إسلام ويب

شرح كتاب التوحيد [32]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما ينقض التوحيد أو يخدشه إتيان الكهان والعرافين والمنجمين؛ فمن أتى واحداً منهم معتقداً صدقه ومعرفته بالغيب النسبي أو المطلق من غير إخبار أحد له؛ فقد كفر كفراً أكبر، ومن أتاه معتقداً كذبه أو أن أحداً أخبره فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، ومن أتاه منكراً مبينا

    1.   

    أقسام إتيان السحرة والكهان

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ).

    ولـأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفاً.

    وعن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعاً: ( ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم )، رواه البزار بإسناد جيد.

    ورواه الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: ( ومن أتى ).. إلى آخره.

    قال البغوي : العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك.

    وقيل: هو الكاهن، والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.

    وقال أبو العباس ابن تيمية : العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق.

    وقال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق ].

    تقدم لنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة : ( من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ). والذي أنزل على محمد هو القرآن، وفيه دليل على علو الله عز وجل.

    قال: (وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما: ( من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) ).

    الخلاصة في إتيان السحرة والكهنة: نقول بأن هذا ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يأتيهم ويسألهم ويصدقهم في الغيب المطلق، حكم هذا أنه كفر أكبر، إذا سألهم وصدقهم في الغيب المطلق نقول بأن هذا كفر أكبر مخرج من الملة؛ لأن الغيب المطلق -غيب السماوات والأرض- لا يعلمه إلا الله: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65].

    القسم الثاني: أن يسألهم ويصدقهم في الغيب النسبي مع اعتقاد أن الشياطين لا تخبرهم، هذا حكمه كفر أكبر.

    والمراد بالغيب النسبي: يعني: ليس الغيب المطلق، مثل معرفة مكان الضالة، ومثل ما يفعل كثير من الناس اليوم، يذهبون إلى السحرة والكهنة: أين مكان السحر؟ ما سبب مرض فلان؟ أين؟ فهذا سؤال في الغيب النسبي، وهو يعتقد أن الشياطين لا تخبره، وأنه يعلم بهذا، فهذا كفر أكبر.

    القسم الثالث: أن يسألهم ويصدقهم في الغيب النسبي، وهو يعتقد أن الشياطين تخبرهم، وهذا الذي عليه عامة الناس، يسأله في الغيب النسبي وهو يعتقد أن الشياطين تخبره، فهذا فيه عقوبتان؛ العقوبة الأولى أنه كفر أصغر، والعقوبة الثانية: لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، كما جاء في الحديث السابق.

    القسم الرابع: مجرد أن يأتيه، فنقول: هذا لا يجوز؛ لما فيه من تكثير سوادهم، ولحديث معاوية بن الحكم في صحيح مسلم ، قال: ( ومنا رجال يأتون الكهان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا تأتهم ).

    القسم الخامس: أن يأتيهم لكي يبين دجلهم ويفضحهم، أو يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فهذا نقول بأنه مشروع، والنبي صلى الله عليه وسلم أتى ابن صياد وهو كاهن من الكهان، ودجال من الدجاجلة.

    ومثلها هذه القنوات، لا يجوز للمسلم أن يتابعها، وأن يتصل عليهم.

    1.   

    شرح حديث: (ليس منا من تطير أو تطير له...)

    قال رحمه الله: (وعن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعاً: ( ليس منا من تطير أو تطير له ) ).

    الطيرة كما سيأتينا، سيعقد لها المؤلف رحمه الله باباً مستقلاً، التطير في اللغة: التشاؤم، وأما في الاصطلاح: فهو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان أو معلوم، أو نقول: التطير: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم.

    قال: ( أو تكهن ).

    وقوله: ( تطير ). يعني: فعل الطيرة.

    ( تطير له ) يعني: أمر من يتطير له.

    ( تكهن ) فعل الكهانة، وكما تقدم لنا الكهانة: هي الإخبار عن المغيبات في المستقبل.

    ( أو تكهن له ) أي: أمر من يفعل له الكهانة.

    قوله: ( أو سحر ) فعل السحر، تقدم لنا تعريف السحر.

    قوله: ( أو سحر له ) أمر من يفعل له السحر.

    قال: ( ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) رواه البزار بإسناد جيد. ورواه الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: ( ومن أتى ).. إلى آخره.

    1.   

    تعريف العراف

    قال رحمه الله: (قال البغوي : العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك، وقيل: هو الكاهن).

    العراف موضع خلاف في تعريفه، فقيل بأن العراف هو الكاهن، وقيل: بأن العراف هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستخدمها، يعني: معرفة مكان الضالة ونحو ذلك بمقدمات يستخدمها، وقيل بأنه يشمل هذا كله، قيل بأنه اسم عام يشمل الكاهن والمنجم والعراف، وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    قال: (وقيل: الذي يخبر عما في الضمير) هذا القول الرابع.

    (وقال أبو العباس ابن تيمية : العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق) فأصبح العراف في تفسيره أربعة أقوال:

    القول الأول: أن المراد بالعراف: الكاهن.

    والقول الثاني: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستخدمها.

