إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة - حديث 422-425

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة - حديث 422-425للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين النبي صلى الله عليه وسلم فضل صلاة الجماعة وأنها أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة أو ضعفاً أو جزءاً على اختلاف روايات الحديث، ولكن مسألة منح الفضيلة وكتابتها لمن استحقها من علم الله تعالى، وحسبنا أن نأخذ من الحديث ما دل عليه من فضل صلاة الجماعة والحث عليها، والمضاعفة الكثيرة في الأجور والحسنات.

    1.   

    شرح حديث: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)

    معاني ألفاظ الحديث

    فيما يتعلق بألفاظ الحديث:

    قوله: ( أفضل من صلاة الفذ )، (الفذ): هو الفرد الواحد، يقال: فذ الرجل عن قومه إذا انفرد عنهم، وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأصله في الصحيح، جاء في بعض طرقه ورواياته: ( صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة ).

    وكذلك جاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في المتفق عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تفضل صلاة الجميع على صلاة الواحد بخمس وعشرين ).

    إذاً: الفذ: هو الواحد، هو المنفرد.

    قوله: (بسبع وعشرين درجة)، هكذا جاء في عامة روايات حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: ( بسبع وعشرين درجة )، أو يذكر العدد مهملاً من غير تحديد، فيقول: ( بسبع وعشرين ).

    ذكر الأحاديث والألفاظ المخالفة لبعض ألفاظ حديث الباب

    أما الأحاديث الأخرى فقد جاء فيها التعبير بألفاظ غير هذه، ففي حديث أبي هريرة مثلاً عبر في بعض طرقه بلفظ: ( بخمس وعشرين ضعفاً )، بدل قوله: (درجة)، وفي بعضها: ( بخمس وعشرين جزءاً )، وفي بعضها: ( بخمس وعشرين صلاة )، وفي بعضها كما في حديث ابن عمر : ( بخمس وعشرين درجة ).

    إذاً: جاءت أربعة ألفاظ مترادفة: (درجة) (جزءاً) (ضعفاً) (صلاة)، وهذه الألفاظ يفسر بعضها بعضاً، فنفسر ما جاء في حديث ابن عمر : (بسبع وعشرين درجة) بأن المقصود بسبع وعشرين صلاة، فتكون صلاة الرجل في جماعة أفضل من سبع وعشرين صلاة صلاها منفرداً، وهذا هو الضعف والجزء، كما جاء في بعض الألفاظ.

    (بسبع وعشرين)، هكذا جاء في عامة طرق حديث عبد الله بن عمر : (بسبع وعشرين درجة)، ولم يخالف في ذلك بروايته عن عبد الله بن عمر إلا بطريقين:

    الطريق الأول: ما رواه عبد الرزاق في مصنفه، عن عبد الله العمري، وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري، من ذرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإن عبد الله هذا روى عنه عبد الرزاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( بخمس وعشرين درجة )، بدلاً من قوله في الرواية الأخرى: ( بسبع وعشرين ) فهذه الرواية عن عبد الرزاق عن عبد الله العمري المكبر انفرد فيها، وخالف في العدد فقال: (بخمس وعشرين).

    وعبد الله العمري هذا مر معنا حاله، أنه ضعيف عبد الله عبد الله المكبر بن عمر بن حفص بن عاصم يسمى: عبد الله المكبر، وهو مختلف فيه، وهو إلى الضعف أقرب، وكانوا يسألونه عن الحديث في حياته فيقول: أما وأبو عثمان حي -يعني: أخاه المصغر عبيد الله - فلا. يعني: لا أحدثكم، بخلاف عبيد الله فهو إمام ثقة. هذه رواية، ويتبين أنها ضعيفة.

