إسلام ويب

أمل جديد مع عام جديدللشيخ : عبد الرحمن السديس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأيام تمر، والأعمار تنقضي، والساعات تذهب، جيل يموت وجيل يخلق، عام يأتي وعام ينصرم، والكيس الفطن من يعتبر بغيره .. وإن التاريخ له أهمية في واقع الأمة؛ لتستعيد ثقتها بنفسها؛ وتنزع ما بها من انهزامية.

    وهناك دروس كثيرة تستفاد من التاريخ ذكرها الشيخ باختصار، كما نوه إلى أن الأمة بحاجة إلى مراجعة ووقفة تأمل ومحاسبة.

    ثم تكلم في آخر الخطبة عن فضل شهر الله المحرم، وفضل صيام يوم عاشوراء.

    1.   

    الاعتبار بما مضى

    الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، ييسر عسيراً، ويجبر كسيراً، وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً، سبحانه وبحمده، جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أدخرها ليوم كان شره مستطيراً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بعثه بالحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، فصلوات الله وبركاته عليه، وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله، فمن رام خيراً غفيراً ورزقاً وفيراً ومقاماً كبيراً؛ فعليه بتقوى الله، فمن حققها حقق في الدنيا مجداً أثيراً، وفي الآخرة جنة وحريراً، ورَوحاً وعبيراً.

    أيها المسلمون: في ظل ازدلاف الأمة إلى عام جديد، وتطلعها لمستقبل مشرق رغيد؛ تبرز بجلاءٍ قضايا حولية، وموضوعات موسمية، جديرة بالإشادة والتذكير، وحفية بالتوقف والتبصير، علها تكون محركاً فاعلاً يستنهض الهمم ويشحذ العزائم لمراجعة الذات، وتدقيق الحسابات، وتحديد الرؤى والمواقف، وتقويم المسيرة لتستعيد الأمة تاريخها المجيد ومجدها التليد، وما امتازت به من عالمية فريدة، وحضارة عريقة، بوأتها في الطليعة بين أمم الأرض قاطبة، والإنسانية جمعاء.

    معاشر المسلمين: إن قضية المناسبة تكمن في وقفة المحاسبة، فاستقبال الأمة لعام جديد هو بمجرده قضية لا يُستهان بها، وإن بدا في أنظار بعض المفتونين أمراً هيناً لطول الأمل والغفلة عن صالح العمل.

    وإن في مراحل العمر وتقلبات الدهر وفجائع الزمان لعبرة ومزدجراً، وموعظة ومدَّكراً، يحاسب فيها الحصيف نفسه، ويراجع مواقفه، حتى لا يعيش في غمرة، ويؤخذ على غِرَّة، ويكون بعد ذلك عظة وعبرة.

    ولئن أُسدل الستار على عام مضى فإن كل ماضٍ قد يُسترجع إلا العمر المنصرم، فإنه نقص في الأعمال، ودنو في الآجال.

    نسير إلى الآجال في كل لحظةٍ      وأيامنا تُطْوَى وهن مراحلُ

    وإذا كان آخر العمر موتاً      فسواءٌ قصيرُه والطويلُ

    فكم من خطوات مُشيت، وأوقات صُرفت، ومراحل قُطعت؟! ومع ذلك فالإحساس بمضيها قليل، والتذكر والاعتبار بمرورها ضئيل، مهما طالت مدتها، وعظُمت فترتها، ودامت بعد ذلك حسرتها.

    إخوتي في الله: إن عجلة الزمن وقطار العمر يمضيان بسرعة فائقة، لا يتوقفان عند غافل، ولا يحابيان كل ذاهل، كم ودعنا فيما مضى من أخ وقريبٍ؟! وكم فقدنا من عزيز وحبيب، هزنا خبرُه، وفجعنا نبؤه؟!

    حتى إذا لم يدع صدقه أملاً      شرقت بالريق حتى كاد يشرقني

    لقد كانوا زينة المَجالس، وأُنسها، سبقونا للقبور، وتركوا عامر الدور والقصور.

    فاللهم أمطر على قبورهم سحائب الرحمة والرضوان، ولا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى. فالله المستعان!

    إلى متى الغفلة يا عباد الله؟!

    ماذا ران على قلوبنا؟!

    وماذا غشي أبصارنا وبصائرنا؟!

    إن الموفق الواعي من سعى لإصلاح حاله ليسعد في مآله، وإن الكيس الملهم من أدام المحاسبة، وأكثر على نفسه المعاتبة، وتفقد رصيده الأخروي، وحاذر كل لوثة عقدية وفكرية وسلوكية؛ ليحيا حياة السعداء، ويبوَّأ نزل الشهداء، وما ذلك بعزيز على ذي المن والعطاء.

    1.   

    أهمية الرجوع إلى التاريخ

    إخوة العقيدة: ما أحوج الأمة الإسلامية اليوم وهي تتفيأ ظلال عام جديد مليء بالتفاؤل والتطلعات، بالخروج من الفتن والمشكلات، وتجاوز العقبات والأزمات، ومواجهة التحديات والنكبات، ما أحوجها أن تقرأ تاريخها!

    اقرءوا التاريخ إذ فيه العبرْ      ضل قومٌ ليس يدرون الخبرْ

    اقرءوا التاريخ لتدركوا كيف كانت أحداثه العظام، ووقائعه الجسام، نقطة تحول كبرى لا في تاريخ الأمة الإسلامية فحسب، بل في تاريخ البشرية قاطبة.

    اقرءوا التاريخ الإسلامي لتروا كيف كانت وقائعه العظيمة منعطفاً مهماً غير مجرى التاريخ الإنساني برمته.

    اقرئي يا أُمتي تاريخك المجيد لتعلمي كيف أرست مصادرُه وأحداثه مبادئ الحق والعدل والأمن والسلام، وكم رسخت وقائعه منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان مضامين الحوار الحضاري الذي يتنادى به العالم اليوم.

    أيتها الإنسانية الحائرة: لتسلمي من الأحكام الجزاف الجائرة، اقرئي تاريخ حضارتنا الإسلامية؛ لتري بأم عينيك كيف كفل الإسلام حقوق الإنسان بجدارة، فقد أزال الطبقات ومحى العنصريات، وألغى الفوارق والتمايزات، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] في وحدة تتضاءل أمامها الانتماءات العنصرية، والأواصر والعلاقات الدنيوية، بل تضمحل بها كل دعاوى الجاهلية.

    إخوة الإيمان: إن الارتباط التاريخي الوثيق، والانتماء الحضاري العريق، يؤكد أن ليس غير العقيدة الإسلامية جامعاً للعالم المتناثر، ومؤلفاً للشتات المتناكر، وناظماً للرأي المتنافر، فهل تعي الأمة ذلك بعد هذا التمزق المزري، والتخلف المخزي، والتيه في الأنفاق المظلمة، وسراديب الغواية المعدمة، إنه لا درب سوى الإسلام، ولا إمام غير القرآن، ولا نهج إلا نهج سيد الأنام عليه الصلاة والسلام.

    ألم تستيقن الأمة بعد طول سبات أن التخلي عن العقيدة، والتساهل بأمر الشريعة، والتفريط في الثوابت والمبادئ، والتقصير في المثل والقيم مآله شقاء المجتمعات، وانتقاض الحضارات، وهلاك العباد، وخراب البلاد، وطريق البوار، وسبب الانهيار، وحلول الثبار، وتحقق الدمار؟!!

    فهل يدرك أصحاب الرأي والنظر في الأمة أن التحديات السابقة والمعاصرة، وصور التصادم الحضاري، والعداء الثقافي والفكري إنما مرده إلى ثوابت عند الغير لا يتحقق الانتصار عليها إلا بالتمسك بموروثنا الحضاري العريق، الذي ينضح خيراً وسلاماً للبشرية، وأمناً وإسعاداً للإنسانية، في بُعد عن مسالك العنف والإرهاب العالمية التي أقضَّت المضاجع الإنسانية؟!

    وهنا ينبغي أن يتنادى العقلاء والمنصفون في العالم بإعلاء القيم الحضارية والأخلاقية، والمثل الإسلامية والإنسانية، والتأكيد على مبدأ الحوار الحضاري بلا تميع ولا انهزامية.

    1.   

    دروس من التاريخ

    اقرءوا التاريخ أيها المنهزمون من بني جلدتنا؛ لتدركوا أن الحوار مع الآخر يجب أن يُبنى أولاً على الإصلاح من الداخل، حين تمتلئ النفوس محبةً ومودةً وحناناً، حينما توضع الكوابح المرئية، وترسم الضوابط الشرعية لحركة الانفتاح الفكري والثقافي والتربوي والإعلامي المتسارعة، التي لا تعرف التمهُّل؛ فقنوات، وفضائيات، وتقنيات، وشبكات معلومات. واللهم حوالينا ولا علينا.

    يجب أن تُعاد الثقة إلى الذات، ويُعالج الانهزام النفسي لدى كثير من المعنيين في مجالات التربية والثقافة والإعلام، الذين لهثوا وراء عفن الأمم؛ عَبُّوا منها طويلاً، فلم تغنهم، ولم تغن أمتهم فتيلاً ولا نقيراً ولا قطميراً.

    وهنا يتأكد تعزيز جانب الحسبة في الأمة، حتى لا تغرق سفينة المجتمع، كما يجب الذب عن أهلها، وعدم الوقيعة بهم، وتضخيم هيناتهم، والكف عن التمادي في اتهامهم، والطعون في أعراضهم، في وشايات مأفونة، أو مقالات مغرضة، أو أقلام متشفية؛ فأي شيء يبقى للأمة إذا انتُقصت معالم خيريتها.

