إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - حديث 336-339

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - حديث 336-339للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف العلماء في حكم التشهد الأخير والجلوس له على ثلاثة أقوال: كونهما ركنان، وقيل مستحبان وقيل الجلوس واجب دون التشهد، والأول هو ما دلت عليه السنة الصحيحة، أما الصلاة على النبي وعلى آله في التشهد الأخير فمذهب الشافعي الوجوب وهو الراجح للأمر بها في عدة أحاديث، ويستحب الدعاء عقب التشهد والأفضل أن يكون بالمأثور.

    1.   

    شرح حديث: (.. إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ..)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً.

    أما أحاديثنا فأولها: حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه، قال: ( سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو في صلاته لم يحمد الله تعالى، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عجل هذا، ثم دعاه فقال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه, ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم, ثم يدعو بما شاء ) .

    تخريج الحديث

    والحديث قال المؤلف رحمه الله تعالى: أخرجه أحمد والثلاثة, وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم .

    وأيضاً أخرج الحديث الثلاثة كما يقول المصنف، أخرجه أبو داود رحمه الله في سننه في كتاب الصلاة باب الدعاء.

    وأخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، في آخر الجامع له, باب ما جاء في جامع الدعوات عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح. كما أشار إليه المؤلف, وصححه الترمذي .

    وأخرجه النسائي أيضاً في كتاب السهو, باب التمجيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

    فهؤلاء هم الثلاثة.

    وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده , وابن حبان كما في كتاب الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان , وهذا دليل على تصحيحه له، كما أشار المصنف أيضاً, والحاكم في مستدركه وقال في أحد المواضع: صحيح على شرط مسلم , وقال في موضع آخر: صحيح على شرطهما، يعني: الشيخين: البخاري ومسلم، وأقره الذهبي في الموضعين.

    وممن أخرجه أيضاً: الإمام إسماعيل القاضي في جزء له لطيف مطبوع بعنوان: فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم , وهو من تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني , وقد حسن الشيخ الألباني الحديث في حواشيه وتعليقاته على ذاك الكتاب, وسيأتي التعقيب على ذلك.

    وكذلك أخرجه الطبراني في معجمه الكبير , والطحاوي في مشكل الآثار , والبيهقي في سننه, وابن خزيمة في صحيحه .. وغيرهم.

    وبناءً على هذا التخريج يتبين أن الحديث صححه جماعة من العلماء, منهم:

    الترمذي حيث قال: حسن صحيح، ابن خزيمة ، ابن حبان ، الذهبي احتمالاً، حيث أقر الحاكم على ذلك, وفي إقراراته للحاكم واعتمادها كلام يطول.

    وممن صححه أيضاً: الألباني في تعليقاته على فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    وعلى كل حال فالحديث صحيح, ورجال إسناده ثقات رجال الصحيح، ما عدا عمرو بن مالك الجمبي، وهو ثقة، روى له أصحاب السنن, فحديثه صحيح , وقد ذكر بنسبته هكذا الجمبي في عدد من مخارج الحديث التي أسلفت.

    فـعمرو بن مالك هذا ثقة روى له أصحاب السنن, وقد ورد مصرحاً بنسبته في عدد من المخارج؛ فانتفى الاحتمال, وقد ظنه الشيخ الألباني حفظه الله تعالى آخر؛ فحسن الحديث بناء على ذلك .

    معاني ألفاظ الحديث

    قول الراوي: (رجلاً يدعو في صلاته) هذا الرجل لم يتبين من هو, فهو مبهم لم يتبين من هو, وأما المقصود بقوله: (في صلاته) فالمقصود في قعوده للتشهد كما سبق, وما هي الحجة التي اعتمدناها في اعتبار أن المقصود (في صلاته) يعني: في تشهده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله -أو بتحميد ربه- والثناء عليه, ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ), وهذه الأشياء، وخاصة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، إنما تكون في التشهد الأخير غالباً, وتكون في التشهد الأول أيضاً, لكن موضع الدعاء هو التشهد الأخير؛ فتبين أن المقصود بالصلاة هنا، أنه قعد في التشهد الأخير من صلاته؛ لأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا تكون في الركوع، ولا في القيام، ولا في السجود, وإنما تكون في القعود للتشهد.

    وأورد أحد الإخوة سؤالاً: ألا يجوز أن يكون الأمر هذا حصل في دعاء القنوت, وأن النبي صلى الله عليه وسلم سمعه في دعاء القنوت؟

    فكيف يجاب على هذا الإيراد؟

    أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم الحسن بن علي دعاء القنوت- وقد سبق- وهو حديث حسن رواه الترمذي وأبو داود .. وغيرهم لم يذكر له أنه يبدأ بحمد الله والثناء عليه، والصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم, وإنما علمه دعاء القنوت: ( اللهم اهدنا فيمن هديت.. )إلى آخر الدعاء السابق.

    فهذا يبعد أن يكون المقصود دعاء القنوت.

    ثم مما يؤيد ويرشح ويرجح أن المقصود القعود للتشهد، قوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا صلى أحدكم ), فإن الإنسان يقال له: صلى، إذا انتهى من صلاته أو أوشك على نهايتها, وهذا أليق وألصق بالتشهد الأخير من غيره .

    حكم التشهد في الصلاة والجلوس له وأقوال العلماء فيه

    وفي الحديث مسألة، وهي: حكم قراءة التحيات في الصلاة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ( فليبدأ بحمد الله تعالى والثناء عليه ), مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات )كما سبق؛ فما هو حكم قراءة التحيات في الصلاة؟ في المسألة أقوال:

    القول الأول: أن التشهد والجلوس له فرض لا تصح الصلاة إلا به

    القول الأول: ذهب إليه من التابعين: الإمام أبو سعيد الحسن البصري رحمه الله, وذهب إليه من الأئمة: أحمد وإسحاق والشافعي وداود الظاهري ... وغيرهم. ذهبوا إلى القول بأن التشهد والجلوس للتشهد أيضاً واجب أو فرض، لا تصح الصلاة إلا به, وهذا القول أيضاً حكاه ابن المنذر عن جماعة من الصحابة، كـعمر رضي الله عنه ونافع من التابعين, وابن مسعود .. وغيرهم.

    إذاً: هؤلاء الأئمة ذهبوا إلى فرضية التشهد والقعود له؛ واحتجوا بأدلة، منها:

    حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات..) إلى آخر الحديث, وقد مضى.

    ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن فيه أمراً من النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي بأن يقول ذلك: (إذا صلى أحدكم فليقل) فهذا أمر؛ لأنه فعل مضارع دخلت عليه لام الأمر, فهي من صيغ الأمر عند الأصوليين, وظاهر الأمر يدل على الوجوب، إذا لم توجد قرينة تصرفه عن ذلك؛ فدل هذا على أنه واجب، خاصة وأنه في مسألة من المسائل التعبدية, والتعبد مبناه على الاتباع والتوقيف.

    هناك وجه آخر للدلالة في حديث ابن مسعود وهو قوله: (فإذا قال ذلك فقد تمت صلاته) دليل على أنه إن لم يقله فإن صلاته ناقصة, ولكن ينبغي أن يعلم أن قوله: (إذا قال ذلك فقد تمت صلاته) من قول ابن مسعود رضي الله عنه, وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم.

    وجه ثالث في حديث ابن مسعود وهو قوله: ( كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده.. ) إلى آخر الحديث.

    هذا دليل على أن التشهد قد فرض عليهم, وهذا أيضاً يدل على ما كان يذهب إليه ابن مسعود رضي الله عنه .. وغيره، ممن ينقل عنهم هذا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, فإنه جاء به بلفظ الجمع؛ لقوله: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد). طيب. وهذا أيضاً اجتهاد من ابن مسعود رضي الله عنه.

    ومن الأوجه أيضاً وهو الرابع في حديث ابن مسعود أن الرسول صلى الله عليه وسلم علم ابن مسعود التشهد، وأمره أن يعلمه الناس، كما في رواية أحمد رحمه الله ورضي الله عنه, وقد أشار إليها المصنف, وكونه أمره أن يعلمه الناس وعلمه إياه، قد يدل بظاهره على وجوب تعلمه وتعليمه وقراءته في الصلاة، هذا الدليل الأول.

    الدليل الثاني: حديث الباب، حديث فضالة. ووجه الدلالة منه قوله: ( إذا صلى فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ), وهذا التحميد المقصود به والله أعلم: التشهد، (التحيات)؛ لما فيها من البداءة بحمد الله: ( التحيات لله والصلوات والطيبات ), والثناء على الله تعالى بما هو أهله؛ فهذا دليل على وجوبه؛ لأنه أمر به. وقال: (فليبدأ) وأنكر على تاركه؛ فدل على أنه واجب وفرض في الصلاة لا تصح إلا به.

    الدليل الثالث: حديث ابن عباس رضي الله عنه: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن ), وقد سبق, وهو يدل بظاهره أيضاً على الوجوب؛ لشدة عناية الرسول صلى الله عليه وسلم به، وتعليمه لأصحابه, وتحفيظهم إياه، كما يحفظهم السورة من القرآن, ولو لم يكن متعبداً بألفاظه مأموراً بفعله في الصلاة، لما كان بهذه المنزلة، والله تعالى أعلم.

    الدليل الرابع: حديث أبي موسى رضي الله عنه: ( ليكن من قول أحدكم: التحيات الطيبات الصلوات لله ), والحديث في صحيح مسلم وهو طويل, وفي أوله قصة.

    المهم قوله: ( وليكن من قول أحدكم: التحيات الصلوات الطيبات لله ) فهذا أمر. (وليكن) صيغة أمر تدل على الوجوب.

    هذا القول الأول وهذه أدلته.

    القول الثاني: وجوب القعود دون التشهد

    القول الثاني: هو ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك وهو وجوب الجلوس بقدر التشهد, ولكن لا يجب عليه قراءة التشهد, واحتج هؤلاء بأدلة منها:

    أولاً: حديث المسيء في صلاته، وجه الدلالة من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر للمسيء صلاته الأمر بقراءة التحيات، ولم يعلمه إياها؛ فدل على عدم وجوبه, وهذا في الواقع لا دلالة فيه؛ لأن الحديث ساكت عن هذا الأمر, وسكوته عنه لا يدل على وجوب ولا على غيره, والوجوب قد يؤخذ من أدلة أخرى, وقد سكت النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء صلاته عن بعض الأشياء, كتعليم النية مثلاً ونحوها، مما هو واجب بالاتفاق في الصلاة, فحديث المسيء صلاته يدل على الأمر بما ذكر في ذلك الحديث, لكنه لا يدل على عدم الأمر بما لم يذكر.

    إذاً: هو يدل على الأمر بما ذكر في حديث المسيء, لكنه لا يدل على الأمر بما لم يذكر.

    الدليل الثاني: ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قعد الإمام في آخر صلاته، ثم أحدث قبل أن يتشهد، فقد تمت صلاته ), والحديث رواه أبو داود والترمذي والبيهقي .. وغيرهم, فلو صح لكان دليلاً على عدم وجوب التشهد؛ لأنه ما دام أحدث قبل أن يتشهد وتمت صلاته، دل على عدم وجوبه, ولكن يجاب عن هذا -الذي لو صح لكان دليلاً- بأجوبة أهمها: أن الحديث ضعيف، ويضعف الحديث بثلاثة أوجه:

    الوجه الأول: أن الحديث مضطرب, فقد جاء في بعض ألفاظه: (قبل أن يتشهد), وفي بعضها: (قبل أن يسلم), هذا وجه.

    الوجه الثاني: أن في سند الحديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي , وهو من الصالحين، ولكنه ضعيف في الحديث عند الجمهور؛ فلا يحتج بحديثه.

    الثالث: الانقطاع في سند الحديث, فإن فيه بكر بن سوادة الراوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص , وهو لم يلقه.

    فالحديث إذاً منقطع, وهو بهذه الأوجه كلها ضعيف، فضلاً عن مخالفته ومعارضته للأحاديث الأخرى الصحيحة, والتي لعل من أقواها ما سبق معنا: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم شكا إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم .. ) ماذا قال؟

    قال: ( فلا يخرج حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً )؛ فدل على أن الإنسان لو وجد في صلاته شيئاً أو أحس بشيء، يعني: تيقن من خروج شيء منه، من حدث، كان فرضاً عليه أن يخرج من صلاته, فهذا الحديث إذاً منكر في متنه, ضعيف في سنده.

    وجه الاستشهاد واضح؛ لأن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص لو صح كان دليلاً على أن التشهد غير واجب؛ بدليل أن الإنسان لو أحدث قبله فقد تمت صلاته.

    احتج بعضهم- خاصة بعض الأحناف- بالرواية الأخرى: (قبل أن يسلم) طيب.