    الرواية الثانية التي خالف فيها في العدد: هو ما رواه أيضاً أبو عوانة في مستخرجه، عن أبي أسامة، عن عبيد الله المصغر وهو عبيد الله بن عمر، عن نافع قال: ( بخمس وعشرين )، وقد خالف في ذلك أبو أسامة عن عبيد الله الرواة الثقات الأثبات الأكثرين.

    ولهذا حكم الأئمة على هذه الرواية بأنها رواية شاذة؛ لأنها مخالفة للمحفوظ عن عبيد الله عن نافع أنه قال: ( بسبع وعشرين درجة ).

    إذاً: هذه الرواية هي من طريق أبي أسامة وهو حماد بن أسامة بن زيد القرشي مولاهم، وهو ثقة إمام، روى له الجماعة، ولكنه خالف في هذا الحرف، فردت روايته، والأكثرون رووه عن ابن عمر ( بسبع وعشرين درجة ).

    إذاً: الصحيح في هذا الحديث أنه عن ابن عمر بلفظ: ( بسبع وعشرين درجة ): ( صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة )، أما رواية: ( بخمس وعشرين ) فهي إما ضعيفة، كما عند عبد الرزاق، وإما شاذة، كما عند أبي عوانة في مستخرجه .

    وقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر بلفظ: (بضع): ( صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ ببضع وعشرين درجة )، ورواية: (البضع) هذه صحيحة؛ لأنها في مسلم، ولكنها غير مخالفة؛ لأن السبع من البضع، فيطلق عليها بضع، فلا تغاير حينئذٍ؛ لأنه عدد مبهم.

    هذا فيما يتعلق برواية ابن عمر، ونخلص من هذا الكلام إلى أن الحديث لا يصح عن ابن عمر إلا بلفظ: (بسبع وعشرين درجة) أو بلفظ: (بضع وعشرين)، وهما يفسر بعضهما بعضاً، فيكون البضع محمولاً على السبع.

    أما عن غير ابن عمر، فإنه أكثر الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها ذكر: (خمس وعشرين)، كما أشار إليه الترمذي قبل فيما نقلته عنه، فقد جاء ذلك من حديث أبي هريرة المتفق عليه: (بخمس وعشرين) وسوف يأتي، وجاء من حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري وغيره، برواية: (خمس وعشرين) وسوف يأتي، وجاء أيضاً من حديث عبد الله بن مسعود عند الإمام أحمد وابن خزيمة، وجاء من حديث أبي بن كعب عند الحاكم وابن ماجه، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وجاء أيضاً عن عائشة وأنس رضي الله عنهما في مسند السراج، كلهم قالوا: (بخمس وعشرين درجة)، وهذه هي الطرق المعتمدة القوية، أما الروايات الضعيفة فيمكن أن تذكر إضافة إلى ما سبق، إذا أردنا أن نذكر روايات ضعيفة، يمكن أن يذكر ما خرجه الطبراني عن جماعة من الصحابة: منهم: معاذ بن جبل، وصهيب بن سنان، وعبد الله بن زيد، وزيد بن ثابت .. وغيرهم.

    أوجه الجمع بين رواية: (سبع وعشرين) ورواية: (خمس وعشرين) والترجيح بينهما

    إذاً: جاء عندنا ثلاث روايات: (سبع وعشرين)، (خمس وعشرين)، (بضع وعشرين)، (البضع): لا إشكال فيه فيبقى الخلاف بين: (سبع وعشرين) و(خمس وعشرين) جمع بينهما أهل العلم بوجوه:

    قال بعضهم: ترجح رواية: (خمس وعشرين)؛ لأنها أكثر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رواها عدد من الصحابة هم:

    أبو هريرة ، أبو سعيد ، ابن مسعود ، أبي بن كعب .

    ورواية ابن عمر التي ذكرنا أنها شاذة لا يعتد بها، وعائشة ، وأنس بن مالك فصاروا ستة.

    إذاً: جاء عن طريق ستة من الصحابة، فضلاً عن الطرق الضعيفة التي توصلها إلى عشرة، إذا قلنا: إنها تشهد لها وتقويها، فرجح بعضهم رواية: (خمس وعشرين)؛ لأنها أكثر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    ورجح بعضهم رواية: (سبع وعشرين)، قالوا: لأنها فيها زيادة علم، ولا مانع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بخمس وعشرين، ثم تجدد له بعد ذلك زيادة فضل، فأخبر بسبع وعشرين. هذا وجه، وعلى هذا يكون ذلك نسخاً، فكأن رواية: (سبع وعشرين) ناسخة لرواية: (خمس وعشرين)، وهذا ينبغي أن ينظر فيه إلى مسألة: هل يجوز النسخ في الفضائل أو لا يجوز؟ وهي مسألة أصولية.

    وبعضهم قالوا: إن رواية: (سبع وعشرين) يؤخذ بها؛ لأنها أشمل فيدخل فيها الخمس والعشرون وزيادة؛ فيؤخذ بها لأنها الأكثر.

    وقال قوم: يختلف ذلك باختلاف الأحوال، فيختلف باختلاف الجماعات، ويختلف باختلاف أوصاف الصلاة، فما كثرت فضيلته كان أكثر مضاعفة مما قلت فضيلته، فمثلاً قال بعضهم: الجهرية أفضل من السرية، والصلاة في المسجد البعيد أفضل، والصلاة التي أكثر جماعة.. وهكذا. وقد أوصل الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح أوجه اختلاف الفضائل في الصلوات إلى أحد عشر وجهاً، فقالوا: يختلف ذلك باختلاف الجماعات، وأوصاف الصلاة.

    وقيل: يختلف باختلاف الأماكن، كالمسجد أو غيره .. وقيل غير ذلك من الأقوال.

    والذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن أحسن وأسلم ما يمكن أن يقال: هو ما أومأ إليه الترمذي رحمه الله فيما أسلفت، أن رواية: (خمس وعشرين) ترجح؛ لأنها رواية الأكثرين، حيث رواها عشرة من الصحابة، ويمكن أن يقال: إنها جاءت عن ابن عمر، وإن كانت الرواية عن ابن عمر في ذلك ضعيفة، كما أسلفت، بخلاف الذين رووا رواية: (خمس وعشرين) لم يختلف عليهم فيها فيما أعلم.

    المعنى الإجمالي لحديث: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)

    والمقصود على كل حال: تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، أما تفضيل ذلك فهو: عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:52].

    ومسألة منح الفضيلة وكتابتها لمن استحقها، هذا من علم الله تعالى، وينبغي أن يؤخذ من الحديث ما دل عليه من فضل صلاة الجماعة، والحث عليها، وأن فيها مضاعفة كثيرة عظيمة في الأجور والحسنات، فهذا هو المقصود.

    أما الخلاف بين: (سبع وعشرين) و(خمس وعشرين)، فهو أمر إن شاء الله تعالى يسير.

    فوائد الحديث

    من فوائد هذا الحديث: فضل صلاة الجماعة، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنها أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين صلاة، أو درجة، أو جزءاً، أو ضعفاً.

    ومن فوائده أيضاً: أن صلاة المنفرد صحيحة، ولو لم تكن صلاة المنفرد صحيحة لم يكن للمفاضلة وجه في قوله: (أفضل من صلاة الفذ)؛ لأنه لا يفاضل إلا بين أمرين اشتركا في أصل الفضيلة، فالحديث يدل على أنه إذا كان لصلاة الفذ درجة، كانت لصلاة الجماعة سبع وعشرون درجة، وحمل بعضهم ممن قالوا بشرطية صلاة الجماعة، وأن صلاة الفذ لا تصح، حملوا الحديث على من صلى منفرداً لحاجة أو عذر، وهذا فيه نظر، فإن الظاهر من النصوص أن من صلى منفرداً لعذر أنه يدرك الفضيلة كاملة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمله مقيماً صحيحاً )، وإنما يصح الحديث والله تعالى أعلم فيمن صلى منفرداً لغير عذر.

