إسلام ويب

شرح تحفة أهل الطلب في تجريد قواعد ابن رجب [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا ثبت حكم فلا يلزم من ذلك ثبوت لازمه المشكوك فيه، وإذا وجدت عبادات على سبيل الترتيب وكان فيها أصل وفيها بدلٌ؛ فإن وجد الأصل قبل الشروع في البدل فإننا نرجع إلى الأصل، وإن كان بعد الشروع في البدل فلا نرجع إلى الأصل. وإن تزاحمت عبادتان في الكثرة والشرف فإن

    1.   

    القاعدة الخامسة عشرة: استصحاب أصل لا يلزم منه بطلان أصل آخر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة الخامسة عشرة: إذا استصحبنا أصلاً أو أعملنا ظاهراً في طهارة شيء، أو حله، أو حرمته، وكان لازم ذلك تغير أصل آخر يجب استصحابه، أو ترك العمل بظاهر آخر يجب إعماله، لم يُلتفت إلى ذلك اللازم على الصحيح، ولذلك صور.

    ومن هذه القاعدة: الأحكام التي يثبت بعضها دون بعض، كإرث الذي أقرَّ بنَسبِه من لا يثبت النسب بقوله، والحكم بلحوق النسب في مواضع كثيرة، لا يثبت فيها لوازمه المشكوك فيها، من بلوغ أحد أبويه واستقرار المهر أو ثبوت العدة والرجعة أو الحد أو ثبوت الوصية له أو الميراث وهي مسائل كثيرة].

    سلف لنا في الدروس السابقة أربع عشرة قاعدة، وأخذنا من هذه القواعد قاعدة: الماء الجاري هل هو كالراكد أو كل جرية لها حكم الماء المنفرد؟ وذكرنا أن المشهور من المذهب أن الماء الجاري كالراكد، وذكرنا ما يترتب على هذا الحكم.

    وأيضاً من القواعد التي تطرقنا لها ما يتعلق بقاعدة شعر الحيوان، وظفر الحيوان، وذكرنا ضابطاً أعم من ذلك، وهو: ما كان متصلاً في حكم المنفصل، أو ما لا تحله الحياة من أعضاء الحيوان، هل يُلحق ببقية البدن، أو أنه لا يُلحق بجملة البدن؟ وذكرنا أنه لا يُلحق بجملة البدن، وعلى هذا لو طلّق شعر زوجته فإنه لا يقع عليه طلاق، أو أعتق شعر أمته، فإن العتق لا يقع، ومثله أيضاً لو مس شعر زوجته بشهوة فإن وضوءه لا ينتقض.

    ومن مثل ذلك أيضاً القرون والأظلاف التي لا تحلها الحياة، ذكرنا، أنها لا تُلحق ببقية البدن.

    وعلى هذا لو مات الحيوان فإن ظلفه وشعره ووبره وقرونه وصوفه هذه طاهرة.

    كذلك من القواعد التي تكلمنا عليها: ما يتعلق بتقديم العبادات على أسبابها، وذكرنا بأن تقديم العبادة ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن تُقدَّم العبادة على سببها، فهذا لا يصح، فلو أنه أخرج كفارة اليمين قبل أن يحلف، فنقول: هذه الكفارة لم تقع موقعها فلا تصح كفارة، كذلك لو أنه أخرج كفارة القتل قبل أن يجرح، قال: ربما أنني أقتل في يوم من الأيام، وأخرج كفارة القتل: أعتق أو صام، فنقول أيضاً: هذه الكفارة لم تقع موقعها فلا تصح كفارة.

    القسم الثاني: أن تقدم العبادة على شرط الوجوب أو قبل الوجوب، يعني: بعد وجود السبب.. إذا كان ذلك التقديم بعد وجود السبب، فإن هذا جائز ولا بأس به، فلو أنه قبل أن يحنث كفّر، مثلاً قال: والله لا أزور زيداً، وقبل أن يحنث أخرج الكفارة، هنا قدّم الكفارة بعد وجود السبب، وقبل وجوب الكفارة، وهذه يسميها العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم يسمونها تحلة، يعني: إخراج الكفارة قبل أن يحنث الإنسان أما بعد الحنث فهذه تسمى كفارة.

    ودليل ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:1-2].

    وأيضاً من القواعد المهمة التي تطرقنا لها قاعدة: النهي يقتضي الفساد، وذكرنا أن هذه القاعدة لها أربعة أقسام.

    ومن القواعد أيضاً قاعدة: التنفل قبل العبادة بما هو من جنس العبادة، وذكرنا أن ذلك ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أن تكون العبادة بدنية موسعة، أن تكون بدنية مضيقة، أن تكون العبادة مالية.

    وأيضاً المالية تنقسم إلى قسمين، تكلمنا على هذه وغير ذلك مما سلف ولله الحمد.

