إسلام ويب

شرح تحفة أهل الطلب في تجريد قواعد ابن رجب [11]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العقود القهرية تقابل العقود الاختيارية، والملك عليها إما أن يكون اضطراراً فيحصل التملك دون دفع الثمن، وإما أن يكون الملك مشروعاً فيه إزالة لضرر ما فيحصل التملك بدفع الثمن، وانتقال الضمان إلى المالك يختلف باختلاف نوع العقد؛ فإن كان عقد معاوضة محضاً فيلزم ا

    1.   

    القاعدة الخمسون: هل يتوقف الملك على دفع الثمن؟

    قال المؤلف رحمه الله: [ القاعدة الخمسون: هل يتوقف الملك في العقود القهرية على دفع الثمن أو يقع بدونه مضموناً في الذمة؟ هذا على ضربين:

    أحدهما: التملك الاضطراري، كمن اضطر إلى طعام الغير ومنعه وقدر على أخذه، فإنه يأخذه مضموناً، سواء كان معه ثمن يدفعه في الحال أو لا؛ لأن ضرره لا يندفع إلا بذلك.

    والثاني: ما عداه من التمليكات المشروعة لإزالة ضرر ما، كالأخذ بالشفعة، وأخذ الغراس، والبناء من المستعير، والمستأجر، والزرع من الغاصب، وتقويم الشقص من العبد المشترك إذا قيل: إنه تملك يقف على التقويم، وكالفسوخ التي يستقل بها البائع بعد قبض الثمن يتخرج ذلك كله على وجهين.

    تنبيه: الأملاك القهرية تخالف الاختيارية من جهة أسبابها وشروطها وأحكامها، ويملك ما لا يتملك بها ].

    تنقسم هذه القاعدة إلى قسمين:

    ما لا يتوقف فيه الملك على دفع الثمن

    القسم الأول: ما يحصل به التملك وإن لم يدفع العوض، فهذا مثل عقود البيع، والإجارة، والنكاح.. فهذه يحصل بها التملك، يعني يحصل بها ملكٌ وإن لم تدفع العوض، ولكن إذا أعسر بالعوض فللعاقد الآخر الفسخ.

    مثلاً: اشترى سيارة، فقد ملك السيارة وإن لم يدفع العوض، ولكن للبائع أن يفسخ إذا أعسر بالعوض.

    مثال آخر: استأجر بيتاً، فقد ملك المنافع، ولكن للمؤجر أن يفسخ إذا أعسر بالأجرة.

    مثال آخر أيضاً: تزوج امرأة، فقد ملك الاستمتاع، ولكن للمرأة الحق في الفسخ إذا أعسر بالمهر.

    ومن ذلك أيضاً -يعني الذي لا يشترط له دفع العوض- قال: (التملك الاضطراري، كمن اضطر إلى طعام الغير، ومنعه وقدر على أخذه، فإنه يأخذه مضموناً، سواءٌ كان معه ثمن يدفعه في الحال أو لا؛ لأن ضرره لا يندفع إلا بذلك).

    أي: من اضطر إلى طعام الغير، مثاله: هذا رجلٌ في مسغبة، واضطر إلى طعام الغير وليس معه دراهم، فإذا أكل الطعام فالمشهور من المذهب أنه يضمن مطلقاً.

    وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن كان غنياً فإنه يضمن، وإن لم يكن غنياً فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه يرى أن إطعام الجائع وكسوة العاري هذه من فروض الكفايات.

    ما يتوقف فيه الملك على دفع الثمن

    القسم الثاني: ما يتوقف فيه الملك على دفع الثمن، قال: (كالأخذ بالشفعة).

    صورة ذلك: لو أن زيداً وعمراً شريكان في أرض، وزيد باع نصيبه على صالح، فعمرو له أن يشفع، قال: شفعتك، فنقول له: أعطنا الدراهم، فأنت ما تملك حتى تعطينا الدراهم، فإن دفع الدراهم ملك، أما إذا لم يدفع فلا ملك له؛ لأنه لما أقول: تشفع، وما معك شيء، فليس لك حق في الشفعة؛ فالشفيع له أن يشفع على المشتري ولكن إذا دفع الدراهم.

    قال: (وأخذ الغراس والبناء من المستعير والمستأجر).