    إذاً: هذا أهم ما احتجوا به، وقد استدلوا ببعض الآثار, منها أثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمعنى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد رواه البيهقي .. وغيره, وضعفه البيهقي، ونقل بإسناده أيضاً تضعيفه عن الإمام أحمد : أن هذا الأمر لا يصح موقوفاً على علي رضي الله عنه.

    القول الثالث: عدم وجوب التشهد والقعود

    في المسألة قول ثالث وهو أنه لا يجب القعود للتشهد بقدره ولا قراءة التشهد أيضاً, يعني: لا الجلوس له ولا قراءته, وهذا حكاه بعض الشافعية أيضاً: ابن حامد أو غيره، حكاه عن الإمام علي رضي الله عنه، وعن الزهري والنخعي، وعن مالك رواية, وعن الأوزاعي رواية أيضاً, وعن الثوري رواية. يعني: أن لهم روايات أخرى مخالفة لهذا القول, ولعل حجتهم هي ما سبق, كحديث المسيء صلاته، حيث لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالقعود للتشهد ولا بقراءته, وكذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص , خاصة في رواية: ( ثم قعد قبل أن يتشهد ), فلو صحت كانت دليلاً على عدم وجوب القعود للتشهد أيضاً, كما أن بعضهم قاسوه على التشهد الأول, وأيضاً قاسوه على الذكر في الركوع والسجود، قالوا: كما أن هذه الأشياء لا تجب وتجبر بسجود السهو؛ فكذلك التشهد الأخير لا يجب, ويجبر بسجود السهو, وفي ذلك نظر من جهة القياس, فالقياس لا يدخل في مجال العبادات. هذا أولاً.

    وثانياً: قولهم: إن التشهد الأول، والذكر في الركوع والسجود ليس بواجب، هذا فيه نظر, والدليل قام على وجوبه كما سبق بيانه .

    خلاصة مسألة حكم التشهد والقعود له وبيان القول الراجح

    إذاً: نخلص إلى القول الراجح في هذه المسألة, وقد ظهر جلياً أن القول الراجح هو القول الأول: بأن الجلوس للتشهد الأخير وقراءة التشهد فرض لا تصح الصلاة إلا به؛ لقوة الأدلة السابقة وصراحتها في الموضوع, وسلامتها من المعارض الصحيح, لا يعارضها شيء صحيح.

    خلاصة المسألة السابقة إذاً: أن في مسألة التشهد الأخير ثلاثة أقوال:

    الأول : أن التشهد الأخير والقعود له فرض لا تصح الصلاة إلا به؛ بدليل حديث ابن مسعود، وابن عباس، وأبي موسى، وفضالة بن عبيد .

    القول الثاني : أن القعود للتشهد الأخير فرض بقدر التشهد، ولا تجب فيه قراءة التشهد, ومن أدلتهم حديث المسيء صلاته, وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص .

    القول الثالث : أنه لا يجب القعود للتشهد ولا قراءة التشهد أيضاً, واستدلوا بما سبق: حديث المسيء، وحديث ابن عمرو بن العاص خاصة رواية: (ثم أحدث قبل أن يتشهد) كما استدلوا بالقياس على التشهد الأول والقعود له, وعلى ذكر الركوع والسجود.

    والراجح من هذه الأقوال الثلاثة: أن القعود للتشهد الأخير واجب, وأن قراءة التشهد الأخير في ذلك القعود واجب أيضاً؛ لقوة الأدلة في ذلك وصراحتها, وعدم وجود ما يعارضها.

    فوائد الحديث

    في حديث فضالة فوائد, منها: مشروعية الدعاء في الصلاة؛ لقوله: (ثم يدعو بما شاء).

    ثانياً: جواز رفع الصوت بالدعاء في الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع هذا الرجل يدعو في صلاته؛ فدل على أن صوته مرتفع، ولم ينكر عليه.

    ثالثاً: وجوب التشهد الأخير والجلوس له.

    رابعاً: الإفادة من مواطن الخطأ للتصحيح والتعليم, حيث أفاد النبي صلى الله عليه وسلم من خطأ هذا الرجل في صلاته؛ فعقب بقوله: ( عجل هذا ) ليعلّم الآخرين أن هذا الرجل قد عجل في صلاته, ثم علّمه هو الآخر أيضاً.

    خامساً: وجوب التشهد الأخير؛ لقوله: ( ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ).

    سادساً: جواز الدعاء بخيري الدنيا والآخرة؛ لقوله: ( ثم يدعو بما شاء ) وأطلق ولم يقيد, وهذا سيأتي شيء منه.

    سابعاً: جواز قول التشهد بأي صيغة من الصيغ الواردة، وعدم تعين شيء منها، فيتشهد بتشهد ابن مسعود، أو ابن عباس، أو عائشة، أو أبي موسى، أو عمر .. أو غير ذلك؛ لأن هذا كله داخل في قوله: (فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه).

    ثامناً: أن من ترك شيئاً من واجبات الصلاة جهلاً فلا إعادة عليه.

    1.   

    شرح حديث: (يا رسول الله! أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟)

    الحديث الثاني هو حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال : ( قال بشير بن سعد : يا رسول الله! أمرنا الله أن نصلي عليك, فكيف نصلي عليك؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد, كما صليت على آل إبراهيم، أو على إبراهيم, وبارك على محمد وعلى آل محمد, كما باركت على آل إبراهيم في العالمين, إنك حميد مجيد, والسلام كما علمتم، أو كما عُلمتم ). والحديث رواه مسلم .

    قال المصنف رحمه الله: وزاد ابن خزيمة فيه: ( فكيف نصلي عليك، إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟).

    تخريج الحديث

    الحديث رواه مسلم في كتاب الصلاة, باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه الإمام أحمد في مسنده , أما الزيادة التي ذكرها المصنف وهي قوله: (فكيف نصلي عليك، إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟) فقد رواها ابن خزيمة كما ذكر المؤلف, ورواها أيضاً أحمد في مسنده , والدارقطني، والحاكم، وابن حبان، والبيهقي , وهؤلاء كلهم رووا الحديث كله بزيادته, فهي مخارج للحديث أخرى بزيادته؛ وبناء عليه ندرك أن الحديث رواه مسلم، فهو قد جاوز القنطرة, لكن لا بأس بالتعضيد والزيادة، وقد صححه جمع من أهل العلم.

    ممن صححه ابن خزيمة والحاكم ؛ لأنه أخرجه وصححه أيضاً.

