إسلام ويب

شرح زاد المستقنع كتاب الوقف [2]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأهمية بمكان أن يدرك المسلم ما يلحقه من العمل بعد موته، والوقف هو مما يلحق ثوابه العبد بعد موته، وللوقف أركان لابد من الإحاطة بها، وكل ركن من هذه الأركان له شروط يجب تحققها حتى تتوفر الصفة الشرعية للوقف.

    1.   

    صيغ الوقف

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فإن للوقف أركاناً لابد من وجودها حتى يتحقق الوقف، ومن هذه الأركان: الصيغة.

    والوقف يستلزم وجود الواقف، وهو الشخص المالك للشيء الموقوف، وهو الذي يصدر منه الوقف، وسيأتي إن شاء الله بيان هذا الركن.

    فالركن الأول: الواقف، والركن الثاني: الشيء الموقوف، والمراد بالشيء الموقوف: المحل الذي يراد وقفه، سواءً كان من المساجد أو غيرها، وسيذكر المصنف رحمه الله ما يتعلق بهذا الركن من أحكام.

    الركن الثالث: الصيغة، وهي التي تشتمل على العبارة الموجبة للحكم بالوقف، وفي حكمها الأفعال، وقد تقدم أنها تنزل منزلة الأقوال في الدلالة على الوقف.

    الركن الرابع: الموقوف عليه، كأن يُوقف على أشخاص معينين؛ كأولاده وذريته، أو يوقف على شخصٍ معين، كصديق له، أو على جهة معينة، كقوله للفقراء، أو لطلاب العلم، أو نحو ذلك ممن سيأتي إن شاء الله بيانه عند الحديث عن جهة الوقف العامة والخاصة.

    إذاً: لابد من وجود الواقف -الشخص الذي يملك الوقف- وصيغة تدل على الوقفية، ومحل يراد ويقصد وقفه، وموقوف عليه يكون له منفعة ذلك الوقف.

    صيغ الوقف الصريحة

    شرع المصنف رحمه الله في هذه الجملة في بيان الصيغة.

    والصيغة القولية تنقسم إلى قسمين: فمن وقف وكان وقفه باللفظ فلا يخلو من أن يكون لفظه صريحاً: وذلك يكون بعبارة لا تحتمل إلا معنى الوقف، أو كناية: أي بعبارة محتملة للوقف وغيره، فللصريح حكم، وللكناية حكم.

    فقال رحمه الله: [وصريحه]

    الضمير عائد إلى الوقف والصريح هو الذي لا يحتمل معنى غير الوقف.

    قوله: [وقفت] والأصل في الوقفية هذا اللفظ، يقول: وقفت بيتي، وقفت عمارتي، وقفت مزرعتي، فهذا صريح في الوقفية.

    اللفظ الثاني [حبّست] يقول: حبّست مزرعتي صدقة للمساكين، حبّست مزرعتي على ذريتي.

    اللفظ الثالث: [سبّلت]، كقوله: سبّلت كتبي لطلبة العلم، فقوله: وقّفت أو حبّست أو سبّلت، هذه ثلاثة ألفاظ أجمع العلماء رحمهم الله على أنها صريحة في الوقفية.

    ودليل كون هذه الألفاظ صريحة في الوقف السنة والإجماع، أما السنة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعمر بن الخطاب : (إن شئت حبّست الأصل وسبّلت الثمر)، فاستخدم التحبيس وعبارة التسبيل، وبذلك نجد العلماء يطلقون على الأوقاف:الحُبُس، فيقال: ولا يجوز هذا إلا في الأحباس، أي الأوقاف.

    فالتحبيس والتسبيل وردت بهما السنة، والوقف هو الأصل، ولذلك يدل على الوقفية لغةً وعرفاً، فإذا قال شخص: وقفت منزلي، وقفت داري؛ فإنه إذا ثبت بشاهدة العدلين عند القاضي أنه قال هذه الكلمة حكم بالوقفية، فلو قال: قصدت غير الوقفية لم يقبل قوله؛ لأنها صريحة في الدلالة على الوقفية، ففائدة اعتباره صريحاً أنك تحكم بالوقفية دون أن تتوقف على لفظ آخر، أو على نية، أو على شيءٍ يُقرن به ذلك اللفظ حتى يُحكم بالوقفية.

    إذاً صريح الوقف هذه الثلاثة الألفاظ، فمن قال: وقفت أو حبّست أو سبّلت، حكمنا بالوقفية، حتى قال بعض العلماء: إنها لا تفتقر إلى لفظ آخر حتى نحكم له بالوقفية، فصريح الوقف كصريح الطلاق، فإذا قال: طلقت زوجتي؛ حكمنا بالطلاق ولو قصد شيئاً آخر، ما لم تقم بينة أو تقم قرينة دالة على أنه لا يريد الطلاق كما تقدم معنا في كتاب النكاح.

    إذاً هذه ثلاثة ألفاظ، دل على كونها صريحة دليل السنة والإجماع، وفائدة اعتبارها صريحة: أننا نحكم بالوقفية بمجرد صدورها عن المكلف دون افتقار إلى لفظ أو إلى حكم أو إلى نية.

    وبعض العلماء يقول: إنه لو قال: وقّفت، ولم يقصد الوقفية، ولم ينو الوقفية، وإنما قصد معنىً آخر فإنه في الظاهر يحكم بالوقفية، لكن في الباطن لا تثبت الوقفية، كما لو قال: طلقت زوجتي، فإنها تطلق قضاءً ولا تطلق ديانة كما تقدم معنا في كتاب النكاح.

    فقال رحمه الله: [وصريحه: وقفت وحبّست وسبّلت].

    صيغ الوقف غير الصريحة

    ثم قال رحمه الله: [وكنايته: تصدقت وحرمت وأبّدت]

    ابتدأ بالصريح لأنه أقوى وهذا من باب التدرج من الأعلى إلى الأدنى.

    وقوله: (وكنايته): من كنّ الشيء إذا استتر، ومنه الكن، وهو الشيء الذي يُتقى به المطر، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما استسقى ونزل الغيث وفر الناس إلى الكن ضحك عليه الصلاة والسلام حتى بدت نواجذه وقال: أشهد أني رسول الله)، صلوات الله وسلامه عليه.

    فالكن أصله الاستتار، والكنايات ألفاظ تحتمل معنيين فأكثر، فإذا تلفظ بهذه الألفاظ احتمل أن يكون قصده الوقفية، واحتمل أن يكون قصده شيئاً آخر مما يحتمله اللفظ.

    وبناءً على ذلك لا نحكم بالوقفية بمجرد تلفظه بهذه الألفاظ المحتمِلة؛ لأن الله جعل لكل شيء حقه وقدره، فما كان صريحاً نعامله معاملة الصريح، وما كان محتمِلاً سألناه عن نيته، أو يذكر لفظاً أو حكماً يوجب الدلالة على الوقفية.

    قوله رحمه الله: (وكنايته) يعني: كناية الوقف.

    وقوله: (تصدقت): إذا قال: تصدقت بمزرعتي، فيحتمِل أمرين، يحتمل أنه تصدق بثمرة هذه السنة للفقراء، ولا يقصد الصدقة الأبدية؛ لأن الوقف صدقته أبدية، ويحتمِل أن يكون مراده الوقفية، فقوله: تصدقت بمزرعتي، يَحتمِل أنه يقصد الوقفية إلى الأبد.

    فاللفظ محتمِل ومتردد بين هذين المعنيين، فيُسأل عن نيته، هل نويت حينما قلت: تصدقت بمزرعتي؛ الوقفية؟ إن قال: نعم. حكمنا بالوقفية، وإذا قال: لم أنو الوقفية، لم نحكم بها، هذا بالنسبة لما بينه وبين الله عز وجل من نيته، لكن لو قال: تصدّقت بمزرعتي وقفاً لله عز وجل فحينئذٍ لا إشكال؛ لأنه إذا قرن بها واحداً من الألفاظ الخمسة فقد أكد إرادته للوقفية كما سيأتي.

    وقوله: (وحرمت) التحريم يحتمِل منع الإنسان نفسه من ذلك الشيء، كأن يقول: حرام علي أن آكل من مالي، حرام علي أن آكل من بستاني، حرام علي أن آكل طعامي، فهذا منهي عنه شرعاً، لا يجوز للمسلم أن يحرِّم ما أحل الله له، ويجعله حراماً؛ لأن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله.

    وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أحل أشياء فلا تحرموها، وحرم أشياء فلا تحلوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها).

    ولذلك قال تعالى لنبيه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم:1]، وهذا كله يدل على أنه لا يجوز للمسلم أن يحرِّم ما أحل الله له؛ لكنه لو تلفظ بهذا اللفظ فقال: حرمت بستاني، احتمل أنه محرِّم لبستانه على نفسه، واحتمل أنه محرم لبستانه على أهله وولده وذريته وقرابته، واحتمل أن يكون محرِّماً بستانه أن يباع، أو نحو ذلك من الاحتمالات.

    واحتمل أن يكون مقصودُه الوقفية، فيقول حرّمت بمعنى أنه جعله محرماً عليه كأنه خرج عن ملكيته؛ لأن الشيء إذا خرج من ملكيتك صار ممنوعاً عليك، لا تستطيع أن تتصرف فيه كمال الأجنبي، فمن أوقف أرضاً، أو أوقف عقاراً أو منقولاً، فقد أخرجه عن ملكيته فصار بالوقفية كالمحرم عليه.

    فهو لفظ محتمِل ويعتبر من ألفاظ الكناية، ولذلك لا يحكم بالوقفية بمجرد صدوره من المكلف.

    قوله: (وأبّدتُ) الأبد: مدى الدهر، ولا يتقيد بزمان، والوقف مبني على التأبيد، ومن شرطه التأبيد، فلا يصح أن يكون مؤقتاً، وليس لأحد أن يقول: أوقفت داري شهراً، ولا يصح أن يقول: أوقفت مزرعتي سنة، فإذا كان الوقف من صفاته التأبيد، وقال: أبدت مزرعتي، احتمل أن يقصد الوقفية، واحتمل أن يقصد غير الوقفية من الأمور التي يحتملها هذا اللفظ، وقد تكون هناك احتمالات عرفية، وقد تكون هناك احتمالات لفظية.

    فإذا قال: أبّدت، فإنه لفظ متردد، ولا يدل على الوقفية صراحة، ومن هنا اعتبره العلماء من ألفاظ الكنايات، فلا نحكم بكونه وقفاً حتى يضيف لفظاً آخر مؤكداً لوقفيّته، أو تكون هناك نية دالة على الوقفية، أو يَقْرِن به حكماً من أحكام الوقف فينصرف اللفظ إلى الوقفية.

    تعتبر صيغ الوقف غير الصريحة بأمور

    قال رحمه الله: [وتشترط النية مع الكناية]

    الكناية لا يُحكم بالوقف بها إلا بأحد ثلاثة أمور: الأول: أن ينوي في قرارة قلبه، ونحن لا نستطيع أن نكشف عما في ضمائر الناس، ولا نستطيع أن نطَّلع على ما في قلوبهم، فذلك أمره إلى الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، ولذلك قال تعالى: أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [العاديات:9-10]، وقال: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الأنفال:43]، فهو وحده سبحانه الذي يعلم ما في قرارة النفوس، وما انطوت عليه القلوب، لكن لنا حكم الظاهر، فإذا تلفظ بهذا اللفظ المحتمل، فإننا نتوقف؛ لأن اللفظ المتردِّد يوجب التوقف، فكل ما تردد بين شيئين لم يجز لك أن تصرفه إلى شيء دون آخر يحتمله إلا بدليل.

    ولذلك يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]، فلما كان خبر الفاسق متردداً بين كونه صدقاً وبين كونه كذباً أوجب التوقف، فكل شيء متردِّد يوجب التوقف ما لم يقم الدليل على رُجحان ظن من الظنون على بقيتها.

    فإذا كانت ألفاظ الكناية محتمِلة فإنا نتوقف ونقول: هذا لفظ لا يدل على الوقفية صراحة.

    اختصم إليك ورثة، وقال أحدهم: سمعت أبي يقول: سبّلت مزرعتي، فقال بعضهم: هذا وقف، وقال بعضهم: قصد التسبيل في ذلك العام، نقول: إنه ليس من ألفاظ الوقف الصريحة ما لم يكن الميت قد صرح لهذا الذي يزعم الوقفية أنه قصد الوقفية؛ لأنه أمر متعلق بالنية، فإذا لم يصرح له فإنا نسأل: هل هناك لفظ آخر غير قوله: سبّلت بمزرعتي؟ قال: ما قال إلا تصدقت بمزرعتي.

    فنقول: هي صدقة في ذلك العام قطعاً من حيث الأصل؛ لكن لا يُحكم بوقفيتها على الدوام ما لم يصرح بنيته أو يوجد دليل آخر من اقتران لفظ، أو وجود حكم من أحكام الوقف الخاصة به، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فإن خلا لفظ الكناية عن هذه الثلاث فلا نحكم بالوقفية بمجرده؛ لأنه ليس بصريح.

    قال رحمه الله: [أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة]

    (أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة) هذا الأمر الثاني، وهو أن يقترن بقوله: (داري صدقة موقوفة)، فإنه لما قال (داري صدقة) لم يدل على الوقفية صراحة؛ إنما يدل دلالة محتمِلة، فلما قال (موقوفة) دل هذا على أنها وقف، وأن لفظ (صدقة) لما وصف بكونه وقفاً أوجب الحكم بالوقفية.

    وكذلك إذا قال: (داري صدقة مسبّلة)، (داري صدقة محبوسة)، (داري صدقة مؤبَّدة)، (صدقة محرمة)، فهذه هي بقية الألفاظ الخمسة، وحينئذ فإننا نحكم بالوقفية.

