إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة - حديث 780-785

شرح بلوغ المرام - كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة - حديث 780-785للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رمي الجمار من واجبات الحج وشعائره العظيمة، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم صفته وموضعه وعدد الحصيات التي يرمى بها والوقت المناسب للرمي، كما اختلف العلماء السالفين والمعاصرين في حكم الرمي قبل الزوال في أيام التشريق على أقوال مبينة في هذه المادة، كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمال الحج في يوم النحر حين وقف للناس وجعلوا يسألونه وهو يجيب ويبين الأحكام المتعلقة بتقديم بعض المناسك على بعض أو نسيانها أو الجهل بها.

    1.   

    شرح حديث ابن مسعود: (أنه جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ..)

    الحديث رقم (762) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (أنه جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حصيات، وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة)، يعني هذا ابن مسعود رضي الله عنه هو الذي فعل ذلك، متفق عليه.

    تخريج الحديث

    الحديث رواه البخاري في الحج، باب من رمى جمرة العقبة فجعل البيت عن يساره، ومسلم أيضاً فيمن رمى من بطن الوادي، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .

    ولذلك مثل هذا الحديث المصنف رحمه الله يقول: متفق عليه، حقه أن يقال: رواه الستة، بل حقه أن يقال: رواه السبعة؛ لأن الإمام أحمد خرجه في مسنده، ورواه ابن خزيمة وأبو عوانة والبيهقي والدارقطني وابن أبي شيبة وغيرهم.

    معاني ألفاظ الحديث

    في الحديث قوله: (رمى جمرة العقبة)، والرمي يعني: القذف أو الحذف، وهذا دليل على أنه لابد أن يرميها رمياً ولا يجوز له أن يضعها وضعاً في الحوض.

    وفيه: (الجمرة)، والجمرة كأنها مأخوذة من الحصى الصغار، فإن العرب يسمونها: الجمرة ويجمعونها على الجمار، فسميت الجمرة باسم الحصاة التي ترمى بها.

    وقوله: (هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة)، هذا دليل على جواز تسمية سور القرآن بمثل ذلك، وإنما خص ابن مسعود رضي الله عنه سورة البقرة؛ لأن كثيراً من المناسك جاءت في هذه السورة، وقال بعضهم: لأن سورة البقرة هي السورة التي ذكر فيها الرمي.

    ولا أعلم أن الرمي ذكر في هذه السورة، وإلا أن يكون المقصود الذكر، فإن عائشة رضي الله عنها تقول -كما عند الدارمي وغيره بسند صحيح موقوفاً على عائشة، ولا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم-: ( إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله عز وجل )، وفي سورة البقرة ربنا سبحانه يقول: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203].

    ويحتمل أن يكون ابن مسعود ذكر سورة البقرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الدعاء عند رمي الجمار، حتى قال بعضهم: ( أنه كان يطيل بقدر ما يقرأ القارئ سورة البقرة )، في غير هذا الموضع، يعني: ليس عند جمرة العقبة.

    فوائد الحديث

    في الحديث فوائد:

    فيه أولاً: بيان موضع الرمي، وخاصة رمي جمرة العقبة أنه يرميها من بطن الوادي كما قال جابر رضي الله عنه، وكذلك ابن مسعود هنا كان حديثه أكثر تصريحاً وتوضيحاً: ( أنه جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم رماها )، ومن أي موضع رمى الجمرة أجزأه ذلك، وإنما هذا هو الموضع الفاضل.

    من فوائد الحديث: التكبير، وحكمة الرمي أنها لإقامة ذكر الله عز وجل، كما ذكرت عائشة رضي الله عنها.

    من فوائد الحديث: بيان خصوصية جمرة العقبة، فجمرة العقبة وهي الجمرة الكبرى، وهي الأبعد من منى، والأقرب إلى مكة، وهي تقع على الحد ما بين منى ومكة، هذه الجمرة لها خصوصية عن بقية الجمرات، ممكن نستذكر خصوصية جمرة العقبة.

    أول خصوصية أنها ترمى يوم النحر، وترمى قبل طلوع الفجر كما رجحناه واخترناه من أقوال أهل العلم، وهو الذي دل عليه الدليل، فهذه من خصوصيات جمرة العقبة.

    أيضاً من خصوصياتها: أن التلبية تنتهي عندها كما دل عليه لفظ مسلم : ( حتى بلغ الجمرة ).

    ويوجد خصوصية للجمرة أنها ترمى واحدة يوم النحر.

    ومن خصوصياتها أيضاً: أنها ترمى من أسفلها، من بطن الوادي كما قال جابر رضي الله عنه، وكما وصف ابن مسعود بخلاف بقية الجمرات.

    1.   

    شرح حديث: (رمى رسول الله الجمرة يوم النحر ضحى ..)

    الحديث رقم (763) عن جابر رضي الله عنه قال: ( رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس ) رواه مسلم .

    رواه مسلم في الحج، باب وقت استحباب الرمي، ورواه أبو عوانة وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وهو من حديث جابر الطويل الذي شرحناه أمس.

    حكم الرمي قبل الزوال أيام التشريق وأقوال أهل العلم فيه

    في هذين الحديثين مسألة لها ذيول، ويطول الجدل حولها، وهي مسألة رمي الجمرات قبل الزوال؛ لأن جابراً رضي الله عنه قال: (وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس)، فهذا دليل على أن رمي الجمرات في اليوم الثاني والثالث يكون بعد زوال الشمس.

    والآن نشير إلى مسألة الرمي، هل يكون بعد الزوال، أو يكون قبل الزوال.

    القول الأول: عدم جواز الرمي قبل الزوال أيام التشريق وأدلته

    القول الأول: أنه لا يجوز رمي الجمرات في أيام التشريق قبل الزوال، وهذا مذهب جمهور العلماء، فهو مذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد، وهو أيضاً المذهب المشهور عند أبي حنيفة، واستدلوا على ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما دل عليه حديث جابر، كما استدلوا أيضاً بما ذكره ابن عمر رضي الله عنه وهو في الصحيحين، لما سأله رجل: [ متى أرمي؟ قال: إذا رمى إمامك فارم، فأعاد عليه، فقال: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا ]، فقال: كونه يتحين؛ دليل على أنهم كانوا ينتظرون الزوال حتى يحدث، ثم يقومون بالرمي.

    ومن الأدلة: أن هذا هو ما كان عليه فعل الصحابة رضي الله عنهم، حتى قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله تعالى عليه: "أني بعد البحث والتحري، وطول الدراسة لم أجد عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم رموا قبل الزوال، وهذا دليل على أنه لا يجوز عندهم". هذا هو القول الأول.

    القول الثاني: جواز الرمي قبل الزوال في يوم النفر وأدلته

    القول الثاني: أنه يجوز الرمي قبل الزوال في يوم النفر؛ اليوم الذي سوف ينفر فيه الإنسان، وهذا قول للأحناف مشهور، وهو مذهب إسحاق ورواية عن الإمام أحمد، واستدلوا أولاً بالحاجة فيما يتعلق بالرمي يوم النفر، أنه يحتاج إلى ذلك حتى يرمي، ثم يدفع ففي ذلك توسعة ورخصة، واستدلوا أيضاً بأثر عن ابن عباس رضي الله عنه: [ أنه إذا كان يوم النحر كان يرمي قبيل الزوال، أو قبل الزوال ]، وهذا الأثر عن ابن عباس في مصنف ابن أبي شيبة، وليس صريحاً في هذه المسألة، وإن كان قد يدل عليها.

    القول الثالث: جواز الرمي قبل الزوال في سائر أيام التشريق وأدلته

    القول الثالث: أنه يجوز الرمي قبل الزوال في سائر أيام التشريق، وهذا أحد القولين عن عطاء إمام المناسك، وهو قول طاوس، وإمام الحرمين من الشافعية، والرافعي من الشافعية أيضاً، وابن الجوزي من الحنابلة، وابن الزاغوني من الحنابلة أيضاً، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي، واختيار شيخنا الشيخ صالح البليهي، والشيخ ابن جبرين رحمهم الله أجمعين، ويستدلون لهذا بعدد من الأدلة، منها:

    أولاً: قول الله سبحانه وتعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203]، فقالوا: إن الأيام المعدودات التي ذكرها الله تعالى هي أيام التشريق، واليوم يبدأ بعد الفجر، وقد يقال: بعد طلوع الشمس، فهو محلٌ للذكر، فظاهر القرآن الكريم يدل على أن هذه الأيام هي محل لذكر الله، والرمي من ذكر الله، ومعه ذكر الله عز وجل، وهو إنما شرع لإقامة ذكر الله، فمثله في ذلك مثل بقية المناسك التي تفعل في هذا اليوم. هذا من أدلتهم، وقد ذكره الشيخ السعدي في رسالته.

    كذلك استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت في الجمار توقيتاً محدداً مثل المواقيت في الصلوات وغيرها التي لا يمكن العدول عنها؛ بدليل أن هذه الأشياء ليس فيها نصوص صريحة، وغاية ما فيها فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والفعل يدل على الاستحباب، يدل على السنية، لكن ليس فيه القطع بأن الوقت يبتدئ قبل الزوال، وقد يقال: إنه مثل عرفة عند الإمام أحمد، الإمام أحمد يرى أن يوم عرفة من الفجر، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما وقف بـعرفة إلا بعد زوال الشمس، والجمهور على خلاف قول الإمام أحمد، لكن ظاهر الدليل ذكرنا أنه يدل على أن لقوله حظاً من النظر، ومما يعزز هذا الاحتمال أن ابن عمر رضي الله عنه لما سأله السائل وقال: (متى أرمي؟) في أول الأمر لم يبين له ذلك، حتى أعاد عليه، فقال له: [ إذا رمى إمامك فارم ]، مما يدل على السعة، فلما ألح عليه في السؤال قال: [ كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا ]، ولم يذكر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً صريحاً.

    و العادة في الشريعة أن المواقيت في العبادات من أهم وأخطر الأشياء، حتى إن المواقيت منضبطة، مثل مواقيت الصلوات، صلاة الظهر مثلاً بالزوال، بحيث لو صلى قبل الزوال لم تصح صلاته باتفاق العلماء قولاً واحداً، وكذلك صلاة المغرب مثلاً بغروب الشمس، صلاة الفجر بطلوع الفجر، ولابد أن تكون قبل طلوع الشمس، فالمواقيت تتوفر الدواعي في الشريعة على ضبطها وإتقانها، وروايتها ونقلها نقلاً مستفيضاً واضحاً، بينما فيما يتعلق برمي الجمرات الأمر فيه عموم، ومجرد فعل من النبي صلى الله عليه وسلم.

    بل يستدلون -ثالثاً- بأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة بالرمي ليلاً، وقال عليه الصلاة والسلام -كما عند ابن خزيمة وغيره-: ( الراعي يرعى بالنهار ويرمي بالليل )، فقالوا: إذا كان الرمي بالليل رخصة، فالرمي بالنهار قبل الزوال يكون رخصة مثله أو نحوه أو قريباً منه.

    واستدلوا أيضاً بحديث عاصم بن عدي، وسوف يأتي هذا الحديث؛ لأنه من أحاديث البلوغ، وفيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة أن يؤخروا رمي الجمرات إلى اليوم الأخير، ثم يرمون الذي فاتهم، ثم الذي بعده ) وهو حديث صحيح، فقالوا: تأخير رمي الجمرات إلى اليوم الأخير يدل على أن ما قبل الزوال يعتبر رخصةً مثله.

    وكذلك استدلوا بما رواه الفاكهي بسند صحيح: أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه -وهو صحابي جليل- كان يرمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال، وهذا الحديث حجة أنه وجد من الصحابة رضي الله عنهم من رمى قبل الزوال.

    فهذه أدلة على ما ذكرنا.

