إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الجنائز - حديث 581-585

شرح بلوغ المرام - كتاب الجنائز - حديث 581-585للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يشرع في صلاة الجنازة أن يجتمع لها فوق أربعين رجلاً كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وإذا وقف الإمام خلف الجنازة فإنه يقف عند صدر الرجل ووسط المرأة، ويكبر على الميت أربع تكبيرات، وهذا هو القول الراجح، ومن قال بالخمس أو الست جاز له ذلك.

    1.   

    شرح حديث: (ما من رجل يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً... إلا شفعهم الله فيه)

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

    ونصلي ونسلم على خاتم رسله وأفضل أنبيائه، حبيبنا وسيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    رقم هذا الدرس من شرح بلوغ المرام (197)، وهذا يوم الإثنين السادس عشر من شهر جمادى الأولى من سنة (1427) للهجرة، وقد سبق معنا بالأمس أربعة أحاديث تتعلق بصلاة الجنازة وأحكامها، وسنشرح اليوم إن شاء الله خمسة أحاديث أخرى في الباب نفسه.

    فالحديث الأول منها وهو الحديث رقم (559): حديث ابن عباس رضي الله عنه يقول: ( ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه ) رواه مسلم .

    أولاً: فيما يتعلق بالتخريج:

    فالحديث رواه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز، باب: من صلى عليه أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً، ورواه أيضاً أبو داود في سننه وابن ماجه والطحاوي والبيهقي في كتاب الجنائز, والإمام أحمد في مسنده وغيرهم .

    وللحديث شواهد صحيحة، منها حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من رجل يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة رجل إلا شفعهم الله تعالى فيه )، وحديث عائشة رواه مسلم أيضاً في الباب نفسه.

    ومن الشواهد أيضاً حديث مالك بن هبيرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من رجل مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب )، ومعنى أوجب يعني: وجبت له الجنة، وشفعهم الله تعالى فيه، وهذا الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن، ورواه الحاكم في مستدركه أيضاً وقال: حديث صحيح الإسناد، وفي الباب شواهد أخرى كثيرة.

    معاني ألفاظ الحديث

    النقطة الثانية: ما يتعلق بغريب الحديث:

    فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل مسلم) المقصود هنا: المسلم سواءً كان رجلاً أو امرأة, والتعبير برجل خرج مخرج الغالب، وإلا فبالاتفاق فإن المرأة داخلة في ذلك أيضاً, يعني: ما من امرأة مسلمة تموت فيصلي عليها أربعون أو مائة أو ثلاثة صفوف على حسب الروايات من المسلمين لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفعهم الله تعالى فيها, وإنما لفظ (رجل) هنا خرج مخرج الغالب, وهو جارٍ على قاعدة اللغة.

    أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (يموت فيقوم على جنازته)، فالمعنى بقوله: (يقوم على جنازته) يعني: يصلي عليه، وقد جاء في القرآن الكريم قوله سبحانه: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84]، فالقيام يحتمل معنيين: يحتمل الصلاة كما في هذا الحديث، ويحتمل ما هو أعم من ذلك, مثل: الصلاة عليه واتباعه, والوقوف عند قبره, وإنزاله في القبر بحيث يقوم الإنسان عليه حتى يفرغ منه.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (فيقوم على جنازته أربعون رجلاً) هكذا ورد في هذا الحديث، وهو كما رأيتم حديث صحيح رواه مسلم .

    وقد جاء في الحديث الآخر حديث عائشة : ( فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة رجل ), وفي الحديث الثالث حديث مالك بن هبيرة : ( يبلغون ثلاثة صفوف ), وللتوفيق بين هذه الألفاظ في الأحاديث الثلاثة نقول: ليس المراد الحصر، يعني: أن كثيراً من الأصوليين يقولون: إن مفهوم العدد غير معتبر , يعني: عندما يقول: مائة رجل لا يعني أن أقل منهم لا ينطبق عليهم الحكم, فيقولون: إن العدد ليس له مفهوم ؛ ولهذا نقول: إن قوله صلى الله عليه وسلم: (مائة رجل) لا ينفي أن يكون أقل من ذلك أيضاً يشفعون فيه كأربعين رجلاً، ونظير ذلك المرأة. لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم للنساء وقال: ( ما منكن من امرأة يموت لها ثلاثة من الولد فتحتسبهم إلا كانوا لها حجاباً من النار, فقالت امرأة: واثنان يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: واثنان )، وفي بعض الألفاظ: ( وواحد ) فهنا نقول: إن ذكر الفضل للثلاثة لا يلغي أن يكون الفضل حاصلاً لمن هم أقل من ذلك, وكذلك الشفاعة في المائة لا يلغي الشفاعة في الأربعين, والشفاعة في الأربعين لا تلغي أن تكون الشفاعة فيمن دون ذلك إذا كانوا يبلغون ثلاثة صفوف؛ ولهذا كان مالك بن هبيرة إذا رأى العدد قليلاً قسمهم إلى ثلاثة صفوف؛ حتى يصدق ويصح عليهم الحديث.

    إذاً: نقول: الجواب الأول: أن يقال: إن العدد في هذه الأحاديث ليس له مفهوم، هذه واحدة، وهذا الجواب هو أفضل الأجوبة.

    ويمكن أن يقال جواب آخر: وهو أن الأمر الأول كانوا مائة، ثم تفضل الله سبحانه وأخبر نبيه بما هو دون المائة كالأربعين، ثم أخبره بما هو دون الأربعين كثلاثة صفوف مثلاً.

    الجواب الثالث: أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن هذه الأعداد بحسب المقام والسؤال، يعني: جاءه رجل فسأله عن المائة فأخبره بالمائة, وجاءه آخر فسأله عن الأربعين فأخبره بالأربعين، وجاءه ثالث فسأله عن ثلاثة صفوف فأخبره بثلاثة صفوف، وهذا نظيره اختلاف إجابات النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بأفضل الأعمال، فمرة يقول مثلاً: الإيمان بالله، ومرة يقول: بر الوالدين، ومرة يقول: عملاً، ومرة يقول عملاً آخر كما أشار إليه ابن القيم وغيره، فيقال: إن هذه الإجابات تختلف بحسب أحوال الناس، أو تختلف بحسب السؤال وطبيعة وحال السائل.

    إذاً: هذا هو الجواب عن اختلاف ألفاظ الحديث ما بين مائة وأربعين وثلاثة صفوف.

    أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم هنا: ( لا يشركون بالله شيئاً ) الشرك معروف كما قال الله سبحانه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] وهو أن تجعل لله نداً وهو خلقك، كما في حديث ابن مسعود، وهو في الصحيح لما قال: ( قلت: يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك )، قال سبحانه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]؛ فنقول: إن المقصود بقوله: (لا يشركون بالله شيئاً) أي: لا يعبدون مع الله غيره، وظاهر السياق -والله أعلم- أن المقصود: الشرك الأكبر، ويحتمل أن يكون المراد: ما هو دون ذلك من الشرك الأصغر كالرياء وغيره، خاصة إذا كان هذا الشرك الأصغر في العبادة نفسها، مثل: أن يصلي صلاة الجنازة رياء وسمعة وبغير نية؛ فهذا يتجه ألا يعد من ضمن هؤلاء؛ لأن عمله غير مقبول، والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً وأريد به وجهه؛ ولهذا جاء في الصحيح -وسيأتي- قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء ) فأمر هنا بالإخلاص.