    مثلاً: أنت أعرت زيداً أرضاً لمدة سنتين، فغرس فيها غراساً، ثم انتهت السنتان، لو انتهت السنتان قلنا للمستعير: أنت بالخيار: إما أن تبقيه، وإما أن تأخذه، فإن قال: سآخذه، قلنا له: خذ، وإن قال: سأبقيه، قلنا لصاحب الأرض: هل تريد أن تتملكه أو لا؟ فإن قال: أريد أن أتملكه، قلنا له: ادفع الثمن، فهو لم يتملك الغراس والبناء إلا بدفع العوض.

    فإن قال: لا أريد أن أتملكه، قلنا له: إما أن نقلعه وعليك أرش النقص، أو يعطيك قيمة الأرض.

    قال: (والزرع من الغاصب).

    مثاله: لو أن رجلاً غصب أرضاً ثم زرعها، ثم تاب إلى الله عز وجل، النبي صلى الله عليه وسلم حكم كما في حديث رافع بن خديج ، بأن الزرع يكون للمالك بقيمته، فإن قال المالك: أنا أريد أرضي، فنقول للمالك: أنت مخير؛ إما أن تملك الزرع، أو تبقيه حتى يحصد الغاصب ولك الأجرة، فإن قال: لا، أنا أريد أن أتملك، قلنا له: أعطنا القيمة، فإن قال: أنا لا أريد التملك، قلنا له: الزرع يكون للغاصب وعليه الأجرة.

    قال: (وتقويم الشقص من العبد المشترك إذا قيل: إنه تملك يقف على التقويم).

    صورة المسألة: عندنا رقيق شريك بين زيد وعمرو، جاء عمرو وقال: نصيبي لله عز وجل، فنقول: يسري عليك، بحيث أن الرقيق يكون كله حر وولاؤه يكون لك، لكنه يملك إعتاق جميع الرقيق إذا دفع قيمة النصيب للشريك الآخر، فإن لم يدفع وجاء الشريك الآخر وأعتق نصيبه صح إعتاقه.

    قال: (وكالفسوخ التي يستقل بها البائع قبل قبض الثمن، يتخرج ذلك كله على وجهين).

    مثاله: زيد باع سيارته على عمرو، وقال: لي الخيار لمدة يومين وأخذ الدراهم، ثم بعد أن مضى يوم فسخ البائع، ففسخه ليس صحيحاً حتى يرد الثمن للمشتري، أو وجد في ثمن البيع عيباً ثم فسخ، فنقول له: ما تملك الفسخ حتى ترد الثمن للمشتري، وإلا يكون فيه تلاعب ويضيع حق المشتري.

    وقول المؤلف رحمه الله في أول القاعدة: (العقود القهرية)، يعني: غير الاختيارية، وتكون جبراً على المالك.

    الفرق بين التملك القهري والتملك الاختياري

    وقول المؤلف: (الأملاك القهرية تخالف الاختيارية)، وهذا يفيد أن التملك ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: تملك قهري.

    والقسم الثاني: تملك اختياري.

    فالتملك القهري يكون بغير رضا المالك، وأما التملك الاختياري فيكون برضا المالك.

    مثال التملك القهري كما تقدم لنا: الأخذ بالشفعة، فالمضطر إذا اضطر إلى طعام الغير.. فكل هذه تملكات قهرية.

    والاختيارية هي التي تكون برضا المالك.

    والأملاك القهرية تخالف الاختيارية من جهة أسبابها، فالأسباب مختلفة؛ فهنا اضطرار وهنا اختيار، وهنا تملك لمال الأجنبي، والاختيار ليس فيه تملك لمال الأجنبي، وكذلك مختلفة من جهة شروطها.

    فالاختيارية يشترط فيها من الضبط والتحرير ما لا يشترط في القهرية، فمثلاً في الاختيارية: لا بد أن يكون العلم بالثمن، ولكن في القهرية ليس كذلك، مثلاً: زيد وعمرو شريكان في أرض، زيد باع على صالح، فعمرو له الحق أن يشفع؛ لأن الشفعة نوع من الشراء، ولكنه ما يدري بكم اشترى، لكن لما علم أن شريكه باع، قال: شفعت، فنحن لا ندري قد يكون المشتري اشترى بألف، وقد يكون اشترى بخمس مائة، فإذا شفع فعليه أن يعطيه الدراهم التي أعطاها لشريكه، ومع ذلك فهذا مجهول، يقول: هذا يختلف. فقوله: (وشروطها)، يعني أن الاختيارية يشترط فيها ما لا يشترط في القهرية.