    والقول الثالث: الذي يخبر عما في الضمير.

    والقول الرابع: الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه شامل، وأنه اسم عام يشمل الكاهن ويشمل المنجم، ويشمل الرمال ونحو ذلك.

    1.   

    حكم النظر في النجوم

    قال رحمه الله تعالى: (وقال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد، وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق).

    قوله: (أبا جاد): يعني: يقطعون حروف أبجد هوز، التي تسمى حروف الجمل، ويتعلمونها لادعاء علم الغيب، ولا شك أن ادعاء علم الغيب ادعاء خصيصة من خصائص الله عز وجل: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65].

    (وينظرون في النجوم) سيأتينا باب مستقل إن شاء الله في ما يتعلق بالنجوم، فهم ينظرون في حركات النجوم ويستدلون بها على الحوادث الأرضية، وأن علم التنجيم ينقسم إلى قسمين: علم التسيير، وعلم التأثير، وكل قسم تحته أقسام.

    قال: (ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق) يعني: ليس له نصيب وحظ عند الله عز وجل، وهذا مما يدل على الكفر.

    1.   

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا)

    وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليس منا ) ظاهر هذا الكفر، لكن معنى هذا الحديث: ليس منا في هذا العمل، كذا معناه، وإلا ظاهره الكفر.

    ( ليس منا من تطير أو تطير له، أو سحر أو سحر له ) إن كان هذا العمل كفراً فهو على ظاهره، أي: ليس من النبي صلى الله عليه وسلم ولا من أتباعه إذا كان على ظاهره، فإذا كان عمله كفراً كادعاء علم الغيب ونحو ذلك، فهذا على ظاهره.

    وإن كان عمله ليس كفراً فنقول بأن قوله عليه الصلاة والسلام: ( ليس منا ). في هذا العمل.

    ومن ذلك حديث ابن مسعود في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية ).

    وفي هذا الحديث، الشاهد واضح، وهو: تحريم إتيان الكهنة والسحرة، وتقدم ما يتعلق بحكم إتيانهم.

    أيضاً في هذا قول ابن عباس : هذا الأثر كتابة أبي جاد وتعلمها لادعاء معرفة الغيب يدل على أنه كفر، لأن ادعاء معرفة الغيب هذا من خصائص الله عز وجل، وأيضاً النظر في النجوم لادعاء معرفة الغيب كفر، ولهذا قال: (ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق).

    1.   

    ما جاء في النشرة

    قال رحمه الله: [باب ما جاء في النشرة].

    مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر حكم السحر، ثم بعد ذلك ذكر ما جاء في النشرة؛ لأن النشرة قد تكون من قبل الشياطين، فتكون مضادة للتوحيد.

    ومناسبة هذا الباب لما قبله واضح؛ لأن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر ما يتعلق بالسحر، ثم ذكر ما يتعلق بإتيان الكهنة، ثم ذكر ما يتعلق بالنشرة.

    والنشرة: هي حل السحر، كما سيأتينا إن شاء الله أن حل السحر ينقسم إلى قسمين.

    قال رحمه الله تعالى: [عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال: ( هي من عمل الشيطان ). رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود ، وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله].

    النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة -يعني: النشرة التي كان يتعامل بها أهل الجاهلية-، فقال: ( هي من عمل الشيطان )؛ لأنهم ينشرون عن المسحور بسحر مثله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( هي من عمل الشيطان ).

    1.   

    أقسام النشرة وحكم كل قسم

    النشرة تنقسم إلى قسمين، يعني: حل السحر ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: حل السحر بالقراءات والأدعية المباحة ونحو ذلك، فهذا مشروع، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سحر رقته عائشة ورقاه جبريل.

    القسم الثاني: حل السحر بسحر مثله، فهذه هي التي حكم فيها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( بأنها من عمل الشيطان ).

    وأيضاً كما جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يكره ذلك كله.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذكر بأنه لا ضرورة إلى دواء؛ لأن فقهاء الحنابلة يقولون: يجوز حل السحر بسحر مثله ضرورة، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: بأنه لا ضرورة إلى دواء؛ لأن الله سبحانه وتعالى ما أنزل داءً إلا أنزل له دواء، فلا يصار إلى الدواء المحرم، وإنما يصار إلى الدواء المباح، لكن يحتاج إلى البحث عنه: ( فما أنزل الله عز وجل من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله ). ولم يجعل الله عز وجل شفاء هذه الأمة في ما حرم عليهم، ولا شك أن إتيان السحرة من أجل حل السحر محرم ولا يجوز.

    وتقدم لنا أن إتيان السحرة ينقسم إلى أقسام، ومنه ما يكون كفراً أكبر، ومنه ما يكون كفراً أصغر، ومنه ما يكون محرماً.

    وتقدم أن الشياطين أنها في الغالب لا تخدم الإنسي إلا بالشرك بالله عز وجل أو بالكفر، إما بالشرك أو بالكفر، يعني: إما بالذبح للمخلوق، أو بالسجود لغير الله عز وجل، أو بسب الله أو سب رسوله أو غير ذلك.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم.