إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (982)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم عرائس الأطفال

    المقدم: رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من الجمهورية العراقية، باعثة الرسالة إحدى الأخوات من هناك، تقول المرسلة سرى رياض ، أختنا سرى عرضنا جزءاً من أسئلتها في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة بقي لها عدد من الأسئلة من بينها هذا السؤال، تقول: يوجد في بيتنا اللعب العرائس، فهل هذا حرام؟ وجهونا، حتى ننفذ إن شاء الله جزاكم الله خيراً.

    الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فقد تنازع أهل العلم -رحمهم الله- في اللعب التي تقتنيها البنات المصورة:

    فمن أهل العلم من أجازها؛ لأنها تمرن البنت على القيام بحضانة الأطفال، وتربية الأطفال، وحل مشاكل الأطفال، واحتجوا على ذلك بقصة عائشة رضي الله عنها، وأنه كان عندها بنات، كان الرسول صلى الله عليه وسلم أقرها على ذلك.

    وقال آخرون من أهل العلم: إنها محرمة، وإنها لا تجوز؛ لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من النهي عن التصوير، وعن اقتناء الصور؛ ولأنه أمر بطمس الصور عليه الصلاة والسلام، وقال لـعلي : (لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن الصورة في البيت، وأن يصنع ذلك، وحكاه بعضهم قول أكثر أهل العلم، وقالوا: إن البنات التي كانت عند عائشة كان ذلك قبل النهي، أما بعد النهي فلم يقرها عليه الصلاة والسلام، وبهذا يعلم أن الأحوط تركها واستعمال غيرها، إذا استعملت اللعب المعروفة قديماً من القطن ومن الخرق التي ليس فيها تصوير، وليس فيها تشبه بخلق الله؛ يكون ذلك أحوط وأسلم، وإلا فهذه البنات المصورة في تحريمها نظر واختلاف كما سمعت أيها السائلة! لكن من باب الاحتياط، ومن باب: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) تركها أولى.

    واتخاذ لعب أخرى مما كان يفعله الناس مما يتخذ من الأعواد والقطن وأشباه ذلك مما يلعب به البنات، والله أعلم.

    المقدم: جزاكم الله خيراً.

    إذاً: كأني بسماحة الشيخ يصب النهي على تلكم التماثيل المصنوعة من البلاستيك؟

    الشيخ: نعم، المصورة بالرأس والرجلين واليدين.. إلى آخره؛ لأن هذه تدخل في عموم النهي عند أكثر أهل العلم، فلهذا يحتاط بترك ذلك.

    1.   

    حكم التبني

    السؤال: أختنا تقول: إن أهلي قد تبنوا بنت خالتي لتكون بنتاً لنا؛ لأن الله لم يرزق والدي بأطفال كثيرين؟ وجهوهم جزاكم الله خيراً.

    الجواب: التبني لا يجوز في الإسلام، كل إنسان يدعى لأبيه، ذكراً كان أو أنثى، قال الله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ [الأحزاب:5].

    وكان التبني في الجاهلية معروفاً، كان زيد بن حارثة يدعى زيد بن محمد رضي الله عنه، فلما أنزل الله الآية نسب إلى أبيه وقيل: زيد بن حارثة، واستقرت الشريعة على أنه يجب أن ينسب الناس إلى آبائهم، وأنه لا يجوز التبني لأي إنسان.

    أما التربية فلا بأس، إذا ربوا ولد غيرهم وأحسنوا إليه على أنه ينسب لأبيه لا إليهم فلا بأس بذلك، أما أن يقال: ولد فلان وليس ولد فلان؛ فلا يجوز مطلقاً.

    1.   

    حكم كشف المرأة أمام أزواج عماتها وخالاتها

    السؤال: تسأل أختنا وتقول: سماحة الشيخ! هل أتحجب أمام أزواج خالاتي وعماتي؟

    الجواب: نعم، أزواج الخالات وأزواج العمات وأزواج الأخوات أقرب وأقرب، ليسوا محارم، بل يجب التحجب عنهم، فليس لها أن تكشف عليهم، لا زوج خالتها، ولا زوج عمتها ولا زوج أختها؛ لأنهم ليسوا محارم.