    وممن صححه أيضاً: مسلم ، فقد ذكرت أن مسلماً رواه في صحيحه , وهو قد جاوز القنطرة. والدارقطني لا أظن أنه تكلم عنه بشيء, لكن ممن صححه أيضاً ابن حبان، وكذلك البيهقي , فإنه صحح الحديث.

    وهذه الزيادة: وهي قوله: (فكيف نصلي عليك، إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟)، وهي مهمة كما سوف يأتي، هذه الزيادة صححها الأئمة الذين سبقوا ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي .. وغيرهم, وفي سندها محمد بن إسحاق , وهو حسن الحديث ما لم يعنعن خشية تدليسه, وقد صرح في هذا الموضع بالتحديث، فدل على أن الحديث بتلك الزيادة: (فكيف نصلي عليك، إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟) حديث حسن، لحال محمد بن إسحاق .

    ترجمة راوي الحديث

    أبو مسعود راوي الحديث اسمه: عقبة بن عامر الأنصاري البدري رضي الله عنه وأرضاه, ولم يكن بدرياً بمعنى: أنه شهد بدراً , وإنما سكن بدراً ؛ فسمي البدري , وهذه من المواضع التي يحصل فيها اللبس للكثيرين, فهو لم يشهد بدراً فيما ذكر, ولكنه سكن في بدر ؛ ولهذا نسب إليها، فقيل له: البدري .

    أما قوله في الحديث: (قال بشير بن سعد ) فهو بفتح الباء بشير؛ تمييزاً له عن بشير؛ لأن هناك من يسمى ببشير كما هو في حال بشير بن كعب أحد التابعين, فإن هذا بشير , وهو والد النعمان بن بشير رضي الله عنه وأرضاه. أنصاري.

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله: ( أمرنا الله أن نصلي عليك ) أين هذا الأمر؟

    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56], هذا هو الأمر الذي سأل عنه بشير بن سعد رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    قوله: (فكيف نصلي عليك؟) جاء في الزيادة: (إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا) هذه الزيادة ما جدواها وما فائدتها؟

    أنها تدل على أن السؤال كان عن صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد, وقد تدل أيضاً كما سيأتي على أن الأمر في الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] أمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد في الصلاة؛ بدليل أن الصحابي فهم ذلك فقال: (أمرنا الله.. فكيف نصلي عليك، إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا) فكأنه فهم والله أعلم، كما قاله الإمام الشافعي نصاً: [ أن الآية أمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, وأولى ذلك في الصلاة ]؛ ولهذا اتخذ واعتبر هذا الحديث مع الآية دليلاً على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، كما سوف يأتي.

    المقصود بـ(آل محمد)

    وقوله: قال صلى الله عليه وسلم: ( قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ), آل محمد صلى الله عليه وسلم اختلف في المقصود بهم على أقوال:

    القول الأول: أن المقصود بالآل هم الأتباع على الدين, وقد جاء في هذا حديث وقفت عليه, رواه تمام في فوائده : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: من آلك؟ فقال: كل تقي ), وهذا الحديث لا أريد أن أتكلم عن درجته, فنسند إلى أحد الإخوة تخريجه, ويوافينا في الأسبوع القادم بالحكم على الحديث.

    كما استدلوا بقوله تعالى: وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ [غافر:45], فقالوا: آل فرعون ليسوا قرابته؛ بدليل أن من قرابته من هو مؤمن, وإنما (آله) هم أتباعه على دينه وملته؛ فقالوا: المقصود بالآل الأتباع؛ ولهذا قال الشاعر كما أنشد أخونا أبو علي قال:

    آل النبي هم أتباع ملته من الأعاجم والسودان والعرب

    لو لم يكن آله إلا قرابته صلى المصلي على الطاغي أبي لهب

    وقد فات هذا الشاعر أنه ممكن يقال: آله: هم قرابته المتابعون له على دينه؛ فيجمع بين الأمرين, وبذلك يخرج من هذا الإحراج الذي ألزمنا به الشاعر. هذا القول الأول.

    القول الثاني: أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم قرابته وأهل بيته, وخص منهم كثير من أهل العلم من حرموا الصدقة بعده صلى الله عليه وسلم, كبني هاشم وبني المطلب.

    وقال بعضهم: آل النبي صلى الله عليه وسلم هم ذريته, فيكون ذلك في نسل فاطمة وأولادها رضي الله تعالى عنها.

    هذه أقوال, وكأن الأقرب أن يقال: آله صلى الله عليه وسلم هم آل بيته؛ فيدخل في ذلك أزواجه صلى الله عليه وسلم وذريته وقرابته من بني هاشم وبني المطلب, ومن حرموا الصدقة بعد النبي صلى الله عليه وسلم .

    معنى قول المصلي على رسول الله: (كما صليت)

    قال: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت) الكاف في قوله: (كما) هل هي للتشبيه أم لغير ذلك؟ قولان:

    قيل: للتشبيه على ما هو معروف, والأقرب أن الكاف هنا ليست للتشبيه، وإنما هي للتعليل, فهي كقوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ [البقرة:198], يعني: لما هداكم إليه؛ فتكون الكاف للتعليل, ويكون المعنى: (كما صليت), لأنك يا رب صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ؛ فصل على محمد وعلى آل محمد؛ وذلك لأن العادة أن المشبه يكون أقل من المشبه به, فليست الصلاة على إبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله بأولى من الصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ ولذلك كان الراجح أن الكاف هاهنا للتعليل, فهي كقوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ [البقرة:198].

    قوله: (كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) وقال: (كما باركت على آل إبراهيم) جاءت رواية صحيحة: (كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) وعلى الرواية بحذف إبراهيم، فإننا إذا قلنا: آل إبراهيم يدخل فيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام, فيكون مقصوداً هو وآله عليه وعليهم جميعاً الصلاة والسلام.

    قوله تعالى: فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:239]نعم فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:239], هاهنا يحتمل أن يكون المقصود التعليل. يعني: اذكروا الله حيث علمكم ما لم تكونوا تعلمون, ويجوز أن يكون أيضاً للتشبيه, فيكون المعنى: فإذا اطمأننتم وأمنتم فصلوا الصلاة، كما كنتم تصلونها من قبل, وكما علمتم في صفة الصلاة في حال الأمن .