    وأخذ بعضهم من الحديث أن صلاة الفذ جائزة لا إثم فيها، ولو كان غير معذور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فاضل بينهما، فدل ذلك على أن المنفرد لم يأت بإثم، وهذا فيه نظر، محله إن شاء الله تعالى في الجلسة القادمة، حينما أعرض لأقوال الأئمة في حكم صلاة الجماعة.

    1.   

    شرح حديث: (تفضل صلاة الجماعة صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءاً ...)

    الحديث الثاني: قال المصنف رحمه الله: ولهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( بخمس وعشرين جزءاً ).

    تخريج الحديث

    الضمير في قوله: (ولهما) أي: للبخاري ومسلم، لصاحبي الصحيحين.

    وهذا الحديث رواه البخاري في مواضع، منها: كتاب الأذان، باب فضل صلاة الفجر في جماعة، ولفظه رحمه الله قال: ( تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءاً، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر -ثم يقول أبو هريرة :- اقرءوا إن شئتم: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] ).

    وخرج البخاري الحديث أيضاً في كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، بلفظ مقارب.

    وأخرجه أيضاً مسلم في الموضع السابق، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها.

    وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، وأبو داود في سننه، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، ومالك، والطيالسي، وابن خزيمة، والبيهقي، والبغوي .. وغيرهم، وألفاظهم متقاربة.

    أما الحديث الذي بعده، الحديث ليس فيه شيء؛ لأنه كسابقه سوى أنه خالفه بقوله: (بخمس وعشرين)، وقد سلف الجمع بين رواية: (خمس وعشرين) و(سبع وعشرين)، وخالفه أيضاً بلفظ: (جزءاً)، وسبق أن بينت بينه وبين قوله: (درجة)، وأن المعنى واحد.

    1.   

    شرح حديث: (تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة)

    الحديث الثالث: قال رحمه الله: وكذا للبخاري عن أبي سعيد وقال: (درجة)، بدلاً من قوله: (جزءاً).

    تخريج الحديث

    حديث أبي سعيد أخرجه البخاري في الأذان، باب فضل الجماعة.

    وأخرجه أيضاً أبو داود في الصلاة، باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة.

    وأخرجه ابن ماجه في المساجد، باب فضل الصلاة في جماعة.

    وأخرجه البغوي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والحاكم، وابن حبان .

    وزاد أبو داود والحاكم وابن أبي شيبة .. وغيرهم بعد رواية الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: ( فإذا صلاها في فلاة، وأتم ركوعها وسجودها، بلغت خمسين صلاة )، أي: بلغت الفضيلة أجر خمسين صلاة، وجاء في رواية ابن حبان : ( فإذا صلاها بأرض قِيٍّ -بكسر القاف وتشديد الياء- فأتم ركوعها وسجودها، بلغت خمسين صلاة )، والقِيّ بكسر القاف كما سلف: هو القفر من الأرض، وهي بمعنى الفلاة، كما في الرواية الأخرى، وقال أبو داود رحمه الله عقب رواية الحديث: قال عبد الواحد بن زياد : صلاة الفرد في الفلاة أفضل من صلاة الجماعة، وهذا من عبد الواحد بن زياد ذهاب إلى أن المضاعفة في الحديث لصلاة الرجل في الفلاة، حتى لو كان منفرداً، والأولى أن يحمل الحديث على ما إذا صلاها في فلاة، يعني: إذا صلى الصلاة في جماعة في فلاة، بلغت خمسين ضعفاً.

    إذاً: المعنى الأقرب للحديث كما رجحه الحافظ وغيره: أنه إن صلى الرجل الصلاة منفرداً، كان له فضل صلاة، فإن صلاها في جماعة كان له فضل كم؟ خمس وعشرين، فإن صلاها في جماعة في فلاة، كان له فضل خمسين صلاة، فيحمل التضعيف على الجماعة في الفلاة.