    قال: (وأحكامها) في البيع الاختياري يملك وإن لم يدفع الثمن، لكن الاضطراري لا يملك بدفع الثمن.

    قال: (ويملك ما لا يملك بها) يعني: القهرية، فهناك أشياء ما تملكها بالاختياري، لكن تملكها بالقهري، فمثلاً: المصحف لا يصح أنك تشتري المصحف، ولكن لو ورثته صح؛ لأن الملك بالميراث -كما يقول الفقهاء- ملك قهري، يعني يدخل في ملكك وبغير اختيارك، فإذا مات قريبك دخل ماله في ملكك وبغير اختيارك، فإذا كان -مثلاً- حيواناً يحتاج إلى نفقة، يجب أن تنفق عليه. ومثله أيضاً: المحرم في الاختيار ليس له أن يشتري الصيد، إذا كان محرماً، ولكن لو مات قريبه وعنده غزالة، دخلت في ملكه؛ لأنه ملكها عن طريق القهر، ولكن عن طريق الاختيار ليس له أن يشتري.

    1.   

    القاعدة الحادية والخمسون: متى ينتقل الضمان إلى المالك؟

    قال المؤلف رحمه الله: [ القاعدة الحادية والخمسون:

    فيما يعتبر القبض لدخوله في ضمان مالكه وما لا يعتبر له.

    الملك يقع تارة بعقد، وتارة بغير عقد، والعقود نوعان:

    أحدهما: عقود المعاوضات المحضة، فينتقل الضمان فيها إلى من ينتقل الملك إليه بمجرد التمكن من القبض التام والحيازة إذا تميز المعقود عليه من غيره وتعين، فأما المبيع المبهم غير المتعين، كقفيز من صبرة، فلا ينتقل ضمانها بدون القبض, وهل يكفي كيله وتمييزه أم لا بد من نقله؟... ] إلخ.

    هذه القاعدة الحادية والخمسون: إذا تم العقد، متى ينتقل الضمان إلى المالك؟

    فقول المؤلف رحمه الله: (الملك يقع تارةً بعقد) مثل: عقد البيع، وعقود المعاوضات (وتارةً بغير عقد)، مثل: الميراث، والاحتشاش، والاحتطاب، فعندنا الضمان متى يترتب على المالك؟

    نقول بأن هذا ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: عقود المعاوضات المحضة

    عقود المعاوضات المحضة، يعني العقود التي لا يقصد بها إلا الكسب والتجارة، ينتقل فيها الضمان إلى من ينتقل إليه الملك بمجرد التمكن من القبض التام والحيازة، وذلك إذا تميز المعقود عليه من غيره وتعين.

    ويستثنى من ذلك المبيع المبهم غير المتعين كقفيز من صبرة فلا ينتقل ضمانها بدون قبض، فنستثني من ذلك ما بيع بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع، أو وصف، أو رؤية سابقة، والثمر على الشجر، في سبع مواضع يكون الضمان على البائع، فإذا تم العقد تمكن المشتري من القبض.

    مثلاً: عقد على سيارة والسيارة الآن موجودة، فالرؤية مقاربة.

    مثال آخر: عقد على الطعام وكان موجوداً، أو عقد على الحيوانات، أو عقد على الفرش، فالضمان الآن للمشتري ما دام متمكناً من قبضه الآن، ولكن الأشياء التي لا يتمكن من قبضها فإنها تحتاج إلى تقدير.

    قال رحمه الله: (فأما المبيع المبهم غير متعين، كقفيز من صبرة).

    المبيع مبهم غير المتعين مثل لو بيع بكيل، بيع بوزن، بيع بعد، بيع بذرع، وأيضاً بيع بوصف، أو رؤية متقدمة، والثمر على الشجر، في هذه الصور السبع الضمان يكون على البائع.

    فمثلاً: إذا باعه خمسة أمداد، كل مد بريال، فهذا يحتاج إلى تمييز، أو عد كل كذا بريال، أو وزن كل كذا بدينار، أو ذرع كل متر بكذا، أو الثمر كما جاء في الحديث، أو وصف سابق، أو رؤية متقدمة، فنقول في هذا: الضمان.

    فالخلاصة في هذا أن الضمان على المشتري ما دام أنه متمكن، قال: (فينتقل الملك بمجرد التمكن من القبض)، إلا في الصور السبع الماضية.