    هنا يقول المؤلف رحمه الله: (القاعدة الخامسة عشرة:

    إذا استصحبنا أصلاً أو أعملنا ظاهراً في طهارة شيء أو حلّه أو حرمته، وكان لازم ذلك تغير أصل آخر يجب استصحابه، أو ترك العمل بظاهر آخر يجب إعماله، لم يُلتفت إلى ذلك اللازم على الصحيح، ولذلك صور).

    هذه القاعدة تنقسم إلى قسمين:

    استصحاب أصل أو إعمال ظاهر لا يلزم منه ترك العمل بأصل آخر

    القسم الأول: أننا إذا استصحبنا أصلاً، أو أعملنا ظاهراً، فلزم من ذلك أن يتغير أصلٌ آخر، أو أن يُترك العمل بظاهر آخر لم يُلتفت إلى ذلك اللازم.

    يعني: يبقى العمل بالأصل الآخر، ويبقى العمل بالظاهر الآخر، أي: كوننا نستصحب أصلاً لا يلزم من ذلك أن نترك العمل بأصل آخر.

    إذاً: هل يلزم من إعمال أصلٍ أن نترك أصلاً آخر؛ لأن الأصل هو العمل بكل الأصول؟ يقول المؤلف: كوننا نُعمل هذا الأصل لا يلزم من ذلك أن نترك العمل بأصل آخر.

    مثال ذلك: رجل استيقظ من النوم فوجد بللاً في ثيابه، وهذا البلل لم يتحقق أنه مني، ولم يذكر أنه احتلام. هل يجب عليه الغسل؟

    نقول: لا يجب عليه الغسل ما دام أنه لم يتحقق أنه مني، ولم يذكر احتلاماً، لأن هذا هو الأصل، إذ الأصل عدم وجوب الغسل.

    لكن بالنسبة للثياب، فالأصل أنها طاهرة، فهل يلزم من كونه لا يجب عليه الغسل أن يتغير الأصل الآخر وهو طهارة الثياب، أو نقول: بأن هذا ليس بلازم؟

    يعني: الأصل أن سراويله طاهرة وأن ثيابه طاهرة، وكوننا لا نوجب عليه الغسل لأن الأصل عدم وجوب الغسل، هل يلزم من ذلك أن نقول: يجب عليك أن تغسل ثيابك؟

    نقول: لا يجب، ما دام أننا استصحبنا هذا الأصل فلا يلزم أن نقول: بأن الثياب نجسة؛ لأنه يحتمل أن يكون البلل عرقاً، وليس بلازم أن يكون منياً، لكن لو غسل الثياب على سبيل الاحتياط فلا بأس.

    مثال آخر: رجل ضرب طائراً ضربة غير موحية، يعني: ليست قاتلة، ثم بعد ذلك وجد هذا الطائر في الماء، والماء قد تغير، فالأصل في الماء الطهارة، وهذا الطائر ما دام أن الضربة غير موحية فالأصل فيه الحرمة، فكوننا أعملنا الأصل وهي الحرمة لا يلزم من ذلك أن نغير الأصل المتعلق بالماء، فنقول: الماء نجس؛ لأنه يحتمل أنه مات من هذه الضربة، فيكون هذا الطائر طاهراً حلالاً، فعندنا ما دام أن الضربة ليست قاتلة فالأصل حرمة هذا الحيوان ونجاسته، لكن لا يلزم من ذلك أن نحكم بنجاسة الماء لتغيره، فإذا وجدنا هذا الطائر في هذا الماء فالأصل هو طهارة الماء، فلا يلزم من ذلك أن نقول: بأن هذا الماء نجس لكونه تغير بهذا الطائر الذي يكون محرماً.

    لا يلزم من ثبوت حكم ثبوت لازمه المشكوك فيه

    القسم الثاني في هذه القاعدة: أنه إذا ثبت حكم فلا يلزم من ذلك ثبوت لازمه المشكوك فيه.

    وهذا له أمثلة كثيرة، وإن كانت بعض الأمثلة التي يذكرها الفقهاء غير متصورة، لكن لا بأس أن نذكر شيئاً من هذه الأمثلة.

    مثال ذلك: لو أن صبياً له عشر سنوات تزوج وأنجبت زوجته ولداً، هذا الولد يُلحق بهذا الصبي أو لا يُلحق به؟ يقولون: يُلحق به في النسب؛ لأن العلماء يحتاطون للنسب كثيراً.

    بقينا في بقية الأحكام، ما دمنا الآن حكمنا بأن هذا الولد هو من هذا الصبي، وحكمنا أنه يُنسب له، فهل نحكم بأن هذا الصبي قد بلغ، بحيث لو أنه أتى حداً نوجب عليه الحد؟ يعني: لازم إثبات الولد لهذا الصبي أن نحكم ببلوغه، لكن هذا اللازم مشكوك فيه، فما دام أن هذا اللازم مشكوك فيه فلا نقول بإثبات هذا اللازم، فيقولون: بأن هذا الولد يُنسب إلى هذا الطفل، لكن مع ذلك لا نحكم بأن هذا الصبي قد بلغ، ونرتب عليه أحكام البالغ من حيث القصاص ومن حيث الحد، ومن حيث وجوب الواجبات.. إلى آخره، فلا يحكم ببلوغه ما دام أن له عشر سنوات.

