إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف - حديث 500-503

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف - حديث 500-503للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مشروعية صلاة الخوف ثابتة بالكتاب والسنة، وقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه وصلاها الصحابة بعد موته، وصفاتها متعددة وأحكامها بينة وواضحة، ومما يدخل في ذلك حمل السلاح حال الصلاة في الخوف، وهل هو للوجوب أو الاستحباب على خلاف مفصل في هذه المادة.

    1.   

    أحكام متعلقة بصلاة الخوف

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    رقم هذا الدرس: (180) من شرح بلوغ المرام، وهذه ليلة الإثنين الأول من شهر ربيع الأول من سنة (1426هـ)، هذا الدرس ينعقد في جامع الراجحي بـبريدة.

    تعريف الخوف

    اليوم عندنا باب صلاة الخوف:

    والخوف: ضد الأمن.

    والمقصود بالخوف هنا: حالة من الفزع أو ترقب العدو، تحمل على الاستعداد، وتمنع من أداء الصلاة وفق صيغتها المشروعة المعتادة.

    أدلة مشروعية صلاة الخوف والصيغ الواردة فيها

    وقد جاءت صفة الخوف في القرآن الكريم في موضعين من كتاب الله كما في قوله: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ .. [النساء:102]، في سورة النساء.

    وأيضاً في آية أخرى في البقرة.

    في قوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:238-239].

    وهنا قوله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]، قال أحد الشرَّاح: إن الصلاة الوسطى هي صلاة الخوف، واحتج بالآية بعدها: فَإِنْ خِفْتُمْ [البقرة:239].

    ونقول: إن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وقد كان أول ما نزلت صفة صلاة الخوف كانت في صلاة العصر، على ما هو معروف في السيرة.

    وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف عدة مرات، وثبت في ذلك أحاديث صحيحة.

    فنقول: إن صفة صلاة الخوف ثابتة عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك أجمع العلماء على جوازها للنبي صلى الله عليه وسلم، وإن اختلف بعض الفقهاء فيما بعد الرسول عليه الصلاة والسلام.

    ومن المعروف في غزوة الخندق: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الصلوات، ولم يصلّ صلاة الخوف؛ والسبب في ذلك والله أعلم كما رجحه كثير من أهل العلم، وحرره الإمام ابن القيم في زاد المعاد وغيره: أن صلاة الخوف لم تكن شرعت يومئذ، إنما شرعت بعد ذلك؛ فلذلك جمع النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات في يوم الخندق.

    ووردت صيغ عديدة لصلاة الخوف:

    ذكر الإمام أحمد منها ستاً أو سبعاً، فقال: صح منها ستة أوجه أو سبعة أوجه، وذكر بعض الفقهاء أنها تصل إلى عشرة أوجه، فقال ابن حزم : إنها تصل إلى أربعة عشر وجهاً، وقال النووي وابن العربي : إنها ستة عشر وجهاً، وأوصلها العراقي -وهو أقصى ما رأيت- إلى سبعة عشر وجهاً، يعني: سبعة عشر صيغة أو هيئة لصلاة الخوف.

    كأن أصح هذه الصيغ ما ذكره الإمام أحمد : إنها صحت من ستة أوجه أو سبعة أوجه، وسوف نذكر طرفاً من هذه الوجوه.

    الاختلاف في ثبوت صلاة الخوف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

    وقد اختلف العلماء في ثبوت صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    فالجمهور يرون أن صلاة الخوف باقية ومشروعة عند الحاجة إليها، وهذا مذهب الأئمة الأربعة في أقوالهم المشهورة عنهم: أن صلاة الخوف باقية كلما دعت الحاجة إليها، واستدل هؤلاء بالقرآن الكريم كما ذكرنا الآيتين، واستدلوا ثالثاً بالسنة النبوية، ومن ذلك ما سوف نذكره الآن:

    حديث صالح بن خوات بن جبير عن أبيه وهو في الصحيحين، حديث ابن عمر وهو أيضاً في الصحيحين، حديث جابر وهو في الصحيحين .. إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في صفة صلاة الخوف.

    واستدلوا بالإجماع أيضاً كما ذكر ابن المنذر، وصاحب رحمة الأمة وغيرهم، إجماع العلماء على جواز صلاة الخوف، أو مشروعيتها، وهذا القول هو الراجح.

    وثمة قول آخر ذهب إليه أبو يوسف من الحنفية، والمزني من الشافعية: أن صلاة الخوف غير مشروعة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقالوا: إنها كانت جائزة للنبي صلى الله عليه وسلم فحسب، واستدلوا بقوله تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ [النساء:102]، فقالوا: هذا نص على أنه يصلي صلاة الخوف ما دام فيهم، يعني: إذا لم يكن فيهم فكأن الحكم يزول حينئذٍ، وهذا استدلال ليس بوجيه؛ لأن هذا من النبي صلى الله عليه وسلم تشريع وتعليم، ولو كان كل أمر مرهوناً بحياة النبي صلى الله عليه وسلم وحضوره لبطل جزء كثير من الشريعة.

    كما استدلوا أيضاً: بأن صلاة الخوف يعتريها تحرك وذهاب وإياب وعمل كثير مناف للصلاة، فقالوا: إن كونهم مع النبي صلى الله عليه وسلم هذا يخفف من تبعته وأثره، لكن في غير هذا الحال لا يشرع لهم صلاة الخوف.

    ولا شك أن القول الأول هو القول المعتمد أن صلاة الخوف مشروعة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعد زمنه.