    فهذا هو الأمر الثاني، فإما أن توجد النية، وهذا يفتقر إلى أن يُخبرك الشخص المتلفظ، أو يخبر العدلين حتى يُحكم بذلك إذا لم يكن موجوداً كالميت ونحوه.

    أو يقترن بهذا اللفظ الذي هو من ألفاظ الكناية الثلاثة (تصدقت حرمت وأبدت) لفظ من ألفاظ الأوقاف سواء كان لفظاً صريحاً أو لفظ كناية؛ لأن الكناية مع الكناية عزّزت من المقصود وارتقت من الاحتمال إلى كونها أشبه بالصريح، فغلّبت الظن بأنه قصد الوقفية، وحينئذٍ يُحكم بكونه وقفاً إذا اقترن بأحد الألفاظ الخمسة.

    والمراد بذلك أنك إذا اخترت لفظاً من ألفاظ الكناية بقيت خمسة ألفاظ، ثلاثة صريحة، واثنان منها كناية، فإذا قال: تصدقت، أو قال: حرّمت، أو قال: أبّدت؛ فإنه لابد أن يضيف إليها لفظاً من هذه الألفاظ الخمسة الباقية.

    قال رحمه الله: [أو حكم الوقف]

    هذا هو الأمر الثالث الذي نحكم بسببه بالوقفية إذا اقترن بالكناية، كأن يقول: (داري صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورَّث)، فالذي لا يباع ولا يوهب ولا يورث إنما هو الوقف، فإذا صرّح بذلك فقد دل على أنه قصد بها صدقة الأوقاف، وأنه أراد تحبيسها وإيقافها، فيحكم بوقفها.

    فلا يحكم بالوقف بلفظ الكناية إلا مع أحد ثلاثة أمور:

    أولها: النية، وهذا يفتقر إلى كلام الشخص نفسه، وإخباره أنه قصد الوقفية.

    والأمر الثاني: اقتران لفظ من الألفاظ الخمسة الباقية.

    والأمر الثالث: أن يقرن بلفظ الكناية حكماً من أحكام الوقف، فيقول: (مزرعتي صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث)؛ فإن هذا من اختصاص الوقف، ومن أحكام الوقف، فيكون ذكر هذا الحكم دالاً على إرادته للوقفية فيُحكم بكون الوقف ظاهراً، وحينئذٍ يكون لفظ الكناية بمثابة الصريح الموجب للوقفية.

    1.   

    ما يشترط في الوقف

    قال رحمه الله: [ويشترط فيه المنفعة دائماً]

    شرع رحمه الله ببيان الشروط المتعلقة بالأوقاف، وشروط الأوقاف تنقسم إلى أقسام على حسب الأركان، فهناك شروطٌ تتعلق بالشخص الواقف، وهناك شروط تتعلق بالشيء الذي يراد وقفه، وهناك شروط تتعلق بالجهة، أو بمن يُوقف عليه.

    وجود المنفعة مع بقاء العين الموقوفة

    فقال رحمه الله: [ويشترط فيه المنفعة دائماً]

    (ويشترط فيه) يعني: في محل الوقف، فلا يقع الوقف على شيء إلا إذا استوفى شروطاً، ولا نحكم بوقفية كل شيء، وبعبارة أخرى أن الوقف يختص بأشياء دون أشياء.

    وبناءً على ذلك يرد السؤال: ما هي الأشياء التي يمكن وقفها؟

    الجواب: كل عين فيها منفعة قابلة للانتقال بالتمليك، ودائمة لا تفوت العين بها.

    فلمّا قلنا: كل عينٍ، خرجت المنافع؛ لأن الأشياء أعيان ومنافع، فالعين هي الرقبة مثل الدار والمزرعة، فكل عين لها منفعة يمكن أن يتعلق الوقف بالعين، ويمكن أن يتعلق بالمنفعة، فإذا تعلق بالعين تبعت المنفعة العين، وأما إذا تعلق بالمنفعة فإن هذا لا يستلزم وقفية العين.

    وبناءً على ذلك فالوقف لا يصح إلا إذا كان بالعين، فلا يتعلق الوقف بالمنافع، ومن أمثلة المنافع السكنى، فلو أن شخصاً ملك منفعة دارٍ شهراً، كأن يستأجر عمارة لمدة شهر، أو يستأجر عمارة سنة، أو يستأجرها عشر سنوات، ثم قال: أوقفت هذه المنفعة عشر سنوات على طلاب العلم؛ فإنه لا يصح؛ لأن الوقف لا يتعلق بالمنافع.

    ولذلك يشترط في محل الوقف أن يكون من الأعيان لا من المنافع، وهكذا لو قال: أوقفت الركوب على الدابة، فلا يصح، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى هذا الشرط: (إن شئت حبّست الأصل وسبّلت الثمر)، فجعل المنفعة تابعة للعين وجعل الوقفية متعلقة بالعين.

    ثانياً: أن تكون هذه العين مشتملة على منفعة لا تفوت بفواتها لو تعلقت الوقفية بها، فإذا أوقف عيناً ولها منفعة وكانت المنفعة لا تتحقق إلا بذهاب العين لم تصح الوقفية، ومن أمثلة ذلك أن يوقف طعاماً على فقير فإن انتفاع الفقير بالطعام لا يمكن أن يكون إلا بالأكل، وحينئذٍ تكون منفعة الموقوف مفضية إلى ذهاب عين الموقوف.

    ولا يصح الوقف على هذا الوجه، فلا يصح وقف الطعام على هذا الوجه؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا بذهاب عينه، والنبي صلى الله عليه وسلم عبّر في الوقف بعبارتين (إن شئت حبّست الأصل وسبّلت الثمر)، فلو قلنا بصحة وقفية الطعام ووقفية الأعيان التي تذهب بالانتفاع بها، فإن هذا يناقض الوقف؛ لأن الوقف حبس الشيء: (إن شئت حبّست الأصل)، وهو إذا قال أوقفت هذا الطعام صدقة على المسكين؛ فإن انتفاع المسكين مفتقر إلى فوات الطعام، والوقف حقيقته أن يبقى الأصل محبوساً، فلا تتحقق الوقفية، ولا يمكن أن يكون الطعام باقياً؛ لأنه يُستنفد ويستهلك بالأكل.

    ومن هنا تخرّجت أيضاً مسألة وقفية الدراهم والدنانير، كأن يقول: هذه مائة ألف وقف على الفقراء والمساكين، فهذا لا يصح؛ لأن الذهب والفضة لا يصح وقفها في قول عامة أهل العلم كما حكاه الإمام ابن قدامة رحمه الله وغيره، فذكر أن وقف الأثمان لا يصح، لأنه لا يمكن أن ينتفع بالذهب والفضة إلا بالشراء وبذلها، فإذاً منفعتها موجبة لذهاب عينها، والوقف يستلزم بقاء العين.