    مثال آخر: رجل عقد على امرأة، وهم يقولون: بأن الزوجة تكون فراشاً إذا وُجِدَ أمران: الأمر الأول بعد وجود العقد: إمكان الاجتماع بها، والأمر الثاني: أن تمضي ستة أشهر بعد إمكان الاجتماع وليس وجود الجماع، يعني: رجل عقد على امرأة في هذا البلد، ويتمكن من أن يجتمع معها، وبعد مضي ستة أشهر أنجبت ولداً، فيقولون: احتياطاً للنسب نحكم بأنه لهذا الزوج، وينسب إليه.

    وإثبات هذه النسبة بين هذا الولد وبين هذا الرجل يلزم منه أحكام أخرى، وهذه اللوازم ما دام أنه مشكوك فيها فإننا لا نثبتها، لكننا نثبت النسب احتياطاً للولد.

    فمن اللوازم قول المؤلف رحمه الله: (والحكم بلحوق النسب في مواضع كثيرة لا يثبت فيها لوازمه المشكوك فيها من بلوغ أحد أبويه).

    يعني: لو وطئ من له عشر سنوات وأنجبت زوجته ولداً؛ فالبلوغ هذا مشكوك فيه فلا نحكم بثبوت البلوغ، مع أننا نثبت أن الولد له وننسبه له.

    كذلك أيضاً: ثبوت العدة والرجعة، لو أن هذا الطفل طلق هذه المرأة، هل تثبت العدة أو لا تثبت العدة؟

    يقول المؤلف رحمه الله: لا تثبت العدة، ولا تثبت الرجعة؛ لأن الرجعة فرعٌ عن العدة، ولا يثبت الحد لو أتى بما يوجب الحد بناء على أنه لم يبلغ؛ فهذه لوازم مشكوك فيها، لكننا أثبتنا النسب احتياطاً للولد، أما ما عدا ذلك فإنها لوازم مشكوك فيها فلا تثبت.

    1.   

    القاعدة السادسة عشرة: هل يتعلق الوجوب بالبدل تعلقاً مستقراً؟

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة السادسة عشرة: إذا كان للواجب بدلٌ فتعذر الوصول إلى الأصل حالة الوجوب، فهل يتعلق الوجوب بالبدل تعلقاً مستقراً؟] إلى آخره.

    هذه القاعدة قاعدة العبادات، إذا كانت العبادات على سبيل الترتيب فتعذرت المرتبة الأولى وانتقلنا للمرتبة الثانية، فهل هذا الانتقال مستقر بحيث أننا لا نرجع للمرتبة الأولى؟

    نقول: بأن هذه القاعدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يوجد الأصل قبل الشروع في البدل. يعني: نجد المرتبة الأولى قبل أن نشرع في المرتبة الثانية.

    فهنا يجب أن ننتقل إلى المرتبة الأولى (الأصل)؛ لأن هذا هو الأصل.

    مثال ذلك: المتمتع يجب عليه أن يذبح هديه: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]، فإذا لم يجد هدياً يباع أو ليس معه دراهم فنقول: انتقل للمرتبة الثانية وهي: الصيام قال الله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196]، فإذا نوى الصيام في الليل وقبل أن يشرع فيه جاء الهدي، أو رزقه الله عز وجل مالاً، فنقول: ما دام أنه لم يشرع في البدل -المرتبة الثانية- فيجب عليه أن يرجع إلى الأصل.

    مثال آخر: كفارة القتل لم يجد رقبة تُباع، ثم أراد أن يصوم، ثم وجدت الرقبة قبل أن يشرع في الصيام فنقول: انتقل إلى الأصل.

    ومن الأمثلة أيضاً في غير الكفارات: إذا أتلف مالاً فإنه يجب عليه البدل، والبدل هو المثل في المثليات، والقيمة في المقومات.

    مثلاً: أتلف جهازاً.. وهذا الجهاز له مثل، والصحيح في ضابط المثلي: أنه كل ما له مثل في الأسواق، فنقول: يجب عليك أن تعطيه مثل هذا الجهاز، فإذا لم يجد مثل هذا الجهاز، فنقول: أعطه القيمة، فأراد أن يعطيه القيمة لكنه وجد المثل، فنقول: ارجع إلى الأصل، فما دام أنه قبل الشروع في البدل فنقول: ارجع إلى الأصل وهو المرتبة الأولى.

    القسم الثاني: أن يكون ذلك بعد الشروع في البدل.

    إذا كان بعد الشروع في البدل فنقول: لا يجب عليه أن ينتقل إلى الأصل، ولكن يجوز له ذلك.

    وكما سبق في الأمثلة السابقة: هذا رجل متمتع وجب عليه الهدي، فلم يجد هدياً أو ليس معه دراهم، ثم بدأ يصوم، صام اليوم الأول، ثم وجد الهدي، فنقول: يجوز لك أن تنتقل إلى الهدي، ويجوز لك أن تستمر.

