إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب [510]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    مذهب أهل السنة والجماعة في الرجاء والخوف

    السؤال: ما مذهب أهل السنة والجماعة في الرجاء والخوف؟ وأيهما الذي يقدم؟

    الجواب: الخوف والرجاء كلاهما من العبادات العظيمة التي تحمل المرء على الاستقامة، فبالخوف يكون الفرار من المعاصي، وبالرجاء يكون الإقدام على الطاعات؛ لأن الإنسان كلما قوي رجاؤه بالله عز وجل حسن ظنه بالله سبحانه وتعالى، وزاد نشاطاً في طاعة الله، وكلما قوي خوفه من الله عز وجل ازداد كراهةً لما يكرهه الله عز وجل فتجنب المعصية، وقد اختلف علماء أرباب السلوك: أيهما أفضل أن يقدم الإنسان: الرجاء، أو يقدم الخوف؟

    فقال بعض العلماء: إنه ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه على حد سواء، قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه سواءً، فأيهما غلب هلك صاحبه.

    وقال بعض أهل العلم: بل الأفضل أن يقدم الرجاء؛ لأن الرجاء يحمل على حسن الظن بالله، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ( أنا عند ظن عبدي بي )، وقال بعض العلماء: ينبغي أن يقدم الخوف؛ لأنه أشد تأثيراً على النفس في عدم المخالفة، وقال بعض العلماء: ينبغي أن يقدم الخوف إذا كان صحيحاً؛ حتى يحمله على ترك المحرمات، وعلى التزام الواجبات، وفي حال المرض يقدم الرجاء ليموت وهو محسن الظن بالله عز وجل.

    وقال بعض أهل العلم: يقدم الرجاء عند فعل الطاعة ليحسن الظن بالله عز وجل في قبولها وعدم ردها، ويقدم الخوف إذا حدثت نفسه بالمعصية حتى يهرب منها ولا يفعلها.

    وهذه الأقوال كلها تلحظ جانباً من جوانب سلوك المرء ومعاملته لربه عز وجل، والذي يظهر لي أنه إن لم نقل: بأنه يقدم الرجاء إذا فعل الطاعة والخوف إذا هم بالمعصية، إذا لم نقل بذلك فإننا نقول: عامل نفسك بما تقتضيه الحال، ففي بعض الأحيان قد يكون الرجاء أفضل، وفي بعض الأحيان قد يكون الخوف أفضل، والإنسان طبيب نفسه، هذا الذي يظهر في هذه المناسبة، ولكن المهم أنه يجب على الإنسان أن يكون دائماً خائفاً راجياً؛ حتى يستقيم على دين الله عز وجل على الوجه الذي أراد الله منه؛ لأنه إن غلب الرجاء فإنه يخشى عليه أن يأمن من مكر الله، فيستمر في المعاصي وهو يقول: يغفر الله لي، والله غفور رحيم، والله واسع المغفرة، وما أشبه ذلك من اتخاذ الأماني على الله عز وجل، وربما يستدرج من حيث لا يعلم والعياذ بالله.

    وإن غلب الخوف خيف عليه أن يقع في القنوط من رحمة الله فييأس ويستحسر، ويقول: إنه هلك ولا حاجة أن يعمل، ولا حاجة أن يتقرب إلى الله، وما أشبه ذلك من القنوط من رحمة الله، فعلى المرء أن يكون دائماً ملاحقاً نفسه ملاحظاً قلبه، وأن يسد القلب عن كل ما يهواه إذا لم يكن في طاعة مولاه، نسأل الله لنا ولكم التوفيق.

    1.   

    ما يلزم الزوجة تجاه الزوج الذي لا يصلي مطلقاً

    السؤال: سائلة تذكر بأنها متزوجة من ابن خالتها، وهي معلمة للطالبات في الصف الأول الابتدائي، وتذكر بأنها محافظة على دينها وعقيدتها، وتحمد الله على ذلك، إلا أنها ابتليت بزوج لا يصلي، ورزقت منه بطفل، ولها معه ما يقارب من ست سنوات، لم يسجد لربه ركعةً واحدة، والعياذ بالله.

    تقول: من فضل الله علي أنني رزقت بالصبر والتحمل عله أن يتوب إلى الله، وذكرته بالنار والعذاب، تقول: علمت خالتي بأنني سأذهب إلى أهلي وأطلب الطلاق، وأصررت على ذلك، فلما علمت خالتي بإصراري أقسمت إذا لم أرجع لولدها أن تقاطع أمي وإخوتي، فأنا حائرة وجهوني ماذا أعمل؟

    الجواب: هذا السؤال سؤال مهم عظيم، هذا الرجل الذي لا يصلي حكمه على القول الراجح: أنه كافر كفراً مخرجاً عن الملة، وذلك لدلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة على ذلك.

