إسلام ويب

فقه العبادات [63]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صيام رمضان فرض على المكلفين لا يسقط بحال، ومن تركه أتى باباً عظيماً من الكبائر، كذلك يجب المحافظة عليه مما يفسده ويخدشه، كالجماع والغيبة والظلم.

    1.   

    حكم من يصوم رمضان أحياناً ويفطر أحياناً أخرى

    المقدم: نريد في هذا اللقاء أن نعرف حكم من يصوم أياماً ويفطر أخرى في رمضان؟

    الشيخ: جواب هذا السؤال يمكن أن يفهم مما سبق، وهو أن هذا الذي يصوم يوماً ويدع يوماً لا يخرج من الإسلام، لكنه يكون فاسقاً لتركه هذه الفريضة العظيمة التي هي أحد أركان الإسلام، ولا يقضي الأيام التي أفطرها؛ لأن قضاؤه إياها لا يفيده شيئاً، فإنه لا يقبل منه، بناءً على ما أشرنا إليه سابقاً من أن العبادة المؤقتة إذا أخرها الإنسان عن وقتها المحدد بلا عذر فإنها لا تقبل منه.

    1.   

    حكم من ترك صيام رمضان بعد بلوغه ثم تاب

    المقدم: إذا كان الإنسان قد ترك أشهراً من رمضان بعد بلوغه، ثم التزم الآن فهل يلزمه قضاء هذه الأشهر؟

    الشيخ: القول الراجح من أقوال أهل العلم: أنه لا يلزمه قضاء هذه الأشهر التي تركها بلا عذر بناءً على ما سبق؛ أن العبادة المؤقتة إذا أخرها الإنسان عن وقتها المحدد لها شرعاً فإنها لا تطلب منه، فقضاؤه إياها لا يفيده شيئاً، وقد ذكرنا فيما سبق دليل ذلك من الكتاب والسنة والقياس، وعلى هذا فإذا كان الإنسان في أول شبابه لا يصلي ولا يصوم، ثم منّ الله عليه بالهداية وصلى وصام فإنه لا يلزمه قضاء ما فاته من صلاةٍ وصيام، وكذلك لو كان يصلي ويزكي ولكنه لا يصوم فمنّ الله عليه بالهداية وصار يصوم فإنه لا يلزمه قضاء ذلك الصوم بناءً على ما سبق تقريره، وهو: أن العبادة المؤقتة بوقت إذا أخرها الإنسان عن وقتها بلا عذر لم تقبل منه، وإذا لم تقبل منه لم يفد قضاؤه إياها شيئاً.

    1.   

    الأعذار المبيحة للفطر في شهر رمضان

    المقدم: أيضاً نود أن نعرف الأعذار المبيحة للفطر في شهر رمضان المبارك؟

    الشيخ: الأعذار المبيحة للفطر سبق الإشارة إلى بعضها، كالمرض، والسفر.

    ومن الأعذار: أن تكون المرأة حاملة وتخاف على نفسها أو على جنينها.

    ومن الأعذار أيضاً: أن تكون المرأة مرضعة، إذا صامت تخاف على نفسها أو على رضيعها.

    ومن الأعذار أيضاً: أن يحتاج الإنسان إلى الفطر لإنقاذ إنسان من هلكة، مثل: أن يجد غريقاً في البحر أو شخصاً بين أماكن محيطة به فيها نار فيحتاج لإنقاذه، فله حينئذٍ أن يفطر وينقذه.