    ويظهر ذلك أيضاً في كفارة القتل إذا لم يجد رقبة، وشرع في صيام شهرين متتابعين؛ وبعد أن صام يوماً أو يومين وجد الرقبة، فنقول: يجوز له أن ينتقل للرقبة، ولا يجب عليه أن يستمر في الصيام لأنه رجع إلى الأصل، وله أيضاً أن يستمر على الصيام.

    القسم الثالث: أن يوجد الأصل بعد الفراغ من العبادة فلا إشكال هنا لأن البدل حينئذ يكون مجزئاً. يعني: في صورة كفارة القتل صام شهرين متتابعين، وبعد أن انتهى من الصيام وجد الرقبة. وكفارة اليمين مثلاً لم يجد إطعام عشرة مساكين ولا كسوتهم ولا تحرير رقبة، فصام ثلاثة أيام، فلما صام الثلاثة الأيام وجد إطعام عشرة مساكين. فنقول: لا خلاف في أن صيامك صحيح وأنه مجزئ.

    1.   

    القاعدة السابعة عشرة: عند تزاحم العبادات ترجح الكثرة على الشرف

    قال المؤلف رحمه الله: [ القاعدة السابعة عشرة: إذا تقابل عملان أحدهما ذو شرف في نفسه ورفعة وهو واحد، والآخر ذو تعدد في نفسه، فأيهما يرجح؟ ظاهر كلام أحمد ترجيح الكثرة].

    معنى هذه القاعدة: تزاحم شرف العبادة وفضلها بتعددها وكثرتها، ومعنى التزاحم أنك لا بد أن تفعل أحد الأمرين، لا تتمكن أن تفعل الجميع، يعني: لا بد أن تفعل هذا أو تفعل هذا، فإذا تزاحم شرف العبادة مع كثرتها، فهل نقدم الشرف أو نقدم التعدد؟

    التزاحم هنا في هذه القاعدة ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: التزاحم في العبادات البدنية.

    مثال ذلك: تزاحم عنده إما أن يقرأ جزءاً من كتاب الله عز وجل بلا تدبر، وإما أن يقرأ نصف جزء بتدبر. هنا عندنا كثرة وعندنا فضل.

    وأيضاً تزاحم عنده: إما أن يصلي أربع ركعات ويخفف القراءة والركوع والسجود، وإما أن يصلي ركعتين ويطيل في القراءة والركوع والسجود، فأيهما يقدّم: هل يقدّم شرف العبادة أو يقدم كثرة العبادة؟

    القسم الثاني: التزاحم في العبادات المالية.

    تزاحم عنده: إما أن يضحي بشاة سمينة، وإما أن يضحي بشاتين غير سمينتين.

    وأيضاً من الأمثلة: إما أن يهدي الحاج بدنة سمينة، وإما أن يهدي بدنتين غير سمينتين.

    وتزاحم عنده: إما أن يتصدق بكيس رز من الممتاز، أو بكيسي رز من المتوسط، فأيهما يقدِّم؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، والمؤلف رحمه الله تعالى يقول: ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله ترجيح الكثرة، والمذهب في الجملة يقولون: نرجح الكثرة، فكونك تضحي بشاتين أفضل من أن تضحي بشاة سمينة، وكونك تهدي بدنتين أفضل من كونك تهدي بدنة سمينة.. وعلى هذا فقس.

    وأيضاً بالنسبة للعبادات البدنية: فكون الإنسان يقرأ جزءاً من كتاب الله، فهذا أفضل من كونه يقرأ نصف جزء بتدبر.. وعلى هذا فقس.

    والصواب في ذلك أن نقول: بأنه يختلف، فإن كان في العبادات البدنية فالإنسان ينظر ما هو الأصلح لقلبه.

    ولهذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى لما سئل عن صلاة الليل: هل يقرأ بجهر أو يقرأ بإسرار؟ قال: افعل ما هو الأصلح لقلبك، فإذا كان الأصلح لقلبه أن يقرأ جزءاً من كتاب الله عز وجل، وإن كان أخل بالتدبر، أو الأصلح أن يقرأ نصف جزء بتدبر.. نقول: يفعل ما هو الأصلح لقلبه، هذا فيما يتعلق بالعبادات البدنية.

    وأما ما يتعلق بالعبادات المالية فنقول: الأفضل أن ينظر إلى مصلحة المحتاجين والمتصدق عليهم، ولا شك أنه بدل أن تخرج كيساً من الرز الطيب فتعطيه عائلة أن تخرج كيسين من المتوسط فتعطيه عائلتين أن هذا أفضل؛ لأنك الآن سددت حاجة هؤلاء وسددت حاجة هؤلاء، فالعبادات المالية أمرها يختلف عن العبادات البدنية، فالبدنية ننظر إلى صلاح القلب وما يدفع السأم والملل عن الإنسان، وما يقوي إيمانه، وأما العبادات المالية فإننا ننظر إلى مصلحة المعطى والمتصدق عليه.