    1.   

    شرح حديث صلاة الخوف بذات الرقاع

    سنأخذ اليوم إن شاء الله ثلاثة أحاديث:

    الحديث الأول منها: حديث صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: ( أن طائفة صلت معه -مع النبي صلى الله عليه وسلم- وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم )، متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، قال: ووقع في المعرفة لـابن مندة عن صالح بن خوات عن أبيه. ‏

    تخريج الحديث

    إذاً: هذا الحديث متفق عليه وقد رواه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي: باب غزوة ذات الرقاع، ورواه مسلم أيضاً في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب صلاة الخوف، ورواه أبو داود في السفر، والنسائي في صلاة الخوف، والبيهقي .. وغيرهم.

    والمصنف -رحمه الله- أشار إلى رواية ابن مندة في كتاب المعرفة، وهو كتاب مشهور مطبوع، أنه قال: عن صالح بن خوات عن أبيه، يعني: في أصل الرواية التي في الصحيحين: عن صالح بن خوات، عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرواية الأخرى: عن صالح بن خوات عن أبيه.

    ولذلك نقول: إن الحافظ ابن حجر -رحمه الله- كأنه يرجِّح الرواية الثانية: أن الحديث عن صالح بن خوات عن أبيه الذي هو خوات بن جبير، ولكن المتقدمون من الأئمة كانوا يرجحون الوجه الآخر، أن الحديث ليس عن أبيه، وإنما هو عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، والأقرب أنه عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري رضي الله عنه، وهذا الذي رجحه أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي .. وغيرهما، فهو المعتمد وإن كان الحافظ ابن حجر حاول أن يجمع بين طريقين، فيقول: كلاهما صحيح، لكن الأقوى أن الحديث هو عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة، هذا فيما يتعلق بتخريج الحديث.

    ترجمة راوي الحديث

    النقطة الثانية فيما يتعلق براوي الحديث:

    أولاً: صالح بن خوات هذا تابعي، وهو من الثقات الذين خرَّج لهم الأئمة، خرج له البخاري ومسلم كما ترون هنا، وأبو داود والترمذي والنسائي .. وغيرهم وهو ثقة.

    أما أبوه فهو: خوات بن جبير، وهو صحابي جليل، وقد شهد أحداً فما بعدها، وقيل: إنه شهد بدراً أيضاً، ومات بعد الأربعين عن نيف وسبعين سنة، وهو روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، وقد روى عنه الطبراني وغيره قصة طريفة، قال: ( نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، فدخلت خبائي ثم نظرت فإذا نسوة يتحدثن، يقول: فخرجت فأعجبني حديثهن، فذهبت إلى خبائي ولبست ردائي ثم أتيت وجلست معهن، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: يا أبا عبد الله

    ! -هذه كنيته قيل: أبو عبد الله

    ، وقيل: أبو صالح

    - ما أجلسك هاهنا؟ يقول: فاستحييت، فقلت: يا رسول الله! بعير لي شرد وأنا ذاهب أبحث عنه، قال: فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم وانصرفت وراءه، فكان كلما لقيني قال: ما فعل بعيرك الذي شرد -عساك حصلته إن شاء الله-؟ فيقول: استحييت حتى صرت أتجنب أن أرى النبي صلى الله عليه وسلم خشية أن يسألني، فدخلت المسجد يوماً فإذا هو يصلي فطفقت أصلي وأنا أرجو أن ينصرف قبل أن يراني، فأطلت الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم ينتظرني، حتى إذا خلصت من صلاتي، قال لي: مهما أطلت سأنتظرك، ما فعل شراد بعيرك يا أبا عبد الله

    ؟ قال: والله يا رسول الله ما شرد منذ أسلمت
    ).

    طبعاً الرواية قد لا تكون بالقوية لكنها يتسامح في إيرادها في هذا السياق.

    وهو صالح بن خوات بن جبير بن النعمان الأنصاري المدني .

    سهل بن أبي حثمة، أيضاً قلنا: احتمال أن يكون الحديث عن سهل بن أبي حثمة وهو أيضاً أنصاري، ولد تقريباً بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة بثلاث سنوات، فهو من صغار الصحابة ومع ذلك له رواية، وقد كان عمره يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ثمان سنين كما ذكر الواقدي وغيره، ومات في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

    معاني ألفاظ الحديث

    النقطة الثالثة: ما يتعلق بألفاظ الحديث:

    قال: ( صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع )، وذات الرقاع يعني: صاحبة الرقاع، والرقاع جمع رقعة، وهي: إما أن تكون موضعاً في نجد، أو أن يكون المقصود كما ذكر أبو موسى وهو ممن شهد هذه الغزوة: أن ذات الرقاع سميت لأنهم كانوا يلفون على أرجلهم الخرق والرقاع وغيرها من الحفى وما أصاب أقدامهم، وكانت هذه الغزوة جهة نجد، يعني: خرج النبي صلى الله عليه وسلم جهة تقريباً الحناكية وما حولها في منطقة غطفان، وهي حوالي تسعين كيلو متر عن المدينة المنورة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أربعمائة ما بين راكب وراجل، ولم يحدث قتال بينه وبينهم، بل تكافوا ثم انصرف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

    قوله: ( طائفة صلت معه )، الطائفة جاء ذكرها في القرآن: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2]، وكذلك قوله سبحانه: وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا [الأعراف:87]، وأيضاً في قوله: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ [التوبة:122]، وهي تدل على الفئة أو المجموعة القليلة؛ لأنه قال: مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ [التوبة:122]، فدل على أن مجموعة من الفرقة الأعم.