    معنى الصلاة والبركة والسلام من الله على عبده

    والصلاة في قوله: (صل على محمد) الصلاة من الله تعالى: هي ذكر الله تعالى عبده في الملأ الأعلى والثناء عليه، كما نقل عن أبي العالية .. وغيره, وقال بعض أهل العلم: إن الصلاة من الله تعالى هي الرحمة, وهذا أورد عليه بعض أهل العلم إشكالاً, وهو قوله عز وجل: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:157]؛ فدل العطف على التغاير بين الصلاة وبين الرحمة؛ ولهذا الأولى أن يقال: إن الصلاة من الله تعالى على عبده هي الثناء عليه، وذكره في الملأ الأعلى, والكاف كما سبق.

    قوله: (وبارك على محمد) (بارك) من البركة, وهي الخير الكثير الثابت.

    قوله صلى الله عليه وسلم: (والسلام كما علمتم). ما المقصود بقوله: (والسلام) ما هو السلام؟ يعني: السلام من الصلاة: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله؟

    يعني: السلام على النبي صلى الله عليه وسلم, يعني: (كما عَلِمتم) أو (كما عُلِّمتم) وجهان: بالتخفيف والتشديد, أي: أن السلام على النبي صلى الله عليه وسلم قد سمعتموه وعرفتموه من قبل ذلك؛ لأنه علمهم التشهد قبل ذلك؛ ولهذا طلبوا أن يعلموا الصلاة, أما السلام فقد عرفوه, وهو أن يقول: ( السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته, السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ), كما يقول ذلك في التشهد الأول.

    فالمعنى (كما عَلِمتم) أو (كما عُلِّمتم) أي: أنكم تعرفونه من قبل؛ ولهذا جاء في الرواية الأخرى، وهي من حديث كعب بن عجرة في صحيح مسلم أنه قال لـعبد الرحمن بن أبي ليلى : ( ألا أهدي لك هدية؟ قال: بلى, فقال كعب رضي الله عنه: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله! قد عرفنا كيف نسلم عليك؛ فكيف نصلي عليك؟ ), فهذا يبين ما معنى قوله: (والسلام كما عَلِمتم).

    وهذا الحديث حديث الباب في كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، جاء له شواهد كثيرة, منها: حديث أبي حميد الساعدي في صحيح مسلم , ومنها حديث كعب بن عجرة أيضاً, وأشرت إليه في شواهد أخرى سوف يأتي الإشارة إلى بعضها, وزيادة ابن خزيمة تكلمت عنها .

    حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير

    في الحديث مسألة وهي مسألة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد الأخير وما حكمها:

    القول الأول: وهو للإمام الشافعي , ونقل عن جماعة من الصحابة كـعمر رضي الله عنه وابن مسعود وكعب بن عجرة وأبي مسعود أيضاً, وهو رواية عن الشعبي وغيره, ورواية أيضاً عن الإمام أحمد : أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير فرض, وهكذا هو مذهب الظاهرية وابن حزم واستدلوا بأدلة منها:

    قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56], وجه الاستدلال بالآية أنها عامة, والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة أولى، كما ذكر ذلك الإمام الشافعي , واحتج بها الإمام الشافعي على الوجوب، هذا دليل.

    ثانياً: حديث الباب, وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( قولوا: اللهم صل على محمد ).

    الثالث: حديث كعب بن عجرة , فإن فيه قوله: ( قولوا: اللهم صل على محمد ), وهذا أمر, والأمر يدل على الوجوب.

    الدليل الرابع: حديث فضالة بن عبيد السابق في قوله: ( ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ), فإنه جاء في مساق الأمر للمصلي بذلك، هذه بعض الأدلة.

    ومن الأدلة: أحاديث في معنى الباب لا داعي لذكرها، فهناك حديث عن أبي سعيد الخدري، وطلحة بن عبيد الله، وسهل بن سعد، وزيد بن خالد الجهني .. وغيرهم, وكلها فيها: (قولوا: اللهم صل على محمد) وتخريجها يطول به المقام؛ فيحال إلى تخريج حديث الباب، فإنها شواهد له.

    إذاً: القول الأول للشافعي، ورواية عن أحمد ومن وافقهما: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير فرض واجب.

    القول الثاني: وهو قول مالك وأبي حنيفة وأكثر العلماء: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير مستحبة، وليست واجبة, وهذه أيضاً رواية عن الثوري ؛ لأنه ذكرنا له رواية أولى, هذه الرواية الأخرى له, واختارها أيضاً ابن المنذر وهو من فقهاء الشافعية.

    واستدل هؤلاء بأدلة, منها دليل يتكرر كثيراً وهو حديث المسيء صلاته حيث لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم, ولم يذكر ذلك له, وهذا لا حجة فيه كما سبق؛ لأن ما سكت عنه حديث المسيء لا يستدل به.

    ثانياً: حديث: عبد الله بن عمرو بن العاص السابق عند الترمذي، وأبي داود، والبيهقي، ولكن ذكرنا أنه ضعيف .

    ثالثاً: القياس -كما سبق أيضاً- على التشهد الأول، وعلى الذكر في الركوع والسجود, وهذا القياس ذكرنا أن فيه نظراً من وجهين:

    أولاً: أن القياس في العبادات لا يصلح.

    وثانياً: أنه حتى هذا الأمر الذي هو الأصل المقيس عليه لا يثبت, فمن قال: إن التشهد الأول ليس بواجب، أو الذكر في الركوع والسجود ليس بواجب أيضاً؟

    رابعاً: حديث ابن مسعود ، وهو قوله: ( فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك ), ولم يذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, وإنما ذكر التشهد وأن الصلاة تتم به؛ فدل عندهم على عدم وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, ولكن هذا سبق أن بينت أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم, وإنما هو من كلام ابن مسعود .

    الراجح في مسألة الصلاة على النبي في التشهد الأخير

    والراجح في هذه المسألة: وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في آخر التشهد؛ للأدلة في الأمر بذلك، كما في حديث فضالة , وكما في حديث الباب وشواهده, وهي كثيرة تزيد على الخمسة, وكلها فيها الأمر بأن يصلي الإنسان على النبي صلى الله عليه وسلم, بل فيها ما يدل على أن الصحابة كانوا يعلمون أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فرض في الصلاة, ولكنهم قد لا يعرفون كيفيتها، فسألوا عن الكيفية؛ ولهذا نقول: هذه الأحاديث وغيرها دليل على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير, ولكن والله أعلم لا يجب أن يصلي الإنسان على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير بهذه الصيغة المذكورة حتماً, بل لو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم بأي صيغة صح ذلك، وتمت صلاته, فلو قال: اللهم صل على محمد.. واكتفى بذلك، لكان ذلك كافياً في تحقيق الأمر المطلق للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, ولا يلزم بل الظاهر أنه يجزئه؛ لأنه يتحقق به الأمر , بل إن الإمام النووي نقل في كتاب المجموع الإجماع على عدم وجوب الصلاة على آل النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة, يعني: لا يجب أن تقول: وعلى آل محمد في الصلاة, وكذلك: وبارك على محمد وعلى آل محمد. نقل الإجماع على ذلك وهو متعقب, إنما هو رأي جماهير أهل العلم.