    أمة الإسلام: حينما تتقاذف سفينةَ الأمة أمواجُ الفتن، فإن قوارب النجاة وصمامات الأمان مرهونة بولاء الأمة لدينها، وتمسكها بعقيدتها، وحينما يدير الغيور نظره في واقع أجيال من المنتسبين إلى أمتنا اليوم، ويرى التبعية والانهزامية أمام تيارات العصر الوافدة، ومبادئ المدنية الزائفة، ويقارن بينهم وبين جيلنا التاريخي الفريد، يدرك كم كانت وقائع تاريخنا المشرق الوضاء، وحوادث سيرتنا العطرة سبباً في عزة الأمة وكرامتها، وبذلها وتضحياتها .. وإن تنكر فئام من الأمة لمبادئ دينهم ولهثهم وراء شعارات مصطنعة، ونداءات خادعة، لَهُوَ الأرضية الممهدة للعدو المتربص، مما جرأ علوج صهيون على العبث بمقدسات الأمة، وممارسة إرهاب الدولة، بكل ما تحمله من معاني الصلف والوحشية ضد إخواننا في الأرض المباركة فلسطين تحت سمع العالم وبصره.

    كما أن من الدروس المستفادة لتحقيق مصالح الأمة: جواز عقد المعاهدات والمهادنات لا الاستسلام والمداهنات.

    يا أمة التوحيد والتاريخ: في خضم هذه الظروف الحوالك التي اختلطت فيها المسالك، يتأمل قراء التاريخ ويتساءلون: أين دروس الهجرة وعبرها من شعارات العصر بإنسانيته الزائفة وديمقراطياته المزعومة التي تحسب على دعاتها مغانم، وعلى غيرهم مغارم، في غياب المنهجية الشوروية المصطفوية؟!

    أين دروس التاريخ وعبر الهجرة، وأخوة المهاجرين والأنصار من أناس مزقهم التفرق والتشرذم، وأحلوا العداوة والخصام محل المحبة والوئام، وترسبت في سويدائهم الأحقاد، وتأجج في قلوبهم سعير الحسد والبغضاء والغل والشحناء، حتى تمزقت الأواصر، وساد التفكك الأسري والاجتماعي في كثير من المجتمعات؟! فرحماك ربنا رحماك!

    اقرءوا التاريخ؛ لتجدوا كم تحتاج العقيدة إلى دولة وسلطان، ينافح عن كيانها، ويذود عن حماها، كما هي منة الله سبحانه على بلاد الحرمين ومدارج الهجرة وأرض التاريخ والرسالة حرسها الله.

    ألا فليتيقن دعاة الإصلاح في الأمة أنه لا عقيدة ولا تمكين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بولاية، ولا ولاية إلا بسمع وطاعة؛ لتُدرَأ عن الأمة غوائل الشرور والفتن، وعاديات الاضطراب والمحن.

    وفي الميدان التربوي يجب أن يقرأ التربويون تاريخنا؛ ليروا كيف تربى المرء المسلم عبر كافة قنوات التربية على نصرة العقيدة والولاء للقيادة.

    وليقرأ التاريخ شبابنا المعاصر الذين خُدع كثير منهم ببريق حضارة مادية أفرزت غزواً في الصميم، تَنَكَّب من خلاله كثير من شباب الأمة طريق الهداية الربانية، وعاشوا صرعى حرب الشهوات، وضحايا غزو التفرق والشبهات، ويبرز ذلك في مجال التشبه والتبعية والتقليد والمحاكاة للغير في كثير من المجالات، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد وأبو داود : (من تشبه بقوم فهو منهم ).

    لتقرأ التاريخ وتستلهم دروسَه وعبرَه المرأةُ المسلمةُ المعاصرة؛ لتدرك أن عز المرأة ومكانتها في تمسكها بقيمها ومبادئها ..حجاباً وعفافاً، واحتشاماً وقراراً، وأن وظائفها ومسئولياتها التربوية والأسرية والاجتماعية في الأمة كبيرة التبعة، عظيمة الجوانب والآثار، لا كما يصورها أعداؤها الذين يوحون إلى أوليائهم ومولياتهم أن الحجاب والعفاف فقدان للشخصية، وسلب للحرية، فأخرجوها دُمية تفتش عن سعادة موهومة، وحرية مزعومة، كان من نتائجها دوس العرض والشرف، والعبث بالعفة والكرامة من ذئاب مسعورة لا ترعى الفضائل، ولا تبالي باقتراف الرذائل.

    1.   