    الراجح في الرمي قبل الزوال

    يبقى أن قول الجمهور لا شك أنه قول له هيبته، وله قدره العظيم، وهو لا شك أن السنة ألا يرمي إلا بعد الزوال، وفي ذلك:

    أولاً: اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وموافقة ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وفيه ثانياً: الخروج من خلاف العلماء، ولا شك أن الخروج من الخلاف في هذه المسألة التعبدية مطلب، ويبقى أن القول الثاني هو قول لبعض أهل العلم، كما ذكرناه عن ابن الزبير أو عن عطاء، أو عن طاوس، أو عمن ذكرنا من الحنفية، رواية عن الإمام أحمد في يوم النفر، بعض الفقهاء المتأخرين الذين نصروا هذا القول كالشيخ ابن سعدي، والشيخ البليهي والشيخ ابن جبرين، وأيضاً بعض المشايخ أظن الشيخ عبد الله المطلق، ونحوهم أيضاً الشيخ عبد الله المنيع، وكثير من فقهاء الأمصار، فهذا قول وإن لم يكن هو القول المشهور، وليس المطلوب أن يتحول هذا القول أن يكون هو القول السائد، وإنما الذي في نظري أنه مناسب أن يكون في المناسك نوع من التوسعة على الناس أن يفعلوا ما اقتنعوا به، بمعنى أن نصرة هذا القول ليس المقصود فيها أن يذهب القول الأول ويحل هذا القول محله، لا، وإنما المقصود فيها أن هناك من اقتنع بهذا ورأى له وجاهة، أو هناك من عنده ظروف تستدعي أن يأخذ بهذا القول، أو ظروف الحاج أيضاً، يعني: في وقت من الأوقات كان الناس يقتلون عند الجمرة، وهذا أمر شنيع عند الله سبحانه وتعالى أن يقتل الناس في منسك من المناسك.

    والآن لا شك أن التوسعة التي حصلت في الجمرات، وسعت جداً وأزالت كثيراً من الحرج على الناس، لكن أيضا لا يمنع أن نعتقد أن هذا القول سيكون له حاجة يوماً من الأيام، بمعنى أنه لو فكرنا بعدد المسلمين الذين يصلون إلى مليار وخمسمائة مليون، من أجل أن يؤدوا فريضة الحج فقط يحتاج إلى أن يستوعب الحرم عشرات الملايين سنوياً، يعني عشرة ملايين أو أكثر، عشرين مليوناً .. يمكن من خلال سبعين ثمانين سنة أن يحج مليار ونصف مليار إنسان، معناه قطعاً أنه سيموت أناس دون أن يتمكنوا من الحج، طبعاً من الأسباب ضيق المكان، فنكون متعبدين بأن ننظر ليس فقط إلى خصوص المسألة بقدر ما ننظر إلى عموم الحاجة، وأن هذه شريعة عظيمة، شريعة الحج، وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97]، وهي على كل مسلم قادر مستطيع.

    فأن تكون المشاريع والمساكن والأبنية مناسبة لذلك، وأن نفكر بعقلية لهذا العدد الكبير من الناس، أن يستوعبهم السعي، أن يستوعبهم المطاف، المسعى طبعاً بأدواره وبتوسعته الجديدة، وهي التي أقرها كثير من أهل العلم، وهو الذي أرى أنه هو الموافق لما كان عليه الأمر من قبل، فإن المسعى لم يكن محدداً بالطريقة التي وجدناها فيما مضى، وإنما كان في سعة من قبل، وكان الناس يسعون في أرض جرداء فضاء ليس عليها حدود ومعالم واضحة، وهكذا في عهود بني أمية وبني العباس حصل لها توسعة في ذلك كما هو معروف.

    فأقول: المسعى وكذلك المطاف أن يكون هناك تفكير في طريقة استيعاب الحجاج وتفويجهم، وكذلك ما يتعلق بالجمرات، وما يتعلق بمنى والبناء فيها، وما يتعلق بـعرفة، وما يتعلق بـمزدلفة، وما يتعلق بما يعتبر عربات القطارات التي يقال: إنها سوف تنطلق هذا العام، كل هذه الأشياء هي جزء من مشروع ينبغي أن يكون مستكملاً، وضمن ذلك قضية الأخذ بالأقوال الفقهية التي ليست أقوالاً شاذة، وليست كما قد يبدو نوعاً من تتبع الرخص لمجردها، وإنما هي اجتهادات، وليس المطلوب أن تفرض هذه الاجتهادات على الناس، لا، ليكن غالب الناس وعامتهم يأخذون بالسنة؛ لأنها سنة، فضلاً عن كونهم يعتقدون أن هذا قول راجح، لكن أيضاً أن يسمح -وهذا هو الذي يحدث الآن- لمن أخذ بهذا القول، أو اجتهد فيه، أو رآه أن يفعل ذلك، دون أن تتحول مثل هذه المسائل إلى مهاترات بين طلبة العلم أو ردود.

    الرد العلمي طبيعي ومطلوب ولا بأس به، لكن إذا تحول الرد إلى نوع من التشنيع أحياناً أو التحقير أو الازدراء فلا شك أن هذا لا ينبغي أن يحدث بين طلبة العلم، وأن يؤثر العلماء وطلبة العلم فيما بينهم حسن الظن، وحمل الإنسان على الاجتهاد والنصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين، وحتى لما يخطئ نقول: إن شاء الله أخطأ بحسن نية، ونقول: إن شاء الله مجتهد، وإذا رأينا أننا نستكثر عليه كلمة مجتهد، نقول: لعله معذور بنيته الطيبة، أو بأنه قلد أحداً من المجتهدين كـعطاء أو طاوس، أو غيرهم من الأئمة والعلماء!

    فمثل هذه المسائل إذا أخذت بهذه الطريقة بدلاً من أن تتحول إلى مسائل للجدل بين طلبة العلم، والاختلاف الذي ربما يجعل الناس يتعجبون، أنه كيف طلبة العلم يتعاملون بهذه الروح فيما بينهم، ونحن نرى أنه ما من مسألة عرضت في هذه الدروس إلا وجدنا أنه حتى المسائل الغريبة، مثل من يقول: إن الوقوف أو المبيت بـمزدلفة ليس سنة، وإنما هو منزل نزله، وجدنا من يقول به مثل: عطاء أو ينسب إليه، أو ينسب إلى ابن عباس أو لغيرهم.

