحدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر ، قالوا : حدثنا إسماعيل (يعنون ابن جعفر )، عن عبد الله بن دينار ، قال: عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟! قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين).

    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو كريب ، قالا: حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثلي ومثل النبيين .. فذكر نحوه.

    وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال: حدثنا عفان ، قال: حدثنا سليم بن حيان ، قال: حدثنا سعيد بن ميناء ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى داراً فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون: لولا موضع لبنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء عليهم السلام ).

    وحدثنيه محمد بن حاتم ، قال: حدثنا ابن مهدي ، قال: حدثنا سليم بهذا الإسناد مثله، وقال بدل أتمها: أحسنها]

    قول مسلم رحمه الله تعالى: [حدثنا عمر بن محمد الناقد ، قال: حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله )].

    في هذا الحديث حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الأمثلة، وهكذا ينبغي للمربي والمعلم والواعظ والمرشد أن يخلل كلمته وموعظته بضرب الأمثلة، وتصوير المسألة التي يريد أن يتكلم حولها؛ لأن ذلك أدعى إلى الفهم، وفيه حسن الإسلام وجماله، قال: (فأحسنه وأجمله).

    وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، والدين عند الله هو دين الإسلام، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يتفقون في العقائد ويختلفون في أمور العمليات.

    قال: [وحدثنا محمد بن رافع ، قال: حدثنا عبد الرزاق ، قال: حدثنا معمر ، عن همام بن منبه ، قال: هذا ما حدثناه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها: وقال أبو القاسم: ( مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتاً فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان، فيقولون: ألا وضعت هاهنا لبنة فيتم بنيانك؟! فقال محمد صلى الله عليه وسلم: فكنت أنا اللبنة)].

    وفي هذا أن شرائع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ختمت بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنها أكملت وحسنت وجملت بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهي بمنزلة اللبنة التي اكتملت، كملت فيها شرائع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    قال: [وحدثنا يحيى بن أيوب ، وقتيبة ، وابن حجر ، قالوا: حدثنا إسماعيل (يعنون ابن جعفر )، عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟! قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين).

    وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو كريب ، قال: حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثلي ومثل النبيين.. فذكر نحوه.

    وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال: حدثنا عفان ، قال: حدثنا سليم بن حيان ، قال: حدثنا سعيد بن ميناء ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دار فأتمها وأكملها، إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع هذه اللبنة)]، وفي هذا الحديث استعمال كلمة (لولا)، واستعمال كلمة: (لولا) تقدم لنا أنه ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يستعملها في الاعتراض على القدر، فهذا محرم ولا يجوز، يعني: لو قال: لو أني ما خرجت ما حصل الحادث؛ اعتراضاً على قضاء الله وقدره، فنقول: هذا محرم ولا يجوز، ومن ذلك قول المنافقين في سورة آل عمران: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران:168].

    القسم الثاني: أن يستعملها في الاعتراض على الشرع: لولا أن الخمر لم تحرم، أو أن الزنا لم يحرم، فهذا نقول: إنه محرم ولا يجوز.

    القسم الثالث: أن يستخدمها في الخبر المحض، فهذا جائز ولا بأس به، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي).

    القسم الرابع: أن يستخدمها في التمني، فهذا على حسب المتمنى، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر.

    وأيضاً في هذا إضافة (لولا) إلى السبب، والإضافة إلى السبب تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون السبب صحيحاً، فهذا لا بأس، لولا الرجل، أو لولا هذا الرجل لغرق الغلام، هذا جائز ما دام أن السبب صحيح، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب : (لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار).

    القسم الثاني: أن يضيفها إلى السبب الموهوم، فهذا شرك، مثل أن يقول: لولا الخيط لمرض أو أصابته العين، فنقول: بأن هذا شرك، أو: لولا صاحب القبر لمرض أو أصابته العين، فهذا شرك، وهو شرك أصغر، وإن اعتقد أنه يستقل بالنفع والضر من دون الله عز وجل فهو شرك أكبر مخرج من الملة.

    1.   