    فصار هناك تناقض بين حقيقة الوقف ووجود الثمرة والمقصود من التحبيس والوقفية، ومن هنا لا بد وأن تكون العين باقية، وألا يكون الانتفاع بهذه العين موجباً لفوات العين، إلا أن بعض العلماء استثنى من الذهب والفضة أن يكون من الحلي كالأسورة والقلائد ونحوها، فقال: يصح وقفية الحلي يعار للضعفاء والفقراء يتجملون به ويلبسونه، فهذا يخفِّف فيه بعض العلماء فيقول ستبقى القلادة، فحقيقة الوقفية منضبطة؛ لأن القلادة ستبقى، والمنفعة بالتزين ممكنةً، وهذه مسألة لها أصل تقدم في مسألة إجارة الحلي، وأياً ما كان من حيث الأصل لا تصح وقفية الدراهم والدنانير، فلو قال: هذه مائة ألف وقف لم تصح وقفيتها.

    وهنا مسألة انتشرت في بعض البلدان الإسلامية، ويوجد من يفتي بها وهي مسألة عجيبة، يقولون: يمكن للغني بدل أن يعطي الفقراء والضعفاء أموال الزكاة، قال بعض المتأخرين والباحثين بأنه يجوز أن تؤخذ هذه الزكاة وتبنى بها عمائر، أو تبنى بها محلات تجارية قبل إعطائها للفقراء ثم يؤخذ ريع هذه العمائر ويُتصدق به على الفقراء.

    يقول: هذا أفضل من أن نعطيهم النقود لأنهم يضيعونها أو يتلفونها، ثم إن هذا استثمار يدر عليهم أرباحاً أكثر وأفضل مما لو أخذوا هذا المال، وهذه فتوى باطلة، لا تستند لاجتهاد صحيح؛ لأن الزكاة حق في المال للفقراء ومن سمى الله من أهل الزكاة كما قال تعالى: وفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج:24]، فهذا يدل على أن الزكاة حق للمسكين، وإذا كانت حقاً للمسكين؛ فإن بناء العمارة بها، أو شراء الأرض من أجل بناء العمائر عليها، أو ما يستغل أو يستثمر يفتقر إلى وجود الإذن من المالك، والفقير ما فوّض الغني بأن يبني له، ولم يفوضه أن يقوم بهذا الاستثمار، فحينئذٍ يبنيها الغني على ملكه، ويصبح فعله هذا معطِّلاً للزكاة، ولا يترتب عليه ملكية المساكين وأهل الزكاة لهذا المال.

    ثم إذا قلنا: إنها حق لمن سمى الله عز وجل من أهل الزكاة فمن الذي يستحق هذه العمائر من الأصناف الثمانية، ومن الذي تكون له هذه الاستثمارات؟

    فمثل هذه الاجتهادات التي لا تستند إلى أصولٍ صحيحة، ولا تتفرع على أصول علمية ذكرها العلماء والأئمة؛ فإنه لا يعوّل عليها، ولا يلتفت إليها وهي باطلة.

    فالشاهد من هذا أنه لا تصح وقفية الدراهم والدنانير؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بها إلا بذهاب عينها؛ فإذاً لا يمكن أن تبقى وقفاً، وإذا انتُفع بها تعطلت الوقفية، وإذا بقيت وحُبِّست امتنعت عن المنفعة، فأصبح الأمر متناقضاً، ولذلك قال العلماء رحمهم الله: لا تصح وقفية الأثمان ولا المطعومات ولا الرياحين، ومثلوا بالرياحين؛ لأنها تُشَم وتُعصر فإذا شُمّت تلفت وفسدت وذهب ما فيها من النكهة والرائحة، وإذا عصرت أيضاً فسدت، فالمنفعة فيها موقوفة على إتلاف عينها، فلا تصح وقفيتها من هذا الوجه.

    قال رحمه الله: [ويشترط فيه المنفعة دائماً من عين ينتفع به مع بقاء عينه]

    (دائماً) لأن الوقف على التأبيد، وذلك كما أشرنا إلى أن الوقفية لا تصح مؤقتة، فلو قال: أوقفت داري شهراً، أو أوقفت مزرعتي سنة، فإن هذا لا يصح؛ لأن الوقف المؤقت باطل، فلابد وأن يكون الوقف على التأبيد، ولذلك يذكر العلماء من شروط صحة الوقف أن يكون على التأبيد.

    فإذا كان الوقف على التأبيد فهو أن تبقى العين غالباً، وأن يكون تحبيسها وإيقافها إلى الأبد.

    قال رحمه الله: [كعقار وحيوان ]

    (كعقار) أي كما لو أوقف عقاراً، كأن يوقف عمارة، أو يوقف بيتاً، ويجعله مسكناً للأيتام والأرامل والمحتاجين، أو يوقف عمارة على طلاب العلم، أو على أهل العلم يأخذون ثمرتها وغلتها، فإذا أوقفها على طلاب العلم من أجل أن يسكنوا فيها كما في الأربطة فلا إشكال، ويكون استحقاقه من جهة السكن، وإذا أوقفها على أهل العلم على أنها تُستغل ويكون لأهل العلم أخذ غِلتها، فهذا شيء آخر، فيُقسم نتاج الأجرة كما هو معلوم.

    [كعقار وحيوان]

    وقوله: (كعقار وحيوان) مثّل رحمه الله بالعقار والمنقول، والحيوان مثل الإبل والبقر والغنم، بأن يُوقِف الدابة ويوقف منافعها، يحبِّس الأصل ويسبّل الثمرة، وإذا سبّل الثمرة في البهيمة، فإما أن يسبّل ركوبها مثل البعير يجعله للركوب في سبيل الله عز وجل، سواءً للجهاد في سبيل الله، كأن يقاتَل عليه ويجاهد في سبيل الله عز وجل، وكذلك الفرس لو أوقفها في سبيل الله عز وجل، وتكون البهيمة محبّسة الأصل مسبّلة الثمرة أيضاً بأن يُتصدق بحليبها، فيُجعل حليبها كما في البقرة أو في الشاة، يحبِّس أصلها ويجعل حليبها صدقة للضعفاء والفقراء.

    أن يكون الوقف على جهة قربة

    قال رحمه الله: [وأن يكون على بِرٍ، كالمساجد والقناطر والمساكين، والأقارب من مسلم وذمي، غير حربي وكنيسة ونسخ التوراة والإنجيل وكتب زندقة]

    في المثالين السابقين (كعقار وحيوان) العقار لا يزال إلى زماننا موجوداً، والحيوان لا يزال إلى زماننا موجوداً؛ ويدخل في حكم الحيوانات السيارات في زماننا، فلو أن شخصاً أراد الخير، وأراد مرضاة الله عز وجل، فعلم أن هناك طلاب علم يفتقرون إلى وسيلة تنقلهم إلى مدارسهم، فأوقف سيارةً لنقل طلاب العلم، أو طلبة التحفيظ، من أجل أن يحفظوا كتاب الله عز وجل في مسجد بعيد، فأوقف هذه السيارة من أجل نقلهم، أو أوقف سيارة لنقل المصابين والمرضى، كما في سيارات الإسعافات ونحوها، إن احتسب الأجر عند الله في مكان يفتقر إلى وجودها، فاشترى سيارة وقال هذه السيارة وقف لنقل المصاب والمريض، أو كانت في الجهاد في سبيل الله عز وجل لنقل المصابين، فهذه في حكم وقف الحيوان، يحبِّس الأصل التي هي رقبة السيارة، وتسبّل منفعتها من الركوب عليها.