    فنقول: المقصود هنا بالشرك: الشرك الأكبر ودخوله في الحديث دخولاً أولياً قطعي، ويحتمل أن يكون الشرك الأصغر داخلاً في هذا الحديث خاصة إذا كان في ذات العبادة، يعني: في صلاة الجنازة نفسها.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: ( إلا شفعهم الله فيه )، يعني: قبل دعائهم وقبل شفاعتهم، وهذا دليل على أن الدعاء شفاعة، وأن صلاة الجنازة شفاعة لهذا الميت.

    فوائد الحديث

    النقطة الثالثة: ما يتعلق بفوائد الحديث:

    الحديث ليس فيه مسائل فقهية واضحة، ما يتعلق بفوائد الحديث ففيه عدد من الفوائد:

    منها أولاً: اختلاف إجابات النبي صلى الله عليه وسلم وبيان وجهها وسببها.

    ومنها: مشروعية صلاة الجنازة على الميت وفضلها.

    ومنها: عظم شأن الشرك بالله وأنه محبط للأعمال.

    ومنها: حث الناس على الاجتماع على الطاعات، ومن ذلك صلاة الجماعة، وصلاة الجنازة، وصلاة الجمعة وغيرها من الأعمال الصالحة.

    ومن ذلك: أن التوحيد لله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة وإخلاص العمل له من أعظم أسباب قبول الدعاء كما قال هنا.

    ومنها: فضيلة شفاعة المسلمين بعضهم لبعض، ودعاء المسلمين بعضهم لبعض، وقد جاء في حديث أبي الدرداء وهو في مسلم : ( أن العبد المؤمن إذا دعا لأخيه كان على رأسه ملك موكل يقول له: ولك بمثل )، وهكذا ما يتعلق بصلاة الجنازة، فأنت تصلي على جنائز الناس فيصلون على جنازتك وعلى قرابتك، والخير هنا يكون متبادلاً ومتداولاً بين الناس.

    أيضاً من فوائد الحديث سؤال: هل هذا الوعد من النبي صلى الله عليه وسلم بقبول شفاعتهم، هل هو خاص بالتائبين.. هل هو خاص بالصالحين، أم يشمل غيرهم؟

    هذا عام، وهذا الذي اختاره أكثر أهل العلم ونص عليه ابن تيمية وغيره، أن هذا لا يخص الطيبين أو الصالحين والتائبين فقط، وإنما هو عام في الناس، وإلا فإذا قصر الأمر على من هم من أهل الخير والصلاح ومن تجنبوا الذنوب الكبيرة والصغيرة، فإن هؤلاء في الغالب أنه غفر لهم بتوبتهم وبإيمانهم كما قال الله سبحانه وتعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31]، وإنما يقال: إن هذا فضل عام، ويرجى أن يشمل كل أحد من المسلمين توفرت فيه وفيمن صلى هذه الشروط والصفات.

    صلاة الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم

    أيضاً هنا سؤال -وهو يتعلق بفائدة الحديث-: كيف صلى الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم؟

    صلوا عليه فرادى كما سبق ذلك. طيب لماذا لم يصلوا عليه جماعة صفوفاً كما في هذا الحديث وصلوا منفردين؟

    قيل: إنهم لم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم جماعة لأنه لم يتحدد إمام، ولو صلى بهم إمام لكان هذا الإمام والياً لما سوى ذلك، والصحابة لم يكونوا قد اتفقوا بعد، وإنما اتفقوا على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد ذلك، وهذا القول فيه نظر أو فيه ضعف؛ لأن أبا بكر الصديق ولي صلاة الفريضة في مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان أولى أن يلي صلاة الجنازة لو كان الأمر يتعلق بهذا.

    لكن قد يكون الأمر لعظمة جنازة النبي صلى الله وسلم وعظمة مقامه حتى كان هذا الأمر، وقد ورد أن الذين صلوا على جنازة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ثلاثين ألفاً، ولا شك أن الذين كانوا مؤمنين به يزيدون على ذلك كثيراً، فالذين حضروا حجة الوداع معه عليه الصلاة والسلام كانوا أكثر من ( 110 آلاف) كما ذكر الحاكم وغيره، ولكن الذين صلوا هم الذين كانوا في المدينة وعلى مقربة منها. هذا هو الأمر.

    1.   

    شرح حديث موضع قيام الإمام من الجنازة عند الصلاة عليها

    الحديث الذي بعده هو حديث رقم (560)، وهو حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: (صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها؛ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها ) والحديث متفق عليه.

    تخريج الحديث

    أولاً: التخريج.

    فالحديث رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز, في مواضع منها: باب الصلاة على النفساء، ورواه مسلم أيضاً في باب: أين يقوم الإمام من الميت، ورواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه في كتاب الجنائز -في الغالب- باب: موقف الإمام من الميت.

    وبناءً عليه نقول: إن هذا الحديث يصح أن يقال فيه: إنه رواه الستة أو رواه الجماعة، بل هو رواه السبعة في الواقع؛ لأنه أيضاً خرجه الإمام أحمد في مسنده، والبيهقي وابن حبان في صحيحه أيضاً وعبد الرزاق وابن أبي شيبة، فالحديث رواه السبعة، وهم في اصطلاح المصنف: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد في مسنده ؛ فيصح أن يقال: إن الحديث رواه الجماعة أو رواه السبعة.

    معاني ألفاظ الحديث

    ثانياً: ما يتعلق بألفاظ الحديث.

    قول سمرة رضي الله عنه: (أن امرأة ماتت في نفاسها)، المرأة من المبهمات كما هو معروف، وقد نص العلماء على اسمها وأنها: أم كعب وسماها غير واحد: أم كعب، وهي أم كعب الأنصارية رضي الله عنها.

    وقوله: (فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها) أو: (وسَطها) بالوجهين عند أهل اللغة، بسكون السين أو بفتح السين، وهكذا اختلفت الرواية في البخاري وغيره، والمعنى في النهاية واحد، وقد تأملت كلام أهل اللغة في الفرق بين الوسْط والوسَط فوجدت أنه متقارب ولا يحتاج إلى طول الوقوف عنده، فقوله: قام وسْطها أو وسَطها المعنى واحد، أي: قام إلى وسط بدنها، والوسط: هو المنتصف بين طرفين، ولهذا في بعض الألفاظ: ( فقام الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عجيزتها )، والعجيزة: هي في الوسط كما هو معروف.

    موقف الإمام من الجنازة

    النقطة الثالثة في الحديث: ما يتعلق بالمسألة الفقهية فيه وهي واضحة، ما هي المسألة المتعلقة بهذا الحديث؟

    موقف الإمام من الجنازة:

    وهذه المسألة فيها عدة أقوال واختلاف، وسبب اختلاف الأئمة فيه كما ذكره ابن رشد فيه في بداية المجتهد هو اختلاف النصوص في هذا الباب، وهل للمرأة موقف يخصها وللرجل موقف يخصه، أم أن الحكم واحد للطرفين؟

    فالقول الأول في هذه المسألة: أنه يقف عند صدر الرجل ووسط المرأة، أن الإمام يقف في الجنازة إذا كان المتوفى رجلاً إلى صدره، وإذا كانت امرأة وقف إلى وسطها، وهذا مذهب الحنابلة كما نص عليه ابن قدامة في المغني وفي الإنصاف وغيره.