    رحمة الله بالأمة بقبض نبيها قبلها

    قال مسلم : [وحدثت عن أبي سلمة ، وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري ، قال: حدثنا أبو أسامة ، قال: حدثني بريد بن عبد الله ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله عز وجل إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطاً وسلفاً بين يديها .. )].

    الفرط هو السابق إلى الماء، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا فرطكم على الحوض)، يعني السابق إلى الماء المهيئ للانتفاع به كتهيئة المكان ونحو ذلك، فجعله لها فرطاً وسلفاً بين يديها، يعني يكون متقدماً بين يديها، لكي ترحم هذه الأمة بهذا النبي.

    قوله: (وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلاكها حين كذبوه وعصوا أمره)، وهذا كما حصل لكثير من الأمم التي قصها الله عز وجل علينا، قوم عاد، وقوم هود، وقوم ثمود، وقوم لوط وغير ذلك، هؤلاء كلهم عذبوا وأنبياؤهم أحياء، وقوم موسى عليه الصلاة والسلام، حيث أغرق آل فرعون.

    وهذا الحديث اشتمل على مسائل وفوائد منها:

    أن من أسباب رحمة الله عز وجل بالأمم قبض نبيها قبلها، لكي يكون لها فرطاً، يعني: شافعاً، وداعياً لها عند الله عز وجل بعدم هلاكها، وأن من أسباب هلكة الأمم أن تعذب ونبيها حي، فيهلكها وهي تنظر.

    وفيه: أيضاً أن الأمم إذا كذبت نبيها فإنها تستحق العذاب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فأقر عينه بهلاكها)، يعني: كون الرسول قرت عينه بهلاكها، إنما قرت عينه لكونها تستحق هذا الهلاك بسبب تكذيبها لنبيها.

    وهذا الحديث الذي أورده مسلم قال: (وحدثت عن أبي أسامة )، فيه إجهال الراوي الذي حدث مسلماً عن أبي أسامة رضي الله تعالى عنه.

    1.   

    حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

    قال: [وحدثني أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال: حدثنا زائدة ، قال: حدثنا عبد الملك بن عمير ، قال: سمعت جندباً يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( أنا فرطكم على الحوض )].

    الإيمان بالحوض

    في هذا الحديث إثبات حوض النبي صلى الله عليه وسلم، والإيمان بحوض النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان باليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان، لا يتم الإيمان باليوم الآخر حتى تؤمن بكل ما يكون بعد الموت، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية، يعني: كل ما يكون بعد الموت داخل في الإيمان باليوم الآخر، ومن ذلك الحوض، فيجب الإيمان بالحوض.

    والحوض أورد فيه مسلم رحمه الله تعالى أحاديث كثيرة، وأفرده العلماء رحمهم الله تعالى بالتأليف، وممن أفرده أو أكثر فيه النقول الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى، والأحاديث الواردة فيه متواترة، ومذهب أهل السنة والجماعة الإيمان به، وأنه يجب الإيمان بحوض النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه موجود الآن كما سيأتينا في الأحاديث التي أوردها مسلم رحمه الله تعالى، وسيذكر مسلم ما يتعلق بصفته من حيث طوله وعرضه وآنيته، وصفة مائه، ومن يستحق أن يشرب منه، ومن هم الذين يذادون عنه.. إلى آخره.

    وقد أنكر الحوض المعتزلة، أما أهل السنة والجماعة فهم مجمعون عليه، والأحاديث كما تقدم متواترة فيه، ومنها ما أوردها مسلم رحمه الله تعالى.

    وقوله: (أنا فرطكم على الحوض)، الفرط هو الذي يتقدم الوارد ليصلح لهم، فمعنى: (فرطكم على الحوض)، يعني: سابقكم إلى الحوض كالمهيئ لكم هذا الحوض.

    قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال: حدثنا وكيع ، ح، وحدثنا أبو كريب ، قال: حدثنا ابن بشر جميعاً عن مسعر ، ح، وحدثنا عبيد الله بن معاذ ، قال: حدثنا أبي، ح، وحدثنا محمد بن المثنى ، قال: حدثنا محمد بن جعفر ، قال: حدثنا شعبة كلاهما عن عبد الملك بن عمير ، عن جندب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله.