    وورد عن ابن عباس قال: [ الطائفة ما بين واحد إلى ألف ]، ولذلك بعض العلماء قالوا: إنه قد يطلق الطائفة على واحد.. وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2]، وهذا يستخدم في اللغة، يقال: طائفة الثوب، يعني: جزء منه، لكن أغلب ما يطلق الطائفة على اثنين أو ثلاثة.

    ولذلك نقول: إنه لو توقف الأمر على واحد كما ذكره ابن حزم وغيره لأجزأ أن يكون واحداً مع الإمام، ولو كانوا أكثر من ذلك فكذلك.

    وقوله: (وطائفة وجاه العدو)، يعني: في وجه العدو، وقفت في مواجهة العدو.

    وقوله: (ثبت)، يعني: استقر على حاله، ( ثم ثبت جالساً ) يعني: استقر على حاله جالساً حتى سلموا.

    الاختلاف في مشروعية صلاة الخوف

    النقطة الرابعة: ما يتعلق بمسألة هذا الحديث:

    هي أولاً: صلاة الخوف وحكمها، وقد ذكرنا الخلاف فيها قبل قليل، وأن الجمهور على مشروعيتها، وبقائها وثباتها خلافاً لمن نفى ذلك من الحنفية كـأبي يوسف أو من الشافعية كـالمزني، وطائفة قليلة من أصحاب الإمام الشافعي، وأن قول الجمهور هو المعتمد في ذلك.

    طبعاً! في قول لأهل الشام ذكره ابن رشد في بداية المجتهد، أنه إذا احتاج إلى الخوف فإنه يجمع الصلوات كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق.

    صفة صلاة الخوف بذات الرقاع

    ما يتعلق بصفة صلاة الخوف أيضاً، هذه هي المسألة الثانية في الحديث، فإن هذه إحدى الصفات الثابتة في صلاة الخوف، وهنا نريد أن نصور هذه الصفة بشكل واضح حتى تتميز عن بقية الصفات، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقسم أصحابه إلى فئتين أو طائفتين:

    الطائفة الأولى: تصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم.

    والطائفة الثانية: تقف في مواجهة العدو.

    وكأن العدو هنا قد يكون في غير جهة القبلة، فيقفون للحراسة والمصافة، فيصلي النبي صلى الله عليه وسلم بالطائفة الذين معه ركعة واحدة؛ لأن الصلاة قصر، هم مسافرون أيضاً فالرباعية سوف تصلى عندهم ركعتين، فيصلي النبي صلى الله عليه وسلم بالطائفة الأولى ركعة واحدة ثم يثبت قائماً، يعني: بعدما يقوم للركعة الثانية يطيل فيها، فهؤلاء الناس ينوون الانفصال عن الإمام ويتمون لأنفسهم ركعة ثانية خفيفة، ثم ينصرفون إلى مواجهة العدو ويأخذون مقاعد الطائفة الأولى التي لم تدخل في الصلاة.

    والطائفة الأولى تأتي خلف النبي صلى الله عليه وسلم لتدرك معه الركعة الثانية، فيصلي بهم النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية ويجلس؛ لأنه كملت صلاته صلى الله عليه وسلم بالتشهد، فيقومون هم ينوون الانفصال ويأتون بالركعة التي بقيت، ويسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم ويسلم بهم.

    يعني: ينوون الانفصال لإتمام الركعة التي بقيت عليهم، ثم يرجعون إليه في التشهد فيسلم بهم، هذا وجه، وهو الوجه المشهور المعتمد في الرواية، وهو الذي أخذ به الأئمة كـأحمد والشافعي .

    وهناك وجه آخر: نقل عن القاسم بن محمد واعتمده مالك رحمه الله: أنه لا يسلِّم بهم وإنما يسلِّم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يسلمون لأنفسهم، هذا الوجه الثاني الذي أخذ به الإمام مالك.

    وهذه الصفة التي هي صفة صلاة ذات الرقاع معروفة بهذا الاسم، صفة صلاة ذات الرقاع أو صلاة الخوف قد تكون هي أول صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم -كما ذكره بعضهم- هذه الصفة اختارها الإمام أحمد ومالك والشافعي، إذاً: هي ما اختاره جمهور أهل العلم.

    لكن مالكاً رحمه الله اختار أنه يسلم الإمام ولا ينتظرهم، فهم لما انفصلوا عنه، انتهى أمر إمامتهم فيتمون الركعة الثانية لأنفسهم ويسلمون لأنفسهم أيضاً، على حسب رواية القاسم بن محمد ولا يسلم بهم الإمام، وأما الآخرون فيرون أنه ينتظر الإمام حتى يسلم بهم.

    الإمام مالك رحمه الله يقول: إن هذا هو القياس، وهو الأصل أنه لا يسلِّم بهم الإمام، بينما الآخرون يقولون: هذا ليس هو القياس وليس هو الأصل، بل إن من العدل أنه كما أن الأولين أدركوا مع الإمام تكبيرة الإحرام وبدءوا الصلاة معه: أن الآخرين يدركون معه السلام فيختمون الصلاة معه، فيكون للأولين حظ التكبيرة وللآخرين حظ السلام مع الإمام.