    قال: (وهل يكفي كيله وتمييزه أم لا بد من نقله؟ حكى الأصحاب فيه روايتين).

    يعني أن المشهور من المذهب أنه إذا كاله البائع وعده، يعني ما يحتاج إلى تقدير، فعده، أو كاله، أو وزنه، أو ذرعه، كفى ذلك، ويكون من ضمان المشتري. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه ما يكفي في ضمان المشتري أنه يكيل ويزن، بل لا بد أن ينقله حتى يكون في ضمانه.

    والخلاصة في هذا القسم أن نقول بأن المبيع من ضمان المشتري -الخراج بالضمان- كما أن له نماءه وكسبه، فعليه ضمانه إلا في الصور السبع، أما الأربع الصور فهذه أمرها ظاهر؛ لأنها تحتاج إلى تقدير، ومثله أيضاً الموصوف يحتاج إلى تعيين برؤية متقدمة، والثمر على الشجر الحديث فيه صريح.

    القسم الثاني: عقود التبرعات

    قال: [النوع الثاني: عقود لا معاوضة فيها، كالصدقة والهبة والوصية. فالوصية تملك بدون قبض، والهبة والصدقة فيهما خلاف، وهذا كله في المملوك بعقد].

    عقود التبرعات، كالصدقة والهبة والوصية، فهذه الضمان فيها يتفرع على مسألة الملك، الوصية تملك بدون قبض، فإذا تلفت الوصية هل تكون من ضمان الموصى له أو من ضمان الوارث؟

    يعني إذا مات المورث فالوارث يده عليها يد أمانة، فإذا تلفت نقول بأنها من ضمان الموصى له.

    أما الهبة والصدقة فالمشهور من المذهب أن العقد صحيح، لكنه لا يلزم، فلا يملكها إلا بالقبض، وعلى هذا لو تلفت عند الواهب أو عند المتصدق فإنه لا يضمن؛ لأنه الموهوب له حتى الآن ما ملك، لكن لو قلنا بأنه مالك، فتكون من ضمان الموهوب والمتصدق عليه إلا إذا كان الواهب أو المتصدق قد فرط؛ لأن يده يد أمانة.

    القسم الثالث: الملك القهري

    قال: (الملك القهري كالميراث، وفي ضمانه وجهان: الأول: أنه يستقر على الورثة بالموت إذا كان المال عيناً حاضرة يتمكن من قبضها.

    وقال القاضي وابن عقيل : لا يدخل في ضمانهم بدون القبض ما لم يتمكنوا من قبضه، والأول أصح).

    القسم الثالث: الملك القهري كالميراث، إذا مات المورث انتقل الميراث إلى الورثة، فبمجرد الانتقال يملكه الورثة.

    لكن في التلف هل يشترط القبض أو لا يشترط؟

    ذكر المؤلف رحمه الله رأيين:

    الرأي الأول: أنه يكون من ضمان الورثة وإن لم يقبضوه.

    الرأي الثاني: أنه لا يكون من ضمان الورثة إلا بالقبض، ويترتب على هذا أنه لو كانت هناك حقوق متعلقة بالتركة: مثل الديون، ومثل تغسيل الميت، يعني مؤن التجهيز فإننا نطالب الورثة؛ لأنه دخل في ضمانهم.

    فالمؤلف رحمه الله ذكر رأيين:

    الرأي الأول: أنهم ملكوا حتى وإن لم يقبضوا، وهذا هو الذي صححه المؤلف، وعلى هذا لو تلفت يكون من ضمان الورثة، وما يتعلق بالديون ومؤن التجهيز.

    والرأي الثاني: أنه لا يدخل في ضمان الورثة إلا بالقبض.

    القسم الرابع: ما حصل بسبب من الآدمي يترتب عليه الملك

    قال رحمه الله: (ما حصل بسبب من الآدمي يترتب عليه الملك فإن كان حيازة مباح كالاحتشاش والاحتطاب والاغتنام ونحوها فلا إشكال ولا ضمان هنا على أحد، ولو وكل في ذلك أو شارك فيه دخل في حكم الشركة والوكالة).

    هذا القسم الرابع: ما كان بسبب من الآدمي يترتب عليه الملك، وكان حيازة، كالمباح، والاحتشاش، والاغتنام ونحوها، فهذا لا ضمان على أحد فيه، فلو تلف هذا الحطب وهذا الحشيش كان من ضمان من قام بالاحتشاش والاحتطاب.