    وحدثنا قتيبة بن سعيد ، قال: حدثنا يعقوب يعني (ابن عبد الرحمن القاري )، عن أبي حازم ، قال سمعت سهلاً يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم )]، في هذا الحديث قال: (من ورد شرب)، فيه أن من ورد حوض النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يشرب منه.

    وفيه أيضاً من صفات حوض النبي صلى الله عليه وسلم أن من شرب منه لم يظمأ، وفيه أيضاً أنه سيرد على النبي صلى الله عليه وسلم أقوام من أمته يريدون الشرب من هذا الحوض، ثم بعد ذلك يحال بينهم وبين الشرب، وهؤلاء هم ما فيه أحد وصفين كما ذكرنا في شرح لمعة الاعتقاد:

    الأول: الذين ارتدوا على أدبارهم، والثاني: أنهم أناس أحدثوا في الدين بالبدع ونحو ذلك، فهؤلاء يذادون عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يستحقون الشرب منه.

    وفيه تعظيم التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم سبب من أسباب الشرب من هذا الحوض.

    الورود على الحوض

    وقوله: (من ورد شرب.. إلى آخره)، هذا الحديث موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، متى يكون الورود على الحوض؟

    للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك أقوال:

    القول الأول: أن الورود على الحوض يكون بعد البعث من القبور؛ لأن الناس إذا بعثوا من قبورهم يبعثون وهم عطشى، فيكون بعد البعث من القبور.

    والرأي الثاني: أنه بعد الحساب، يعني: بعد أن يحاسب الناس ويعطوا كتبهم إما باليمين أو بالشمال، يكون الورود على الحوض.

    قال: [قال أبو حازم : فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعت سهلاً يقول؟ قال: فقلت: نعم، وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول: (إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي).

    يعني: بعداً بعداً لمن بدل بعدي، وتقدم أن هؤلاء الذين يذادون إما أنهم أناس ارتدوا على أدبارهم عن الإسلام، أو أنهم أناس أحدثوا في الدين.

    صفة الحوض

    قال: [ وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي ، قال: حدثنا ابن وهب ، قال: أخبرني أبو أسامة ، عن أبي حازم ، عن سهل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن النعمان بن أبي عياش ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث يعقوب.

    وحدثنا داود بن عمرو الضبي ، قال: حدثنا نافع بن عمر الجمحي ، عن ابن أبي مليكة، قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاص : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماءه أبيض من الورق، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبداً ).

    في هذا الحديث حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه صفة حوض النبي صلى الله عليه وسلم، وأن عرضه شهر، وأن طوله شهر، قال: (وزواياه سواء)، والحوض يكون دائرياً؛ لأن زواياه سواء، لو كان مربعاً ما كانت الزوايا سواء، لكن إذا كان دائرياً فإن زواياه تكون سواء.

    وفيه أن ماءه أبيض من الورق، أي: الفضة، يعني: صفة مائه أنه أبيض من الورق، وأن ريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، أي: في الكثرة.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (كنجوم السماء)، قال بعض العلماء: على الحقيقة، وأن نجومه كعدد نجوم السماء، وهذا يدل على كثرتها؛ لأن نجوم السماء كثيرة.

    وقال بعض العلماء: إن المراد بذلك: أن كيزانه كثيرة، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على سبيل المبالغة.

    وعلى كل حال هذه من أمور الغيب، وما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كيزانه كنجوم السماء)، فنقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: (فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبداً).

    قال: [وقالت أسماء بنت أبي بكر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ أناس دوني، فأقول: يا رب! مني ومن أمتي، فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم)، قال فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو أن نفتن عن ديننا].

    فعل ابن أبي مليكة هذا من خوف السلف، وكيف لا يخاف وهو تلميذ من تلاميذ الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهو الذي قال: أدركت سبعين من أصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما يرى أحدهم أن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل.

    قال: [وحدثنا ابن أبي عمر ، قال: حدثنا يحيى بن سليم ، عن ابن خثيم ، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة أنه سمع عائشة تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بين ظهراني أصحابه: ( إني على الحوض أنتظر من يرد علي منكم، فو الله ليقتطعن دوني رجال، فلأقولن: أي ربي! مني ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك؟ ما زالوا يرجعون على أعقابهم)].