    وقد يكون للواقف احتياط في بقاء العين كما سيأتي إن شاء الله، فالسيارة قد تحتاج إلى مئونة كالدابة فتسري عليها أحكام الدواب، فالدواب كانت تحتاج إلى علف وتحتاج إلى رعاية من بيطرة ونحوها إذا مرضت أو أصابها شيء، فبعضهم يحتاط فيجعل الرقبة متصدقاً بها، ويجعل جزءاً من منافعها يُستغل بحيث يكون ما يُستغل موجباً لدفع التكاليف التي يُحتاج إليها، ويمكن أن يوقف أكثر من سيارة، فيجعل بعضها للاستغلال من أجل أن تبقى الرقاب، وبقية السيارات التي يقصد بها الرفق، سواءً كانت في إسعاف المرضى والمصابين، أو كانت لنقل طلاب العلم، أو غير ذلك مما يُقصد به وجه الله والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

    هكذا لو كان له قرابة، ويحتاجون إلى سيارة يتنقلون بها، فقال لهم: هذه السيارة أوقفتها عليكم، فأوقفها على قرابته من أجل أن يرتفقوا ويقضوا عليها مصالحهم، فهذا يمكن أن يكون من وقف الخير والبر، ويُثاب الإنسان عليه، ويكون صدقة وصلة رحم.

    ونحو ذلك مما هو موجود في زماننا كالآلات، فالآلات مثلاً يمكن أن تُوقف، كما في القديم كانت الآلات التي يُجاهد بها من أسلحة القتال والجهاد في سبيل الله منها ما هو موقوف، وذكر العلماء في ذلك حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمّا بعثه النبي صلى الله عليه وسلم للصدقة كما في الصحيحين فقال: منع خالد والعباس وابن جميل فقال صلى الله عليه وسلم: (وما تنقمون من خالد فإنه احتبس أَدرُعه ومتاعه في سبيل الله)، فجعل الآلات الدروع التي يُجاهد بها محبوسة، فدل هذا على جواز ومشروعية احتباس الآلات.

    وفي زماننا لو حبّس أي آلات يُنتفع بها في مصالح المسلمين عامة كحفر القبور، وآلات يشق بها الطرقات كما هو موجود الآن عندنا في بعض الوسائل التي يستعان بها لتكسير الصخور، ولحفر الآبار، ولشق الطرقات، فهذا كله مما يمكن إيقافه، فيُحبَّس الأصل وتُسبّل ثمرته ومنفعته، ويكون وقفاً على من سماه الواقف.

    قوله رحمه الله: [وأن يكون على بر]

    أي: ويشترط في صحة الوقف أن يكون على بر، والبِر كلمة جامعة لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، وأكثر ما يكون البر في الأفعال، ولذلك عمّمه الله سبحانه وتعالى، فجعل من البر ما يكون من الاعتقادات والأعمال الظاهرة، ومنه الإيمان بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

    وجعل من البر إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وجعل من البر الوفاء بالعهد، وجعل من البر الصدقة على المساكين وذوي القربى والمحتاجين.

    فهذا معنى البِرّ العام، ولذلك قرن الله سبحانه وتعالى البِرّ بالتقوى، فجعل البِرّ تقواه سبحانه وتعالى إشارة إلى عمومه وشموله لأصول الإسلام ومحاسنه، كما قال سبحانه وتعالى: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى [البقرة:189]، فجعل البار الكامل في بره من اتقى الله سبحانه وتعالى.

    فدل على أن البر من الألفاظ العامة الشاملة لما يحبه الله ويرضاه من الطاعات والقربات، سواءً كانت من الأمور المتعلقة بالاعتقاد، وهي أفضل البِر وأحبه إلى الله سبحانه وتعالى، كالإيمان به سبحانه وتوحيده، وحسن الظن به جل جلاله، ومحبته، وخشيته، والاستعانة به، والتوكل عليه ونحو ذلك من أعمال القلوب، أو كانت من الأعمال الظاهرة من شعائر الإسلام العظيمة كإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.

    فلو أوقف شيئاً، وقصد به البِر صح وقفه، وبعض العلماء يقول: على بِرِّ ومعروف، والمعروف أكثر ما يكون في الأقوال، ولذلك يقال: أمر بالمعروف، ويجعل بعض العلماء بين البِر والمعروف عموماً وخصوصاً، وإذا أوقف على بِرٍّ يشمل فإنه وقف المساجد من أجل الصلاة فيها، وإقامة حلق الذكر والمحاضرات والدروس، هذا كله من البِر الذي يحبه الله ويرضاه.

    كذلك أيضاً لو أوقف كتباً يُتعلم منها، ويستفاد منها، فهذه صدقة جارية تكون وقفاً؛ لأنها على بِر وعلى طاعة، كمن أوقف مصاحف يقرأ فيها الناس، ويتعلم أو يحفظ منها طلاب العلم، فإن أوقفها على مدرسة فغالباً ما تكون للحفظ، أو أوقفها على مسجد، فغالباً ما تكون للقراءة، وهذا كله من البِر.

    كذلك يُوقِف بقصد الصلة للرحم، كأن يوقف على قرابته، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. فقوله رحمه الله: (أن يكون على بِر) يعني يكون الوقف على بِر، مفهوم ذلك أن الوقف لا يكون على معصية، فإذا أوقف على معصية الله عز وجل، فإنه وقفٌ ممنوع، وليس بوقف مشروع.

    ومن هنا مثل العلماء رحمهم الله بوقفية آلات اللهو والمعازف، وكذلك الوقف على المعاصي، مثل قطع الطريق وإخافة الآمن، ونحو ذلك مما فيه ضرر على المسلمين عامهم أو خاصهم، فلا يجوز مثل هذا، وليس من الوقف الشرعي، بل هو وقف محرّم ولا يعتد به.

    قوله رحمه الله: [كالمساجد]

    فإن المساجد تعتبر من أَبَرِّ البر، وأعظم ما يكون من طاعة الله عز وجل بعد توحيده أن يقيم المسلم صلاته، والمساجد محلٌ لإقامة الصلاة وذكر الله عز وجل، فالوقف عليها فيه أجرٌ عظيم وثوابٌ كبير، ثم يختلف البِر في المساجد، فالبِر في المساجد التي تقام فيها الجمعة أعظم من البِر في المساجد التي تكون فيها الجماعات، مساجد الجمعة والجماعات أفضل من مساجد الجماعة فقط؛ لكن بعض العلماء يقول: مساجد الجماعة قد تكون أفضل من مساجد الجمعة من وجه، وهذا في أحوال خاصة؛ كأن يبني مسجداً في حي مكتظ بالناس يصلون فيه، ويمتلئ المسجد في الصلوات الخمس.