    1.   

    القاعدة الثامنة عشرة: تتداخل العبادات إذا اتحدت جنساً ووقتاً

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الثامنة عشرة: إذا اجتمعت عبادتان من جنس في وقت واحد ليست إحداهما مفعولة على وجه القضاء، ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت تداخلت أفعالهما، واكتفى فيهما بفعل واحد وهو على ضربين:

    أحدهما: أن يحصل له بالفعل الواحد العبادتان جميعاً، فيشترط أن ينويهما معاً على المشهور.

    والضرب الثاني: أن يحصل له إحدى العبادتين بنيتها، وتسقط عنه الأخرى].

    هذه القاعدة في تداخل العبادات، وسقوط إحداهما بالأخرى.

    أقسام العبادات من حيث التداخل عند المؤلف

    ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن هذه القاعدة على أقسام:

    القسم الأول: أن تكون إحدى العبادتين مفعولة على وجه القضاء، فإنه لا تداخل.

    فلو أن إنساناً عليه صلاة ظهر الأمس وصلاة ظهر اليوم، فهل له أن ينوي بصلاة ظهر اليوم أنها عن اليوم أداءً وعن الأمس قضاء، أو نقول: ليس له ذلك؟ نقول: ليس له ذلك، ما دام أنها على سبيل القضاء.

    أو أن إنساناً عليه سنة ظهر أمس البعدية، هل له أن ينوي بصلاة ركعتين بعد الظهر أنها عن سنة اليوم، وعن سنة الأمس.. هل له ذلك أو ليس له ذلك؟ نقول: ليس له ذلك، ما دام أن إحدى العبادتين مفعولة على سبيل القضاء.

    القسم الثاني: أن تكون إحدى العبادتين مفعولة على وجه التبعية للأخرى، فنقول: أيضاً لا تداخل.

    مثاله: مثل السنن الرواتب، السنن الرواتب هذه تابعة للفرائض.

    وعلى هذا لو نوى صلاة الظهر ونوى الأربع التي قبل الظهر، نقول: لا يصح، لا بد أن تصلي أربعاً قبل الظهر، وأربعاً الفريضة.

    ومثله أيضاً صيام ست من شوال مع رمضان؛ لأن صيام ست من شوال مع رمضان يكون على وجه التبع، فلا يصح أن تنوي بستة أيام من رمضان على أنها من شوال، ومثله أيضاً الوتر مع صلاة العشاء نقول بأنه: لا يصح.

    القسم الثالث: أن تكون إحدى العبادتين -يعني: ما عدا هذين القسمين- ليست مفعولة على وجه القضاء ولا على وجه التبع، وهي من جنس الأخرى، وتتفق معها في الوقت.

    فهنا يقول المؤلف رحمه الله بتداخل العبادات.

    ومن أمثلة ذلك: المرأة إذا كان عليها غُسل من دم الحيض، وعليها غسل من الجنابة، فاغتسلت غسلاً واحداً فإنه يكفيها عن دم الحيض وعن غسل الجنابة، لكن لكي تحصل لها العبادتان كما ذكر المؤلف لا بد من النية، لا بد أن تنوي بهذا الغسل غسل الحيض وغسل الجنابة، فيحصل لها عبادتان.

    مثال آخر: الغسل عن الجنابة يكفي عن طهارة الحدث الأصغر، فإذا اغتسل عن الجنابة فإنه يكفيه عن الوضوء، ولا نقول: يجب عليه أن يتوضأ، بل إذا اغتسل وتمضمض واستنشق كفاه، لكن لكي تحصل له العبادتان فإنه ينوي عند الغسل أنه يرفع الحدث الأكبر والحدث الأصغر؛ ولا شك أنه يؤجر أجر العبادتين بهذه النية.

    كذلك من الأمثلة على ذلك: طواف القدوم، إذا طاف للعمرة فإنه يكفيه عن طواف القدوم، لكن لكي تحصل له العبادتان -الطوافان- لا بد أن ينوي أنه طواف القدوم وطواف العمرة.

    ومن الأمثلة على ذلك: امرأة وجب عليها غسل الحيض وغسل النفاس، فإنه يكفيها غسلٌ واحد، ولا بد من النية لكي تحصل لها العبادتان.

    ومن الأمثلة على ذلك: رجلٌ عليه غسل عن حدث أكبر وهو في يوم الجمعة، فإذا اغتسل عن الحدث الأكبر يجزيه عن الغسل المسنون، وإذا اغتسل عن المسنون يجزيه عن الأكبر، لكن لكي تحصل له العبادتان يقول المؤلف: لا بد من النية، يعني: ينوي أنه عن الجمعة، وينوي أيضاً أنه عن الحدث الأكبر.

    ضابط تداخل العبادات

    الضابط الذي ذكره المؤلف رحمه الله في القسم الثالث ألا تكون إحدى العبادتين فُعلت على وجه التبع ولا على وجه القضاء واتحدتا في الجنس والوقت، فهنا يكون التداخل، لكن هذا الضابط فيه نظر؛ لأن هناك عبادتين اتحدتا في الجنس وفي الوقت، ومع ذلك لا نقول بالتداخل.