    أما الكتاب فقوله تبارك وتعالى في المشركين: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] .

    ومفهوم الآية الكريمة أنهم إذا لم يتوبوا من الشرك، ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة فليسوا إخوان لنا في الدين، ولا تنتفي الإخوة في الدين بالمعاصي، بل لا تنتفي إلا بالكفر، فالعاصي وإن عصى أعظم معصية فهو أخوك في الدين إذا لم تكن هذه المعصية كفراً، والدليل على أن المعاصي لا تخرج من الأخوة في الدين قوله تبارك وتعالى في آية القصاص: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة:178] ، فجعل الله القاتل عمداً أخاً للمقتول، وقتل المؤمن عمداً من كبائر الذنوب العظيمة التي قال الله تعالى فيها: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] .

    ودليل آخر على أن المعاصي مهما عظمت لا تخرج من أخوة الإيمان إذا لم تكن كفراً قوله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:9-10] ، فجعل الله الطائفتين المقتتلتين إخوةً للطائفة المصلحة، مع أن قتال المؤمن من كبائر الذنوب العظيمة، حتى جعله النبي عليه الصلاة والسلام من الكفر، فقال: ( سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر )، ولكنه كفر لا يخرج من الملة؛ لقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10].

    فعلم بذلك أن من لم يقم الصلاة، ولم يؤت الزكاة فإنه كافر؛ لأن الله تعالى قال في آية براءة: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11].

    لكن بقي أن يقال: وهل تكفرون مانع الزكاة كما تكفرون من لم يصل؟

    قلنا: لا، لا نكفر مانع الزكاة، بدليل ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها -وحقها زكاتها- إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من النار، وأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار )، ومنطوق هذا الحديث مقدم على مفهوم الآية الكريمة، كما هو معروف عند الأصوليين أنه إذا تعارض منطوق ومفهوم فإنه يقدم المنطوق، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ) يدل على أنه ليس بكافر؛ لأنه لو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة، هذا الدليل من القرآن على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة، وطريق الاستدلال بهذه الآية أن الله تعالى اشترط للإخوة في الدين ثلاثة شروط: التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة.

    أما من السنة فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ( بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة )، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة حداً فاصلاً بين الشرك والكفر، والحد يخرج المحدود مما يحاده، وقال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أهل السنن من حديث بريدة بن الحصين رضي الله عنه: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر )، فهذان دليلان من السنة على كفر تارك الصلاة.

    أما ما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم فإن عبد الله بن شقيق وهو من التابعين قال: ( كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة )، وهذا إجماع على أنهم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، ونقل إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة غير واحد من العلماء، وممن نقل إجماعهم إسحاق بن راهويه رحمه الله.

    وأما المعنى والنظر فإنه يقال: كيف يكون في قلب هذا الرجل إيمان وهو محافظ على ترك الصلاة مع سهولتها ويسرها، وعناية الله بها، وإكرامه للمحافظين عليها، فكيف يمكن أن يكون في قلبه إيمان وهو يحافظ على ترك هذه الصلاة العظيمة.

    إن محافظته على تركها وعدم صلاته يدل دلالةً واضحة على أنه لا إيمان عنده، وبهذا يكون الدليل على كفر تارك الصلاة من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة، والنظر الصحيح.

    وإذا تبين ذلك فإن زوج هذه المرأة السائلة الذي لا يصلي، مع مداومتها لنصحها إياه كافر كفراً مخرجاً عن الملة، ولا تحل له ولا يحل لها؛ لقوله تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10].

    والواجب على هذه السائلة أن تفارق الرجل، وألا تبقى عنده، وألا تمكنه من نفسها؛ لأنها حرام عليه، وهو حرام عليها، حتى يهديه الله عز وجل ويرجع إلى دين الله الذي خلق له؛ لأن الله لم يخلق العباد إلا ليعبدوه، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، ولتستعن بالله عز وجل، ولتصبر، ولتحتسب، ولتقو على ذلك، فربما يأتيها الشيطان ويقول لها: أنت أم ولد، كيف تفارقين الزوج؟ وما مصير الولد حينئذٍ؟

    فنقول: إن الإنسان إذا نظر إلى ما عند الله من الثواب، وإلى ما يحصل من العقاب إذا خالف أمر الله هان عليه هذا كله، وولدها لن يضيع، فإنه إذا ثبت عند القاضي أن هذا الرجل لا يصلي فلن يجعل له ولايةً على هذا الولد، فيبقى الولد معها، وإذا استعانت بالله عز وجل أعانها الله، ويسر لها أمرها.