    ومن ذلك أيضاً: إذا احتاج الإنسان إلى الفطر للتقوي على الجهاد في سبيل الله، فإن ذلك من أسباب إباحة الفطر له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه في غزوة الفتح: (إنكم مصبحو العدو غداً، والفطر أقوى لكم فأفطروا)، فإذا وجد سببٌ يبيح الفطر وأفطر الإنسان به فإنه لا يلزمه إمساك بقية ذلك اليوم، فلو أن شخصاً أفطر لإنقاذ إنسان من هلكة فإنه يستمر في الإفطار؛ لأنه أفطر بسببٍ يبيح له الفطر فلا يلزمه الإمساك حينئذٍ لكون الحرمة في ذلك اليوم قد زالت بالسبب المبيح للفطر؛ ولهذا لو أن المريض برئ في أثناء النهار وكان مفطراً فإنه لا يلزمه الإمساك، ولو قدم المسافر أثناء النهار إلى بلده وكان مفطراً فإنه لا يلزمه الإمساك، ولو طهرت الحائض في أثناء النهار فإنه لا يلزمها الإمساك؛ لأن هؤلاء كلهم أفطروا بسببٍ مبيحٍ للفطر، فكان ذلك اليوم في حقهم لا حرمة له؛ لإباحة الشرع في الإفطار فيه، فلا يلزمهم الإمساك إذا كان السبب مبيحاً للفطر.

    المقدم: لكن ما الفرق بين هذه الحالة وبين ما لو جاء العلم بدخول رمضان في أثناء النهار؟

    الشيخ: الفرق بينهما ظاهر؛ لأنه إذا صام بالبينة في أثناء النهار فإنه يلزمه الإمساك؛ لأنهم في أول النهار إنما أفطروا بالعذر -عذر الجهل-، ولهذا لو كانوا عالمين بأن هذا اليوم من رمضان لزمهم الإمساك، أما أولئك القوم الآخرون الذين أشرنا إليهم فهم يعلمون أنه من رمضان لكن الفطر مباح لهم، فبينهما فرقٌ واضح.

    1.   

    مفسدات الصيام

    المقدم: نود أن نعرف مفسدات الصيام؟ وهل لها شروط؟

    الشيخ: مفسدات الصيام هي المفطرات، وهي: الجماع، والأكل، والشرب، وإنزال المني بشهوة، وما كان بمعنى الأكل والشرب، والقيء عمداً، والحجامة، وخروج دم الحيض، والنفاس، هذه ثمانية مفطرات، أما الأكل والشرب والجماع فدليلها قوله تعالى: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] .

    وأما إنزال المني بشهوة فدليله قوله تعالى في الحديث القدسي: (الصائم يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وفي بضع أحدكم صدقة؟ قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام كان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)، والذي يوضع إنما هو المني الداء؛ ولهذا كان القول الراجح: أن المذي لا يفسد الصوم حتى وإن كان بشهوة.

    الخامس: ما كان بمعنى الأكل والشرب، مثل الإبر المغذية التي يستغنى بها عن الأغذية والشرب؛ لأن هذه وإن كانت ليست أكلاً ولا شرباً لكنها بمعنى الأكل والشرب، حيث يغتني بها عنه، وما كان بمعنى الشيء فله حكمه، ومن ذلك ما يتوقف بقاء الجسم على تناوله مثل هذه الإبر، بمعنى أن الجسم يبقى على هذه الإبر وإن كان لا يتغذى بغيرها، أما الإبر التي لا تغذي ولا تقوم مقام الأكل والشرب فهذه لا تفطر، سواءٌ تناولها الإنسان في الوريد أو في العضلات، أو في أي مكانٍ من بدنه.

    السادس: القيء عمداً، أن يتقيأ الإنسان ما في بطنه حتى يخرج من فيه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من استقاء عمداً فليقض، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه)، والحكمة في ذلك أنه إذا تقيأ فرغ بطنه من الطعام واحتاج البدن إلى ما يرد عليه هذا الخلو، ولهذا نقول: إذا كان الفرد صائماً فإنه لا يجوز للإنسان أن يتقيأ؛ لأنه إذا تقيأ ضر نفسه، وأفسد صوماً واجباً.

    السابع: الحجامة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم).

    وأما خروج دم الحيض والنفاس فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم)، وقد أجمع أهل العلم على أن الصوم لا يصح من الحائض ومثله النفساء.