    والأقرب أن الأمر في ذلك واسع؛ لأنه ما دام نووا الانفصال عن الإمام، رجعوا إليه وأدركوه قبل أن يسلم فسلموا معه، فهذا لا يخالف القياس، وإن سلم الإمام واستمروا هم في صلاتهم وسلموا لأنفسهم فهم أيضاً مثل المسبوق الذي فاتته ركعة فقام وقضاها ثم سلم لنفسه، فهذه الجزئية لا تؤثر.

    فوائد الحديث

    النقطة الخامسة: ما يتعلق بفوائد الحديث، والحقيقة فيه فوائد كثيرة جداً: الفائدة الأولى: بيان إحدى صفات صلاة الخوف، وهي صلاة ذات الرقاع كما وضحناها وبيناها: أن يصلي بطائفة ركعة ثم يتمون لأنفسهم، وتأتي الأخرى فيصلي بهم الركعة الباقية ويتمون لأنفسهم. الفائدة الثانية: جواز انتظار الإمام في الصلاة لحاجة؛ لأن انتظار الإمام في الصلاة هنا له حاجة، وهو: من أجل إدراك الجماعة ..أو لغير ذلك، فنقول: يجوز للإمام أيضاً أن ينتظر في الصلاة لحاجة، ومن الحاجة -مثلاً- لو كان سينتظر قادماً، مثل إنسان ركع وأحس أن هناك من يدخل المسجد، فأن يطيل -مثلاً- في القيام أو يطيل الركوع حتى يدرك الركوع فهذه من الحاجة، وقد يكون هناك حاجة أقوى وأشد من ذلك. الفائدة الثالثة: ومن ذلك الحيطة في حال العبادة والصلاة؛ لئلا يؤتى الإنسان على غرة. الفائدة الرابعة: إذا كانت لحاجة كما في صلاة الخوف، فإنه يقع منها تقدم وتأخر والتفات وحركة ورفع السلاح، بل قد يحتاج إلى الكلام، وينصرف عن القبلة، فهذا الأمر كله بسبب الاحتياج إليه في صلاة الخوف، وهو لا شك أنه غير جائز في غير هذه الصلاة؛ لأن صفة الإنسان المصلي تتميز عن غيره، فإذا بدر من الإنسان حركة تدل على أنه غير مصل، فإن هذه الحركة قد تبطل صلاته، وإنما هذا في صلاة الخوف. الفائدة الخامسة: أهمية الصلاة: فإن الله سبحانه وتعالى أمر بها حتى في حال المسايفة والقتال والدم والقتل، فدل ذلك على أهمية الصلاة وعظم شأنها ووجوب المحافظة عليها في الحضر والسفر والليل والنهار وجميع الأحوال. الفائدة السادسة: أهمية الوقت في الصلاة أيضاً، فإن الله سبحانه وتعالى أمرهم بالجماعة وبصلاة الخوف من أجل الحفاظ على الوقت، وإلا فإنه بإمكان المقاتل أن يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها، وربما تهدأ الحرب فدل هذا على أن الوقت..؛ ولذلك الفقهاء يقولون: الوقت من أهم شروط الصلاة. الفائدة السابعة: الجماعة في الصلاة، وهذا من أقوى أدلة القائلين بوجوب الجماعة في الصلاة، حيث أمر الله تعالى بها حتى في حال الخوف وأمر بها مع ما يترتب على إقامتها من إخلال في بعض صفة الصلاة. الفائدة الثامنة: أن هذه الصفة المذكورة في حديث صالح بن خوات بن جبير

    هي من أقوى صفات صلاة الخوف، وأنها أقرب ما تكون إلى ما نطق به القرآن الكريم، فإنها تقريباً تشابه ما ذكر الله تعالى في قوله: (( فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ))[النساء:102]، يعني: الذهاب إلى العدو. الفائدة التاسعة: سعة الشريعة، فإن هذا في أمر تعبدي ورد فيه النص، ومع ذلك جاء فيه هذا السعة في تغيير صفة الصلاة، في تغيير اتجاه القبلة في الحركة .. إلى غير ذلك من الأوصاف التي تدل على سعة الشريعة ومراعاتها لتغير الأحوال والظروف. الفائدة العاشرة: الأخذ بالأسباب وأنه واجب، فإن الله سبحانه وتعالى لم يكلهم فقط إلى أن يصلوا، ويقول: ما دام أنتم تصلون تعبدون ربكم وتذكرون ربكم ناموا والملائكة تحرسكم! وإنما قال: ((وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ))[النساء:102]، ثم قال في الآية: (( وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ))[النساء:102]. فالمسلم الذي يظن أنه منصور بمجرد أن يكون مسلماً هو ينازع ويجادل في محكمات القرآن والسنة، فهم الآن في حالة حرب وقتال، ومع ذلك الله سبحانه وتعالى يأمرهم بالاستعداد والاحتياط ويبين لهم: أنه لا ينفع كونك تصلي، ممكن أنه لا يتسلط عليك العدو، بل قد يتسلط عليك وأنت تذكر ربك، فهذا يوجب الأخذ بالأسباب. الفائدة الحادية عشرة: جواز الانفصال عن الإمام لحاجة، وهذه فائدة جليلة! كما انفصل هؤلاء عن الإمام في الجماعة الأولى والجماعة الثانية، وقد يحتاج الإنسان للانفصال عن الإمام، مثل: لو أن الإنسان يصلي مع الإمام ثم بدره البول واحتاج إلى قضاء الحاجة؛ بحيث لا يستطيع إكمال الصلاة، هل يقطع الصلاة حينئذٍ؟ لا! ينتظر؟! لا يستطيع، ماذا يصنع؟ ينوي الانفصال ويتم الصلاة خفيفة، قد يمرض الإنسان، والله إنسان صلى ثم شعر بمغص شديد عنده في الكلية أو في الكبد، أو شيء من هذا القبيل وحسبي أنه محتاج إلى العناية، وإلى طوارئ بسرعة، فهنا ينوي الانفصال عن الإمام. وكذلك لو كان يستطيع أن ينقذ إنساناً أو يحل مشكلة ولا يمكن الانتظار إلى نهاية الصلاة، فحينئذٍ له أن ينوي الانفصال عن الإمام ويكمل الصلاة لنفسه. بل أشد من ذلك: الأنصاري لما صلى مع معاذ