    ولكني قبل ختام جوابي أوجه نصيحةً لهذا الرجل أن يتقي الله عز وجل في نفسه، وأن يرجع إلى الله ما دام في زمن الإمكان، فإنه ربما يأتيه الموت بغتة، فإذا مات على هذه الحال لم يحشر في زمرة النبيين، بل يحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف ، فليتق الله، وليصل، وليجرب أيما أطيب حياةً: أن يصلي، ويعبد الله، ويرجع إلى ربه، وينيب إليه، أو أن يبقى على ما هو عليه من البعد عن الله عز وجل، والفرار من دينه؟

    إنني أضمن له إذا آمن وعمل عملاً صالحاً أن يحييه الله حياةً طيبة، وأن يجزيه أجره بأحسن ما كان يعمل، ولا ييأس من رحمة الله، فإن الإنسان مهما بلغت ذنوبه إذا تاب إلى الله توبةً نصوحاً محا الله عنه هذه الذنوب، كما قال الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر:53-55].

    ثم إني أقول له: إن التوبة يسيرة على ما يسرها الله عليه، لا تحتاج إلا على عزم من عازم، وإذا تاب قبل أن يحضره الله الأجل فإن الله تعالى يقبل توبته، قال الله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:17-18]، نسأل الله تعالى أن يمن على الجميع بالهداية والتوفيق، والرجوع إليه، والتوبة والإنابة.

    وأما بالنسبة لخالتها مع أمها، وأن خالتها قالت: إن لم ترجع إلى بيت زوجها فإنني لن آتي إلى بيت أختي، فإن هذا لا يضر هذه المرأة، فلو أن خالتها قاطعت أمها بسبب عدم رجوعها إلى بيت زوجها، فإن ذلك ليس فيه إثم على الزوجة السائلة، بل الإثم على هذه الخالة، وقد قال الله تعالى فيمن يقطع رحمه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:22-24].

    وإني أحذرها وغيرها من قطيعة الرحم، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ( لا يدخل الجنة قاطع ) يعني: قاطع رحم، وإني أقول: إن الله سبحانه وتعالى تكفل للرحم أن يصل من وصلها، وأن يقطع من قطعها، فالزمي أيها الأخت السائلة الزمي بيت أهلك، والزوج ما دام على ترك الصلاة فليس بزوج لك، فأنت لا تحلين له، وهو لا يحل لك، ولا يضرك إذا غضبت خالتك ولن تأتي إلى بيت أمك، لا يضرك ذلك شيئاً وإنما يضر خالتك، ثم إني أقول: لو أن خالتك هذه ألقت النصيحة إلى ولدها، وكررت عليه، وصارت معاوناً لك عليه، لعل الله سبحانه وتعالى أن يهديه، ويشرح صدره للإسلام، ويصلي ثم بعد ذلك ترجعين إليه بسلام.

    1.   

    اختلاف العلماء.. بين الرحمة والنقمة

    السؤال: يردد بعض الناس بأن اختلاف الأئمة أو الفقهاء في مسألة شرعية رحمة، هل هذا صحيح؟

    الجواب: هذا ليس بصحيح، وهذا القول مبني على حديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو اختلاف أمتي رحمة، فهذا الحديث غير صحيح، بل قد قال الله تعالى: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود:118-119]، فأخبر الله تعالى أن الناس لا يزالوا مختلفين إلا من رحم الله فإنهم لا يختلفون، نعم الخلاف إذا كان مبنياً على اجتهاد فإن الإنسان في سعة، ومن رحمة الله أنه إذا حصل اختلاف مبني على اجتهاد فإنه لا يضر صاحبه أن يخالف الحق عند الله، بمعنى أن الإنسان إذا اجتهد في حكم المسألة، وبذل جهده في الوصول إلى الحق، ثم لم يوفق لإصابة الحق، فإن الله لا يعاقبه على ذلك، ولا يأثم، وهذا من رحمة الله أن الله سبحانه وتعالى لا يؤاخذ من اجتهد من هذه الأمة فأخطأ الحق.