    وقريب من هذا القول أيضاً أو يمكن أن يلحق به ويدمجان في قول واحد من قال: إن الإمام بالنسبة للرجل يقف إلى رأسه، وبالنسبة للمرأة يقف إلى وسطها، وهذا القول أيضاً هو قول للشافعي رضي الله عنه، وهو رواية أخرى عند الحنابلة منصوصة وإن كان المذهب هو القول الأول، وهو مذهب الظاهرية.

    وقال بعض الفقهاء: إن الوقوف عند الرأس أو عند الصدر إنه واحد، فقد يكون قيامه بينهما بين الرأس والصدر، فإن شئت وصفت بأنه وقف إلى رأسه أو وصفت بأنه وقف إلى صدره، فالأمر فيه سعة، وهذا وجيه؛ وبناءً عليه يكون هذا القول الأول: أنه يقف إلى رأس الرجل أو صدره أو ما بينهما، أما المرأة فيقف إلى وسطها، ويكون هذا القول هو قول الحنابلة والشافعية والظاهرية وجماعة من الصحابة والتابعين.

    أصحاب هذا القول حجتهم أولاً حديث الباب فيما يتعلق بالمرأة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قام وسطها، ولعل هذا الحديث الذي بين أيدينا هو أصح ما ورد في الباب مطلقاً؛ فلذلك نقول: إن ما يتعلق بموضوع الوقوف إلى المرأة المتوفاة أن يقف إلى وسطها أمره واضح؛ لصراحة الدليل وصحة الدليل أيضاً، وإنما الإشكال يقع فيما يتعلق بموقف الرجل.

    إذاً: من أدلتهم حديث سمرة هنا وهو: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف إلى وسط هذه المرأة )، فهذا ما يتعلق بالوقوف إلى المرأة المتوفاة.

    أما ما يتعلق بالوقوف إلى الرجل فإن فيه حديثاً رواه أبو داود والترمذي وغيرهم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أنه صلى على رجل فقام حيال رأسه )، يعني: قام إلى رأسه, جعل رأسه -رأس المتوفى- بينه وبين القبلة، ثم جاءت امرأة أيضاً؛ فقالوا: ( يا أبا حمزة ! قم فصل عليها، فقام رضي الله عنه وسط السرير -يعني: الذي عليه الجنازة أو عليه المرأة-, فقال له قائل: يا أبا حمزة ! رأيناك صليت على الرجل فقمت حيال رأسه، وصليت على المرأة فقمت وسط السرير، أفهكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل؟ فقال أنس رضي الله عنه: نعم. ثم قال: احفظوا عني )، فبين هذا الحديث أن موقف المرأة وسطها كما في الحديث الذي قبله حديث سمرة، وأن موقف الرجل يكون إلى رأسه، وأنس فعل هذا ثم قال: إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعله, والحديث كما قلت رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي : إنه حديث حسن. وفي سنده رجل يقال له: نافع أبو غالب لا بأس به، وإن كان فيه كلام إلا أنه لا بأس به، والحديث ليس ثمة ما يعارضه، فهو أيضاً من أصح الأحاديث الواردة في الباب، وميزته أنه ذكر موقف الإمام من الرجل بخلاف حديث سمرة السابق، فهو وإن كان أصح من حديث أنس إلا أنه لم يذكر إلا موقف الإمام من المرأة.

    طيب.. إذاً: هذا القول الأول.

    القول الثاني: أنه يقوم الإمام بالنسبة للمتوفى إلى صدره مطلقاً، يعني: سواء كان رجلاً أو امرأة، وهذا القول ليس فيه تفصيل، وإنما يقول: يقوم الإمام إلى صدر المتوفى رجلاً كان أو امرأة, وهذا القول هو مذهب أبي حنيفة، واختاره ابن عبد البر، وحجة هذا القول حديث سمرة، وكأنهم قالوا: إنه لا فرق بين الرجل المرأة، وإن كون المتوفاة في حديث سمرة امرأة هذا أمر غير معتبر، وخصوصاً أن الحديث -كما قلنا- هو أصح ما ورد في الباب، وهو حديث متفق على إخراجه، فقد رواه الشيخان وأهل السنن والإمام أحمد وغيرهم، فقالوا: إنه أصح ما ورد في الباب، وحديث أنس فيه أبو غالب، وأبو غالب قلنا: إن بعض أهل العلم تكلموا فيه، وإن كان الأقرب أنه حسن الحديث.

    فهؤلاء الأئمة -أبو حنيفة ومن وافقه وكذلك الإمام ابن عبد البر -, قالوا: إن حديث سمرة هو المعتمد في الباب، وبناء عليه قالوا: إذا كان المتوفى رجلاً أو امرأة فلا فرق، فإن الإمام يجعل صدره ما بينه وبين القبلة.

    وكذلك نظروا إلى المعنى؛ لأنهم قالوا: إن الصدر هو مجتمع المعاني ومحل الإيمان ومحل القلب؛ ولذلك فإن الإمام يقف إلى الصدر، وفي حديث سمرة بالنسبة للمرأة: (فقام وسطها)، وهؤلاء قالوا: الصدر، يعني: هذا لا يصح دليلاً لهم، وإنما يصح أن يستدلوا بالنظر، وهو أن القلب مجتمع المعاني؛ ولذلك يصلي إليه، وكذلك أن القلب هو الذي تصدر منه الأعمال، فإن الأعمال تصدر بالنية، والنية محلها القلب؛ فيحتاج القلب إلى الشفاعة أكثر مما يحتاج إليه غيره.

    القول الثالث: هو أنه يقف وسط الرجل وعند منكبي المرأة، يعني: عند كتفيها، وهذا القول هو قول الإمام مالك رحمه الله، ولم أجد له دليلاً، ولكن ربما يستدلون بفعل بعض الصحابة، فقد ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه وعن ابن عباس وحكاه عنهم مالك في المدونة : (أنهم كانوا يقفون إلى منكبي المرأة وإلى وسط الرجل)، هذا هو ما يستدلون به.

    في المسألة قول رابع: وهو أنه يقف إلى وسط الرجل والمرأة على حد سواء، يقف إلى وسط المرأة والرجل على حد سواء، وهذا القول هو الذي يحتج بحديث الباب (فقام وسطها).

    وفي المسألة قول خامس أيضاً: وهو أنه يقف حيث شاء، يعني: إلى رأس أو منكبي أو صدر المتوفى رجلاً كان أو امرأة، وهذا منسوب إلى الحسن البصري، وقد قال الامام ابن عبد البر رحمه الله: إن الأمر ليس فيه توقيف ولا نص، وحيثما وقف الإمام أجزأه، ولا شك أن من المتفق عليه بين العلماء أن الأمر هنا أمر أفضلية لا غير، وإلا فلو وقف على رأس أو منكبي أو صدر أو بطن المتوفى، سواء كان رجلاً أو امرأة؛ فإن ذلك يجزئ وليس فيه إثم ولا حرج، وإنما الخلاف هنا هو في الأفضل أو في السنية.

    فوائد الحديث

    ما يتعلق بفوائد حديث سمرة رضي الله عنه، فيه عدد من الفوائد:

    منها: أن الميت لا ينجس بالموت، ولهذا يدخل الميت إلى المسجد، بل هذه المرأة أدخلت إلى المسجد وهي ماتت في نفاسها على ما هو معروف، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن المؤمن لا ينجس ) كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وفي ذلك رد على من قال من الفقهاء بأن الميت ينجس، وأنه لا ينبغي إدخاله المسجد لهذا السبب، فنقول: المؤمن لا ينجس، وهذه النصوص صريحة في ذلك.