    1.   

    شرح حديث هم النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت تاركي صلاة الجماعة

    أما الحديث الرابع: فهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة مع الجماعة، فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء )، قال المصنف: متفق عليه واللفظ للبخاري.

    تخريج الحديث

    الحديث أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، وفي مواضع أخرى.

    وأخرجه مسلم كما سلف في المساجد، باب فضل صلاة الجماعة، والتشديد في التخلف عنها.

    وأخرجه أبو داود في الصلاة، باب التشديد في ترك الجماعة.

    والترمذي أيضاً في الصلاة، باب فيمن سمع النداء فلم يجب.

    وأخرجه النسائي في الإمامة، باب التشديد في التخلف عن الجماعة.

    وأخرجه أحمد في مواضع كثيرة، وعبد الرزاق، ومالك، والشافعي، وأبو عوانة، والبغوي، والبيهقي، والحميدي، وابن الجارود، وابن خزيمة، والدارمي، وابن حبان .. وغيرهم. وفي بعض طرق الحديث في أوله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة ) .. إلى أخر الحديث، وهذه رواية مسلم، وأحمد، وابن أبي شيبة، وابن ماجه، والبيهقي، وأبي عوانة .. وغيرهم.

    معاني ألفاظ الحديث

    فيما يتعلق بألفاظ الحديث:

    قوله عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده)، هذا قسم معتاد يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، ويقسم به، يقسم بالله تعالى الذي نفوس العباد كلهم بيده، أي: أنه الخالق المالك المتصرف، والمعنى: أن أمر نفوس العباد بيد الله تعالى، أي: بتدبيره وتقديره؛ لأنه المالك المتصرف، ومع ذلك فإن في الحديث إثبات صفة اليد لله عز وتعالى، فنثبت لله تعالى صفة اليد إثباتاً حقيقياً، يليق بجلاله وعظمته، من غير تشبيه ذلك، بما هو معروف من أمر العباد.

    قوله: (لقد هممت أن آمر)، الهم هو العزم، أي: عزمت على ذلك، وقيل: هو دونه، أي: أقل منه، فيكون نوعاً من حديث النفس، وهذا ذكره المفسرون في قوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا [يوسف:24].

    قوله: (ثم آمر رجلاً فيؤم الناس, ثم أخالف إلى رجال)، أي: آتيهم حين غابوا، يقول: خالفت إلى فلان، أي: أنني ذاهب إليه.

    والمعنى ربما: آتيهم من خلفهم، ويجوز أن يكون المعنى: أتخلف عن الصلاة التي اعتاد الناس أن يصلي عليه الصلاة والسلام بهم إماماً، أخالف ذلك إلى هؤلاء الأقوام الذين هم في بيوتهم.

    قوله في آخر الحديث: (والذي نفسي بيده)، كرر اليمين للتوكيد.

    (لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً)، العرق: بفتح العين وسكون الراء: هو العظم الذي عليه لحم، قال الخليل بن أحمد في كتاب العين المعجم المعروف، قال: العراق العظم بلا لحم، فإذا كان عليه لحم سمي عرقاً، وقال غيره من أهل اللغة العرق: مفرد، والعراق: جمع عرق، وهذا له وجه.

    أما قوله: (أو مرماتين)، فهي: جمع مرماة بكسر الميم وقيل بفتحها، وقد اختلف أهل اللغة وشراح الحديث في تفسير المرماة اختلافاً واسعاً:

    فمنهم من قال: المرماة هو اللحم الذي يكون بين ظلفي الشاة، أو يكون في ظلف الشاة، وممن قال ذلك: الخليل بن أحمد .

    ومنهم من قال: إن المرماة هي لعبة كانوا يلعبونها، وينتضلون بها، كما قاله الأخفش .