    والخلاصة: أنه لا يصح أن نقول: إن اختلاف الأمة رحمة، بل اتفاقها هو الرحمة، ولكن هنا مسألة وهي أنه إذا حصل خلاف بين طلبة العلم، فهل يجوز أن يجعل هذا الخلاف في الرأي والاجتهاد وسيلةً إلى اختلاف القلوب، وإلى تنافرها وتباغضها، وإطلاق الألسنة بعضها في بعض؟

    فالجواب: لا يحل أن يجعل الخلاف في الرأي الذي يسوغ فيه الاجتهاد سبباً لهذا، بل إن الحقيقة أن الرجل إذا خالفك بمقتضى الدليل عنده فإنه ليس مخالفاً لك في الحقيقة؛ لأن الكل منكما يريد الوصول إلى الحق، فهو في اعتقاده على حق؛ لأنه يلزمه أن يتبع ما دل الدليل عليه بمقتضى اجتهاده، إذاً: هو على حق، فهو لم يخالفك في الواقع، ولهذا وقع خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم، ولم يؤد ذلك إلى اختلاف القلوب، فالواجب على طلبة العلم إذا حصل بينهم خلاف فيما يسوغ فيه الاجتهاد والخلاف ألا يكون هذا الخلاف سبباً لتباغضهم وتنافرهم، وإطلاق ألسنة بعضهم في بعض، بل يسأل الإنسان للجميع التوفيق للصواب، هذا هو الواجب.

    لكن بالنسبة للآخرين الذين يريدون أن يأخذوا بفتاوى هؤلاء العلماء المختلفين، ماذا يكون موقف السائل إذا سأل فلاناً فقال: هذا حلال، وسأل فلاناً -غيره- قال: هذا حرام فمن يقدم؟

    نقول: أولاً: إذا سأل الإنسان عالماً من العلماء الذين يؤخذ بفتواهم؛ للثقة بعلمهم وأمانتهم، فإنه لا يستفتي أحداً غيره؛ لأنه إنما استفتى هذا العالم بناءً على أن ما يقوله هو شرع الله، فلا يذهب إلى عالم آخر يسأله، اللهم إلا إذا كان قد استفتى هذا العالم استفتاء ضرورة بحيث ليس عنده من يسأله أعلم وأوثق من هذا الرجل، ثم هو ينتظر أن يصل إلى عالم آخر أعلى منه حتى يسأله، فهذا لا بأس أن يسأل عالماً آخر؛ لأنه إنما استفتى العالم الأول ضرورة، فهو بمنزلة أكل الميتة للمضطر إليها، فإذا وجد المذكاة أكلها.

    أما إذا سأله على أنه هو العالم الذي يدله على الحق، وعلى الشرع، وليس استفتاء ضرورة، فإن العلماء يقولون: من استفتى عالماً ملتزماً بما يقول، معتقداً أنه حق، فإنه لا يحل له أن يسأل عالماً آخر، خلافاً للمتلاعبين -الآن- الذين إذا سألوا عالماً، ولم يجبهم بما يهوون ذهبوا ليسألوا عالماً آخر يتتبعون الرخص، فإذا وجدوا من يوافق هواهم أخذوا بقوله، فإن هذا لا يجوز، ولكن إذا كان الإنسان لم يستفت أحداً حتى الآن، وأمامه علماء يعرف أنهم يختلفون، فهل يسأل الأول أو الثاني؟ نقول: يجب أن يسأل من يرى أنه أقرب إلى الصواب؛ لغزارة علمه، وقوة دينه وأمانته.

    والخلاصة: أن اتفاق العلماء هو الخير والرحمة، فإذا لم يحصل ذلك واختلفوا فإنه لا يجوز أن يكون هذا الاختلاف سبباً للعداوة والبغضاء وإطلاق ألسنة بعضهم في بعض، هذا بالنسبة للعلماء.

    وبالنسبة للآخرين الذين يستفتون العلماء نقول: إذا استفتيت عالماً ترى أن ما يفتيه هو الحق؛ لثقته في نفسك فلا تسأل عالماً آخر، وإن استفتيت عالماً استفتاء ضرورة بحيث لا يكون في المكان عندك من هو أعلم منه، وفي نيتك أنك إذا وصلت إلى العالم الذي هو أعلم استفتيته، فلا بأس أن تأخذ بالقول الأول حتى تجد العالم.

    وأما قبل الاستفتاء إذا كان أمامك علماء متعددون فاستفت من ترى أنه أقرب إلى الصواب؛ لغزارة علمه، وقوة دينه، فإذا أفتاك فخذ، وإن تساووا عندك فأنت مخير بين هذا وهذا.