    قال: (ولو وكل في ذلك أو شارك فيه دخل في حكم الشركة والوكالة).

    يعني الشريك يكون أميناً، والوكيل يكون أميناً.

    قال: (وكذا اللقطة بعد الحول).

    كما أن الاحتشاش والاحتطاب يكون من ضمان المحتطب والمحتش لو تلف، كذلك أيضاً اللقطة بعد الحول تكون من ضمان الملتقط إذا دخلت في ملكه قهراً عليه، وهذه من الأشياء التي تملك قهراً، فبمجرد الحول دخلت في ملكه قهراً، فلو تلفت تكون من ضمانه، وإن جاء صاحبها يجب عليه أن يردها عليه.

    القسم الخامس: الدين المعيّن

    قال: (وإن كان تعين ماله في ذمة غيره من الديون فلا يتعين في المذهب المشهور إلا بالقبض).

    هذا القسم الخامس: إذا كان ديناً وتعين فتلف، هل هو من ضمان صاحب الدين أو من ضمان المدين؟

    مثلاً: هذا رجل يريد من زيد ألف دينار، فقال: أعطني ألف دينار، فقال: الألف الدينار في الصندوق، أو هذه الألف دينار في جيبي الآن -عينها-، ثم تلفت، فهل هي من ضمان الدائن أو المدين؟

    قال: المشهور لا بد من القبض.

    يعني ما تدخل في ضمان صاحب الدين إلا بقبضه ما دام أنه لم يقبض؟ فإذا تلفت تكون من ضمان المدين.

    قال: (وعلى القول الآخر يتعين بالإذن في القبض، فالمعتبر حكمه).

    مثاله: قال رجل: هذه دراهم، ثم جاء أحد وسرقه، وقال: هذه دراهمك الآن أعيدها لك، ثم جاء أحد آخر وسرقها، فتكون من ضمان صاحب الدين.

    فعلى القول الثاني ما دام أنه أذن له في القبض فإنها تكون من ضمان صاحب الدين، ولكن المذهب أنه لا بد من أن يقبض، وهذا أصح. وعلى هذا إذا تلف الدين قبل أن يقبضه صاحبه، فيكون من ضمان المدين وليس من ضمان الدائن.

    1.   

    القاعدة الثانية والخمسون: من ملك مالاً هل له التصرف فيه قبل قبضه؟

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثانية والخمسون: في التصرف في المملوكات قبل قبضها، وهي منقسمة إلى عقود وغيرها، فالعقود نوعان:

    أحدهما: عقود المعاوضات، وتنقسم إلى بيع وغيره, فأما المبيع فقالت طائفة من الأصحاب: التصرف قبل القبض والضمان متلازمان، فإن كان البيع مضمونًا على البائع لم يجز التصرف فيه للمشتري حتى يقبضه، وإن كان قبل القبض من ضمان المشتري جاز له التصرف فيه, وصرح بذلك القاضي في الجامع الصغير وغيره، وجعلوا العلة المانعة من التصرف توالي الضمانات...] إلخ.

    القاعدة الثانية والخمسون معناها: إذا ملك مالاً، فهل يجوز له أن يتصرف فيه قبل قبضه؟

    مثال: امرأة أعطاها زوجها صداقاً، قال: السيارة التي عندي في البيت صداق، فهل يجوز لها أن تبيعها أو لا يجوز؟ وهل يجوز أن تتصدق بها؟ وهل يجوز أن توقفها؟ مثلاً: وهب له كتاب، فهل يجوز له قبل أن يقبضه أن يهبه أو يبيعه أو يوقفه؟

    فالمقصود هنا التصرفات في الأموال التي ملكت بعقد قبل أن يقبضها.

    هل القبض شرط للتصرف؟ أو نقول: إنه ليس هناك حاجة للقبض حتى يتصرف؟ هذا معنى هذه القاعدة.

    قال بأن هذا ينقسم إلى أقسام.. القسم الأول: عقود المعاوضات، وتنقسم إلى بيعٍ وغيره.

