إسلام ويب

شرح كتاب التوحيد [22]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • انقسم الناس في الشفاعة إلى ثلاثة أقسام: غالٍ وجافٍ ومتوسط. فغلا الصوفية والخرافيون إذ أثبتوا الشفاعة للموتى وأهل القبور، وجفت الخوارج والمعتزلة إذ نفوا ما أثبتته الأدلة، وتوسط أهل السنة فأثبتوا ما أثبته الدليل، ونفوا ما نفاه الدليل. والشفاعة ليست حقاً على

    1.   

    تابع الشفاعة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الشفاعة: [ قال أبو العباس : نفى الله عن ما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك، أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28].

    فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده ولا يبدأ بالشفاعة أولاً، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، واسأل تعط، واشفع تشفع.

    وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ( من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ).

    فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقتها: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص ]. انتهى كلامه.

    تقدم أن المؤلف رحمه الله تعالى تكلم عن الشفاعة، ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن فيه رداً على أهل الشرك الذين يعبدون مع الله عز وجل غيره، محتجين بأن هذه المعبودات تشفع لهم عند الله عز وجل، فأبطل الله عز وجل هذه الشفاعة، وحينئذٍ يبطل ما يتعلق به أهل الأوثان في الحديث والقديم من صرف أنواع العبادات لغير الله عز وجل، وتقدم لنا أن الشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية، وذكرنا أيضاً أنواع الشفاعات، وأيضاً قرأنا ما أورده المؤلف رحمه الله من أدلة.

    ثم نقل كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقصد من هذا الكلام أنه تفسير لما تقدم من الآيات التي ساقها المؤلف، يعني هذا الإيراد من المؤلف رحمه الله لكلام شيخ الإسلام هو عبارة عن تفسير لما ساقه المؤلف رحمه الله تعالى من آيات.

    قال: (وقال أبو العباس ) أبو العباس كنية شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني ، المتوفى سنة سبعمائة وثمان وعشرين للهجرة.

    (نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط) يعني: نصيب.

    (أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة) ليس لأحد ملك مع الله، وليس لأحد نصيب مع الله، وليس أحد عوناً لله عز وجل.

    (فلم يبق إلا الشفاعة، وأبطلها الله عز وجل، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]) فالشفاعة المثبتة يشترط لها شرطان:

    الشرط الأول: إذن الله عز وجل: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255].

    والشرط الثاني: رضاه سبحانه وتعالى عن المشفوع له، كما قال سبحانه وتعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28].

    قال: (فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]. فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة) يعني: الشفاعة التي يظنها المشركون هي شفاعة آلهتهم لهم.

    (كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم) وتقدم الأدلة على ذلك.

    (أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده -لا يبدأ بالشفاعة أولاً- ثم يقال: ارفع رأسك، وقل يسمع) يعني: السامع هو الله عز وجل.

    (واسأل تعط) والمعطي هو الله عز وجل.

    (واشفع تشفع).

    (وقال أبو هريرة : ( من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ).

    فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله) الذي يشرك بالله عز وجل هذا ليس له نصيب من الشفاعة، وآلهته أيضاً ليس لها نصيب من الشفاعة؛ لأن هذه شفاعة نفاها القرآن كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    (وحقيقته: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليكرمه وينال المقام المحمود).

    قوله: (حقيقته) يعني: حقيقة الأمر في بيان الشفاعة الصحيحة -لا كما يظنه المشركون- أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يأذن له الله بالشفاعة الكبرى ليكرمه، فتحصل له الكرامة عند الله عز وجل في ذلك الموقف العظيم وينال المقام المحمود، يعني: المقام الذي يحمده عليه الخلائق، والنبي صلى الله عليه وسلم في يوم القيامة له مقامات يحمده عليها أهل الخلائق، من هذه المقامات: الشفاعة العظمى.

    (فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك؛ ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواطن، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص) انتهى كلامه.

    بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص، كما جاء في حديث أبي هريرة : ( من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ).

    فالخلاصة في هذا: أن الشفاعة قسمان: شفاعة منفية، وهي شفاعة هذه المعبودات لعابديهم، هذه شفاعة منفية، وتقدم الأدلة على ذلك.

    والقسم الثاني: شفاعة مثبتة، والشفاعة المثبتة تقدم أن ذكرنا أن لها شرطين، وهي الشفاعة لأهل التوحيد والإخلاص، والشافع هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الشفاعة العظمى.

    وتقدم أيضاً أن الشفاعات تنقسم إلى قسمين: منها ما هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما ليس خاصاً بالنبي عليه الصلاة والسلام، هذه هي الشفاعات المثبتة.

    وتقدم أن ذكرنا سبعة أنواع من الشفاعات المثبتة، لكنها لا تكون لأهل الشرك؛ ولهذا أهل النار أو من استحق النار الذين يشفع فيهم أن يخرجوا من النار أو لا يدخلوا النار هؤلاء هم موحدون.

    1.   

    أقسام الناس في الشفاعة

    الناس في الشفاعة على وجه العموم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: من جفا في إثبات الشفاعة، وهم اليهود والنصارى والخوارج والمعتزلة، فهؤلاء -الخوارج- المعتزلة ينكرون الشفاعة، ويرون أن صاحب الكبيرة خالد مخلد في النار، واليهود والنصارى لا يرون الشفاعة أيضاً، ويرون أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى.

    القسم الثاني: من غلا في إثبات الشفاعة، وهم عامة القبوريين والخرافيين والصوفيين وأيضاً أهل الشرك؛ فهؤلاء غلوا في إثبات الشفاعة، فالمشركون في القديم أثبتوا الشفاعة لآلهتهم، وأنهم إنما عبدوها لتقربهم إلى الله زلفى، والقبوريون والصوفية.. إلى آخره أثبتوا الشفاعة للأولياء والأضرحة... إلى آخره.

    القسم الثالث: من توسط في إثبات الشفاعة، وهم أهل السنة والجماعة، فأثبتوا ما أثبته القرآن وأثبتته السنة، ونفوا ما نفاه القرآن ونفته السنة من شفاعة المعبودات دون الله عز وجل من الأصنام والأضرحة والقبور، وأثبتوا ما دل عليه الدليل، وتقدم أن ذكرنا أنواع الشفاعة.