    ولكن لا مانع من السلام عليهم بالكلام: كيف حالكم؟ كيف أولادكم؟ السلام عليكم، وعليكم السلام؛ كل هذا لا بأس به من غير ريبة ولا كشف ولا مصافحة، بل سلام فقط ليس فيه مصافحة ولا كشف للوجه وغيره، بل مع التحجب والحشمة، والبعد عن الريبة.

    وكذلك لا تجوز الخلوة بواحد منهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يخلون رجل بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما).

    فيجب على كل إنسان أن يحذر ما حرم الله من الرجال والنساء، وأن يستعمل ما شرع الله على الوجه الذي شرعه الله، كالسلام بدءاً ورداً، والتحفي لا بأس بذلك بالطريقة المعروفة من دون خلوة ولا ريبة، أما الكشف أو المصافحة فلا، إلا للمحارم؛ كأخيها، وعمها ونحو ذلك هؤلاء محارم، فلا بأس بالخلوة ولا بأس بالمصافحة.

    1.   

    حكم من حلف بالتحريم على شيء فظهر خلافه

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع لطفي عبيد محمد مصري، أخونا يقول:

    إنني أعمل أنا وزملائي بمؤسسة ما في جيزان، وموضوعي هو: أن عملنا يتطلب جراكل من الماء ومن الديزل، فوجد أمامي أنا وزملائي إناءان مغلقان تماماً وشكلهما من الخارج واحد لا اختلاف بينهما، فقال زملائي على أحدهما: إن فيه ماء، فقلت أنا: تكون زوجتي علي حرام إن كان فيه ماء، ولما فتح الإناء وجد فيه ماء، فما الحكم الشرعي فيما فعلت؟ وماذا يترتب علي؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.

    الجواب: إذا كنت حين قلت ذلك تعتقد أنه ليس ماء لأسباب دعتك إلى ذلك، وبنيت عليها هذه اليمين؛ فليس عليك شيء؛ لأنك تظن صدق نفسك، كما لو قلت: علي الطلاق أو علي التحريم أن هذا فلان؛ تعتقد أنه فلان، فصار مشبهاً عليك وليس هو وإنما هو شبيهه فلا يضرك ذلك.

    وأما إن كنت تعلم أن الذي فيه الماء وأنه ماء ثم قلت: عليك الحرام أنه ليس ماء؛ فهذا كذب، فإن كنت أردت تصديقهم لك فعليك كفارة يمين، وإن كنت أردت تحريم زوجتك؛ فعليك كفارة الظهار، وكفارة الظهار معلومة وهي عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يستطع صام شهرين متتابعين، فمن عجز أطعم ستين مسكيناً ثلاثين صاعاً من قوت البلد، لكل واحد نصف صاع وهو كيلو ونص من التمر أو الأرز.. ونحو ذلك.

    أما إن كنت تعتقد صدق نفسك، وأنك صادق، وأنه ليس فيه ماء، ولكن كنت غالطاً؛ فليس عليك شيء كما تقدم.

    1.   

    الكلام عن مشايخ الصوفية وحكم طلب البركة منهم

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين، يقول حسن أحمد هلال، من جمهورية السودان: أنا متابع هذا البرنامج منذ زمن طويل، وأنا مسرور جداً.. جداً لهذا البرنامج، كما هو موعظة حسنة لعباد الرحمن، وكما هو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر والحمد لله، كما استفدت كثيراً من هذا البرنامج جزاكم الله خيراً، وربنا يخليكم لنا رمزاً صادقاً، والحمد لله الذي بعثكم لنا هداة لطريق السعادة والحق، وأتمنى من الله الكريم أن يحفظكم ويرعاكم، سماحة الشيخ! السؤال هو: نحن بالسودان عندنا مشائخة الطرق الصوفية، وفي بعض من الناس يزورهم ويشكو لهم حاجته، مثلاً: لو كان هناك مريض أو أنه قد حصل عليه حاجة في وقت ضيق يشكو لهم، ويأخذ من عند الشيخ البخورات، والمحايا، والبركة، كما هي تراب من حجرة الشيخ، أو تراب من الغار، وإذا تجادلت مع بعض هؤلاء الناس الذين يزورون هذا الشيخ ويشكون حاجتهم للشيخ فيقولون لنا: هذا الشيخ من أولياء الله! كما يقولون لنا في مجادلتهم قوله تعالى: أولياء الله الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فهذا هو الأمر الذي وضحته لكم، هل ما يقولونه صحيح أم لا؟ ومن هم أولياء الله الصالحون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ أرجو أن توجهونا، جزاكم الله خيراً، ونفع بعلمكم.