    وأطال ماذا صنع الرجل؟ نوى الانفصال وأكمل الصلاة لنفسه. الفائدة الثانية عشرة: أن هذه الصفة وما شابهها تكون في كل حالة خوف: يعني: خوف من العدو سواءً كان بأن نطرد العدو وأن نلحق العدو نخشى أن يفوتنا، أو العدو يلحقنا ونخشى أن يدركنا هذا خوف، أو قد يكون ليس بالضرورة عدو بشري، قد يكون سبعاً أو حيواناً أو حية، أو خاف -مثلاً- من أن يلحقه مطر أو طوفان أو بركان، أو شيء من هذه الأشياء المخوفة، فكل ذلك يدخل فيه فعل هذا إلا أن يكون في معصية، مثل إنسان يقاتل قتال معصية هل يصلي صلاة الخوف؟ لا؛ لأن القتال هذا مذموم ولا رخصة فيه. الفائدة الرابعة عشرة: أن ذلك يتحقق في كل طائفة كما قلنا: وقد يقال: أقل الطائفة اثنان أو ثلاثة على خلاف بينهم، وبعضهم قال: هذا يجزي، بل لواحد وهو الأقرب. الفائدة الخامسة عشرة: أن المعول عليه في ذلك حصول الثقة في مدافعة العدو: يعني: الطائفة التي لا يلزم أن يكون العدد متساوياً قد يكون أمام العدو مائة، والذين يصلون مع الإمام خمسين أو العكس، والمعول عليه هو حصول الثقة، بمعنى: أن المجموعة التي تواجه العدو قادرة على صد أي هجوم محتمل. الفائدة السادسة عشرة: أنه لا يجوز تقسيم الجيش إلى أربع فرق -مثلاً- أو ثلاث فرق، وإنما إلى طائفتين كما نصت عليه الآية الكريمة ونص عليه الحديث، طيب لو كانت صلاة المغرب ممكن الإمام يقسمهم إلى ثلاث، بحيث كل مجموعة تكون أدركت ركعة، لا.. وإنما لابد أن يكونوا طائفتين، ولعله في صلاة المغرب يأتي فرصة لمزيد من التفصيل. الفائدة السابعة عشرة: أن ذلك وإن كان الحديث في السفر إلا أن صلاة الخوف تكون في الحضر وتكون في السفر، فيجوز أن الإنسان يصلي صلاة الخوف في الحضر مثلما إذا هاجمهم عدو، ولكن في الحضر لا يقصرون. الفائدة الثامنة عشرة: أن ذلك يمكن أن يكون في صلاة الجمعة: يعني: يصلي بهؤلاء ركعة ثم يتمون، ويصلي بالمجموعة الثانية ركعة ثم يتمون. الفائدة التاسعة عشرة: أن هذه أول صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما هو ظاهر من السياق: ( أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف )، كأنها هي الأولى، وقيل: إنها كانت في غزوة بني النضير. والفائدة الأخيرة: أن هذه الصلاة كانت في سفر على ما هو معروف، ولذلك صلاها النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين. وبالنسبة للصلاة الواحدة لابد أن يكونوا قسمين، يعني: الصلاة الواحدة لا تنقسم، لكن يمكن أنهم يصلون مجموعات؛ لأنه قد يكون الجيش آلافاً أحياناً، فقد يصلون على شكل مجموعات، بل إذا اشتد الخوف قال الله تعالى: (( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ))[البقرة:239]، كما قال ابن عمر

    : [ فإذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبلها ].

    1.   

    شرح حديث ابن عمر في صفة صلاة الخوف

    الحديث الثاني:

    رقم (476) حديث ابن عمر رضي الله عنه، قال: ( غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو غزونا قبل نجد فوازينا العدو فصاففناهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا، فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو، وركع بمن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصلّ فجاءوا فركع بهم ركعة وسجد السجدتين ثم سلَّم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين )، متفق عليه، وهذا لفظ البخاري .

    حديث ابن عمر رضي الله عنه أيضاً رواه البخاري في الموضع في صلاة الجمعة: باب صلاة الخوف.

    ورواه مسلم في كتاب المسافرين باب صلاة الخوف، ورواه أبو داود في كتاب السفر، والترمذي في السفر، والنسائي في صلاة الخوف، وابن خزيمة في صحيحه في صلاة الخوف، والبيهقي .. وغيرهم.

    معاني ألفاظ الحديث

    ما يتعلق بألفاظ الحديث:

    قوله: ( غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، أو غزوت )، يعني: هو ابن عمر أو الصحابة.

    (قبل نجد)، يعني: جهة نجد، فهي الوجهة.

    ونجد: تطلق على المكان المرتفع، كل ما علا وارتفع من الأرض فهو نجد، والمقصود هنا: الأرض المعروفة بين الحجاز وأرض الشام والعراق، وهي أرض مرتفعة.