    فإذا حسبت ما يكون طيلة الأسبوع من الفروض الخمس مقروناً بمسجد تقام فيه الجمعة والجماعة، ولكن العدد قليل فقد يفوقه في الأجر من هذا الوجه، لكن هذا فيه نظر كما قال بعض مشايخنا رحمة الله عليه، وذلك أن الجمعة من حيث الأصل لها فضيلة، وصلاة الجمعة مفضّلة بتفضيل الله عز وجل ليومها ولهذه الشعيرة، فوجود الفضل الخاص لها يعطي مزية في الوقف على مسجدٍ مشتمل على المعنى العام، وهي في الصلوات الخمس دون هذه المزية الخاصة.

    فلا نستطيع أن ننزِّل الصلوات الخمس منزلة الجمعة من هذا الوجه، حتى إن بعض العلماء كان يرى أنها الصلاة الوسطى كما ذكرنا في الخلاف في تعيين الصلاة الوسطى، وإن كان الصحيح أنها صلاة العصر؛ لكن الشاهد أن الله سبحانه وتعالى فضل الجمعة وخصها بخصائص، فإذا أوقف على مسجد فيه جمعة وجماعات، فذلك أفضل من الإيقاف على مسجد فيه جماعة فقط.

    ثم ينبغي على من يوقف على المسجد أن يراعي أموراً تزيد في الخير والبر؛ فمثلاً: إذا كان في موضعٍ لا يدري هل يبقى أهله على الإسلام أو لا، أو أهله مقصرون في الصلاة، فليس مثل أن يكون بمثل موضع عرف أهله بالمحافظة على الصلوات ويغلب على الظن بقاء المسجد دهراً طويلاً.

    فوقفية المساجد في الأماكن التي يستقر فيها الإسلام، ويكون الناس حريصين فيها على الصلوات أفضل، وكذلك في الأماكن النائية حيث الحاجة شديدة، كالبوادي ونحوها، حيث يكون الخير فيهم أكثر، والأجر فيهم أعظم مما لو أوقف في مكانٍ لا يضمن أن أهله ينتكسون عن الإسلام أو يتحولوا عن الموضع الذي هم فيه، فتتفاضل المساجد بحسب ما يكون فيها من الخير والبِر.

    ثم أيضاً إذا أوقف على المسجد، وكان أهله حريصين على ذكر الله وإقامة المحاضرات ومجالس الذكر، والجلوس في المسجد أكثر من غيرهم، فالوقف على أمثال هؤلاء أفضل من الوقف على غيرهم.

    وقال بعض مشايخنا رحمة الله عليهم: إن الوقفية في الأماكن المفضلة أفضل من الوقفية في الأماكن المفضولة، فالمسجد في مكة والمدينة أفضل من غيرهما، فإن وقفية المسجد في الحرمين ليس كوقفية المسجد في غيرهما، وهذا راجع إلى التفضيل بالمكان؛ لأنه مزية فضل، ويقولون: إن هذا أعظم في أجره وأفضل مما لو صرفه في غيره.

    وقوله: (والقناطر) أي: بناء القناطر، وكانوا في القديم يحتاجون، القناطر تكون لمجرى الماء، كانوا يبنون القناطر للمياه يستقي منها الناس، ويسقون منها مزارعهم، ويسقون منها دوابهم، فهذه القناطر تكون مسبّلة على عموم المسلمين، غالباً ما تكون الوقفية فيها على عموم المسلمين، فالأجر فيها أعظم، كالمساجد تكون على عموم المسلمين، ولا تختص بطائفة ولا بجنس، وغالباً ما تكون على عموم المسلمين مثلما كان في بعض المدن الإسلامية تجري الأنهار في داخلها، فوجود القناطر تحفظ المياه وتصونها، وجري الماء في القنطرة يسهِّل وصوله إلى الناس.

    وربما احتاجت القنطرة إلى بناء فبناها وأوقفها، فهذا لا شك أنه أفضل وأعظم أجراً، وتتفاضل القناطر أيضاً بحسب ما يكون منها من النفع، فالقناطر التي ينتفع بها العامة، ويستقي منها الناس، وتسقى منها المزارع والدواب، ليست كالقناطر الخاصة التي تكون منحصرة، فالقناطر متفاوتة في الفضل بحسب ما يكون منها من الخير والبِر.

    قوله: (والمساكين): لأن المساكين يكون البر من جهة الرفق بهم؛ لأن الإحسان إلى المساكين والإنفاق عليهم من البِر، فهذا تعبير بالشخص الذي يُعطى، أو بالمحل الذي يوقف عليه، وقد تكون (المساكن)؛ أي: (كالمساجد والقناطر والمساكن)؛ لأن المساكن يُؤوى إليها، فمثّل بالمساجد التي فيها منافع دينية غالبة وراجحة، وإلا قد تكون فيها منفعة دنيوية كأن ينام في المسجد، أو يأوي إليه فيرتاح فيه؛ لكن المنافع الدنيوية فيها تكون تابعة.

    والقناطر منافعها غالباً ما تكون دنيوية، وتكون أيضاً المنافع الدينية فيها كالوضوء والاغتسال ونحو ذلك.

    والمساكن تكون جامعة بين الدين والدنيا؛ لأن المساكن إذا أُوقفت على طلاب علم، وعلى رباط، على حفظة كتاب الله عز وجل، أو على أهل العلم؛ فهذه مصلحتها غالباً لمنفعة الإسلام فتكون دينية، وقد تكون للمدارس فتكون دينية، وقد تكون دنيوية كما لو أُوقفت على قرابته من أجل أن يسكنوا فيها ويرتفقوا بها.

    فالمقصود أنه ممكن أن تكون مساكن ويمكن أن تكون المساكين؛ لكن الأشبه أن تكون مساكن.

    فالأولى جعل الكلمة السابقة -المساكن- لأنه يشمل الصور كلها: ما كان دينياً والدنيا فيه تبع كالمساجد، وما كان عكسه كالقناطر، وما كان جامعاً بين الأمرين كالمساكن.

    ثم بعد ذلك شرع في الأقارب، قوله: (والأقارب) يعني يجعل الوقف على أقاربه صدقة عليهم.

    والوقفية على الأقارب أفضل من الوقفية على الأجانب، ورعاية القريب مقدمة على رعاية الغريب، هذا من حيث الأصل، خاصة إذا أعطى الله الإنسان مالاً، وأغناه الله عز وجل، وعنده قرابة فقراء ضعفاء؛ فإن حقهم عليه آكد؛ لأن الناس لو أرادوا أن يتصدقوا على هؤلاء الضعفاء قالوا: قريبهم غني، وقريبهم يكفيهم، وقريبهم يعولهم، وقريبهم يحسن إليهم، فإذا منع قرابته في مثل هذا فلا شك أنه يكون مجحفاً بهم، والوقفية على القريب أفضل من الوقفية على الغريب؛ لأنها تكون صدقة، وتكون صلة رحم، كما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام في حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها وعنه.