    مثاله: سنة الظهر القبلية أربع، هل نقول: يصلي ثنتين من باب التداخل مع أنهما يتحدان في الجنس وفي الوقت؟ لا نقول بالتداخل.. فهذا الضابط الذي ذكره المؤلف رحمه الله فيه نظر.

    ومثله أيضاً: لو اجتمعت عقيقة وأضحية في اليوم السابع، هذا الطفل أصبح سابع يوم ولادته هو يوم النحر، فهل يكفي أن تذبح شاة عن الأضحية وعن العقيقة؛ لأنهما اتحدتا في الجنس واتحدتا في الوقت؟ نقول: الصواب أنه لا يكفي.

    والضابط أن يقال: إذا كانت إحدى العبادتين ليست مقصودة لذاتها فإنها تدخل مع الأخرى، وإن كانت مقصودة لذاتها فإنها لا تدخل مع الأخرى.

    فإذا كانت العبادتان كلٌ منهما مقصودة لذاتها فإنها لا تدخل، لكن التي ليست مقصودة لذاتها فإنها تدخل مع الأخرى.

    التقسيم الراجح للعبادات من حيث التداخل

    بناء على الضابط الذي رجحناه نقول: الأقسام ثلاثة:

    الأول: أن تكون كلٌ من العبادتين مقصودة لذاتها، نقول: لا تداخل.

    الثاني: أن تكون كلٌ من العبادتين ليست مقصودة لذاتها فهي تتداخل.

    الثالث: أن تكون إحداهما مقصودة والأخرى غير مقصودة فإنها تتداخل.

    وهذا له أمثلة كثيرة، فإذا فهم الإنسان هذا الضابط يحصل له أجر كثير عند الله بالنية، فمثلاً تحية المسجد مع سنة الوضوء.. تحية المسجد ليست مقصودة لذاتها، المقصود أن الإنسان لا يجلس حتى يصلي، فإذا صلى ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وسنة الوضوء حصل له صلاتان بركعتين، لكن لا بد من النية.

    وأيضاً تحية المسجد، والسنة القبلية، وركعتي الوضوء. فلو أن إنساناً دخل المسجد وصلى ركعتين ينوي بهما السنة القبلية، وينوي بهما تحية المسجد، وينوي بهما ركعتي الوضوء حصل له ثلاث صلوات بركعتين.

    ومثل ذلك أيضاً: لو صلى الضحى وهو ينوي ركعتي الوضوء وينوي سنة الضحى حصل له صلاتان بركعتين.

    وأيضاً: الطهارة، لو أنه اغتسل ناوياً بغسله الغسل المسنون والغسل الواجب أجزأه ذلك.

    وهناك أمثلة كثيرة في الأذكار، وأمثلة كثيرة في الحج، مثل: لو أنه طاف عند خروجه وهو ينوي به طواف الإفاضة وطواف الوداع فإنه يجزئه؛ لأن طواف الوداع ليس مقصوداً لذاته، المقصود أن يجعل الطواف آخر عهد الناسك بالبيت، وهو إذا طاف للإفاضة كفى ذلك، لكن لكي تحصل له العبادتان ينوي نية واحدة عن العبادتين.

    فالخلاصة في ذلك: أن ننظر هل العبادة مقصودة أو غير مقصودة؟ فإذا كانت مقصودة والشارع أرادها بذاتها فإنها لا تدخل مع الأخرى، إلا إذا كانت الأخرى غير مقصودة فإنها تدخل معها كما ذكرنا في الأقسام.

    ومن الأمثلة: سنة الفجر مع صلاة الفجر ليس فيها تداخل؛ لأن كلاً منهما مقصودة لذاتها.

    وسنة الظهر القبلية أربع: ركعتان ركعتان ليس فيها تداخل، وإلا كان أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ركعتين، وهكذا الأضحية مع العقيقة ليس فيها تداخل؛ لأن كلاً منهما مقصودة لذاتها.

    فهذا هو الضابط وهو للشيخ محمد العثيمين رحمه الله: أنه يُنظر إلى القصد، هل هذه مقصودة أو ليست مقصودة.

    وذكر المؤلف رحمه الله ما يتعلق بسقوط إحدى العبادتين بالأخرى، كما تقدم في الأمثلة.

    ومن الأمثلة على ذلك: إذا حضرت صلاة الفريضة سقطت التحية، وإذا صلى العيد مع الإمام سقط عنه حضور صلاة الجمعة، لكن يصلي ظهراً.

    1.   

    القاعدة التاسعة عشرة: إمكان الأداء ليس شرطاً في استقرار الواجبات

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة التاسعة عشرة: إمكان الأداء ليس بشرط في استقرار الواجبات بالشرع في الذمة على ظاهر المذهب].