    أما قوله هنا: ( قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.. ) إلى آخره فنقول: إن هذا الأمر جاء جواباً على سؤال من الصحابة، في تحديد الصيغة التي يصلون بها على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأت ابتداءً.

    ومما يرجح أن هذه الصيغة ليست واجبة: أنه جاءت صيغ أخرى في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, مثل: ( اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته ), وهذا جاء في الصحيح في مسلم .. وغيره إلى غير ذلك. والله تعالى أعلم.

    فنخلص إلى أن الراجح أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة واجبة, لكن لا يلزم أن تكون الصلاة بهذه الصيغة.

    خلاصة مسألة الصلاة على النبي في التشهد الأخير

    وخلاصة هذه المسألة وهي حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: أن في المسألة قولين:

    الأول: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير فرض, ومن أدلتهم: الآية الكريمة, حديث فضالة , حديث الباب وشواهده وهي كثيرة.

    القول الثاني : أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير ليست فرضاً, ولكنها مستحبة بدليل حديث المسيء, وبدليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق، وهو ضعيف كما سبق, وبدليل حديث ابن مسعود , وقوله: ( فقد تمت صلاتك ).

    والراجح والله أعلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير فرض، لا يجوز تعمد تركه, ولكن لا تتعين هذه الصيغة في الصلاة، وهي الصلاة الإبراهيمية, بل لو قرأها كان ذلك أفضل وأولى, ولو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم بغيرها كفاه ذلك, فلو اقتصر على قوله: اللهم صل على محمد، لكان ذلك كافياً.

    1.   

    شرح حديث: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: ...)

    حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم, ومن عذاب القبر, ومن فتنة المحيا والممات, ومن فتنة المسيح الدجال ) متفق عليه.

    وفي رواية لـمسلم : ( إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير.. ). هذا قاله المصنف.

    تخريج الحديث

    الحديث أخرجه مسلم كما ذكر المصنف في الموضع السابق, وأخرجه أيضاً البخاري وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد في مسنده , والبغوي في شرح السنة , والدارمي، وابن الجارود، وأبو عوانة في مستخرجه على صحيح مسلم , والبيهقي، وابن خزيمة، وابن حبان كما في كتاب الإحسان .. وغيرهم, وسنده صحيح, ويكفي أن مسلماً أخرجه كما سبق.

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله في الحديث: ( اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال

    ).

    (فتنة المحيا) قيل: المقصود بها ما يعرض للإنسان في حياته من الفتن في دينه أو في دنياه, فيشمل الفتنة في الدين, فتنة الشهوة, وفتنة الشبهة، أما الفتنة في الدنيا فقد يدخل فيها الابتلاء، الذي لا يستطيع الإنسان الصبر عليه.

    وقال بعضهم: يدخل في ذلك أيضاً الفتنة عند الموت, وهي أشد ذلك, الخوف من سوء الخاتمة.

    أما فتنة الممات فقيل: هي أيضاً ما يصيب الإنسان عند الاحتضار من الخوف من سوء الخاتمة.

    وقيل: إن المقصود بفتنة الممات ما يسأل عنه الإنسان في قبره: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ كما جاء في صحيح البخاري : ( إنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل -أو قريباً- من فتنة المسيح الدجال

    ) هذه فتنة المحيا، وهذه فتنة الممات.

    أما المسيح الدجال، فأصح ما قيل في ضبطه بفتح الميم (المسيح) والحاء المهملة, وبعضهم قال: المَسِيخ أو المِسِّيخ أو المِسِّيح, لكن هذا أصح ما قيل: بفتح الميم والحاء المهملة؛ سمي بذلك قيل: لأنه يمسح الأرض, وقيل: لأنه ممسوح العين.

    وقوله: الدجال إشارة إلى أنه كذاب من الدجل وهو التزوير والتلبيس, وهذا تمييز له عن المسيح بن مريم عليه الصلاة والسلام, فإنه يسمى المسيح أيضاً، كما في القرآن الكريم، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم, وقد جمع الفيروزآبادي في سبب تسميته نحواً من خمسين وجهاً , فلا داعي للإطالة بذلك .

    حكم الاستعاذة من أربع بعد التشهد الأخير

    حديث أبي هريرة فيه الأمر بهذا الدعاء: (فليستعذ بالله من أربع) وظاهر الأمر يدل على على وجوب ذلك, وقد ذهب إلى القول بالوجوب الظاهرية, بل ذهب ابن حزم كما في المحلى إلى أن الإنسان يجب أن يقول هذا الدعاء، ليس في التشهد الأخير فحسب, بل حتى في التشهد الأول, أنه يجب أن يقوله في التشهد الأول والأخير؛ ذهاباً من ابن حزم أو اعتماداً منه رحمه الله على رواية الصحيحين، على الرواية المتفق عليها؛ لأن فيها الإطلاق: ( إذا تشهد أحدكم فليستعذ ) ولم يذكر التشهد الأول من الأخير, ولكن يجاب عما ذهب إليه ابن حزم من وجوبها في التشهد الأول، بأنها ليست واجبة في التشهد الأول, بل ولا مستحبة, فإن هذا في التشهد الأخير، بدليل أن الحديث نفسه جاء في رواية مسلم، التي أشار إليها المصنف، ولفظ الرواية: ( إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير ) ففيها النص على أن هذا موضعه وليس التشهد الأول, وقد جاء في صحيح مسلم : [ أن طاوساً أمر ابنه بإعادة الصلاة حينما لم يقرأ هذا الدعاء, فسأله: هل استعذت بالله؟ قال: لا؛ فأمره بإعادة الصلاة ], وهذا أقل ما يدل على أن طاوساً رحمه الله يرى كما يرى ابن حزم وجوب هذا الدعاء, وأنه لو تركه بطلت صلاته, وهذا فيه نظر كبير.