    فالصدقة على الأقارب أفضل وأعظم أجراً، خاصة إذا كانوا محتاجين، ولذلك لما سأل الصحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يملك درهماً قال: (أنفقه على نفسك، قال: عندي غيره، قال: أنفقه على أهلك، قال: عندي غيره، قال: شأنك به)، فجعل النفقة العامة بعد القيام بالحق الخاص.

    فينبغي على الإنسان أن يبدأ بقرابته، فالإحسان إلى الأقارب من أَبَرّ البِر، ففي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه دخل على ميمونة وسألها عن رقيق لها كان عندها، قالت: يا رسول الله هل شعرت أني أعتقته، فقال عليه الصلاة والسلام: لو أنك أعطيتيه أخوالك لكان أعظم لأجرك).

    فجعل هبته وإعطاءه للقريب أفضل من إعتاقه، مع أن إعتاق الرقبة من أفضل ما يكون، لكن كونها تصرف إلى قريب مع بقاء الرق أعظم أجراً عند الله عز وجل لما فيه من البر والإحسان لذي القربى، ولذلك قال: (لو أنكِ أعطيتيه أخوالك لكان أعظم لأجرك)، أي: لو أنك جعلتِ الرقبة لأخوالك لكان أعظم ثواباً وأجراً عند الله سبحانه وتعالى، فهذا من البر.

    والأقارب يتفاوتون، فالصدقة على القريب المشارك في أحد أصليك أو فيهما معاً أعظم من الصدقة على قريب يشارك أصل أصلك؛ فمثلاً: الوقفية على الإخوان والأخوات وأبناء الإخوان وأبناء الأخوات أعظم من الوقفية على أبناء العمومة؛ لأن أبناء العمومة يشاركون في أصل الأصل؛ لأن العم يجتمع مع الوالد في الجد، فيشارك الوالد في أحد أصليه أو فيهما معاً؛ لكن الأخ يشاركك في أحد أصليك أو فيهما معاً؛ فحينئذٍ يقدّم الأقرب فالأقرب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أدناك أدناك)، فجعل الأدنى مقدماً على من هو أبعد منه.

    فالأقارب تتفاوت الوقفية عليهم بحسب درجاتهم.

    وقوله: (من مسلم وذمي) أي: سواءً كان القريب مسلماً أو كان ذمياً من أهل الكتاب؛ فإنه ممكن أن يتصدق عليهم؛ لأن الله عز وجل جعل من الإحسان الإحسان إلى أهل الذمة، كالذمي يكون تحت المسلمين، وقد تقدم معنا باب الذمة، وبيّنا مقاصد الإسلام في معاملة هؤلاء، وأن لهم ديناً سماوياً، فهم لا يبعُد أن يُسلموا إذا حسُنت معاملتهم.

    فإذا أحسن إليه وتولاه بالمعروف لان قلبه، وتحقق مقصود الشرع من كسبهم بدعوتهم إلى الإسلام وتحبيبه إلى قلوبهم.

    وقوله: (من مسلم وذمي) مفهومه أن غير الذمي كالحربي لا يوقف عليه، والذمي يشمل اليهودي والنصراني، وهم أهل الكتاب ممن لهم ذمة وعهد؛ لأن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، كما تقدم معنا في باب الذمة، والإحسان إليهم هو هدي الكتاب والسنة، وإجماع السلف رحمهم الله، ولذلك كان أنس كما صح عنه إذا ذبح شاة في بيته يصيح على أهله ويقول: (هل أهديتم لجارنا اليهودي منها شيئاً؟).

    ولذلك جعل الله عز وجل أمثال هؤلاء في الجيرة لهم حق وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ [النساء:36]، فقد قال بعض أئمة التفسير رحمهم الله: إن الجار ذا القربى هو الذي له ثلاثة حقوق، وهو الجار المسلم الذي له حق الإسلام، والقرابة، والجوار.

    والجار الذي يكون مسلماً وليس من ذوي القربى يكون له حق الجوار والإسلام، والجار الكافر وهذا لا يتأتى إلا في الذمي، يكون له حق الجوار فقط وهو الصاحب بالجنب، فجعله صاحباً فأعطاه مطلق الوصف وأعطاه حق الصحبة، فإذا كان قريباً فإنه يكون له حق القرابة وحق الجوار.

    1.   

    الأسئلة

    تجزؤ الوقف

    السؤال: إذا كانت لدي دار فهل يجوز أن أسكن في دور وأوقف باقي الأدوار؟

    الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

    فهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء رحمهم الله، فأجاز بعض العلماء أن يُوقف من الدار علويّها، وأن يُبقي أسفلها على الأصل، وممن اختار هذا القول الإمام النووي رحمه الله كما نص عليه في الروضة، وأشار إلى أنه وجه عند الشافعية رحمهم الله.

    فبناءً على ذلك يرتَفِق بالأسفل منها ويوقف أعلاها، وقال بعض العلماء: إن أسفل الدار حكمه حكم أعلاه وأعلى الدار حكمه حكم الأسفل، ولا يمكن أن نحكم بالوقفية باختصاص الأعلى دون الأسفل ولا العكس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوِّقه من سبع أرضين)، فجعل أسفل الشيء تابعاً لأعلاه؛ ولأن الإجماع منعقد على أن من اعتكف في مسجد فصعد إلى سطوحه أنه لم يخرج عن المسجد؛ فدل على أنها سارية إلى الأعلى كما أنها ثابتة في الأسفل، ولذلك صح الطواف بالدور الثاني من بناء البيت، وصح الطواف على سطح المسجد الحرام؛ لأن أسفل الشيء وأعلاه في حكمٍ واحدٍ من هذا الوجه، إذا ثبت هذا فلا يصح أن تقول إن الأعلى موقوف دون الأسفل، أو الأسفل دون الأعلى.

    ومن هنا تتخرج مسألة ما إذا بنى مسجداً، وجعل تحته أماكن للاستغلال، أو جعل فوقه سكناً يُستغل، فإذا قيل إن أسفل المسجد وأعلاه حكمه واحد، وهو الصحيح والأقوى من حيث الأصول؛ فإن هذا يُمنع، ولا يمكن أن تكون أسافل المساجد لا حرمة لها كأعلاها، ولا أن يكون أعلاها خالياً من الحرمة كأسفلها.

    ولذلك فالأشبه بمثل هذا أن الحكم للأعلى والأسفل، ومن هنا نبّهنا على مسألة شراء الشقق، فإن الشقة إذا اشتُريت، وهي في الدور الثاني فإن هذا يوجب السؤال إذا كان الأصل أن فضاء الشيء تابع لأسفله فحينئذ تصبح الشقة تابعة للأسفل.