    ومنهم من قال: سهم دقيق غير محدد، ورجح ذلك إبراهيم الحربي في كتابه غريب الحديث، واستدل له بما رواه بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لو أن أحدكم إذا شهد الصلاة معي، كان له عظم من شاة سمينة، أو سهمان لفعل )، فقال: السهمان هنا: هما المرماتان في الحديث الآخر.

    وعلى كل حال فالمعنى واضح، وهو الإشارة إلى أن هؤلاء القوم ضعف الإيمان في قلوبهم، وقل وازع التقوى والرغبة فيما عند الله تعالى، وعظمت الدنيا وطمعها، فالواحد منهم لا يأتي لصلاة الجماعة، مع أنه يعلم أن أجرها يضعف على صلاته لو صلى في بيته بسبعة وعشرين أو خمسة عشرين ضعفاً، وهؤلاء قد يصلّون في بيوتهم؛ لأنه جاء في بعض الروايات: ( ثم أخالف إلى رجال يصلون في بيوتهم ليست بهم علة ) قد يصلون في بيوتهم، فيقول: هؤلاء لم يأتوا إلى المسجد، مع علمهم بأن الصلاة في المسجد تضعف بخمس وعشرين ضعفاً، ولكن لو علم أحدهم أنه يجد قطعة لحم، ولو كانت يسيرة كالقطعة التي تكون في ظلف الشاة، أو حتى يجد سهماً يسيراً زهيداً لا غناء به، لأتى إليه مسرعاً؛ لأنهم يؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى .

    فوائد الحديث

    وفي الحديث مع ما سبقه فوائد كثيرة، ونريد الفوائد الجديدة، أما الفوائد الظاهرة المعتادة، فلا يلزم تكرارها.

    من فوائد الحديث:

    أولاً: إثبات صفة اليد لله جل وتعالى.

    ثانياً: أن صلاة الجماعة واجبة، وهذه المسألة: مسألة وجوب صلاة الجماعة، هي موضوع الدرس القادم إن شاء الله، وفيها أقوال كثيرة تبتدئ بالشرطية أنها شرط لصحة الصلاة، ثم الوجوب، ثم فرض الكفاية، ثم سنة الكفاية، وسوف أعرض لهذه الأقوال بأدلتها فيما يأتي إن شاء الله تعالى.

    ثالثاً: جواز تخلف الإمام عن الإمامة لعارض، فالإمام الذي يكون إماماً في الجماعة قد يترك الصلاة بجماعته لشغل، أو عارض، أو حاجة، فهذا يدل على جواز ذلك لعارض أو حاجة.

    رابعاً: جواز الحلف على الأمور المهمة، وأنه لا بأس بذلك ولا بأس بتكراره، خلافاً لمن كره ذلك مطلقاً، فيحلف الإنسان على الأمور المؤكدة، وقد أقسم الله تعالى في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم على الأمور المهمة.

    خامساً: جواز التعزير بالمال، وهذا مذهب مالك وأحمد خلافاً للجمهور، يعني: أن للإمام العادل أن يعزر بعض المخالفين بأخذ ماله، أو شيء منه، أو حتى تحريقه، وقد ثبت: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم حرق متاع الغال ) في أحاديث كثيرة معروفة في مواضعها.

    سادساً: جواز تحريق أماكن المعصية، فلو وجد مكان معصية تعبد فيه الأصنام، أو يرتكب فيه الفواحش ورؤي في إحراقه مصلحة، فإن للإمام أو المحتسب أن يقوم بهذا العمل، إذا لم تتعد المفسدة إلى غيره من الأماكن.

    إذاً: جواز تحريق أماكن المعصية إذا كان في إحراقها مصلحة، ويفعل ذلك الإمام أو المحتسب، الذي هو في حقيقته نائب عنه في القيام بهذا الفرض، إذا لم يتعد الإحراق إلى أشياء أخرى، لا يتعلق بها المنكر.