    وبناءً عليه نقول: إنه لا تأخذ هذا القول لمجرد أنه قال به إمام جليل فتقلده، لا تعرف الحق بالرجال، وإنما اعرف الرجال بالحق، ومع ذلك احفظ أقدار هؤلاء الأئمة والعلماء، وكذلك قدر إخوانك، وإن كان الله فضلك عليهم بمزيد علم أو معرفة أو إدراك أو بصيرة، أو حتى غيرة، ومع ذلك لعل من كمال علمك وإدراكك وبصيرتك وغيرتك أن ترحم إخوانك الذين خالفوك، وأن تحسن الظن بهم، وأن تختلف معهم وترد عليهم بالدليل وما يترجح عندك، دون أن يفضي هذا إلى الازدراء والتحقير والاتهام، وغير ذلك من الأقوال، وحتى لو وجدت في كلام بعض العلماء والأئمة الكبار أنهم قد يشتدون على بعضهم، لا تقلدهم في ذلك، وإنما اختر أفضل ما عندهم، وقد يكون هؤلاء العلماء معذورين؛ لسعة علمهم، وخطؤهم هذا إن شاء الله مغفور لهم، وينغمر في بحر حسناتهم، لكن أنا وأنت مع إخواننا ومع زملاء لنا ربما الواحد يجور أو يعتدي؛ هذا ليس بلائق.

    يعني هذا أنا أقوله بمناسبة موضوع الرمي قبل الزوال، ولا أقصد فيه ذات المسألة بقدر ما أعني عموم المسائل، في الحج أو في غير الحج، مما يختلف فيه طلبة العلم، فإن هذا الاختلاف باق وإلى قيام الساعة، إلى أن يشاء الله سبحانه وتعالى، لن نستطيع أن نزيله، لكن نستطيع أن نحاول تربية أنفسنا وتربية طلابنا وإخواننا على حسن الظن بالآخرين، وعلى الرد بالأسلوب العلمي البعيد عن التهجم أو التجريح، وعلى حفظ مقامات المسلمين عامتهم وخاصتهم.

    1.   

    شرح حديث ابن عمر: (أنه كان يرمي الجمرة الدنيا فيقوم بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ..)

    الحديث رقم (764) عن ابن عمر رضي الله عنه: ( أنه كان يرمي الجمرة الدنيا، فيقوم بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم ثم يُسهل، فيقوم مستقبل القبلة طويلاً، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ) رواه البخاري .

    تخريج الحديث

    أولاً رواه البخاري في كتاب الحج، باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة، ورواه أبو عوانة وأبو داود وو الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني ومالك والبيهقي وابن أبي شيبة، وربما المصنف هنا قال: رواه البخاري ولو قال: رواه الستة إلا مسلماً لكان ذلك أحسن.

    الحديث فيه ذكر الجمرة الدنيا، أي: الجمرة الصغرى، وهي الأولى، إذاً: لها ثلاثة أسماء: الجمرة الأولى، والجمرة الصغرى والجمرة الدنيا؛ لأنها هي الأدنى إلى منى .

    وقوله: (ثم يسهل فيقوم مستقبل القبلة)، (يسهل) يعني: يذهب إلى المكان السهل البعيد عن ازدحام الناس.

    فوائد الحديث

    في الحديث فوائد:

    منها: مسألة استقبال القبلة في الدعاء عند الجمرات.

    وفيه: مسألة استحباب الدعاء بعد الجمرة الأولى، فيدعو دعاءً طويلاً، جاء في بعض الأحاديث أنه بقدر سورة البقرة، وهكذا كان يقف ابن عمر رضي الله عنه وغيره، كان ابن عمر يقوم قدر قراءة سورة البقرة في الدعاء، وكذلك الجمرة الثانية يدعو بعدها مستقبل القبلة، ويذهب إلى أي مكان شاء ذات اليمين في الأولى، وذات الشمال في الثانية، المهم أن يذهب ليبتعد عن ازدحام الناس.

    أما الجمرة الأخيرة وهي جمرة العقبة فإنه لا يدعو عندها، وذلك لأن الدعاء يكون في صلب العبادة في الغالب، وليس بعدها، فهو بعد رمي الجمرة الأولى لا يزال في عبادة، وبعد رمي الجمرة الثانية لا يزال في عبادة، أما بعد رمي الجمرة الثالثة فقد انتهت العبادة، ولهذا لا يدعى عندها، وإنما يذكر الله سبحانه وتعالى.

    وكذلك في الصلاة نجد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو -مثلاً- في قيامه، في ركوعه، بعد القيام من الركوع، في السجود، في الجلسة بين السجدتين، في التشهد يدعو.. أما إذا سلم فكان الغالب من فعله الذكر، وليس الدعاء، وإن كان يستغفر كما في حديث ثوبان وعائشة : ( إذا سلم استغفر الله ثلاثاً )، وكذلك وردت آثار في الدعاء مثل: ( اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك )، لكن نقول: الغالب عليه كان الذكر وليس الدعاء.

    1.   

    شرح حديث: (اللهم ارحم المحلقين ..)

    الحديث رقم (765) حديث ابن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله! قال في الثالثة: والمقصرين ) متفق عليه.

    تخريج الحديث

    أولاً: الحديث رواه البخاري في الحج، باب الحلق والتقصير، ورواه مسلم أيضاً في الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ولذلك يصح أن نقول عن هذا الحديث: رواه الستة، وأحمد أيضاً، فقد رواه السبعة، رواه أبو عوانة وابن حبان ومالك والدارمي وابن أبي شيبة والبيهقي .

    معاني ألفاظ الحديث

    ثانياً: قوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم ارحم المحلقين ) متى كان هذا؟

    قال ابن عبد البر : إن هذا كان يوم الحديبية، لما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالحلق فلم يحلقوا، ولذلك لما سألوا: ( يا رسول الله! لماذا دعوت للمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين واحدة؟ قال: إنهم لم يشكوا )، يعني: سارعوا في تنفيذ الأمر، بينما تلوّم آخرون -كما هو معروف- وتباطئوا وتأخروا؛ لأنهم أحرموا وكانوا يظنون أنهم يطوفون بالبيت، فلما أمروا بالحل قبل دخول البيت ورجعوا وقع في نفوسهم ما وقع، فدعا للمحلقين وعلل بقوله: ( إنهم لم يشكوا )، ولذلك قال ابن عبد البر : إن هذا الحديث كان في الحديبية. بينما قال النووي رحمه الله: إن هذا الحديث كان في حجة الوداع. والأقرب -والله تعالى أعلم- أن هذا وقع مرتين، وقع في الحديبية ووقع في حجة الوداع، كما قاله القاضي عياض رحمه الله، والعيني وغيرهم من الشراح.