    وهذه المفطرات وهي مفسدات الصوم لا تفسده إلا بشروطٍ ثلاثة، وهي: العلم، والذكر، والقصد، أي: أن الصائم لا يفسد صومه بهذه المفسدات إلا بشروطٍ ثلاثة: أن يكون عالماً بالحكم الشرعي، وعالماً بالحال -أي: بالوقت- فإن كان جاهلاً بالحكم الشرعي أو بالوقت فصيامه صحيح؛ لقول الله تعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال الله تعالى: (قد فعلت)؛ ولقوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب:5]، ولثبوت السنة في ذلك، ففي الصحيح من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه صام، فجعل تحت وسادته عقالين -وهما الحبلان اللذان تشد بهما يد الجمل- أحدهما أسود والثاني أبيض، وجعل يأكل ويشرب حتى تبين له الأبيض من الأسود، ثم أمسك، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس المراد بالخيط الأبيض والأسود في الآية الخيطين المعروفين، وإنما المراد بالخيط الأبيض بياض النهار، وبالخيط الأسود الليل، أي: سواده، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الصوم؛ لأنه كان جاهلاً بالحكم، يظن أن هذا هو معنى الآية الكريمة.

    وأما الجهل بالوقت فلحديث أسماء بنت أبي بكر وهو في البخاري قالت: (أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس)، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء، ولو كان القضاء واجباً لأمرهم به، ولو أمرهم به لنقل إلى الأمة؛ لقول الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فلما لم ينقل ولم تتواتر الدواعي على نقله علم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم به، ولما لم يأمرهم به -أي: بالقضاء- علم أنه ليس بواجب، وعلى هذا فلو قام الإنسان يظن أنه في الليل فأكل أو شرب ثم تبين له أن أكله وشربه كان بعد طلوع الفجر فإنه ليس عليه قضاء؛ لأنه كان جاهلاً.

    وأما الشرط الثاني: فهو أن يكون ذاكراً، وضد الذكر النسيان، فلو أكل أو شرب ناسياً فإن صومه صحيح، ولا قضاء عليه؛ لقول الله تعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] قال الله تعالى: (قد فعلت)؛ ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه).

    وأما القصد: فهو أن يكون الإنسان مختاراً لفعل هذا المفطِّر، فإن كان غير مختار فإن صومه صحيح، سواءً كان مكرهاً أم غير مكره؛ لقول الله تعالى في المكره على الكفر: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:106]، فإذا كان حكم الكفر يرتفع بالإكراه فما دونه من باب أولى؛ وللحديث الذي يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وعلى هذا فلو طار إلى أنف الصائم غبار ووجد طعمه في حلقه ونزل إلى معدته فإنه لا يفطر بذلك؛ لأنه لم يتقصد، وكذلك لو أكره على الفطر فأفطر دفعاً للإكراه فإن صومه صحيح؛ لأنه غير مختار، وكذلك لو احتلم وهو نائم فإن صومه صحيح؛ لأن النائم لا قصد له، وكذلك لو أكره الرجل زوجته وهي صائمة فجامعها فإن صومها صحيح؛ لأنها غير مختارة.

    وها هنا مسألة يجب التفطن لها، وهي: أن الرجل إذا أفطر بالجماع في نهار رمضان والصوم واجبٌ عليه فإنه يترتب على جماعه أمور: الأول: الإثم، والثاني: القضاء، والثالث: الكفارة، ويلزمه الإمساك بقية يومه، ولا فرق بين أن يكون عالماً بما يجب عليه بهذا الجماع أو جاهلاً، يعني: أن الرجل إذا جامع في صيام رمضان والصوم واجبٌ عليه، ولكنه لا يدري أن الكفارة تجب عليه؛ لأنه تعمد المفسد، وتعمد المفسد يستلزم ترتب الأحكام عليه، بل في حديث أبي هريرة : (أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! هلكت، قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم... الحديث)، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة، مع أن الرجل لا يعلم الحكم، وفي قولنا: (والصوم واجبٌ عليه)، احترازٌ مما إذا جامع الصائم في رمضان وهو مسافر مثلاً، فإنه لا تلزمه كفارة، مثل: أن يكون الرجل مسافراً بأهله في رمضان وهما صائمان ثم يجامع أهله فإنه ليس عليه كفارة؛ لأن المسافر إذا شرع في الصيام لا يلزمه الصيام، إن شاء أفطر وقضى، وإن شاء صام.