    سابعاً: من الفوائد أن صلاة الجماعة ليست واجبة على النساء، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ثم أخالف إلى رجال )، فخرج الصبيان والنساء، فالحديث دليل على أن صلاة الجماعة ليست واجبة على النساء وهذا إجماع من أهل العلم.

    ثامناً: وجوب إقامة الصلاة؛ لقوله: ( ثم آمر بالصلاة فتقام ).

    تاسعاً: استخلاف الإمام إذا غاب؛ لقوله: ( ثم آمر رجلاً فيؤم الناس )، فإذا لم يستخلف، فإنه يتقدم أحد الجماعة ممن تتوفر فيه الشروط.

    عاشراً: جواز مباغتة أهل الريب والفساد وهم على باطلهم؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة مع الجماعة )، وقد بوب البخاري رحمه الله عليه بنحو هذا، وكذلك فعل صاحب المفهم.

    الحادية عشرة من الفوائد: أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، وهذه الفائدة صحيحة نأخذها أنه تخلف عن الصلاة مراعاة لمصلحة أعم.

    الثانية عشرة: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، هذا إذا تساوت؛ لأن الإمام سيجعل بدله خليفة يصلي بالناس، وهو أيضاً يستطيع أن يصلي في جماعة، وفي نفس الوقت يقوم بالاحتساب، بإنكار هذا المنكر، فتتحقق مصلحة غالبة، وتدرأ مفسدة.

    الثالثة عشرة من الفوائد: أن ترك صلاة الجماعة من صفات المنافقين، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه، في الحديث الذي رواه مسلم قال: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها -يعني الجماعة- إلا منافق معلوم النفاق)، وكذا صح عن ابن عمر أنه كان يقول: (كنا إذا فقدنا رجلاً في صلاة العشاء وصلاة الفجر أسأنا به الظن)، ومثله عن أنس، وكلاهما صحيح.

    وقد سبق هذا في وجوب صلاة الجماعة، وفيه رد على من قال: إن صلاة الجماعة فرض كفاية؛ لأن الكفاية تحققت بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، ومع ذلك ما عذرهم، بل هددهم بالتحريق.

    الرابعة عشرة من الفوائد: أنه ينبغي لولي الأمر أن يباشر إنكار المنكر بنفسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو رأس المحتسبين، فإذا لم يستطع أناب من يقوم بهذا العمل، ويأخذ بمطلق الصلاحيات التي تكون له في الإنكار.

    الخامسة عشرة من فوائد الحديث: جواز إخراج أهل المعاصي من بيوتهم، وهو الذي ذكرته قبل قليل: أن البخاري بوب عليه، وذكره صاحب المفهم، جواز إخراج أهل المعاصي والريب من بيوتهم، إذا احتاج الأمر إلى ذلك؛ لأن التحريق لا يلزم منه أن يحرقوا هم، بل قد يخرجون من بيوتهم إذا وجدوا حر النار، ويغادرونها.

    السادسة عشرة من الفوائد: جواز ترك الجماعة لإنكار منكر ولو لم يجد جماعة أخرى يصلي فيها، وهذا من باب الموازنة بين المصالح، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن المصلحة العامة بالإنكار على هؤلاء أهم؛ ولهذا ترك صلاة الجماعة، فيؤخذ منه: جواز ترك صلاة الجماعة لإنكار المنكر.

    السابعة عشرة من فوائد الحديث: جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، فإن الرجل الذي قدمه النبي صلى الله عليه وسلم لابد أنه مفضول يقيناً، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يمكن أن يصلي بهم، ويمكن أن يعترض على هذه الفائدة، أن الكلام فيما إذا كان الفاضل موجوداً في الجماعة، أما لو كان غائباً فلا إشكال حينئذٍ.