    ومن حجتهم: حديث الباب, فإن فيه الأمر بذلك: (فليستعذ بالله) صيغة أمر.

    ومن حجتهم أيضاً: حديث عائشة، وهو في الصحيحين: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم, ومن عذاب القبر, ومن فتنة المحيا والممات, ومن فتنة المسيح الدجال , ومن المأثم والمغرم، قالت: فقال له قائل: يا رسول الله! ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! فقال صلى الله عليه وسلم: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب, ووعد فأخلف ).

    وحديث عائشة هذا فيه فوائد, منها:

    أنه حجة لمن قالوا بلزوم قراءة هذا الدعاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ عليه، حتى تعجب بعض أصحابه من كثرة تكراره له صلى الله عليه وآله وسلم, والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ), فهذا من حجتهم على وجوب هذا الدعاء.

    والمقصود بالمأثم: ( ومن المأثم والمغرم ) أحد أمرين:

    إما أن يكون المقصود: الإثم ذاته؛ فيكون استعاذ بالله من الإثم، وإما أن يكون المقصود بالمأثم، يعني: ما يجر إلى الإثم, يعني: الذنوب والخطايا التي تجر إلى الإثم.

    وأما المغرم فهو الدين, استعاذ منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وفي حديث عائشة هذا فوائد نذكرها عاجلاً, منها: ذم الدين, وأن الإنسان ينبغي أن يحرص على تركه إلا إذا احتاج إليه.

    ومنها: قال المهلب وغيره كما في فتح الباري : في حديث عائشة سد الذرائع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ من المغرم؛ لأنه ذريعة إلى أن يكذب -يعني: الغارم- وإلى أن يخلف الوعد, وهذه أمور محرمة.

    وقد يؤخذ من الحديث أن إخلاف الوعد حرام لا يجوز, وهو حرام بلا شك بأدلة أخرى, لكنه قد يؤخذ من هذا الحديث.

    وأيضاً تحريم الكذب، وهو من الكبائر كما هو معروف.

    ويؤخذ منه أن الكذب وإخلاف الوعد ليسا من المكفرات, فقوله عليه الصلاة والسلام: ( آية المنافق ثلاث ) في حديث أبي هريرة , وقوله صلى الله عليه وسلم: ( أربع من كان فيه كان منافقاً ) في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتفق عليهما, أعني: حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو ليس معناه: النفاق الاعتقادي, وإنما هو النفاق العملي, فهما من الذنوب ومن الكبائر, ولكن ليس كفراً, وحديث الباب قد يعزز هذا المعنى ويساعده.

    طيب. إذاً: هذا هو القول الأول: أن هذا الدعاء واجب, وهو مذهب ابن حزم , وهو مذهب طاوس أيضاً.

    أما مذهب الجمهور: فهم يرون أن هذا الدعاء مندوب وليس بواجب, ولهم في ذلك أدلة وصور كثيرة, لعل منها نشير إلى ما سبق: أنهم ما دام ذهبوا إلى أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليست واجبة -كما بينا فيمن ذهبوا إلى ذلك- فمن باب أولى أنه لا يجب ما زاد عليها وما جاوزها, لكن بينا سلفاً أيضاً أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم الراجح وجوبها؛ ولهذا لا نعتمد على هذا.

    فنقول: من الصوارف لحديث الباب عن الوجوب أمور، منها:

    حديث أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: ما تقول في الصلاة؟ - يعني: في التشهد- قال: أتشَّهد، ثم أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار, أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ؛ فتبسم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: حولها ندندن ) ما بعدت يعني, نحن نسأل الله الجنة، ونعوذ به من النار.

    والحديث رواه أبو داود وسنده صحيح, وكذلك رواه ابن ماجه في مواضع, وله شواهد من حديث رجل سمع النبي أو بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, أيضاً رواه أبو داود، وأحمد .. وغيرهما. قال النووي في المجموع : بإسناد صحيح.

    فهذا الرجل هل هو يقول هذا الدعاء: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال ؟ لا يقول ذلك, بين أنه يقول: أسأل الله الجنة, وأعوذ بالله من النار, ومع ذلك أقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم, ومثله الشاهد أيضاً.

    وأيضاً من الصوارف: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه ) وهذا جاء من حديث علي، وكما جاء أيضاً في حديث فضالة .. وغيره, وفي حديث أبي هريرة أيضاً وكلها صحاح.

    فقوله: ( ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه )دليل على أنه لا يتعين على الإنسان دعاء بذاته, ولا يجب عليه دعاء بذاته, بل أبهم وأجمل. وهذا هو القول الراجح إن شاء الله تعالى أنه لا يجب هذا الدعاء على المصلي, بل إن دعا به فهو حسن وسنة, وإن دعا بغيره- مثل ما سوف يأتي في بعض الأدعية- فهذا حسن أيضاً, ولو ترك فلم يدع لم يكن عليه في ذلك إن شاء الله تعالى من بأس .

    فوائد الحديث

    وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه فوائد, منها:

    إثبات عذاب القبر، والاستعاذة منه، ووجوب الإيمان به, وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي صلاة إلا استعاذ بالله من عذاب القبر.

    منها: إثبات المسيح الدجال , وأنه يخرج في آخر الزمان, وهو من عقائد أهل السنة والجماعة , بل صنف فيه مصنفات خاصة.

    ومنها: مشروعية الدعاء بعد التشهد وسبق، سواء دعا بهذا الدعاء واقتصر عليه, أو دعا به وأضاف إليه غيره, أو اقتصر على غيره ولم يذكر هذا الدعاء؛ ولهذا جاءت رواية عند النسائي وسندها صحيح كما ذكر النووي وغيره في حديث الباب أيضاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثم يدعو لنفسه بما بدا له ) بعد ما ذكر الأربع هذه قال: ( ثم يدعو لنفسه بما بدا له ), وهي عند النسائي . يقول النووي في المجموع : بإسناد صحيح؛ فدل على أنه لو دعا بهذا الدعاء وزاد عليه بما بدا له جاز ذلك, بل هو مشروع.

    وقد ورد عن علي رضي الله عنه في الحديث المتفق عليه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به ), كما ورد عن علي رضي الله عنه دعاء آخر في التشهد أذكره بعد قليل .

    1.   

    شرح حديث أبي بكر: (علمني دعاء أدعو به في صلاتي ...)

    الحديث الرابع : حديث أبي بكر الصديق : أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً, وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لي مغفرةً من عندك, وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ) .