    من الفوائد أيضاً: مشروعية الصلاة على النفساء، والمرأة النفساء هي شهيدة، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الحديث المتفق عليه: ( المرأة تموت بجمع -يعني: بالنفاس- شهيدة )، وهكذا المطعون والمبطون والحريق والغريق وغيرهم فإن هؤلاء شهداء، ومع ذلك لا يأخذون أحكام الشهيد بالنسبة للصلاة، وإنما يغسلون ويصلى عليهم، وأما الذي يأخذ الحكم في أنه لا يغسل ولا يصلى عليه فهو شهيد المعركة، نعم يعني: الذي يسقط في المعركة، ولذلك لو لم يمت في المعركة، وإنما أصيب في المعركة ثم لحقت عليه الجراح بعد ذلك ومات، فهذا الأقرب أنه يصلى عليه، وإنما السنة جرت على أن الذي يلف في ثيابه ولا يغسل ولا يصلى عليه، هو شهيد المعركة.

    أما من ألحق بالشهداء باعتبار عموم الفضيلة، فلا يشمله هذا الحكم، بل يصلى عليه، وحديث الباب دليل على ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على هذه المرأة.

    أيضاً من فوائد الحديث: بيان موقف الإمام من المتوفى، وقد ذكرنا ما فيه من الأقوال، ولعل أرجح الأقوال فيه هو القول الأول قول الحنابلة والشافعية والظاهرية ومن وافقهم، في أنه يقف بالنسبة للمرأة وسطها كما في حديث سمرة، وأنه يقف بالنسبة للرجل إما إلى صدره أو إلى رأسه، والأمر في ذلك واسع؛ لوجود عدد من النصوص في هذا الباب.

    1.   

    شرح حديث: (والله لقد صلى رسول الله على سهل بن بيضاء في المسجد)

    الحديث الذي بعده هو رقم (561): حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهل بن بيضاء في المسجد )، والحديث رواه مسلم .

    تخريج الحديث

    رواه مسلم في كتاب الجنائز باب: الصلاة على الميت في المسجد، وروى أيضاً النسائي والترمذي وأبو داود وابن ماجه كلهم في الباب نفسه: الصلاة على الميت في المسجد، يعني: في كتاب الجنازة، باب: الصلاة على الميت في المسجد، ولهذا يصح أن نقول في هذا الحديث أيضاً الذي يقول المصنف: رواه مسلم، يصح أن نقول فيه: رواه الجماعة إلا البخاري، وقد روى أيضاً الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وقال: صحيح، ومالك في الموطأ وابن حبان في صحيحه والبيهقي وابن أبي شيبة وغيرهم.

    فنقول: إن هذا الحديث رواه الجماعة إلا البخاري، أو تقول: رواه الستة إلا البخاري على طريقة المصنف.

    معاني ألفاظ الحديث

    النقطة الثانية: ما يتعلق بألفاظ الحديث: فأولاً:

    هذا الحديث له قصة، وقصته أنه لما مات سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أمرت عائشة أن يمروا بجنازته إلى المسجد؛ حتى تصلي عليه في المسجد، وفعلوا ذلك، فاستنكر الناس، وما أسرع ما يستنكرون، والناس -كما يقال- أعداء ما جهلوا، استنكروا ذلك، وبلغ عائشة رضي الله عنها أنهم استنكروا عليها أن تدخل جنازة سعد إلى المسجد، فقالت رضي الله عنها: ( ما أسرع ما نسي الناس -ما نسوا السنة التي كان يعمل بها النبي صلى الله عليه وسلم- والله ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهل بن بيضاء

    إلا بالمسجد )، وهنا في مسلم قال: ابني بيضاء.

    وأبناء بيضاء ثلاثة، ولكن الصحيح أنه ابن اسمه سهل بن بيضاء .

    إذاً: ابن بيضاء هذا هو سهل وهو واحد ليس أكثر، وبيضاء أمهم، وهي صفة لها؛ لأنها كانت بيضاء، وإنما اسمها دعد، وأبوهم هو وهب بن ربيعة القرشي، ولكن لماذا نسبوا إلى أمهم؟ لشهرتها ربما، أو لغير ذلك كما نقول عبد الله بن أم مكتوم أنه نسب إلى أمه، وهذا قد يجري ويعتاده الناس على سبيل التبسط وليس على سبيل الإزراء ولا على سبيل مخالفة الشريعة في قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [الأحزاب:5] .

    فهو أيضاً يقال له: سهل بن وهب ويعرفه الناس بذلك، ولا زال الشراح يعرفونه، ونحن اليوم بعد ألف وأربعمائة سنة نعرف أنه قرشي وأنه ابن لـوهب بن ربيعة، وإنما ينسب الرجل لأمه وينسب لأبيه أحياناً في المجتمع الصغير المتعارف عليه، يقال: هذا ولد فلانة وهذا ولد فلان، يعني: أمر مألوف عندهم.

    وسهل بن بيضاء هذا كان قديم الإسلام، أسلم بـمكة قديماً مع النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى الحبشة ثم رجع من الحبشة إلى مكة، ثم هاجر من مكة إلى المدينة أيضاً هجرة أخرى، وشهد بدراً وما بعدها، وتوفي سنة تسع من الهجرة وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد كما ذكرت عائشة رضي الله عنها، وهذه منقبة وفضيلة له، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه في المسجد.

    حكم الصلاة على الجنازة في المسجد

    النقطة الثالثة في الحديث أيضاً مسألة فقهية، وهي ما يتعلق بصلاة الجنازة في المسجد, هل يصلى على الجنائز في المسجد ويشرع هذا أو لا يشرع؟

    والمسألة فيها قولان مشهوران:

    القول الأول: أن ذلك جائز بل مشروع، يعني: الصلاة على الجنائز في المسجد الذي تقام فيه الفريضة والصلاة.

    وهذا مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وبعض المالكية ومذهب الظاهرية، وقد نقل عن كثير من الصحابة ويصح هنا أن نقول: إنه مذهب لمن من الصحابة؟ عائشة رضي الله عنها فقد نصت عليه هنا، ولا شك أن كثيراً من الصحابة الذين شاهدوا وحضروا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سهل بن بيضاء هذا قولهم وهذا مذهبهم، وهذا القول بأن صلاة الجنازة تقام في المساجد دليله حديث الباب وهو صريح في هذه المسألة، ولكن في هذا الاستدلال بعض المناقشة من جهة أن عائشة الصديقة رضي الله عنها لم تستدل إلا بحالة واحدة وهي صلاة سهل بن بيضاء، وهذا دليل على أن الأمر لم يكن عادة مطردة من النبي صلى الله عليه وسلم، ومما يؤكد هذا أن الجنائز كان لها مسجد خاص إما مصلى العيد أو غيره كانوا يصلون فيه.

    وإذا كانت هذه حالة خاصة ليست مطردة فلا يستبعد أن يقال: إن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سهل بن بيضاء في المسجد لها سبب، قد يكون السبب كون النبي صلى الله عليه وسلم مجهداً أو كونه معتكفاً عليه الصلاة والسلام، أو لوجود مطر أو وجود برد، أو سبب من الأسباب العارضة التي حملت المسلمين على الإتيان بجنازته إلى المسجد، ولهذا احتجت بها عائشة دليلاً على الجواز، وليست دليلاً على أن هذه هي السنة المتبعة.