    وقوله: (وازينا العدو)، يعني: وقفنا بإزائهم، أي: قابلناهم، وهكذا قوله: (صاففناهم) يعني: صففنا لهم وصفوا لنا، المصافة هذا معناها.

    صفة صلاة الخوف في الحديث

    ما يتعلق بالنقطة الثالثة وهي صفة هذه الصلاة وتصويرها:

    فهي تختلف بطبيعة الحال عن الصفة السابقة، النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم تمضي الطائفة الأولى وتقف جهة العدو وهي لم تنتهِ من الصلاة التي عليها، ثم تأتي الطائفة الثانية وتصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتمضي، وترجع الطائفة الأولى وتكمل الصلاة بنفسها فرادى، يعني: يتمون لأنفسهم.

    وهذه الصفة -صفة ابن عمر رضي الله عنه- فيها حركة كثيرة جداً، قد يرى بعض الفقهاء أنه لا داعي لهذه الحركة، ومع ذلك اختار الإمام أبو حنيفة هذه الصفة وفضلها على غيرها، وكذلك الإمام الأوزاعي، والإمام ابن عبد البر من المالكية؛ لأنه يقول: إنها من أصح وأقوى ما ثبت في السنة.

    وقال بعض الفقهاء: إن هذه الصفة لا تصح، بعضهم قال: إنها منسوخة واحتجوا بكثرة أفعالها التي لا داعي لها؛ لأن الفئة تأتي ثم تصلي ركعة ثم تذهب لمواجهة العدو؛ فلذلك قالوا: إن فيها حركة كثيرة، وادعوا نسخها.

    والواقع أن هذه الصفة صحيحة من حيث السند، والحديث لا إشكال فيه، وأيضاً لا معارض لها؛ لأن هذه الصفة وصفة صالح بن خوات، وصفة حديث جابر .. وغيرها، كلها صفات متنوعة من باب التنوع في العبادة وليس شيء منها ينسخ أو يلغي ما سواها.

    وأيضاً نقول: إن ادعاء النسخ أن هذه الصفة منسوخة ليس عليه دليل، فوجود صفة أخرى فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الغزوة لا يعني أنها نسخت ما قبلها، وإنما هي صفات وحتى لو ثبت أنها بعدها فلا دليل على النسخ.

    إذاً: لا دليل على ترتيب هذه الصفات أولاً حتى يقال بالنسخ، ولو ثبت أن هذه الصفة متقدمة، فإن ذلك لا يقتضي ولا يعني النسخ.

    فوائد الحديث

    ما يتعلق بفوائد الحديث:

    أولاً: فيه كثرة الحركة في الصلاة وأنها جائزة في مثل هذه الحالة، ففي حديث ابن عمر حركات زائدة أكثر مما في حديث صالح بن خوات .

    ثانياً: وفيها الانصراف عن القبلة أثناء الصلاة، فإن هؤلاء القوم يذهبون لمصافة العدو وهم محرمون بالصلاة، ثم يعودون لإكمال صلاتهم.

    ثالثاً: فيها دليل على الكلام في الصلاة للحاجة، إذا لم يستطع أن يوصل ما يريد إلا بالكلام، فإن هؤلاء القوم الذين ذهبوا لمصافة العدو يحتاجون للكلام أو لا يحتاجون؟ يقيناً أنهم قد يحتاجون لأن ينبهوا على غرة أو يتكلموا أو يستنجدوا .. أو ما أشبه ذلك.

    رابعاً: أن كل امرئ من هؤلاء الذين انفصلوا عن الإمام يقضي لنفسه، يعني: يتم بقية الصلاة لنفسه، وهكذا نقول: إذا الناس انقطعوا أو انفصلوا عن الإمام لسبب فإن كل امرئ منهم يتم صلاته لنفسه، ولو أن أحداً تقدم وصلى بهم فإن ذلك جائز.

    1.   

    شرح حديث جابر في صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة

    الحديث الذي بعده:

    حديث جابر رقم الحديث: (477) قال: ( شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فصفنا صفين، صف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والعدو بيننا وبين القبلة، فكبَّر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعاً، ثم ركع وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى السجود قام الصف الذي يليه .. ) فذكر الحديث. يعني: بقية الحديث.

    قال: وفي رواية: ( ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني، ثم تأخر الصف الأول وتقدم الصف الثاني فذكر مثله )، وفي آخره: ( ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعاً )، رواه مسلم، وفي آخره زيادة: ( كما يصنع حرسكم هؤلاء ).

    حديث جابر : رواه مسلم، انفرد به عن البخاري في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الخوف.

    ورواه أبو عوانة في مستخرجه على مسلم، والبيهقي .

    ورواه النسائي أيضاً في صلاة الخوف.

    صفة صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة

    ما يتعلق بصفة الحديث: فهو يذكر صفات صلاة خوف مختلفة، نصور فقط هذه الصفة، ثم ننتقل إلى الحديث الذي بعده؛ لأنه بمثل صفته.

    فالصفة التي يرويها جابر رضي الله عنه، العدو جهة القبلة، فيصف المسلمون إلى جهة العدو، يعني: يكونون مصلين وهم يرون العدو أمامهم، صفهم النبي صلى الله عليه وسلم صفين، كبَّر بهم جميعاً، ركع بهم جميعاً، رفع بهم من الركوع جميعاً، ثم سجد، فهنا يسجد الصف الذي يليه فقط، ويبقى الصف الثاني وقوفاً، ويقتضي الوقوف: أن يكونوا مسلحين؛ لأنهم سوف يواجهون العدو في حالة حرب.