    تخريج الحديث

    والحديث متفق عليه كما ذكر المصنف, أخرجه البخاري في كتاب التوحيد, باب (وكان الله سميعاً بصيراً), وأخرجه مسلم أيضاً, وأخرجه الترمذي، والنسائي في سننه، وفي عمل اليوم والليلة أيضاً, وابن ماجه، وأحمد، وأبو يعلى، وابن أبي شيبة، والبغوي، والبيهقي، وابن خزيمة، وابن حبان .. وغيرهم .

    معاني ألفاظ الحديث

    الدعاء حقيقة يطول المجال في شرحه, لكن قوله: (ظلماً كثيراً) جاء في بعض الروايات: (كبيراً) ولا يسن الجمع بينهما؛ لأن الرواية جاءت إما هكذا وإما هكذا, فلو قال الإنسان مرة: (كثيراً) ومرة: (كبيراً) فلا حرج, ولو جمع بينهما أيضاً لا يضر هذا إن شاء الله, وفي الدعاء هذا من ألوان التضرع إلى الله تعالى الكثير.

    ففيها أولاً: الاعتراف بالذنب والظلم: (ظلمت نفسي ظلماً كثيراً).

    وفيها ثانياً: معرفة أنه لا يغفر الذنوب إلا الله, ففيها التوحيد لله عز وجل, وأنه وحده غفار الذنوب.

    وفيها ثالثاً: قوله: (فاغفر لي مغفرةً من عندك) ففيها طلب المغفرة، وإثبات أن هذه المغفرة محض تفضل وامتنان من الله عز وجل، لا يد للعبد فيها, وإنما هي من عنده جل وعلا.

    ثم قال: (وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) ففي ذلك التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى في مغفرة الذنب، وفي الرحمة, فقال: (اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) كما يقول: وارزقني وأنت خير الرازقين .. وهكذا .

    فوائد الحديث

    وفي الحديث فوائد، منها:

    فضيلة هذا الدعاء في الصلاة, وهو مبهم لم يذكر موضعاً, لكن من مواضعه، بل من أليق مواضعه في التشهد الأخير, فإنه من مواضع الدعاء.

    ومن فوائد الحديث: مشروعية التوسل إلى الله تعالى بالأسماء الحسنى، قال تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180].

    ومن فوائده: فضل الاعتراف بالذنب, لكن الاعتراف بالذنب من القلب للرب لا لغيره, فلا تعترف للمخلوق, قيل: إن هذا مجاهرة: ( وكل أمتي معافى إلا المجاهرين ), وكذلك لا يشرع في الإسلام أنك تذهب لتعترف، كما هو في الكنيسة عند النصارى، تعترف للقسيس، ويعتبر هذا توبة, بل تعترف بينك وبين الله؛ ولهذا كان في سيد الاستغفار حديث شداد بن أوس عند البخاري سيد الاستغفار: ( وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت, أعوذ بك من شر ما صنعت, أبوء لك بنعمتك علي, وأبوء بذنبي، فاغفر لي, إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ).

    ومن فوائد هذا الحديث: استحباب أن يقول الإنسان هذا الدعاء قبل التسليم .. أو غيره من الأدعية, فهذا الدعاء وارد, مثل: حديث أبي هريرة وعائشة كما سبق: ( أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن المأثم والمغرم ) .. إلى آخر الدعاء, وكذلك من الأدعية الواردة حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه, وهو في صحيح مسلم في كتاب صلاة المسافرين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه أن يقول آخر ما يقول بعد التشهد وقبل التسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت, وما أسررت وما أعلنت, وما أسرفت, أنت المقدم، وأنت المؤخر, لا إله إلا أنت ), فهذا كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم بين التشهد والتسليم, وقد رواه مسلم كما ذكرت وغيره .

    حكم الدعاء بغير الوارد في الصلاة

    سؤال: هل يدعو الإنسان لمعين في الصلاة؟ وهل يدعو بغير الوارد؟ هذان السؤالان كبيران, ربما جاء حولهما كثير من الأسئلة. فأقول بإيجاز:

    أما هل يدعو بغير ما ورد ففيه خلاف. ذهب بعض أهل العلم أنه يجب الاقتصار على اللفظ الوارد, والراجح أن الإنسان يدعو باللفظ الوارد وبما في معناه, لكن لا يدعو بالأمور التي لا تليق بالصلاة, مثل كونه يفصل ويقول: اللهم ارزقني بيتاً فارهاً, وجارية حسنة جميلة.. ويذهب إلى التفصيل, لكن يدعو بجوامع الدعاء مما ورد ومما في معناه -في معنى ما ورد- فلو قال مثلاً وهو في التشهد الأخير: اللهم إني أسألك أن تغفر لي وترحمني, وتوزعني شكر نعمتك, وتصلح ذريتي، لم يكن عليك حرج في ذلك؛ لأن هذا كله في معنى الوارد, ويدل على جواز ذلك قوله: ( ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه ), وقوله: ( ثم يدعو بما شاء ), وقوله: ( ثم يدعو لنفسه ) .. إلى غير ذلك من الألفاظ التي سقتها قبل قليل.

    وهذه هي إحدى الروايات عن الإمام أحمد , وهي الظاهرة وهي الراجحة.

    حكم الدعاء لمعين في الصلاة

    ثانياً: هل يدعو لمعين مثل أن يدعو لفلان؟ هذا أيضاً فيه خلاف, والراجح: جوازه أيضاً, كأن يدعو لوالديه, أو يدعو لشخص معين, والدليل على ذلك: ما في الصحيح: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً, وكان يدعو للمؤمنين فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة وعياش بن أبي ربيعة , والمستضعفين من المؤمنين, اللهم اشدد وطأتك على الكافرين, اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ) والحديث متفق عليه؛ فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لأشخاص بأعيانهم في الصلاة, ولم ينهه الله تعالى عن ذلك, وإنما الذي جاء: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128] في الدعاء على المشركين وعلى أشخاصهم وذواتهم, أو الدعاء عليهم أو لعنهم؛ فدل على أنه يجوز للإنسان أن يدعو لأشخاص بأعيانهم، سواء كان ذلك في الفرض أو في النفل, وسواء كان ذلك في التشهد الأخير أو في غيره أيضاً.

    سبحانك اللهم وبحمدك, نشهد أن لا إله إلا أنت, نستغفرك ونتوب إليك.

    اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله.

    والحمد لله رب العالمين.