    الجواب: مشايخ الصوفية فيهم تفصيل:

    منهم من هو كافر؛ لأنه يتعاطى الشرك بالله عز وجل، ودعوة غير الله من أصحاب القبور، أو الجن، أو يرى وحدة الوجود كأصحاب ابن عربي ؛ فهؤلاء كفار، ولا يجوز دعاؤهم ولا زيارتهم، ولا أخذ توجيهاتهم؛ لأنهم منحرفون عن الطريق، ولا يجوز مولاتهم ولا تصديقهم فيما يقولون، ولا أخذ توجيهاتهم في أي شيء.

    ومنهم أناس عندهم بدع وأشياء لا أساس لها في الشرع المطهر، ولكنهم ليسوا كفار، ولكن عندهم بدع ما أنزل الله بها من سلطان؛ فالواجب نصيحتهم أيضاً، وتوجيههم إلى الخير، وإنكار البدع التي عندهم، أما أن يطلب منهم البركة أو من تراب حجرهم فهذا منكر لا يجوز، ولم يفعل هذا الصحابة فيما بينهم رضي الله عنهم، وإنما كان يفعل هذا مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما جعل الله في جسده البركة، فكانوا يأخذون شعره وعرقه لما جعل الله فيه من البركة عليه الصلاة والسلام.

    أما الناس فلا، فلم يفعلوه مع الصديق ، ولا مع عمر ، ولا مع عثمان ، ولا مع علي ، وهم أفضل الناس بعد الأنبياء؛ فلا يجوز لأحد أن يأتي الصوفي الفلاني! أو الشيخ الفلاني! يطلب بركة ثيابه، أو بركة شعره، كل هذا منكر لا يجوز، فإذا اعتقد أنه ينفعه ويضره أو أنه يحصل له به بركة.. بهذا الشيء فهذا خطر عظيم، وقد يصل به إلى الشرك إذا طلب البركة منه، واعتقد أنه ينفع ويضر من دعاه أو من طلب منه، أو أنه يستغاث به دون الله، أو أنه يطلب منه الشفاء لمرض.. أو ما أشبه ذلك؛ كان هذا من الشرك الأكبر.

    فالحاصل: أن طلب البركة من هؤلاء أو دعاءهم والاستغاثة بهم، أو اعتقاد أنهم يشفون المرضى وينفعون غيرهم أو يضرون بشرهم؛ كل هذا من المنكرات العظيمة، بل من المنكرات الشركية.

    أما أولياء الله فهم المؤمنون المتقون المطيعون لله ولرسوله، هؤلاء هم أولياء الله، ليسوا أهل البدع، أولياء الله هم أهل الإيمان والتقوى الذين وحدوا الله، واتبعوا سبيله، وساروا على نهج نبيهم محمد عليه الصلاة والسلام؛ هؤلاء هم أولياء الله، وليسوا هم الصوفية، ولكنهم المتقون، قال الله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63].. الآيتين من سورة يونس.

    هؤلاء هم أولياء الله، أهل الإيمان والتقوى، الذين آمنوا بالله ورسوله ووحدوا الله فعبدوه وحده، ولم يعبدوا أهل القبور، ولم يستغيثوا بهم، ولم ينذروا لهم، بل عبدوا الله وحده، وساروا على نهج نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فأدوا فرائض الله وتركوا محارم الله، ووقفوا عند حدود الله؛ هؤلاء هم أولياء الله، وإن كانوا فقراء، وإن كانوا عمالاً يعملون عند الناس لطلب الرزق، وإن كانوا يبيعون ويشترون في الأسواق ما عندهم تصوف؛ هؤلاء هم أولياء الله، وقال تعالى في سورة الأنفال: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال:34].