    ولهذا نقول: إن القول الثاني في المسألة: هو أنه لا يصلى على الجنازة في المسجد، يعني: يكره ولا يقال بالتحريم، وإنما يقال: يكره أن يصلى على الجنازة في المسجد، وإنما يصلى عليها في مكان آخر، كأن يكون مكاناً مخصصاً للجنائز أو فناء أو ما أشبه ذلك.

    وهذا القول هو مذهب مالك وأبي حنيفة، وكأن البخاري صاحب الصحيح مال إليه، ولذلك البخاري لما ذكر الصلاة على الجنازة أو أين يصلى على الجنازة ساق حديث النجاشي الذي ذكرناه بالأمس، وحديث النجاشي ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه في المسجد، وإنما فيه أنه أخبرهم بأنه مات: ( أن أخاً لكم في الحبشة مات )، ثم خرج بهم إلى المصلى، فدل على أنه لم يصل على النجاشي في المسجد وإنما صلى عليه في المصلى.

    إذاً: نقول القول الثاني وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والبخاري : أنه يكره أن يصلى على الجنازة في المسجد، وإنما يصلى عليها في المصلى، وأقوى ما استدلوا به حديث النجاشي السابق: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بهم إلى المصلى وصفهم وكبر عليه أربعاً )، والحديث متفق عليه.

    ومما استدل به هؤلاء أيضاً: أن أبا هريرة رضي الله عنه ذكر في سنن أبي داود عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى على الجنازة في المسجد فلا شيء له )، وهذا الحديث عند أبي داود فيه نظر، فإن فيه صالح مولى التوأمة وفيه كلام، فإسناد الحديث ليس بالقوي، وأيضاً أكثر نسخ أبي داود المعتمدة ليس فيها هذا اللفظ، وإنما فيها: ( من صلى على الجنازة في المسجد فلا شيء عليه )، وبينهما فرق، فإنه إذا قال: (لاشيء له) يعني: لا شيء له من الأجر، أما إذا قال: (فلا شيء عليه) يعني: ليس عليه في ذلك من حرج ولا بأس، فنقول: لا يصح الاستدلال بهذا الحديث إذاً.

    وبناءً عليه نقول: استدلالاً بحديث قصة النجاشي، وحتى حديث أبي هريرة في قصة سهل بن بيضاء الذي يدل على أن صلاة الجنازة في المسجد لم تكن عادة نقول: إن كان للجنائز مكان خاص يصلى عليها فيه فهو الأفضل أن يصلى عليها فيه، وأما إن لم يكن لها مكان خاص وجرت عادة الناس أن يصلوا عليها في المساجد وكان في ذلك تخفيف على الناس وجمعاً لهم أيضاً؛ لكثرة وجودهم وكثرة اجتماعهم على الجنازة، فلا بأس بذلك.

    وكما قلنا بالأمس قاعدة مهمة وعظيمة، وهي أن القول المرجوح قد يكون راجحاً في بعض الحالات لاعتبار آخر؛ لأن مسألة الترجيح هذه مسألة نسبية، وقد يرجح الإنسان قولاً ويرجح آخر غيره وليس في ذلك من حرج ولا بأس؛ لأن مسألة الاختلاف هذه أذن الله أن توجد.

    والآن أنا جاءتني رسالة من أحد الإخوة فيها عتب على مسألة ما يتعلق بتكفير تارك الصلاة، ويعني فيها كلام طويل جزاه الله خيراً، الأخ محتسب ومجتهد وغيور، لكن أود أن أقول: إن هذه المسألة ينبغي أن توضع في نصابها، هل هي من مسائل الفروع أم من مسائل الأصول؟

    قطعاً هي من مسائل الفروع، يعني: مسألة حكم تكفير تارك الصلاة هذه من مسائل الفروع، وإذا ثربنا على من لا يكفر تارك الصلاة فسوف نثرب على مالك بن أنس وعلى الشافعي وعلى أبي حنيفة وعلى الأئمة وعلى كثير من المتقدمين، بل في الورقة يقول: إن المحققين من العلماء وذكر أهل العلم.

    أقول: ابن تيمية رحمه الله على سبيل المثال ما هو رأيه في هذه المسألة؟ ابن تيمية لا يكفر مطلقاً من ترك وقتاً أو وقتين كما يذهب إليه بعض الفقهاء، ابن تيمية يقول: لا يكفر إلا من ترك الصلاة بالكلية، أما من ترك بعض الصلوات وكان يصلي ويترك فإنه لا يكفر، وهذا الذي نختاره أيضاً.

    وهكذا أيضاً الأخ ذكر الشيخ ابن عثيمين، هذا رأي الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: أنه لا يكفر بترك وقت أو وقتين، وإنما يكفر الذي يترك بالكلية، يعني: لا يصلي جمعة ولا جماعة ولا في رمضان ولا في غيره ولا في المناسبات، بل هو تارك للصلاة بالكلية؛ فهذا تكفيره وجيه خصوصاً مع النصوص في هذا الباب، أما تكفير من ترك وقتاً أو وقتين باجتهاد فهذا قول ضعيف، وإن أخذ به بعض أهل العلم وذكره ابن القيم في كتاب تارك الصلاة عن بعض السلف لكنه قول اجتهاد، ومن قال به فليس عليه حرج، إنما هو قول ضعيف.

    يظل أنه بغض النظر عن هذه المسألة توجد فائدة عظيمة لمن أحب أن يأخذها: أن الاختلاف في المسائل الفقهية لا ينبغي أن يثير عند الإنسان غضباً، من جميل قول الشافعي رضي الله عنه في الأم يقول: لا أقول لمن خالفني في مسألة من مسائل الفروع: تب إلى الله؛ لأنه ليس بذنب يتوب منه، هذا اجتهاد بناء على دليل ونص واجتهاد، ولو قال غير ما يعتقد لأثم؛ لأنه ما محض الناس النصيحة، لكن إذا قال ما يعتقد بناء على النصوص وهذا القول له فيه سلف من الأئمة والعلماء فهذه المسألة قد يوافق الإنسان وقد يخالف، ممكن تقبل القول ممكن ترده، لكن يكون عندك سعة صدر وحلم وأناة وحسن ظن، ولا تهدد الناس بالموت والنار، الناس مجتهدون، وقد يأجره الله على الشيء الذي أنت تظن أنه يأثم عليه، ويمكن لو أطاعك لأثم، لماذا؟ لأنه سيقول شيئاً لا يعتقده، فالله يحاسبه: لماذا تقول ما لا تعتقد؟

    لكن لو سأله الله تعالى يوم القيامة: لماذا تقول كذا؟ قال: يا رب! أقول كذا بناء على ما عندي من القول الفلاني والدليل الفلاني وقول فلان وقول الصحابي وقول التابعي وقول الأئمة، هذه مسائل فقهية كثيرة الأمر فيها يتطلب أن يكون فيه سعة صدر وسعة بال وحسن ظن.

    فالقول المرجوح قد يكون راجحاً، فنحن نقول فيما يتعلق بصلاة الجنازة في المسجد أن هذا الأولى ألا يصلى في المسجد، لكن هذا القول الذي نقول هو خلاف الأولى يصبح في مثل ظروفنا الحاضرة هو الأولى، لعدم وجود مصليات خاصة؛ ولأن الناس ربما لو ذهب بالجنازة إلى مكان آخر ربما انفصلوا عنها ولم يصلوا عليها.