    فضل الحلق على التقصير

    قوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم ارحم المحلقين ) يعني: دعا عليه الصلاة والسلام بالرحمة لمن حلقوا رءوسهم، والحلق أو التحليق معروف، فقال الصحابة رضي الله عنهم: ( والمقصرين )، وهنا قول الصحابة: (والمقصرين) ماذا نسميه؟ يسميه العلماء اسماً لطيفاً، يسمونه: (العطف التلقيني)؛ لأن الواو حرف عطف، والصحابة رضي الله عنهم كانوا كأنهم يلتمسون من الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يا رسول الله! قل: (اللهم ارحم المقصرين) (المحلقين والمقصرين) يعني كأنهم يلقوننه عليه الصلاة والسلام على سبيل الالتماس أن يدعو للمقصرين أيضاً، فهو عليه الصلاة والسلام يقول: ( اللهم ارحم المحلقين ) في الثالثة قال: ( والمقصرين ).

    وكأن الذي يظهر لي -والله أعلم- أنه عليه الصلاة والسلام ما قال: (اللهم ارحم المقصرين)، فدعا لهم يعني دعاءً مستقلاً وإنما عطفهم، وهذا دليل على ارتفاع وتقدم رتبة المحلقين على المقصرين، وأنا أذكر أن أحد الشيوخ رحمه الله وهو حاج يتكلم على الحلق، ويقول: من هو الحاج الذي يبذل مهجته في سبيل الله، ثم يبخل على ربه عز وجل بأن يحلق شعر رأسه، فهذا مما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم.

    حلق الحاج الذي ليس له شعر

    في الحديث مسألة وهي: الأصلع الذي ليس له شعر، ماذا يمكن أن يصنع؟ ماذا يصنع الأصلع؟

    فيه ثلاثة أقوال:

    القول الأول: أنه يستحب له أن يمر الموسى على رأسه، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد، قالوا: يستحب أن يمر الموسى على رأسه.

    والقول الثاني: أنه يجب أن يمره، وهذا قول أبي حنيفة .

    والقول الثالث: أن ذلك لا يستحب، وهو مذهب الظاهرية.

    والأقرب عندي هو الثالث؛ لأنه لا معنى للإمرار ما لم يكن ثَم شعر يؤخذ ويزال، وهذا معذور فمثله مثل الإنسان مقطوع اليد، لا نقول: يجب عليه أن يغسل يده المقطوعة في الوضوء؛ لأن محل الفرض غير موجود، فكذلك فيما يتعلق بمن ليس له شعر ألبتة، أما لو كان له شعر ولو قليل فإنه يزيله.

    فوائد الحديث

    الحديث فيه فوائد:

    فيه مسألة استحباب التحليق وفضله.

    وفيه جواز التقصير.

    وفيه حجة لمن قال: بأن التقصير ينبغي أن يعم جميع الرأس، أو أكثر الرأس، وكثير من الفقهاء يقولون: يكفي شعرات، أو ربع الرأس، أو ما أشبه ذلك، لكن ظاهر الحديث يدل على أن السنة أن يستوعب الإنسان أكثر الرأس وليس كل شعرة؛ بدليل أن التقصير هنا صار بإزاء التحليق، وهو بديل عنه، ولهذا اختلف العلماء: هل الحلق أو التقصير هو نسك أو هو استباحة محظور؟ وإن كانت هذه المسألة ليس من ورائها ثمرة كبيرة.

    هل الحلق والتقصير نسك أو استباحة محظور؟

    فالجمهور قالوا: إنه نسك مأمور به، متعبد به، وهذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وهو ظاهر قول الإمام أحمد لحديث الباب؛ لأن النبي عليه السلام دعا لهم وأمرهم به.

    القول الثاني: أن الحلق أو التقصير ليس نسكاً، وإنما هو استباحة محظور، وهذا قولٌ للشافعي، ورواية لـأحمد ومنقول عن عطاء إمام المناسك، والقول الأول أرجح أن الحلق أو التقصير نسك.

    متى يفضل أن يقصر، يعني هل في حالة نقول: إن الإنسان يفضل فيها أن يعدل عن الحلق إلى التقصير؟

    إذا كان متمتعاً والعهد قريب.

    يعني: إنسان الآن جاء للتمتع اليوم وهو سيحرم بالحج غداً بحيث أنه لا ينبت رأسه، يحتاج الرأس إلى وقت حتى ينبت، فلو حلق لم يجد شيئاً يحلقه في الحج، فهنا يقصه في العمرة، ويجعل الحلاقة للحج، فهذا مما نص كثير من الفقهاء على أنه مما يكون التقصير فيه سائغاً، وإلا يكون الحلق أفضل؛ لأنه -كما قلنا- الذين حلقوا لم يشكوا كما في الحديبية، ولأن الحلق أبلغ من التقصير، ولأن الحلق يعم الرأس كله أيضاً، فإذا حلق لم يبق شيء، بخلاف التقصير فإنه يبقى بعض الشعر.

    وهنا سؤال: الحلق يتعين أن يكون بالموسى؟ يعني لو واحد وضع مواداً مزيلة للشعر، مثل بعض المواد التي إذا وضعت على الشعر أزالته، يجزئه هذا عن الحلق، أو نقول: لابد أن يحلق بالموسى؟

    نقول: المقصود إزالة الشعر، سواء أزاله بالموسى أو بغيره، فإن المقصود إزالة الشعر بأي وسيلة كانت.

    ومن فوائد الحديث: استحباب طلب الدعاء من الأولياء والأفاضل، فالصحابة رضي الله عنهم التمسوا الدعاء من الرسول عليه الصلاة والسلام.