    فأولياء الله هم أهل التقوى.. هم أهل الإيمان.. هم الذين أطاعوا الله ورسوله وتركوا ما نهى الله عنه ورسوله، ووحدوا الله وعبدوه جل وعلا.

    أما الصوفية فهم أقسام، وهم يشتركون في البدعة، ولكنهم أقسام في الأحكام:

    منهم الكافر.

    ومنهم المبتدع الضال الذي يجب الحذر منه ونصيحته وتنبيهه على بدعته؛ وكلهم مشتركون في البدع؛ لأنهم أحدثوا بدعاً ما أنزل الله بها من سلطان.

    فالواجب الحذر منهم، وعدم الاغترار بهم، وعدم زيارتهم لأخذ دعائهم أو التبرك بهم، أو أخذ توجيهاتهم.. أو نحو ذلك، ومن أمكنه أن ينصحهم، وأن يوجههم إلى الخير، وأن ينكر عليهم بدعهم؛ فليفعل ذلك، والله المستعان.

    1.   

    حكم رفع الصوت بالذكر عند تشييع الجنازة

    السؤال: ننتقل إلى رسالة أخرى وصلت إلى البرنامج من الأحساء - الهفوف، وباعثها أحد الإخوة سمى نفسه: أبو محمد ، ويبدو من أحد أسئلته أنه يمني، له ثلاثة أسئلة:

    في سؤاله الأول يقول: في ريفنا اليمني يقوم المشيعون للجنازة بترديد بعض الأذكار جماعات.. جماعات، وبأصوات مرتفعة، وهذه الأذكار هي: الله! يا الله! لا إله إلا الله محمد رسول الله! الله يا الله! فهل هذا جائز شرعاً؟ وما هي كلمتكم للمشيعين في مثل هذا الموقف؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: هذه الأذكار من البدع، فلا يجوز للمشيعين أن يرفعوا أصواتهم بهذا الكلام: لا إله إلا الله، أو الله.. الله، أو يا الله.. يا الله؛ بل المشروع للمشيع أن يستحضر أمر الموت، وما يسأل عنه الميت، وخطر القبر، يكون على باله هذه الأمور؛ حتى يستعد لهذا الأمر، وحتى يحذر ركونه إلى الدنيا، واشتغاله بها عن الآخرة.

    قال قيس بن عباد التابعي المشهور: كان السلف رضي الله عنهم إذا كانوا مع الجنائز صمتوا مشتغلين بالتفكير في مآل الميت، وما أمامه من الأهوال والعجائب؛ لأن القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار.

    فالواجب على المشيعين أن يتذكروا هذا المقام، وأن يكون على بالهم، أما رفع أصواتهم بشيء من الذكر أو الدعاء جماعياً أو فرادى كل ذلك لا يجوز، وليس من هدي السلف.. لم يكن هذا من هدي السلف الصالح، بل من هديهم السكوت عند الجنائز، والإنصات، وخفض الأصوات، والتفكير في مآل الميت، وما يكون له في القبر، وما ينزل به، وأن يعد الإنسان لهذا عدته؛ لأنه صائر لما صار إليه هذا الميت، فيكون على باله؛ هذا هو المشروع في هذه المسألة.

    فينبغي توجيه هؤلاء إلى الخير، وأن يخفضوا أصواتهم، وأن يفكروا بمآل الميت، وما ينزل به حين يوضع في قبره، وسؤاله، وماذا يجيب به.. إلى غير هذا من الأمور العظيمة التي كل إنسان سيمر بها، والله المستعان.

    1.   

    حكم صلاة الوتر وصفتها

    السؤال: أخونا يسأل ويقول: كيف هي صلاة الوتر؟ وكم تشهد فيه؟ وهل فيه قنوت؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.

    الجواب: الوتر سنة مؤكدة، وأقله واحدة بعد سنة العشاء، ومن زاد عليها فهو أفضل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر من الليل، وكان وتره متنوعاً عليه الصلاة والسلام، فربما أوتر بثلاث، وربما أوتر بخمس، وربما أوتر بسبع، وربما أوتر بإحدى عشرة، وربما أوتر بثلاث عشرة، وهذا أكثر ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يحد في هذا حداً، فمن أحب أن يوتر بأكثر من ذلك فلا بأس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)، فلم يحد حداً.