    فلو قلنا: إنه بنى داراً من شقتين في كل دور شقة؛ فلن يتحقق تقسيم الأرض بينهما؛ لأن الذين يبيعون الشقق يبنون فوق هذه الشقة أدواراً أخرى، ويبيعون الشقق، والمالك الحقيقي يقول: بعتك الشقة فقط أنا ما بعتك سطح الشقة، فهو مالك لسطحها، فإذا بنى عليها سيبيع ذاك الذي بناها، ثم يبني عليها آخر ويبيع الذي عليه.

    لكن لو أنه اشترى الشقة على أنه مشترٍ لنصف البيت، وأن هذا البيت بينهما فإنه يصح، ولا ينصب البيع على الشقة؛ ولكن يقول: أشتري منك هذه العمارة نصفها بمليون على أننا نقسم قسمة مُهايا، يسمونها قسمة المُهايا كما يقع بين الوارثين ونحوهم، تكون الشقة العليا لك والسفلى لي أو العكس؛ فحينئذ لا يكون الملكية لعين الشقة، وإنما تكون قسمة مُهايا.

    فالمقصود أن مسألة العلوي تابع للسفلي مسألة مهمة جداً، لا يمكن أن نفرق فيها في الأحكام، فتارةً نقول المعتكف لا يبطل اعتكافه إذا صعد إلى سطح المسجد؛ لأن أعلى المسجد من المسجد، ثم نقول يصح أن يوقف أعلى المسجد دون أسفله، فهذا تناقض، فإما أن يُقال بأن الفضاء تابع للأسفل عموماً، والأسفل يتبع علويّه كما في البدروم أو نحوه، وإما أن يقال بالتفصيل، أما من تناقض في مسائل العبادات نعطيه حكماً، وفي مسائل المعاملات نعطيه حكماً فهذا ليس من الفقه.

    إنما الفقه أن يبنى على أصل واحد، وانتزعنا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين)، فقه هذا الحديث، جعل العلماء أسفل الأرض كأعلاها لأنه جعل العقوبة عليه مضاعفة بما يساوي الأرض كلها قال: (من سبع أراضين)، فمع أنه اغتصب في الأرض العلوية، لكنه عذب بما سفل؛ لأنه من ملك الأعلى ملك الأسفل.

    ولأن الإجماع منعقد على أنك إذا ملكت أرضاً فمن حقك أن تحفر فيها، حتى لو استطعت أن تصل إلى الأرض السابعة؛ لأن هذا ملك لك، فإذاً لا نستطيع أن نقول: إنه يملك أعلى الأرض وأسفلها، ثم نقول بجواز وقفية أعلاها دون أسفلها أو العكس، فهذا تناقض.

    ولذلك فالأشبه أنه لا يكون المسجد إلا موقوفاً كلّه أسفله وأعلاه، وتكون الحرمة لأعلاه كأسفله، ولا يجوز -بناءً على هذا- أن تكون دورات المياه أسفل منه؛ لأنه في هذه الحالة كالمصلي فوق الحمام، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الحمام، وإذا كان علوي الشيء كسفليه فحينئذ لا يتأتى.

    فتقاس على هذه المسائل كلها ويقرر الأصل على هذا الوجه الذي يُفهم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الأقوى والأولى، والله تعالى أعلم.

    نتاج الدابة هل يعتبر تابعاً للأصل

    السؤال: من أوقف دابة فهل نتاجها وما في بطنها يُعتبر وقفاً، وهل يعتبر النتاج من الأصل أم من المنفعة؟ أثابكم الله.

    الجواب: هذا يُرجع فيه إلى شرط الواقف، وسيأتي التفصيل فيه، فإذا أوقف دابة قد يسبّل ركوبها، ولا يسبّل حليبها، وقد يسبّل الدابة بحليبها وثمرتها؛ لكن الأصل أن الثمرة تتبع العين، وإذا سبّلها على أن تكون منافعها كلها تابعة لها فلا إشكال، وتكون على المصرف الذي حدده.

    فلو قال مثلاً: أوقفت هذه الدابة على أن حليبها يُباع، وينفق عليها من حليبها، فحينئذ تكون الوقفية مختصة بالركوب ولا تشمل الشراب، وقد يقول: أوقفت هذه الدابة يُشرب من حليبها، ولكن يستغل ظهرها من أجل أن ينفق عليها بقدر الحاجة أو النفقة عليها.

    فالمقصود أن هذا يختلف باختلاف شرط الواقف، ويتقيد في حكمه بشرط الواقف، والله تعالى أعلم.

    مسح البول دون غسله

    السؤال: إذا أصاب البدن بول ثم مسح بالمنديل ونسي الغسل ولم يذكر إلا بعد الصلاة فما الحكم؟

    الجواب: الطهارة بالماء في غير القبل والدبر لازمة، ولا تحل الطهارة بالتراب أو الحجر ونحوه من الطاهرات محل الماء في تطهير البدن أو الثوب أو المكان إذا أصابته النجاسة، إلا في مسألة واحدة ذكرها بعض العلماء وهي أن يصيب الثوب نجاسة وليس عنده ماء فقالوا: يُشرع أن يتيمم لهذه النجاسة التي عليه.

    هذا قول بعض العلماء، ويجعل الطهارة الترابية بدلاً عن طهارة الماء، أما من حيث الأصل فالذي دل عليه الأصل أن الطهارة من النجاسة لا تكون إلا بالماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيح: (اغسلي عنك الدم وصلي)، فقال: (اغسلي)، وجعل تطهير النجس بالغسل، فهذا هو الأصل أنه يجب الغسل.

    والماء أصل لحديث أنس في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن بول الأعرابي: (أريقوا عليه سجلاً من ماء)، ولم يجعل نشاف البول، ولا تبخره بالشمس موجباً للحكم بطهارة الموضع، خلافاً للحنفية الذين يقولون إنه يمكن إذا ظهرت عليه الشمس فتبخرت النجاسة أن يحكم بطهارة المكان.

    والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أنه لابد من الغسل، وإذا ثبت هذا فالمنديل لا يعتبر مطهراً إلا في القُبل والدُّبر إذا خرجت منهما نجاسة، فيعتبر في حكم الاستجمار؛ لأن الاستجمار يجوز بكل طاهر ما عدا العظم والروث، ونحوه من المحترمات، وكذلك ما لا ينقي.

    فإذا أنقى بالمنديل في القبل والدبر حكمنا بالجواز، بشرط أن لا يتجاوز الخارج الموضع والصفحتين فإذا تجاوز وجب الغسل، هذا من حيث الأصل.

    أما بالنسبة للمسألة المذكورة أنه أصابته النجاسة فمسحها بالمنديل ثم نسي غسلها ثم صلى، فأصح أقوال العلماء في هذه المسألة أن صلاته صحيحه إذا لم يتذكر إلا بعد السلام والفراغ من الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في نعليه وكانت فيهما نجاسة، فأتاه جبريل فأخبره أنهما ليستا بطاهرتين، فخلعهما عليه الصلاة والسلام ولم يعد الصلاة من أولها، فبنى على ما مضى، فدل على أن الكل إذا تم دون علمه أنه معذور وصلاته صحيحة.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2963618625

    عدد مرات الحفظ

    700952611