    الحلق أو التقصير هي من خصائص الرجال أو النساء؟

    الحلق من خصائص الرجال، ولهذا نقول: لو حلقت المرأة فقد أساءت، وبعضهم ينص على المنع والتحريم من ذلك، والجمهور على أن ذلك إساءة، وأما التقصير فهو للرجال وللنساء، ولذلك نقول: مما يستثنى في التقصير أيضاً كما يستثنى في حال المتمتع النساء، فإن السنة في حق النساء التقصير وليس الحلق، ولم يرد في تقصير النساء حد محدود، لكن يقول الفقهاء: تقصر بقدر أنملة.

    1.   

    شرح حديث: (أن رسول الله وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه ..)

    الحديث رقم (766) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، فجاء آخر وقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج، فما سئل يومئذٍ عن شيء قُدّم ولا أُخر إلا قال: افعل ولا حرج ) متفق عليه.

    تخريج الحديث

    رواه البخاري في الحج، باب الفتيا على الدابة، ورواه مسلم في الحج، باب من حلق قبل النحر، وأبو عوانة، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .

    إذاً: الحديث رواه الستة.

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله: (لم أشعر) إما أنه يعني لم أدرك، أو لم أعلم بتقديم بعض هذه الأعمال على بعض.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (افعل) هذا أذن له فيما مضى، وهو يدل بظاهره على أنه أذن له أيضاً فيما يستقبل.

    فوائد الحديث

    وقوله عليه السلام: (ولا حرج) تحتمل ثلاثة معانٍ (افعل ولا حرج): معناه (لا حرج) أي: لا إثم عليك. هذا صحيح، ففيه نفي الإثم. وفيه ثانياً: نفي الفدية، أنه ليس عليه فدية. وفيه ثالثاً: نفي الإعادة. إذاً: قوله: (ولا حرج) تضمنت أنه لا إثم ولا فدية ولا إعادة عليك فيما فعلت. وقوله رضي الله عنه: (فما سئل عن شيءٍ قدم ولا أخر)، المقصود بـ(الشيء) هنا نكرة في سياق الشرط فتعم كل شيء، لكن المقصود هنا من الأشياء التي هي أعمال يوم النحر، وأعمال يوم النحر ما هي؟ الرمي، النحر، الحلق، الطواف، هذه السنة في ترتيبها، النبي عليه الصلاة والسلام رمى جمرة العقبة، ثم نحر هديه، ثم حلق رأسه، ثم طاف بالبيت، وهذه السنة في ترتيب هذه الأربعة باتفاق العلماء، فالمقصود أنه ما سئل عن شيء من هذه الأربعة قدم ولا أخر إلا قال عليه الصلاة والسلام: ( افعل ولا حرج ). في الحديث مسألة وهي تقديم الأعمال وتأخيرها في الحج: أولاً: أجمع العلماء على الترتيب السابق الذي ذكرته. ثانياً: أجمعوا أيضاً على أن المخالفة بغير عمد مجزئة، على من قدم شيئاً من هذه الأشياء على غيره من غير تعمد أن ذلك مجزئ. أيضاً أجمعوا على أنه لا يأخذ من شعره حتى يبلغ الهدي محله، وهذا قد خولف فيه كما سوف يأتي. واختلفوا في مسائل من ذلك، منها: أنهم يقولون: من قدم أو أخر عالماً أو جاهلاً فلا شيء عليه، كما ذكرنا هذا قول الجماهير، وهو مذهب الأئمة الشافعي

    وأحمد

    وغيرهم؛ لحديث الباب، حديث عبد الله بن عمرو بن العاص

    ، وجاء عند البخاري

    ومسلم

    أيضاً عن عبد الله بن عمر

    رضي الله عنه مثل هذا الحديث، وقال بعض الحنابلة والحنفية والمالكية -فقهاء منهم- أن من قدم شيئاً على شيء فهو صحيح ومجزئ ولكن عليه دم. مثلاً: الحنفية يقولون: من قدم الحلق على الذبح فعليه دم، ويستدلون بقول الله تعالى: (( وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ))[البقرة:196]، فكيف نقول بهذه الآية الكريمة؟ ما هو الجواب عليها؟ نقول: هذا في شأن المحصر؛ لأن الآية وردت في المحصر، فإن المحصر ينتظر حتى يبلغ الهدي محله، وبلوغ الهدي محله وصول الهدي إلى مكانه، إلى البيت العتيق كما قال سبحانه: (( ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ))[الحج:33]، ويحتمل أن يضع الإنسان المحصر علامة بينه وبين من يذهبون للهدي أنه في الوقت الفلاني اذبحوا ويتحللوا بعد ذلك، وكذلك المالكية عندهم دم على من قدم الحلق على الرمي. النقطة الرابعة من فوائد الحديث في أعمال يوم النحر كما ذكرنا: فيه أن من قدم شيئاً منها أو أخر جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه، وكذلك العامد عند الجمهور. فيه عدم الإثم وعدم الفدية وعدم الإعادة. فيه جواز القعود على الراحلة. فيه الفتيا على الراحلة أيضاً كما بوب عليه الإمام البخاري

    رحمه الله. فيه سماحة الشريعة؛ فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( افعل ولا حرج ) حتى قال عبد الله بن عمرو

    : ( ما سئل عن شيء قدم ولا أخر )، وكذلك قال ابن عباس

    ، والعلماء أحصوا مثل هذه المسائل أنها تصل إلى أكثر من أربعة وعشرين مسألة التي يتصور أنه وقع السؤال عنها، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر

    وغيره، فقوله عليه الصلاة والسلام: ( افعل ولا حرج )، وإن كان وارداً في أعمال يوم النحر إلا أنه يلتمس منه موضوع سماحة الشريعة، ولفظ الحرج هنا جاء في القرآن الكريم غير مقيد، كما في قوله سبحانه: (( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ))[الحج:78]، ولهذا كان رفع الحرج من مقاصد الشريعة الإسلامية، ويفهم منه رفع الحرج في كثير من الأعمال التي يقع فيها مشقة شديدة على الناس، ومن مظنة رفع الحرج الضيق في المكان، من مظنة رفع الحرج السفر، فإن المسافر يكون في شعث وتعب، من مظنة رفع الحرج كبر السن، من مظنة رفع الحرج عن النساء كما رخص لهن النبي صلى الله عليه وسلم في الدفع من مزدلفة، من مظنة رفع الحرج الصبيان؛ فإن الشريعة وسعت للصبيان في أمور لم توسع فيها لغيرهم.. إلى غير ذلك من الاعتبارات والمشقة التي تلحق الناس.