    ولهذا ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه صلى عشرين ركعة بالوتر، وأمر أبياً أن يؤم الناس بذلك في بعض الرمضانات، وفي بعضها أمره أن يصلي إحدى عشرة، فالأمر في هذا واسع؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم صلوا هذا وهذا، صلوا ثلاث وعشرين وصلوا إحدى عشرة؛ كل ذلك حسن وكله سنة وليس فيه تحديد.

    ولكن إذا أوتر الإنسان بوتر النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة أو ثلاث عشرة كان هذا أفضل، وإن نقص فلا بأس وإن زاد فلا بأس، والأفضل أن المؤمن -وهكذا المؤمنة- إذا كثر العدد خفف في القراءة والركوع والسجود؛ حتى لا يشق على نفسه وعلى الناس.

    وإن أقل الركعات استحب له أن يطيل في القراءة وفي الركوع والسجود، كفعله عليه الصلاة والسلام، والأمر في هذا واسع والحمد لله وليس فيه تشديد، وإن أوتر بثلاث بتسليمتين.. سلم بثنتين ثم أتى بواحدة فهذا أقل الكمال وأدنى الكمال، وإن أتى بخمس أو بسبع أو بأكثر فذلك أفضل، يسلم من كل ثنتين هذا هو الأفضل، يسلم من كل ثنتين ثم يختم صلاته بواحدة ويقنت فيها.

    وهذا هو الأفضل يقنت بعد الركوع؛ بما علمه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي : (اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت).. إلى آخره، والأفضل رفع اليدين في ذلك؛ لأن الرسول رفع يديه في القنوت عليه الصلاة والسلام.. قنوت النوازل، والقنوت في الوتر مثل ذلك، قنوت الوتر مثل قنوت النوازل؛ ولأن رفع اليدين في الدعاء من أسباب الإجابة، ومن لم يرفع فلا بأس، ومن لم يقنت فلا بأس؛ كله مستحب، من قنت فهو أفضل، ومن رفع يديه فهو أفضل، ومن ترك ذلك فلا حرج عليه، والوتر كله سنة وليس بواجب، هذا هو الحق الذي عليه جمهور أهل العلم.

    وإذا تيسر أن يكون آخر الليل فهو أفضل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل فيوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل)، رواه مسلم في صحيحه، فالوتر في آخر الليل أفضل لمن استطاع ذلك، أما من عجز فإنه يوتر في أول الليل كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة ، وأبا الدرداء الإيتار أول الليل؛ لأنهما كانا يدرسان الحديث، ويشق عليهما القيام في آخر الليل؛ فناسب أن يوترا في أول الليل.

    والخلاصة: أن من كان يستطيع آخر الليل فهو أفضل، ومن خاف ألا يقوم من آخر الليل فإيتاره أول الليل أفضل، أما النبي صلى الله عليه وسلم فكان يوتر أول الليل وأوتر أوسط الليل، ثم استقر وتره في آخر الليل عليه الصلاة والسلام حتى لحق بالله.

    المقدم: يسأل أخونا عن عدد التشهد في الوتر والقنوت؟

    الشيخ: مثل ما تقدم: السنة أن تشهد في كل ركعتين، هذا السنة، فإن أوتر بثلاث جميعاً.. سردها جميعاً ولم يجلس إلا في آخرها، فلا بأس، أو سرد خمساً جميعاً ولم يجلس إلا في آخرها فلا بأس، أما السبع فهو مخير؛ إن شاء استردها جميعاً وأوتر في السابعة، وإن شاء جلس في السادسة وأتى بالتشهد الأول ثم قام للسابعة، وهكذا التسع يجلس في الثامنة فيأتي بالتشهد في الأول ثم يقوم للتاسعة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سرد السبع في بعض الأحيان، وفي بعضها جلس في السادسة وأتى بالتشهد الأول.

    وهكذا التسع إذا جلس للتشهد الأول في الثامنة ثم قام وأتى بالتاسعة فهذا من سنته صلى الله عليه وسلم، ولكن الأفضل أن يصلي ثنتين.. ثنتين، هذا هو الأكمل، وهو الغالب من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلم من كل ثنتين ويوتر بواحدة.