    قول المؤلف رحمه الله: أداء يخرج القضاء، فعندنا قسمان: الأداء والقضاء ونزيد ثالثاً وهي النذر.

    إمكان الأداء

    هل إمكان الأداء شرط في استقرار الواجبات أو لا؟

    العبادة قد تجب لكنها قد لا تستقر، واستقرار العبادة هو وجوبها مع عدم سقوطها؟

    يقول المؤلف رحمه الله: إمكان الأداء ليس شرطاً.

    فمثلاً: حال عليك الحول ووجبت عليك الزكاة، فأردت أن تذهب لتخرجها فاحترق المال، فأنت الآن ما تمكنت من الأداء.

    يقول المؤلف: لا يشترط التمكن للأداء، بمجرد أنه حال عليك الحول أصبحت الزكاة ديناً في ذمتك، ما نشترط أن تتمكن من إخراجها، هذا هو المذهب الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    ومن الأمثلة على ذلك: المرأة إذا حاضت بعد دخول الوقت، أذن المؤذن وبعد مقدار تكبيرة، ما الذي تستغرقه التكبيرة؟ يمكن تستغرق ثانية، بمجرد أنه دخل الوقت بثانية حاضت المرأة، فما تمكنت أن تصلي فنقول: التمكن من الأداء ليس شرطاً، فقد وجبت عليها هذه الصلاة، فإذا طهرت من حيضتها وجب عليها أن تقضي هذه الصلاة.

    وأيضاً من الأمثلة على ذلك: أسلم الكافر في رمضان وهو مفطر، أو بلغ الصبي في رمضان وهو مفطر، فهو ما تمكن أن يصوم، نقول: لا نشترط التمكن، يجب عليه أن يقضي هذا اليوم.

    هذا القسم الأول: التمكن من الأداء.

    إمكان القضاء

    القسم الثاني: التمكن من القضاء. والتمكن من القضاء هذا شرط.

    فمثلاً: إنسان مريض وأفطر، ومات في اليوم الخامس من شوال وقد استمر به المرض، فما تمكن أن يصوم، نقول: سقط عنه القضاء، فلا يجب عليه، يعني: هو مريض مرضاً يُرجى برؤه، أما إذا كان مرضاً لا يُرجى برؤه فهذا يُطعم عنه، لكن إذا كان مرضاً يرجى برؤه، أو كان مسافراً وأفطر واستمر في السفر إلى شوال ثم مات في شوال في العاشر من شوال وهو مسافر، هنا ما تمكن من القضاء؛ لأن المسافر له أن يفطر، فالعذر استمر معه، فنقول هنا: التمكن من القضاء شرط. وعلى هذا فالمسافر لا يجب عليه صيام، يعني: لا يصوم عنه أهله، وكذلك أيضاً لا يُطعم عنه، وهذا في المريض الذي مرضه يُرجى برؤه، واستمر به المرض، فيشترطون في القضاء التمكن من الفعل.

    إمكان الوفاء بالنذر

    القسم الثالث: النذر، يعني: ما وجب بإيجاب العبد نفسه لا بإيجاب الله سبحانه وتعالى، هذا أيضاً يقولون: يُشترط التمكن من الفعل، فلو أنه قال: لله عليَّ أن أصوم شهر شعبان القادم، ثم مات قبل أن يأتي شعبان يسقط عنه النذر؛ لأن التمكن من فعل النذر شرط.

    وهكذا لو قال: لله عليَّ أن أحج هذا العام، ثم بعد ذلك قبل أن يأتي وقت الحج مات، فهل يجب أن نُخرج من تركته من يحج عنه أو لا يجب؟ نقول: لا يجب؛ لأن النذر لا بد فيه من التمكن من الفعل، فعندنا الأداء لا يُشترط، والقضاء، والنذر يُشترط.

    والصحيح في هذه الأقسام كلها: أنه يُشترط التمكن من الأداء؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، ويقول سبحانه وتعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم ) فنقول: نشترط التمكن، سواء كان في الأداء، أو كان في القضاء، أو كان في النذر.

    وعلى هذا من سُرق ماله قبل أن يخرج الزكاة ما دام أنه ما تعدى ولا فرّط واجتهد، فنقول: لا تجب عليه الزكاة بل سقطت عنه، والصبي إذا بلغ نقول: تصوم الآن وتمسك ولا يجب عليك القضاء، وإذا أسلم الكافر نقول: تصوم الآن، فقد وجب عليك الصيام، ولا يجب عليك القضاء.

    1.   

    القاعدة العشرون: النماء المتولد من العين حكمه حكم الجزء والمتولد من الكسب بخلافه

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة العشرون: النماء المتولد من العين حكمه حكم الجزء، والمتولد من الكسب بخلافه على الصحيح].

    قوله: (النماء المتولد من العين)، النماء مثل الصوف، ومثل أيضاً الثمر، ومثل الولد، ومثل الحليب.. وغير ذلك.

    والنماء المتولد من العين حكمه حكم الجزء.

    ثم قال: (والمتولد من الكسب بخلافه).