    فيسجد النبي صلى الله عليه وسلم ويسجد الصف الذي يليه سجدتين، ثم يقوم النبي صلى الله عليه وسلم ويقومون معه، فإذا قام ركع الصف الثاني، ونهضوا من الركوع ثم سجدوا ثم قاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، من أجل ماذا؟

    أن يأخذ الصف الثاني الصف المؤخر، يأخذ حقه في الركوع والسجود مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيركع النبي صلى الله عليه وسلم ويركعون جميعاً، ويرفع ويرفعون جميعاً، ثم يسجد ويسجد الصف الذي يليه، الذي كان في المؤخرة في الركعة الأولى، ويسجد بهم ثم يقعد، فإذا قعد ركع الصف الثاني وسجدوا، ثم سلَّم النبي صلى الله عليه وسلَّم وسلم بهم جميعاً، يعني: ينتظرهم حتى يتموا صلاتهم ويسلم بهم جميعاً.

    1.   

    شرح حديث صلاة الخوف بعسفان

    قال المصنف رحمه الله في الحديث رقم: (478): ولـأبي داود عن أبي عياش الزرقي مثله وزاد: ( أنها كانت بـعسفان ).

    تخريج الحديث

    حديث أبي عياش الزرقي هذا أنها كانت بـعسفان، رواه أبو داود كما ذكر المصنف في كتاب صلاة السفر، باب صلاة الخوف، ورواه النسائي أيضاً في صلاة الخوف، والبيهقي والدارقطني وابن حبان والحاكم، وابن أبي شيبة، والطبراني، والإمام أحمد .. وغيرهم.

    وهذا الحديث حديث أبي عياش الزرقي سنده صحيح، وممن صححه كما يتضح من التخريج وغيره ابن حبان: فقد رواه في صحيحه، وصححه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي أيضاً في التلخيص على تصحيحه، وصححه البيهقي فإنه خرجه وقال: هذا إسناد صحيح.

    وممن صححه المصنف ابن حجر -رحمه الله- أشار إليه هنا وصححه في مواضع، قال: سنده جيد، وكذلك النووي في المجموع، وفي الخلاصة قال: إسناده صحيح.

    ترجمة راوي الحديث

    هذان الحديثان حديث جابر وحديث أبي عياش الزرقي فيهما عدد من النقاط:

    النقطة الأولى: ما يتعلق بالتراجم: جابر بن عبد الله سبقت ترجمته، وهو صحابي معروف، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة ومر طرف منها.

    أبو عياش الزرقي : هو صحابي أيضاً من بني زريق من الأنصار، وهذه كنيته، أبو عياش الزرقي، وكأنه مشهور بهذه الكنية، أما اسمه فاختلف فيه فقيل: زيد وقيل عبيد، وهذا مما يسهل لكم حفظه؛ لأن الاسمان هذان متقابلان، أقول له: زيد، ويقول: عبيد.

    فقد اختلف في اسم أبي عياش كما ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة وغيره، قيل: إنه زيد بن الصامت، أو عبيد بن الصامت، واختلف في اسم أبيه أيضاً، هذه الخلاصة تكفينا.

    أبو عياش شهد أحداً وما بعدها، وكان فارس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد مات سنة أربعين أو سنة اثنتين وأربعين.

    معاني ألفاظ الحديث

    ما يتعلق بألفاظ الحديث:

    (عسفان) بضم العين، مثل عثمان، على وزن عثمان، وعسفان قرية تقع إلى الشمال من مكة بحوالي ثمانين كيلو متر، وهي الآن مدينة عامرة، وفيها خدمات ومدارس وسكان كثير، وأكثر من يسكنها هم من جماعة حرب.

    وكانت هذه الغزوة سنة (6هـ)، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه محرمين في الغزوة، وكانت بين الظهر والعصر، ولم يلقَ النبي صلى الله عليه وسلم قتالاً، لم يقع فيها قتال، وإنما كان هناك خوف فقط.

    الفقرة الرابعة في الحديثين:

    ما يتعلق بصفة الصلاة وتصويرها، وهذا خاص حينما كان العدو إلى جهة القبلة، وكان هذا الفعل لا يؤثر أيضاً في تحقيق الأمن وحفظ الناس، وقد بينا صفة هذه الصلاة، وقد قال بهذه الصفة بعض أصحاب الشافعي ومالك .. وغيرهم.

    حكم حمل السلاح في صلاة الخوف

    في الحديث مسألة إضافية وهي: ما يتعلق بحمل السلاح في الصلاة، فقد جاء في القرآن الكريم: وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102]، وفي آخر الآية: لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102]، فما حكم حمل السلاح في صلاة الخوف؟

    فيه قولان:

    القول الأول: أن حمل السلاح في صلاة الخوف واجب، ولابد منه، يعني: يجب عليهم أن يحملوا السلاح، وهذا أحد قولي الشافعي، ورواية عند الإمام أحمد .

    واحتجوا:

    أولاً: بقول الله تعالى: وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102]، وقوله: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102]، وقالوا: إنه أمر والأمر يقتضي الوجوب.

    وثانياً: قالوا: إن هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    ثالثاً: قالوا: لأن ترك السلاح يعتبر تفريطاً، فإن العدو قد يباغتهم على حين غرة، فلا يستطيعون أن يذهبوا إلى السلاح، ويترتب على ذلك أيضاً أن ينقطعوا وينفصلوا عن صلاتهم.