    1.   

    حكم من جامع أهله في رمضان عدة مرات

    السؤال: أخونا له سؤال أخير يقول فيه: حدث في أحد الرمضانات ومنذ بضع سنين أن واقعت زوجتي في نهار رمضان، وتكرر ذلك عدة مرات في نفس الشهر، وبعد مضي بضع سنين أدركت حجم المعصية والإثم الذي وقعت فيه، وندمت على ذلك أشد الندم، وأنا الآن في حيرة من أمري، أرجو من سماحتكم إرشادي ومعونتي أنا وزوجتي للخروج من هذه الوقعة؟ جزاكم الله خيراً.

    الجواب: الواجب عليكما جميعاً التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، والندم على ما مضى، والعزم ألا تعودوا في ذلك؛ هذا هو الواجب على كل من عصى الله: أن يندم على ما مضى، وأن يعزم ألا يعود، وأن يقلع من ذلك، ومن تاب تاب الله عليه، يقول سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، فالتوبة فلاح، وقال سبحانه: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82].

    وعليكما أيضاً قضاء الأيام التي حصل فيها الجماع.. تقضون الأيام الذي حصل فيها الجماع، مع إطعام مسكين عن كل يوم؛ لأن المدة طالت، ومضى عليها رمضانات؛ فعليكما -مع القدرة- إطعام مسكين عن كل يوم، تدفع لبعض الفقراء، ولو فقيراً واحداً، فإن عجزتما فلا شيء عليكم من جهة الإطعام، وعليكما القضاء فقط، وعليكم مع ذلك كفارة.. كفارة عن كل يوم وقع فيه الجماع؛ وهي كفارة الظهار، عليك واحدة وعليها واحدة عن كل يوم، وترتيبها كما يأتي:

    أولاً: عتق رقبة مؤمنة.

    فمن عجز صيام شهرين متتابعين.

    فمن عجز إطعم ستين مسكيناً عن كل يوم جرى فيه جماع، فإذا كان الجماع وقع في ثلاثة أيام صار على كل واحد ثلاث كفارات منكما، وإذا كان في أربعة أيام كان على كل واحد أربع كفارات.. وهكذا؛ لأن كل يوم محترم له حرمته وله كفارة، نسأل الله لكما العون والتوفيق وقبول التوبة.

    وإذا نسي عدد المرات التي ارتكب فيها هذه الخطيئة فإنه يتحرى، فإذا شك في ثلاث أو أربع يجعلها أربع، وإذا شك أربعة أيام أو خمسة أيام يجعلها خمسة أيام؛ حتى يتيقن سلامته من الواجب.

    1.   

    حكم من شك في قراءة الفاتحة في بعض الركعات

    السؤال: ننتقل إلى رسالة أخرى باعثها هو أخونا: إسماعيل ناصر الهياف من حائل.

    أخونا عرضنا سؤالاً له في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة يسأل ويقول: الذي يتذكر أنه لم يقرأ سورة الفاتحة بعد السلام أو بعد الركوع فماذا يفعل؟ أفيدونا أفادكم الله!

    الجواب: إذا كان مأموماً فلا شيء عليه؛ لأن المأموم أمره أسهل، ولهذا لو جاء والإمام راكع أجزأه الركوع وكفته الركعة، فالجاهل والناسي من المأمومين تسقط عنه، كما لو جاء والإمام راكع سقطت عنه الفاتحة، أما إن كان إماماً فإنه يأتي بركعة بدل الركعة التي ترك، إذا كان بعد انتهاء الصلاة يأتي بالركعة ويسجد للسهو، وإن كان تذكر بعد الركوع يرفع ويقرأ ثم يركع.. ويعيد الركوع، ثم يسجد للسهو بعد ذلك، إذا كان إماماً أو منفرداً، أما المأموم فيسقط عنه.

    المقدم: جزاكم الله خيراً.

    سماحة الشيخ! في الختام أتوجه لكم بالشكر الجزيل -بعد شكر الله سبحانه وتعالى- على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نسأل الله ذلك.

    المقدم: اللهم آمين.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لمتابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.