    1.   

    شرح حديث: (أن رسول الله نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك)

    الحديث الأخير رقمه (767) عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك ) رواه البخاري .

    تخريج الحديث

    رواه البخاري في المحصر، باب النحر قبل الحلق في الحصر، وهذا مما يستدرك على المصنف رحمه الله الحافظ ابن حجر، أنت لما تسمع الحديث الآن عن المسور رضي الله عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك )، وكان هذا يوم النحر في حجة الوداع، وهذا هو ظاهر السياق، بينما الواقع أن هذا كان في الحديبية، ولذلك البخاري رحمه الله من فقهه أنه أخرجه في المحصر، باب النحر قبل الحلق في الحصر، وإن كان الأمر واحداً لكن أيضاً السياق هنا له دور.

    ولذلك الحديث رواه أكثر الأئمة في غير كتاب الحج، أبو داود رواه في الجهاد، والنسائي رواه في السير، وابن حبان أيضاً رواه في السير، وآخرون رووه في المناسك أو الحج كـابن خزيمة والبيهقي والبخاري كما ذكر المصنف.

    ترجمة راوي الحديث

    ثانياً: صحابي الحديث هو المسور بكسر الميم وسكون السين، ابن مخرمة بفتح الراء، وهو المسور بن مخرمة بن نوفل القرشي، ولد بعد الهجرة بسنتين، وقدم به أبوه سنة ثمان من الهجرة، وعمره ست سنوات، وأبوه المخرمة بن نوفل مهاجري، قدم به إلى المدينة، وروى المسور رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاب، يعني صغير السن، من صغار الصحابة، وروى عن الخلفاء الراشدين، ولازم عمر رضي الله عنه وكان فقيهاً، فاضلاً، عالماً، ديناً، وقتل بـمكة زمن ابن الزبير رضي الله عنهم وأرضاهم سنة أربع وستين للهجرة.

    ومن الطريف أظن أن قتله كان بسبب شظية أصابته، الرجل ممن تجنب الفتنة، وهذا الحقيقة دليل على خطر الدخول في الفتنة، فالرجل تجنب الفتنة وترك القتال فيها، ومع ذلك لما حوصرت مكة في زمن ابن الزبير أصابته شظية وقتلته رضي الله عنه وأرضاه، هو شهيد بفضل الله تعالى، لكن هذا يدل على حفظ الإنسان لنفسه من الوقوع في الفتن التي فيها القتل والقتال، وما يؤدي إلى ذلك أنها من الحكمة التي ينبغي على الإنسان أن يحتقبها لنفسه.

    فوائد الحديث

    في قوله: (نحر قبل أن يحلق) قلت: إن هذا كان في الحديبية، والحديبية كانت سنة ست، وكان ذلك بعد المصالحة التي صالح فيها النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً، ثم قال لأصحابه: ( قوموا فانحروا )، ولذلك الأولى أن يسوق المصنف هذا الحديث في باب الإحصار، وهو قد وضع باب الإحصار في آخر هذا الباب، سوف نأتي إليه غداً إن شاء الله تعالى.

    وفي الحديث: تقديم النحر على الحلق، وهذا يكون في الإحصار، ويكون في الحج أيضاً.

    وفي الحديث: الإشارة إلى الهدي، وهي الفائدة التي نختم بها الباب.

    فأقول: الهدي نوعان: هدي واجب وهدي تطوع.

    نريد أن نعرف الهدي الواجب ما هو؟

    أولاً: المتمتع الأفقي، المتمتع عليه هدي كما هو معروف. هذا هدي واجب.

    القارن عليه هدي أيضاً وهو هدي واجب.

    هدي التطوع ما هو؟

    هدي المفرد، هدي المعتمر، المعتمر يمكن أن يسوق معه هدياً؟

    وهذا لا بأس به، فهذا الهدي هدي التطوع.

    لا، هذا غير، الفدية غير الهدي، نحن نتكلم عن الهدي.

    1.   

    الأسئلة

    الحكمة من عدم الصلاة في مبارك الإبل

    السؤال: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تصلوا في مبارك الإبل )، أنا ذكرت طهارة أبوال الإبل وأرواثها، فالأخ يسأل: حديث: ( لا تصلوا في مبارك الإبل ).

    الجواب: هذا ليس لأنها نجسة، ولكن لما يلحق المصلي فيها من الإزعاج؛ لأن الإبل يكون فيها حركة، ويكون في ذلك ما يحدث.

    ترك المبيت بمنى لمن لم يستطعه

    السؤال: حججت ولم أبت بـمنى ليلة واحدة ولم أرها، بل بت في مزدلفة -يعني: لم يبت ولا ليلة قصده-، بل بت في مزدلفة للزحام؟

    الجواب: والله إذا لم يكن عنده في منى مكان يأوي إليه فلا حرج عليه، ليس مطلوباً منه أن يبيت في الشارع ويتعرض للأخطار الصحية والعظيمة، والعبودية لله لا تكون بمثل هذا العمل، فمن كان له خيمة أو له أصدقاء يمكن أن يبيت عندهم أو في مسجد، أو في مكان يليق بمثله، وإلا النبي عليه السلام قال: ( إياكم والجلوس في الطرقات ).

    مرات دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للمقصرين

    السؤال: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( والمقصرين ) هل يكون مرتين؟

    الجواب: لا، دعا للمقصرين مرةً واحدة، كما هو واضح.

    صفة التكبير لغير الحاج

    السؤال: ما هي صفة التكبير لغير الحاج؟

    الجواب: التكبير للحاج وغيره: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، هذا طبعاً ثابت في السنة النبوية في حديث أنس وجابر وغيرهم، أما التكبير العام فمن الفقهاء .. ونقل عن جمع من الصحابة أنهم كانوا يقولون: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وبعضهم يقول: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، وهذا وإن لم يرد إلا أنه في معنى الوارد.