    إذاً: لهم حجة من القرآن ومن السنة ومن النظر والرأي: أن حمل السلاح واجب.

    القول الثاني: أن حمل السلاح سنة وليس بواجب، وهذا تقريباً قول الجمهور، فهو القول الثاني عند الشافعي، وهو المشهور عند الحنابلة، ومذهب مالك وأبي حنيفة، قالوا: إنه لا يجب عليه أن يحمل السلاح لكن يستحب له أن يحمل السلاح.

    والأولى أن نقول: إن هذا قول الجمهور في حالة ما إذا غلب على الظن أنهم لا يحتاجونه، بمعنى: أن حمل السلاح ليس واجباً لذاته عندهم، ولكن قد يجب لعارض، مثلما إذا رأوا أن العدو يتوقع أن يباغتهم، فهنا هل يجوز لهم ترك السلاح حتى في غير الصلاة؟ لا يجوز، بل يجب عليهم حمله!

    وإنما نقول: مذهب الجمهور أن حمل السلاح مستحب فيما إذا غلب على ظنهم، أو رأوا أن العدو لا يباغتهم وقت الصلاة ؛ لأنه وقت يسير والعدو قد لا يتفطن بأنهم منشغلون بصلاتهم، فهذه حجتهم؛ لأنهم قالوا: إن أمر الله سبحانه وتعالى في حمل السلاح في قوله: وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ [النساء:102]، على سبيل الحذر وليس أمراً متعلقاً بالصلاة، وأنه لو كان واجباً لكان شرطاً فيها.

    ونقول: إن قول الجمهور هو الأقرب: أن حمل السلاح ليس مقصوداً لذاته في الصلاة، لكن إذا كان ثمة احتمال أن يباغتهم العدو في الصلاة كان حمل السلاح عليهم واجباً:

    أولاً: لئلا يذهبوا ويقتلوا بعيداً عن سلاحهم.

    وثانياً: لئلا ينفصلوا وينقطعوا عن صلاتهم من أجل الذهاب إلى السلاح.

    1.   

    الأسئلة

    انفصال الجيش إلى طائفتين وصلاة ركعتين لكل طائفة

    السؤال: بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم حين صلى بالناس، هذا شرف النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كل واحد كانوا يصلون خلف النبي صلى الله عليه وسلم، لكن نحن في أيامنا هذه لو قاد جيش لمواجهة العدو، فهل يصلي ركعتين فقط؟

    الجواب: هذه صور، بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم ليس هذا خاصاً به، هو لا شك أن وجوده شرف، وصلاتهم وراءه شرف، لكن نقول أيضاً: كل الأمة ينالها جزء من هذا الشرف: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، وهو صلى الله عليه وسلم يقول: ( صلوا كما رأيتموني أصلي )، فهذا إذا احتاج إليه الجيش في أي وقت أو زمان أو مكان فهو جائز، لكن ليست هذه الصورة الوحيدة هذه بعض الصور، وقد يصلي بطائفة ركعتين، ثم يصلي بالأخرى ركعتين، وقد يصلي بمجموعة ويصلي إمام آخر فيما بعد بمجموعة أخرى، يعني: الأمر فيه سعة، لكن هذه بعض الصيغ.

    يقول: لو انقسموا إلى طائفتين الأولى تصلي بإمام صلاة كاملة.

    الجواب: نفس سؤال الأخ.

    ضبط كلمة (عسفان)

    السؤال: كيف تنطق عسفان بالفتح أو بالضم؟

    الجواب: بالضم، عسفان كعثمان.

    رؤية الشيخ في المنام

    السؤال: لماذا أراك كثيراً في المنام على أيام متوالية؟ ويقول: أنا أحبك؟

    الجواب: لأني أحبك إن شاء الله أيضاً.

    التلازم بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    السؤال: يقول: هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متلازمان في كل حال، فقد يكون الشخص يلازم الأمر بالمعروف فقط دون النهي عن المنكر؟

    الجواب: ليسا متلازمين، وإن كان في المضمون أن الأمر بالمعروف نهي عن المنكر، والنهي عن المنكر أمر بمعروف، فمن أمرته بالصلاة -مثلاً- فقد نهيته عن تركها، ومن نهيته عن شرب الخمر -مثلاً- فقد أمرته بامتثال طاعة الله ورسوله بالكف عنها.

    الجمع في صلاة الخوف

    السؤال: هناك تساؤلات في صلاة الخوف أليس الجمع أولى في صلاة الخوف؟

    الجواب: قد يكون الجمع أولى؛ لأن الجمع يجوز فيما هو دون صلاة الخوف.

    حكم صلاة الخوف جماعات متفرقة

    السؤال: لو صلوا جماعة جماعة في أوقات متفاوتة كل جماعة بإمام.

    الجواب: هذا أيضاً جائز بحسب ما يكون الأيسر لهم.

    تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه صلاة الخوف

    السؤال: الذين صلوا قبالة العدو فوقف صف وأكمل صف؛ كيف عرفوا هذا الترتيب، هل الرسول صلى الله عليه وسلم أوضح لهم قبل بدء الصلاة؟

    الجواب: نعم، يكون أوضح لهم قبل بدء الصلاة، ويكون من فوائد ذلك أن للإمام أن يراقب حال المأمومين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عندما يجلس سوف ينتظر هؤلاء حتى ينتهوا من صلاتهم، وهذه من فوائد الحديث.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.