    قول عائشة : (بين ظهراني أصحابه)، تعني: مع أصحابه يحدثهم النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا تعليم العلم، وتحديث الناس، ووعظهم وإرشادهم .. إلى آخره.

    وفيه أيضاً رأفة النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: (يا رب مني ومن أمتي)، ففيه رحمة النبي صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته.

    وقوله: (ما زالوا يرجعون على أعقابهم)، إما أنه رجوع عن الإسلام، أو أنه رجوع عن السنة، وأن الذين يذادون عن الحوض هم من اتصف بواحد من أمرين كما تقدم.

    قال: [وحدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي ، قال: أحبرنا عبد الله بن وهب ، قال: أخبرني عمرو (وهو ابن الحارث )، أن بكيراً حدثه عن القاسم بن عباس الهاشمي ، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض، ولم أسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان يوماً من ذلك والجارية تمشطني، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أيها الناس! فقلت للجارية: استأخري عني، قالت: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقلت: إني من الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لكم فرط على الحوض، فإياي لا يأتين أحدكم فيذب عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فأقول: سحقاً)].

    قول أم سلمة رضي الله تعالى عنها: (كنت أسمع الناس يذكرون الحوض)، هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث بالحوض كثيراً، حتى إن ذلك انتشر بين الناس، وانتشر بين الصحابة رضي الله عنهم، ولكن أم سلمة رضي الله تعالى عنها لم تسمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفي هذا تحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وتعليمه العلم، وتفقيهه للصحابة، وأيضاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكون بعد الموت من أمور اليوم الآخر، وهذه من المغيبات التي موقفها على النص والسمع.

    وقولها: (تمشطني)، فيه امتشاط المرأة، وأنها قد تمشطها الجارية الأمة.

    وفيه استخدام الخدم ونحو ذلك.

    (فقلت: استأخري)، وفي هذا حرص أم سلمة رضي الله تعالى عنها على العلم، وفيه أيضاً فقهها.

    ثم الجارية أخذت بظاهر النص، قالت: (إنما دعا الناس)، وأم سلمة أخذت بالعموم (الناس)، ولا شك أن لفظ: (الناس) من ألفاظ العموم.

    وفي هذا أيضاً ضرب المثال، أو التشبيه بالبعير الضال إلى آخره.

    قال: [وحدثني أبو معن الرقاشي ، وأبو بكر بن نافع ، وعبد بن حميد ، قالوا: حدثنا أبو عامر وهو عبد الملك بن عمرو ، قال: حدثنا أفلح بن سعيد ، قال: حدثنا عبد الله بن رافع ، قال: كانت أم سلمة تحدث أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر].

    وفي هذا أن خطب النبي صلى الله عليه وسلم تقسم إلى قسمين:

    خطب راتبة، وخطب عارضة، الخطب الراتبة كخطبة الجمعة والعيدين ونحو ذلك، وخطب عارضة يخطبها النبي صلى الله عليه وسلم لسبب من الأسباب.

    قال: [ وهي تمتشط: أيها الناس! فقالت لماشطتها: كفي رأسي، بنحو حديث بكير ، عن القاسم بن عباس ].

    صلاة رسول الله على أهل أحد وذكر الحوض والتحذير من التنافس على الدنيا

    قال: [وحدثنا قتيبة بن سعيد ، قال: حدثنا ليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر ، (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت).