    نهي النساء والرجال عن المزاحمة لتقبيل الحجر والصلاة خلف المقام

    السؤال: توجيهكم في مزاحمة النساء لتقبيل الحجر، والصلاة خلف المقام؟

    الجواب: لا شك أن هذا مما لا ينبغي، مزاحمة النساء.. دخول النساء في المزاحمة غلط، ودخول الرجال في مزاحمة النساء غلط، وكيف يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بمثل هذا الأمر الذي تلتصق فيه الأجساد بعضها ببعض، بل حتى الإفراط في المزاحمة إذا تعدت حدها فليست محمودة؛ لأن العبادة فيها تربية الإنسان على السكون، وعلى الخضوع، وعلى التوقير والتعظيم، وكيف يحصل على هذا إما ضارب أو مضروب، أو دافع أو مدفوع.

    استخدام الوسائل الحديثة لعرض متن وشروح الدروس العلمية

    السؤال: استخدام الوسائل الحديثة لعرض متن وشروح الدروس العلمية؟

    الجواب: بالعكس، هذه فكرة ممتازة إذا تيسرت.

    تقبيل الحجر الأسود لغير الطائف بالبيت

    السؤال: إذا قبل الحجر الأسود ولم يكن في طواف، هل هو بدعة؟

    الجواب: ليس ببدعة.

    والفرق بين التقبيل إذا كان في طواف أو في غيره؟ إن كان في طواف فإنه يكبر، وإن كان في غير طواف فلا يكبر.

    حكم الحج إذا كان مخالفاً للنظام الرسمي

    السؤال: كان هناك نظام في الحج، لا يحج إلا بعد خمس سنوات، من خالف هذا النظام هل حجته صحيحة؟

    الجواب: نعم، الحجة صحيحة.

    التكبير أثناء الرمي

    السؤال: التكبير في الرمي، هل عليه شيء؟

    الجواب: لا، وإنما خالف السنة.

    عدد مرات دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين

    السؤال: دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام للمحلقين هل يكون مرتين أو ثلاثاً؟

    الجواب: الظاهر أنه دعا للمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين واحدة.

    الإشارة مع التكبير عند الركن اليماني

    السؤال: هل يجوز الإشارة مع التكبير عند الركن اليماني؟

    الجواب: الجمهور على أنه لا يشير، ولا يكبر عند الركن اليماني، والقول الآخر: أنه يشير، والسنة ألا يشير، ولكن لو أنك رأيت أحداً يشير لا تمسك برقبته وتتله تلاً شديداً وتعنفه، إما تعلمه برفق، وإما تمضي وتتركه.

    أهمية التعارف وبعض وسائله

    السؤال: ذكرت في درس مضى أن التعارف هو أساس تبادل المعارف والمنافع بين الناس، وقد حاولت أن أختلط بالناس لكني لم أفلح، باءت محاولاتي بالفشل، ولم أجد إلا الإعراض، فبماذا تنصحونني؟

    الجواب: أبداً، عليك بالمواصلة، ويمكن أنك من النبع على ضربة معول، واصل وتعلم كيف تتعرف على الناس، وعليك بالابتسامة فإنها سحر العلاقة، جرب ودرب نفسك على أن تبتسم، وتذكر أن الأسنان ليست من العورة، ولا ينافي الوقار أن يبتسم الإنسان للناس، ويتعرف عليهم بطريقة لبقة، ويصافحهم بحرارة، ولا تنتظر منهم أن يبادلوك الشعور نفسه من أول مرة، فإن هناك من الناس من عنده صعوبة في التواصل مع الآخرين، هو الآخر يحتاج إلى تدريب.

    حكم الأناشيد بمؤثرات بشرية

    السؤال: ما حكم الأناشيد بمؤثرات بشرية؟

    الجواب: أرى أن ذلك جائز، وعندي فيه بُحيث لطيف وجميل يمكن أن تراجعه في موقعنا.

    إتمام أهل مكة للصلاة في منى وعرفة وحكم إقامتهم للجمعة

    السؤال: إن على أهل مكة في منى وعرفة الإتمام في الصلاة، وأن القصر لأجل السفر، لو كان الحج يوم الجمعة، هل تلزم أهل مكة جمعة في منى أو عرفة؟

    الجواب: هذا الأمر فيه سعة بالنسبة لهم، والمسافر من غير أهل مكة ليس عليه جمعة مستقلة إلا أن يصلي مع الإمام، أما المكي إن كان هناك جمعة أقيمت صلى، وإن صلى مع الإمام صلاها ظهراً، فالأمر في ذلك واسع، وأرى أنه بالنسبة لصلاة الجمعة أمرها أوسع من قضية الجمع والقصر، بل إن القصر غير الجمع، وهذه فائدة نسيت أن أنبه عليها بالأمس، يعني حتى المكي يمكن أن يجمع، يجمع بـعرفة، ويجمع بـمزدلفة ؛ لأن الجمع ليس للسفر خاصة، فالجمع يكون للحاجة، يكون للمريض، يكون في المطر، يكون في البرد الشديد، يكون في الريح الشديدة، وابن عباس رضي الله عنه يقول: ( جمع النبي صلى الله عليه وسلم بـالمدينة من غير خوف ولا سفر )، قالوا: وما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرّج أمته، الجمع أمره أوسع، لكن القصر أن تصلى الرباعية ركعتين، هذا أمر فيه خطورة، ومع ذلك المسألة فيها اجتهاد، وفيها أقوال.

    وأنا أتعجب أنه أحياناً نحن ننفعل ونغضب من مسائل في الحج فيها أقوال وفيها خلافات، هذه صلاة أربع تتحول إلى ثنتين، مع أن هذا من قطعيات الدين، ومع ذلك يظل فيها اجتهاد وفيها أقوال لبعض طلبة العلم.

    فهذا يدل على أنه فعلاً لا مناص لنا من أن الإنسان يأخذ باجتهاده، وما أدى إليه رأيه وقوله، لكن لا يعنف على من خالفه.