    والكسب مثل: الأجرة، ومثل: ربح التجارة.

    إذاً: النماء قسمان:

    القسم الأول: نماء متولد من العين.

    والقسم الثاني: نماءٌ متولد من الكسب.

    وهذه القاعدة أيضاً لها قسمان: قسم في المعاملات، وقسم في العبادات.

    النماء في المعاملات

    القسم الأول: فيما يتعلق بالمعاملات:

    فيقول بأن النماء المتولد من العين يتبع العين، والنماء المتولد من الكسب لا يتبع العين، هذا ظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى.

    مثال ذلك: رجل اشترى شاةً صار لها صوف كثير، فنما الصوف وجزّه المشتري فوجد في هذه الشاة عيباً فردها إلى صاحبها البائع فلمن هذا النماء؟ فعلى كلام المؤلف يكون للبائع؛ لأنه يقول: حكمه حكم الجزء، يعني: حكم يد الشاة أو جزء الشاة، أي: يجب عليك أن ترده على البائع.

    هذا بالنسبة للنماء المتولد من العين:

    أما النماء المتولد من الكسب هل يتبع العين أو لا؟

    يقول: لا يتبع العين، فمثلاً: عندنا سيارة، المشتري أخذ السيارة وأجّرها، جعل يعمل فيها وكسب فيها ألف ريال، ثم بعد يومين من الشراء تبين أن فيها عيباً، فالألف هذه للمشتري؛ لأن هذا من الكسب، فالنماء إذا كان من الكسب فهو للمشتري، وإذا كان من العين فهو تابع للعين. هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    والصحيح في ذلك: أن النماء كله للمالك، وهنا النماء لمن يكون؟ يكون للمالك الذي قبل الفسخ، وهو المشتري؛ لأن ما حصل بملكه، والعين مضمونة عليه، ولو تلفت العين فإنه سيضمن، فالنماء نماء المشتري حصل في ملكه، ويدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: ( من باع عبداً وله مالٌ فماله للبائع )، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل المال للبائع، دل ذلك على أن العبد -السلعة- أصبح للمشتري، وإذا كانت للمشتري ونما فهذا نماء ملكه، ولأنها مضمونة عليه، فلو تلفت بعد العقد كانت من ضمان المشتري، فالصحيح أن النماء سواء كان متولداً من العين أو كان متولداً من الكسب، أن هذا كله يكون للمشتري.

    النماء في العبادات

    ما سبق كان في النماء في المعاملات أما النماء في العبادات فنقول: بأنه يتبع العين.

    ومن أمثلة ذلك: لو كان عنده ثلاثون شاة، ونصاب الغنم أربعون، يعني: هو الآن يملك ثلاثين شاة، فنمت هذه الشياة فأصبحت أربعين، فمتى يبدأ الحول؟ هل يبدأ الحول بملكه الثلاثين أو نقول: يبدأ الحول بتمام النصاب؟ هو موضع خلاف، لكن الصحيح أنه بتمام النصاب، والنماء هذا تابع للعين بحيث أننا نحسبه من النصاب.

    كما أننا نحسب هذه الثلاثين من النصاب، فكذلك أيضاً نحسب هذا النماء من النصاب فهي تابعة للعين في النصاب، كذلك أيضاً في الحول، فلا يبدأ الحول إلا بعد تمام النصاب، والنماء وإن كانت صغاراً فإنها تحتسب من النصاب، ولهذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: اعتد عليهم بالسخلة ولا تأخذها منهم.

    فالخلاصة في ذلك: أن النماء في العبادات يكون تابعاً للعين، وأما في المعاملات فإنه يكون تابعاً للمالك.

    1.   

    القاعدة الحادية والعشرون: الولد كالجزء

    قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة الحادية والعشرون: وقد يختص الولد من بين سائر النماء المتولد من العين بأحكام. ويعُبَّر عن ذلك بأن الولد هل هو كالجزء أو كالكسب؟ والأظهر أنه جزءٌ].

    يعني: هذه القاعدة تابعة للقاعدة السابقة، وبعض أهل العلم يجعل أن الولد من الكسب، فإذا قلنا: بأن الولد من الكسب يكون للمشتري -للمالك- لكن إذا قلنا بأنه من الجزء يكون للبائع.

    والصحيح: أن الولد ليس من الكسب، وأنه جزء، وعلى هذا يكون تابعاً للمالك، لكن نستثني مسألة وهي ما إذا باع حيواناً وهو حامل، ثم بعد ذلك وجد في الحيوان عيباً ثم فسخ، فالولد يكون للبائع، وهذا بلا إشكال؛ لأنه لما باعه باع الحيوان والولد، لكن لو حملت عند المشتري وولدت ثم تبين أن فيها عيباً وردها على البائع، فالولد يكون للمشتري هذا هو الصواب في هذه المسألة.

    فالصحيح أن الولد كالجزء، ويدخل في هذا ما إذا أوقف فرساً، وحملت هذه الفرس فإن الحمل تابع للعين فيكون وقفاً معها.