    التصرف قبل القبض في البيع

    البيع له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: التصرف في السلعة التي لا تحتاج إلى تقدير، ولهذا قال: (الممكن في حال العقد) وهو الذي لم يبع بكيل، ولا وزن، ولا عد، ولا ذرع، ولم تبع بوصف ولا رؤيةٍ متقدمة، فهذا صحيح وإن لم يقبض.

    قال: (وقبضٌ ينقل الضمان، وهو القبض التام المقصود بالعقد).

    الحالة الثانية: أن تكون السلعة قد بيعت بتقدير، بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع، ومثله أيضاً بوصف أو رؤية متقدمة، فلا يملك أن يتصرف فيها إلا بالقبض.

    فالحالة الأولى: لا تحتاج إلى قبض، والحالة الثانية: تحتاج إلى قبض.

    الحالة الثالثة: الثمن، قال: (فأما الثمن إن كان معيناً جاز التصرف فيه قبل قبضه، سواءٌ كان المبيع مما يجوز التصرف فيه قبل قبضه أم لا، صرح به القاضي وإن كان مبهماً لم يجز إلا بعد تمييزه، وإن كان ديناً جاز أن يعاوض عنه قبل قبضه).

    أي أن الثمن له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يكون معيناً، فهذا يجوز لك أن تتصرف فيه قبل قبضه، مثال ذلك: اشتريت منك هذه السيارة بالألف دينار، وأنت ما قبضت الألف بعد، بعت على رجل آخر السيارة بالألف الدينار وما قبضتها، ثم بذلك تصرفت في الألف الدينار فهذا جائز ولا بأس به. قال: (وإن كان مبهماً لم يجز إلا بعد تمييزه).

    مثاله: بعت عليه السيارة بألف صاع من هذا البر، أو بألف كيلو من هذا اللحم، فهذا مبهم لابد أن يميز، فلا يجوز لك أن تتصرف في الثمن ما دام أنه مبهم إلا بعد الحالة الثالثة: (وإذا كان ديناً جاز أن يعاوض عنه قبل قبضه). يعني ليس معيناً وليس مبهماً، وإنما هو دين موصوف في الذمة، يعني دين الثمن، مثاله: قال: بعتك السيارة بعشرة آلاف دينار، فيجوز أن تعاوض عنه، يعني أنه يجوز لك أن تتصرف فيه إذا كان ديناً، فأنا بعت عليك السيارة بعشرة آلاف دينار، وهذه العشرة آلاف دينار دين، فيجوز لك أن تعاوض عنها، فتقول له: أعطني العشرة آلاف دينار، فإن قال: ليس عندي دنانير، لكني سأعطيك أرضاً عنها، صح ذلك، أو سأعطيك ثياباً عنها، صح ذلك، وأنت تصرفت فيه قبل قبضه.

    والخلاصة في الثمن أنه يصح التصرف فيه قبل قبضه بأحواله الثلاثة.

    التصرف فيما يخشى انفساخ العقد بتلفه قبل قبضه

    قال: (وأما غير المبيع من عقود المعاوضات فهي ضربان).

    القسم الثاني من عقود المعاوضات وليس بيعاً، قال المؤلف رحمه الله بأنه ضربان: (ما يخشى انفساخ العقد بتلفه قبل قبضه، مثل: الأجرة المعينة، والعوض في الصلح، بمعنى البيع ونحوها، فحكمه حكم البيع).

    يقول: (ما يخشى انفساخ العقد بتلفه قبل قبضه).

    لو تلفت الأجرة قبل أن يقبضها المؤجر، فهل له الحق أن يفسخ عقد الإجارة أو ليس له الحق؟

    مثال ذلك: رجل أجر بيته على زيد بألف دينار، ثم قبل أن يقبضها المؤجر تلفت، فله الحق في الفسخ إذا ما أعطاه الأجرة.

    ومثله أيضاً: العوض في الصلح مع البيع، والصلح يقسمه العلماء رحمهم الله إلى قسمين: صلح إقرار، وصلح إنكار.

    وصلح الإقرار هذا في معنى البيع، كأن يدعي عليه ديناً أو عيناً ثم يعاوضه عن هذا الدين أو العين، فهذا حكمه حكم البيع، فإذا لم يدفع العوض فإنه يفسخ، أي يخشى الفسخ بتلفه، فيقول المؤلف رحمه الله في هذين القسمين: حكمهما حكم البيع. وعلى هذا يصح التصرف في الأجرة، ويصح أيضاً التصرف في العوض بالصلح الذي بمعنى البيع.