    فوائد الحديث

    من فوائد حديث عائشة رضي الله عنها:

    جواز صلاة الجنازة في المسجد كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على سهل بن بيضاء .

    وفيه فضيلة لـسهل بن بيضاء، وفيه فضيلة لـسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حيث طلبت عائشة أن تصلي عليه .

    وفيه صلاة النساء على الجنائز، وأنها مشروعة مثل صلاة الرجال، وعائشة رضي الله عنها طلبت أن يمر بالجنازة عليها فصلت، يعني ليس تبعاً لصلاة الرجال، وإنما صلت لوحدها أو مع مجموعة من أمهات المؤمنين.

    1.   

    شرح حديث: (كان زيد بن الأرقم يكبر على جنائزنا أربعاً...)

    الحديث الذي بعده رقم (562): عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ( كان زيد بن الأرقم يكبر على جنائزنا أربعاً، وإنه كبر على جنازة خمساً، فسألناه، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبرها ).

    وحديث ابن أبي ليلى رواه مسلم كما يقول المصنف والأربعة.

    تخريج الحديث

    رواه مسلم في كتاب الجنائز باب الصلاة على القبر.

    ورواه أبو داود والنسائي والترمذي في التكبير على الجنازة، ورواه ابن ماجه فيمن كبر خمساً، وأيضاً رواه الإمام أحمد في المسند، المؤلف يقول عن حديث الباب: رواه مسلم والأربعة، ونستطيع أن نقول: رواه السبعة إلا البخاري، فقد رواه مع الأربعة ومع مسلم الإمام أحمد في مسنده وابن حبان والطحاوي وابن أبي شيبة وغيرهم.

    راوي الحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو تابعي، وأبوه يشتهر بكنيته أكثر من اسمه، حتى قيل: إنه ليس له اسم، وبعضهم سماه.

    وعبد الرحمن بن أبي ليلى ولد في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وروى عن جمع من الصحابة من أشهرهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وكما في هذا الحديث زيد بن الأرقم وغيرهم، وتوفي سنة (83) للهجرة، وهو من خيار التابعين وأئمتهم وثقاتهم.

    طبعاً الحديث فيه مسألة تكبيرات الجنازة، كم يكبر على الجنازة؟

    ففي الحديث أنه كبر خمساً، وقد سبق معنا أنه كبر أربعاً في حديث النجاشي، وفي حديث المرأة أيضاً التي قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( هلا آذنتموني؟ فكبر عليها صلى الله عليه وسلم أربعاً )، وكذلك أنه: ( مر على قبر منبوذ -وهو في البخاري

    - فكبر عليه أربعاً ).

    1.   

    شرح حديث علي: (أنه كبر على سهل بن حنيف ستاً...)

    كل ذلك مر معنا، ولكن نترك بحث هذه المسألة للحديث الذي بعده؛ لأنه يشاركه في الموضوع، وهو حديث علي رضي الله عنه: (أنه كبر على سهل بن حنيف ستاً -يعني: ست تكبيرات- وقال: إنه بدري).

    تخريج الحديث

    يقول المصنف: رواه سعيد، يقصد: سعيد بن منصور، وسعيد بن منصور له كتاب اسمه: السنن، وقد طبع وحقق أجزاء منه وضاعت أجزاء، ولكن مضمون هذا السنن محفوظ في المصنفات والدواوين وأصله في البخاري .

    وقد روى هذا الحديث أيضاً عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة في المصنف أيضاً والبيهقي في الجنائز.

    وقال ابن عبد البر : إن الأحاديث عن علي رضي الله عنه في التكبيرات الست مضطربة ولا يصح منها شيء، هذا كلام ابن عبد البر، ثم قال: وما جمع عليه عمر الناس فهو أولى وأصح، وسوف نعرف ما الذي جمع عليه عمر الناس .

    حديث الباب أيضاً حديث علي رضي الله عنه، في إسناده يزيد بن أبي زياد وفيه ضعف يسير، ولذلك فإننا نقول: إن الحديث ليس بالقوي، فإذا أضيف إلى ذلك الاضطراب الذي ذكره ابن عبد البر فإنه لا يتم الاحتجاج به.

    ترجمة سهل بن حنيف

    ما يتعلق بألفاظ حديث علي رضي الله عنه: (أنه كبر على سهل بن حنيف ستاً)، سهل بن حنيف أولاً: هو صحابي من الأنصار شهد بدراً وشهد أحداً وأبلى فيها بلاء حسناً، وقاتل دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت ثبات الأبطال، وهو من أصحاب علي بن أبي طالب، يعني: الذين كانوا في صف علي وقاتل مع علي رضي الله عنه، وولاّه علي بعض الأمصار كـبلاد ما وراء النهر، ومات سنة (38) للهجرة.

    هذا سهل بن حنيف، وانتبهوا أن تخلطوا بين سهل بن حنيف وسهل بن بيضاء .

    طبعاً قوله: وكبر عليه ستاً، يعني ست تكبيرات للجنازة، وقال: [ إنه بدري ]، يعني: إنه قد شهد بدراً، وهذه مزية للصحابة رضي الله عنهم أن من شهد بدراً منهم له فضيلة، فـعلي رضي الله عنه علل تكبيراته الست بأن هذا الرجل قد شهد معركة بدر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    أقوال أهل العلم في عدد تكبيرات صلاة الجنازة

    ما يتعلق بالمسألة في الحديثين حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى وحديث علي بن أبي طالب فيها عدد التكبيرات في صلاة الجنازة، كم يكبر؟

    وهذه المسألة أيضاً فيها أقوال كثيرة جداً، وإنما نختصر ونقتصر على أهم الأقوال:

    القول الأول: أنه يكبر ثلاث تكبيرات، وهذا القول مروي عن ابن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهما, وقد جاء الأثر عنهما عند ابن أبي شيبة في مصنفه، هذا هو القول الأول، ولا يعرف لهم دليل إلا أنه فعل هذين الصحابيين وآخرين.

    القول الثاني: أنه يكبر على الجنازة أربعاً، وهذا مذهب الجمهور مذهب الأكثرين وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وهو مذهب أكثر الصحابة رضي الله عنهم، بل جاء: أن عمر رضي الله عنه جمع الصحابة وقال لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم كبر ستاً وكبر خمساً وكبر أربعاً، واتفقوا على الأربع، فجمع عمر الناس على أربع، وهذا ما جمع عليه عمر الناس كما ذكرناه قبل قليل، وقد ذكر هذا الأثر البيهقي في سننه وغيره وسنده جيد عن عمر رضي الله عنه: [ أنه جمع الناس على أربع تكبيرات ]، ولذلك قال بعض أهل العلم: إن من الأدلة على اختيار التكبيرات الأربع في الجنازة الإجماع كما ذكر ذلك ابن عبد البر، قالوا: الإجماع؛ لأن عمر رضي الله عنه جمع الصحابة واتفقوا على الأربع، وهكذا عمل المسلمين في الأمصار كلها غالبه على أربع تكبيرات.