    الثامنة عشرة من فوائد الحديث: مشروعية التقديم بالتهديد والوعيد على أهل المعاصي، قبل التنفيذ، وهذه الفائدة تؤخذ من كون النبي صلى الله عليه وسلم أعلن الهم قبل أن ينفذه، الحديث نفسه هل نفذ؟ ما نفذ، ما نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرق على أحد بيته لمانع، ولكنه أعلن هذا الهم، وهذا الإعلان هو نوع من إنفاذ الوعيد إليهم قبل أن ينفذ، وربما ارتدع بعض هؤلاء وصلوا في الجماعة، خوفاً من هذا الوعيد العاجل الدنيوي.

    ففيه: جواز بل مشروعية التقديم بالوعيد والتهديد قبل التنفيذ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بالصلاة ) .. إلى آخر الحديث.

    التاسعة عشرة من فوائد الحديث: مشروعية حضور الجماعة لأهل الأعذار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال، كما في اللفظ الذي سقت طرفه قال: ( ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً )، وما أتوا حبواً إلا لأنهم عاجزون عن المشي، لمرض أو عارض، ولهذا جاء في حديث ابن مسعود أو أثره الذي أسلفته قال: (ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين، حتى يقام في الصف)، يعني: متعب، ففيه دليل على مشروعية حضور الجماعة حتى لأهل الأعذار، فغيرهم من باب أولى.

    الفائدة العشرون: ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما.

    وأضيف واحد وعشرين: ذكره غير واحد من الشراح: أن الحديث سيق في شأن المنافقين والله تعالى أعلم، والدليل على ذلك: أنه بدأ بالمنافقين في قوله: ( أثقل الصلاة على المنافقين )، وختم بقوله: ( لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء )، ولا شك أن هذا شأن المنافقين، كما حكى الله تعالى عنهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142].

    وقد فاتني أن أذكر -وهذا لابد أن يضاف في موضعه- فيما يتعلق بقوله: ( أثقل الصلاة على المنافقين، صلاة العشاء وصلاة الفجر )، أن الوعيد سيق في شأن أهل هاتين الصلاتين، كما صح بذلك الحديث، وقيل: سيق الوعيد في شأن صلاة الفجر لما جاء في طرق أخرى، وقيل: إنه في شأن تاركي صلاة الجمعة، كما جاء عن البيهقي، ولا تعارض بين هذه الروايات؛ لأنها كلها روايات صحيحة، فتحمل على التهديد على ذلك كله، وأكثر ما يتخلف المنافقون عن صلاة العشاء وصلاة الفجر.

    أما صلاة العشاء: فلأنها توافق وقت مجيئهم إلى بيوتهم، وجلوسهم مع أهليهم وأولادهم وراحتهم، بعد تعب النهار ونصبه، وفي نفس الوقت هي في ظلام، بحيث ربما خفي أمرهم على الناس، فلا يعلمون صلوا أم لم يصلوا.

    أما صلاة الفجر: فهي توافق النوم، وقد توافق شدة البرد في وقت الشتاء، وكذلك هي توافق ظلاماً، فربما خفي أمرهم على الناس، فلذلك كانت ثقيلة عليهم؛ لعدم وجود الدافع إليها، بخلاف المؤمن، فإنه يخف إلى هاتين الصلاتين، لما يعلم من عظيم فضلهما.

    1.   

    الأسئلة

    بيان من يقوم بالتعزير بالإحراق

    السؤال: [من يباشر التحريق ويقوم به؟]

    الجواب: التحريق خاص بالإمام أو المحتسب.

    درجة حديث: (لولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم)

    السؤال: [جاء في الحديث: (لولا ما في البيوت من النسا والذرية لحرقت عليهم بيوتهم) فما حكمه؟]

    الجواب: ( لولا ما فيها من النساء والذرية )، هذه الرواية فيها ضعف، لعل أحد الإخوة يخرجها لنا، هي عند أحمد وغيره: ( لولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقتها عليهم ).