    قوله: (صلى على أهل أحد صلاته على الميت)، هل المراد بذلك: صلى عليهم على الكيفية التي يصلى عليها الميت، أو أن المراد بذلك: الدعاء؟

    بعض العلماء فهم من ذلك أن المراد: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وصلى عليهم صلاة الميت، وهذا بعيد؛ لأن المقصود بذلك: الدعاء؛ لأن الصلاة على الميت شفاعة، ولهذا ليس فيها ركوع ولا سجود، ولا استفتاح، ولا جلوس، وإنما هي شفاعة بالدعاء، وكون الإنسان يقرأ الفاتحة ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، هذا من باب الثناء على الله عز وجل في مقدمة الدعاء، فهي شفاعة، يعني: لابد أن نفهم حقيقة هذه العبادة، وأنها شفاعة، وأنه يستبعد كثيراً أن يكون المراد بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى قبور أحد وصلى عليهم صلاة الميت، نستبعد ذلك لأمرين:

    الأمر الأول: أنهم شهداء، والشهيد لا تشرع الصلاة عليه؛ لحديث جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن شهداء أحد بدمائهم لم يغسلهم ولم يصل عليهم)، (وكفى ببارقة السيف على رأسه شفاعة)، يعني: ليس هناك حاجة أنه يشفع له، هذا قدم نفسه لله سبحانه وتعالى، فنقول: أولاً: أنهم شهداء، ويبعد أن النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إليهم ويصلي عليهم، هذا بعيد.

    الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أراد أن يصلي عليهم لصلى عليهم عند موتهم، لا بعد هذه الفترة الطويلة، وإنما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لهم لما قربت وفاته عليه الصلاة والسلام؛ لسابقتهم وجهادهم.

    قال: [ثم انصرف إلى المنبر فقال: (إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم)].

    في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم شهيد على هذه الأمة، شهيد بأي شيء؟ أو شهيد على أي شيء؟

    شهيد بالبلاغ، وأنه بلغ هذه الأمة ما يجب أن تكون عليه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أكمل الله عز وجل به الدين، وأتم به النعمة، ورضي الإسلام لنا ديناً، فهو شهيد علينا بالبلاغ، ونحن نشهد بذلك.

    كون حوض رسول الله مخلوق موجود

    قال: [(والله لأنظر إلى حوضي الآن)].

    فيه أن حوض النبي صلى الله عليه وسلم الآن موجود ومخلوق.

    ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: [(وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض -أو مفاتيح الأرض- وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها)].

    في هذا أيضاً أن الحوض موجود، وأنه مخلوق الآن، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي مفاتيح خزائن الأرض، ولهذا فتح الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعده خزائن كسرى، وخزائن قيصر.

    قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي)، ليس المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخاف الشرك أبداً علينا، ولهذا جاء في الأحاديث: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)؛ لكن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم: أن الذي يخافه هنا والذي أكده هنا هو التنافس في الدنيا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو يخاف علينا الشرك، لكن أشد من ذلك ما يحصل من التنافس في الدنيا، فتهلكهم كما أهلكت من قبلهم، وهم بنو إسرائيل، حيث تنافسوا في الدنيا وألهتهم الدنيا عن مصالح دينهم، وعن القيام بدينهم، وعما يحتاج إليه دينهم .. إلى آخره، فأهلكتهم، لأنهم نسوا دينهم، وأعرضوا عن دينهم وعن تطبيقه والانتصار له، ووقعت بينهم الحزازات والبغضاء ونحو ذلك، كل ذلك بسبب الدنيا، وهذا الآن موجود، أعني: أن التنافس الآن في الدنيا على أشده، وتحصيل عرض الدنيا الآن على أشده، وقع بذلك الوقوع في كثير من المحرمات، ولهذا تجد كثيراً من الناس لا يتورع في المكاسب، ولا يتورع في أكل حقوق الناس وفي ظلم الناس ونحو ذلك .. إلى آخره، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً يخاف علينا الشرك، نعم. يخاف علينا الشرك كما يخاف علينا التنافس في هذه الدنيا، لكن يظهر أنه أكد هنا ما يتعلق بالتنافس على أمور الدنيا.

    وفي هذا أيضاً الحذر من الدنيا والتنافس فيها، وجمعها بأي طريق، وعدم التورع.. إلى آخره.

    وفي هذا أيضاً الحذر من الشرك ونحو ذلك، وفي هذا أيضاً معرفة أهل السابقة، وأن تعرف لهم سابقتهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى شهداء أحد ودعا لهم.. إلى آخره.

    وفي هذا الحديث أيضاً اتخاذ المنبر، وفيه آية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أعطي خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض.. إلى آخره.

    لعلنا نقف على هذا.

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.