    والواقع أن المسألة ليس فيها إجماع مع وجود خلاف معروف وثابت عن جمع من الصحابة والتابعين والأئمة ومن بعدهم، ولكننا نقول: إن التكبيرات الأربع هي ما عليه جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة المتبوعين وما عليه عمل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وهي التي استقر عليها العمل أيضاً في الأمصار كلها، فالاقتصار عليها فيه الخير والبركة والكفاية، مع ورود النصوص الصريحة الصحيحة في الأربع كحديث النجاشي كما قلنا قبل قليل، وحديث المرأة النفساء حديث سمرة بن جندب، وحديث المنبوذ، وحديث المرأة التي كانت تقم المسجد، فأكثر ما نقل عن النبي صلى الله عليه من الصلاة والذي لا يختلف عليه أنه كان يكبر في الجنازة أربع تكبيرات.

    القول الثالث في المسألة: أنه يكبر على الجنازة خمس تكبيرات، وهذا ذهب إليه الظاهرية وهو منقول عن بعض الصحابة.

    ولعل أهم ما يحتجون به هو حديث الباب، يعني: حديث زيد بن أرقم أنه: ( كبر خمساً -وقال:- إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله )، وهذا الحديث أصح ما ورد؛ لأنه في مسلم فهو أصح ما ورد فيما زاد على الأربع، ولذلك ذهبت الظاهرية وبعض الصحابة -كما قلنا- إلى أنه يكبر خمساً، والإمام أحمد كان يقول: لا ينقص على أربع ولا يزيد على ست.

    يعني: يرى أن الأربع والخمس والست كأنها واردة، وكذلك وردت السبع أيضاً والتسع ولكن في أسانيدها ضعف ومقال.

    فورد إذاً ثلاث وأربع وخمس وست وسبع وتسع، هذا ما ورد تقريباً، بل ورد أكثر من ذلك، في حديث حمزة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر عليه سبعين تكبيرة )، ولكن هذا حديث ضعيف وسنده واه، وبعضهم يقول: ( صلى عليه سبعين صلاة )، وهذا أيضاً لا يصح، وإنما الأمر فيه نكارة وفيه اضطراب.

    الراجح في عدد تكبيرات الجنازة وماذا يقال بين التكبيرات لو زادت على أربع

    فنقول إذاً في خلاصة ما يتعلق بعدد التكبيرات أن السنة فيها أربع، ولو زاد إلى الخمس فإن ذلك جائز إذا لم يترتب عليه ارتباك للمأمومين.

    يبقى هنا سؤال: إذا كبر خمساً أو ستاً ماذا يصنع بين التكبيرات؟

    فنقول: إذا كبر زيادة على الأربع فإنه يخلل بين التكبيرات بالدعاء للميت، يعني: يكون ذلك زيادة في الدعاء للميت؛ لأن الدعاء للميت هو المقصود الأعظم من صلاة الجنازة، وسيأتي مزيد إيضاح وتفصيل إن شاء الله تعالى لهذه المسألة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الإضراب عن الطعام في السجون

    السؤال: هنا سؤال سأله أمس أحد الإخوة ووعدنا أن نجيب عليه إن شاء الله تعالى، وهو ما يتعلق بالإضراب عن الطعام؟

    الجواب: كانت مناسبة طرح هذا السؤال أننا بحثنا أمس من قتل نفسه أو انتحر وحكم المنتحر، فسأل الأستاذ سؤالاً فيمن يضرب عن الطعام، وهذه مسألة من المسائل النازلة الحديثة في الواقع؛ لأن كثيراً من الناس في السجون خصوصاً عندما يكون في سجون عدو ظالم لا يرقب فيهم إلاًّ ولا ذمة، كما في سجون اليهود وسجون الأمريكان، وقد سمعنا أمس وقبل أمس مقتل أو استشهاد اثنين من الشباب السعوديين في جوانتانامو وادعاء البنتاجون بأنهم انتحروا، والواقع أن تصديق مثل هذه الرواية بعيد جداً، وقد تعودنا منهم الكذب والخداع، ورأينا في الصور ما جرى في أبو غريب، وما جرى في الحديثة، وما جرى في عدد من المدن في العراق من قتل المدنيين ومن تعذيبهم وإهانتهم وتعريتهم وابتزازهم، ورأينا أن القضاء الأمريكي أعجز من أن يحكم بالعدل والحق في هذه القضية، بل هو يتستر على جرائم جنوده في هذا البلد المنكوب، في العراق وفي بلاد كثيرة.

    وأيضاً هذا المعتقل جوانتانامو ليس خاضعاً لأي نوع من الرقابة، وجرى فيه ألوان من الظلم والعدوان، ولعل منها: تدنيس المصحف الكريم، ومنها أذية المسلمين وابتزازهم، ومحاولة التأثير عليهم وصدهم عن دينهم، وغير ذلك من الأعمال الشنيعة التي أبعد ما تكون عن حفظ حقوق الإنسان وكرامته.

    والأقرب أن هؤلاء قتلوا، نسال الله تعالى أن يجعلهم شهداء، قتلوا تحت التعذيب والتهديد والضرب وغير ذلك.

    المهم أن من يقعون في السجون أحياناً يطالبون ولا يجدون من يستمع إليهم، فبعضهم يلجأ إلى وسائل الضغط، ومن وسائل الضغط موضوع الإضراب، يعني: الامتناع عن الطعام، وحجتهم يقولون: إنه لا أحد يستمع إلينا، فالسجين لا يستطيع أن يوصل صوته لأحد أحياناً، حتى زواره لا يستطيع أن يتصل بهم ولا أن يبلغهم شيئاً، ولا أن يشتكي، ولا أن يراسل، ولا أن يتصل، فيقع بسبب ذلك ألوان من الحيف والظلم والأذى النفسي الذي قد يعجز الإنسان عن تحمله، ولهذا دائماً نحن نقول: على الإنسان ألا يتعرض من البلاء لما لا يطيق، وطالما صحنا بأبنائنا من الشباب بإشفاق ورحمة ألا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، وألا يذهبوا على وجوههم ذات اليمين وذات الشمال إلى أماكن قد تجعل أعداء الله ورسوله يظفرون بهم ويعذبونهم، وقد يفتنونهم عن دينهم، ويقع من جراء ذلك أمور لم تكن في حساب الإنسان، فضلاً عن أن الإنسان ينبغي أن يحسب جيداً حساب المصالح والمفاسد والأرباح والخسائر، ولا تكون العاطفة هي فقط التي تسيره وتدفعه.

    السجين يعاني ظروفاً صعبة، ولذلك يحتاجون أحياناً إلى وسائل ضغط، ومن وسائل الضغط ما يسمونه بالإضراب، وقد يكون الإضراب امتناعاً عن الطعام.

    فهل يجوز أو لا يجوز؟

    قد لا تجد كلاماً واضحاً للفقهاء المتقدمين في هذه المسألة، ولكن الذي يظهر لي والله أعلم أنه ينبغي في هذه المسألة التفصيل:

    أولاً: ألا يلجأ إلى الإضراب إلا عند وجود الحاجة الشديدة وتعذر الحلول الأخرى، بمعنى: إذا كان هناك حلول أخرى من محاورة أو حديث أو اتصال أو خطاب أو مراسلة أو تهديد أو ما أشبه ذلك، فهذا يكتفى به.

    ثانياً: إذا أضرب الإنسان فينبغي أن يكون ثمة تفصيل، فإن كان هذا الإضراب إضراباً يؤدي إلى الوفاة فيجب أن يقال بأنه حرام؛ لأنه نوع من الإلقاء باليد إلى التهلكة، مثل أن يضرب الإنسان حتى يدخل في غيبوبة، وهذا حصل مرات، وإذا دخل في غيبوبة فقد يكون هو مصاباً بمرض السكر أو تأتيه جلطة أو غير ذلك من الأمور، حتى يهلك هذا الإنسان ويموت، ويكون هو المتسبب، فإن كون الإنسان يمتنع عن الطعام أو الشراب حتى يموت هذا فيه تهلكة، هذه الحالة الأولى.

    الحالة الثانية: أن يكون هذا الإضراب يؤدي المقصود من جهة الضغط والتهديد وتحقيق المطالب، دون أن يؤدي إلى الموت، وإنما قد يؤدي إلى بعض الضرر، مثل أن يضربوا لفترة معينة ثلاثة أيام أربعة أيام خمسة أيام أحياناً، وهذا قد يحدث إذا كان الإنسان قوي البدن ومحتاجاً إلى هذا، خصوصاً كما قلنا في سجون الظلمة من اليهود والأمريكان ونحوهم، إذا كان الإنسان قوي البدن قد يتحمل، ونحن نعرف أن الصحابة رضي الله عنهم كان منهم الوصال في الصوم، وقد واصلوا ثم واصلوا ثم واصلوا، والنبي صلى الله عليه وسلم ينهاهم، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم لما واصل بهم قال: ( وددت أن مد في الشهر حتى أواصل بهم وصالاً يدع المتنطعون تنطعهم )، يعني: كالمنكل بهم، يعني: يريد أن يؤدبهم وينكلهم لماذا يواصلون مع أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الوصال، ولهذا نقول: الوصال مكروه، لكن لو واصل الإنسان فإنه ليس عليه إذا كان هذا لا يضره، فهذا وإن كان مكروهاً إلا أنه لا يصل -والله أعلم- إلى التحريم.

    فنقول: إذا كان امتناع الإنسان عن الطعام أو الإضراب هنا لأيام معدودة محدودة ولضرورة أو حاجة ملحة، ولا يمكن تحقيقها إلا بهذا، وأمن الإنسان على نفسه أن هذا الإضراب لا يضره، كشاب جلد قوي جسمه وليس عنده مرض ولا آفة، فمثل هذا إذا وجد عندهم حاجة يتجه أن يقال بجواز ذلك والله أعلم.

    حكم من فاته شيء من صلاة الجنازة

    السؤال: ما حكم من فاته شيء من صلاة الجنازة، وماذا يفعل؟

    الجواب: صلاة الجنازة مثل صلاة الفريضة، يعني: إذا أدركت شيئاً مع الإمام فهو أول الصلاة بالنسبة لك، فتكبر التكبيرة الأولى، وهذا سيأتي إن شاء الله.

    تكبر التكبيرة الأولى وتقرأ الفاتحة، ثم تكبر الثانية وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تكبر الثالثة وتدعو، ثم تكبر الرابعة وتسلم، فإذا سلم الإمام فاختصر ولا تطل، فإذا رفعت الجنازة ينبغي أن تنهي صلاتك فلا تطل، فإذا كبرت ما فاتك فادع للميت بإيجاز: اللهم اغفر له وارحمه، ثم سلم.

    ترتيب الجنائز عند الصلاة عليها

    السؤال: إذا وجد عدد من الأموات، يعني: نساء ورجال وأطفال فكيف يرتبون بين يدي الإمام؟

    الجواب: يرتبون على النحو التالي: الرجال ثم الصبيان ثم النساء.

    استفسار عن رسوم خدمات المواقع

    السؤال: هذا سؤال يقول: هل خدمة إشراقات في الموقع عليها رسوم؟

    الجواب: نعم، عليها رسم شهري (12) ريالاً.

    قد كتب لي أحد الإخوة أمس رسالة تهديد وزجر، يعني: سامحه الله، يعني: إخوانك في الموقع أقول بدون تواضع أقول لك: يبذلون الكثير، يعني: يوزعون مئات الآلاف من الكتب بالمجان، وكذلك المجلة والأشرطة والسيديهات والمذكرات وعلى مدى الفترة الطويلة الماضية ستة أشهر، فلا توجد خدمة أصلاً في العالم كله إلا وعليها رسوم، لكنها رسوم رمزية جداً، وأيضاً أنت أصلاً عندما ترسل لهم سيردون لك برسالة يخبرونك بها بنظام الخدمة وبالرسوم وبطريقة إلغاء الخدمة إذا كنت لا تريد أن ترسل حرف (الغين) مثلاً ولا يحسب عليك أصلاً، يعني: لو اشتركت الصباح وألغيت المساء حسب عليك نص يوم فقط، رسالة واحدة فقط، وهكذا.

    فالقضية فيها نوع من الضبط، ولكن ما كان مناسباً أن نتحدث بالتفصيل، يعني أنا ربما تمنيت أنني لم أشر إليها مطلقاً.

    حكم قول: (تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام) بعد الصلاة

    السؤال: يقول: في الذكر بعد الصلاة: تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام.

    الجواب: أما (تباركت وتعاليت) فاللفظ: (وتعاليت) صحيح، وهو وارد في القرآن: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً [الإسراء:43]، وجاء في السنة أيضاً في القنوت إذا صح، ولكنه لم يرد بعد الفريضة.

    حكم إعادة الصلاة على الميت

    السؤال: حديث صلاة الرجل على المرأة فيه أن الصحابة صلوا معه، فهل يجوز إعادة الصلاة على الميت؟

    الجواب: يجوز لكنه لا يشرع، وإلا فهو جائز، وبالمناسبة حديث المرأة هناك أمس لفظ نسيناه وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم )، فهذا واضح في أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يعني: دعاءه أو صلاة الجنازة عليهم؛ أن الله تعالى ينور بها تلك القبور، ولكن هذا لا يدل على الخصوصية، يعني أن هذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام، فإننا نقول: كل صلاة ودعاء يرجى أن تكون سبباً في إزاحة الظلمة.

    اقتراح جمع دروس البلوغ في سيدي

    السؤال: يقول: أقترح أن تجمع دروس البلوغ في شريط سيدي واحد وكذلك التفسير.

    الجواب: هي قد جمعت فعلاً، وستوزع بالنسبة للدروس الحاضرة ستوزع على الإخوة فوراً، أما الدروس السابقة فهي موجودة في سيدي سنحاول في نهاية الدورة أن نوفره لكم وبالمجان أيضاً من أجل خاطر الأخ الذي أرسل، لكن الدروس الجديدة طبعاً تحتاج إلى سيدي خاص.

    الحالات التي يكون فيها الأمر للاستحباب والنهي للكراهة

    السؤال: يقول: متى يكون الأمر للاستحباب ومتى يكون النهي للكراهة؟

    الجواب: إذا وجد صارف يصرف الأمر عن الوجوب أو يصرف النهي عن الكراهة، والصارف هنا قد يكون نصاً آخر، وقد يكون فعلاً، وقد يكون الصارف يتعلق بطبيعة أو نوع الموضوع؛ فإن الأوامر والنواهي إذا كانت في العبادات فالأصل فيها الوجوب، لكن إذا كانت في الآداب والأخلاق وما أشبه ذلك فالأصل فيها أن تكون للاستحباب، مثل مثلاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليبدأ بيمينه، وإذا لبس فليبدأ بيمينه )، هذا أمر يتعلق بأدب أو خلق إرشاد يسميه العلماء أمر إرشاد، ولذلك الجماهير في مثل هذا على أن الأمر يكون للاستحباب وليس للوجوب، وأن النهي يكون للكراهة أيضاً.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    اللهم صل على محمد.