    حاجة الأمة إلى وقفة تأمل ومحاسبة

    تلك -أيها المسلمون- إلماحة عابرة إلى شيء من وقائع التاريخ ودروس السيرة وعبرها، تظهر في حدث الهجرة النبوية والتاريخ بها، تُقدَّم للأمة اليوم وهي تعيش مرحلة من أخطر مراحلها، علَّها تكون نواة لمشروع حضاري إسلامي يسهم في صلاح الحال، وتقويم المسار لسعادة المآل، ويمثل بلسماً شافياً لعلاج الحملات الإعلامية المسعورة، وسهام الحقد الطائشة ضد ديننا وأمتنا وبلادنا، التي ما فتئ أعداء الإسلام يصوبونها تجاهنا؛ مستغلين نقاط الضعف في الأمة، متصيدين في الماء العكر أخطاء بعض أبنائها.

    ألا ما أشد حاجتنا -ونحن نستشرف آفاق العام الهجري الجديد- إلى وقفات تأمل ومحاسبة ومراجعة جادة؛ لاستكمال كل ما يعزز مسيرة أمتنا؛ لتزدلف إلى عام جديد وهي أكثر عزماً وأشد مضاءً؛ لفتح آفاق جديدة لإسعاد الإنسانية؛ لتتبوأ مكانتها الطليعية، ومنزلتها الريادية فوق هذا الكوكب الأرضي، الذي ينشد سكانه مبادئ الحق والعدل والسلام، ويرومون الخير والأمن والوئام، ولن يجدوه إلا في ظل الإسلام، وتعاليم الإسلام، زادنا في ذلك موروث حضاري وتاريخي وعقدي وقيمي لا ينضب، ونهل من معطيات العصر وتقنياته في خدمة دين الأمة ومثلها وقيمها.

    والله المسئول أن يجعل هذا العام عام خير وبركة، ونصر وتمكين للإسلام والمسلمين، وعام أمن وأمان وعدل وسلام للإنسانية قاطبة، وأن يجمع فيه كلمة المسلمين على الحق والهدى، ويوحد صفوفهم، ويطهر مقدساتهم، وينصرهم على أعدائهم، وأن يجعل حاضرنا خيراً من ماضينا، ومستقبلنا خيراً من حاضرنا، إنه خير مسئول وأكرم مأمول: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] .

    بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعني وإياكم بما فيه من الهدى والبيان، ورزقنا التمسك بسنة المصطفى من ولد عدنان.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ.

    1.   

    فضل صيام يوم عاشوراء

    حمداً لك اللهم أنت الملك القدوس السلام، تجري الليالي والأيام، وتجدد الشهور والأعوام، أحمد ربي تعالى وأشكره على ما هدانا للإسلام.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل شهر المحرم فاتحة شهور العام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله سيد الأنام، وبدر التمام، ومسك الختام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الكرام، وصحبه الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب النور والظلام.

    أما بعد:

    فاتقوا الله عباد الله! وتمسكوا بدينكم، فهو عصمة أمركم، وتاج عزكم، ورمز قوتكم، وسبب نصرتكم.

    واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الإخوة في الله: تعيشون -يا رعاكم الله- هذه الأيام فاتحة شهور العام شهر الله المحرم، شهر من أعظم الشهور عند الله تبارك وتعالى، عظيمةٌ مكانتُه، قديمةٌ حرمتُه، هو غرة العام، وأحد أشهر الله الحُرُم، فيه نصر الله موسى والمؤمنين معه على فرعون ومن معه.

    وقد ندبكم نبيكم صلى الله عليه وسلم إلى صيامه، فقد قال فيما أخرجه مسلم في صحيحه : (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ) لا سيما يوم عاشوراء، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال صلى الله عليه وسلم: نحن أحق بموسى منكم، فصامه صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه ).

    وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ).

    الله أكبر! يا له من فضل عظيم من مولىً كريم ورب رحيم!

    وقد عزم صلى الله عليه وسلم على أن يصوم يوماً قبله مخالفة لأهل الكتاب، فقال صلى الله عليه وسلم: (لئن بقيتُ إلى قابل لأصومن التاسع ).

    قال العلامة ابن القيم رحمه الله: فمراتب صومه ثلاث:

    أكملها أن يُصام قبله يوم وبعده يوم.

    ويلي ذلك أن يُصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث.

    ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصيام.

    فينبغي للمسلمين أن يصوموا ذلك اليوم؛ اقتداءً بأنبياء الله، وطلباً لثواب الله، وأن يصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده؛ مخالفة لليهود، وعملاً بما استقرت عليه سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    وإن صيام ذلك اليوم لَمِن شكر الله عزَّ وجلَّ على نعمه، واستفتاح هذا العام بعمل من أفضل الأعمال الصالحة التي يُرجى فيها ثواب الله عزَّ وجلَّ.

    فهنيئاً للصائمين! ويا بشرى للمشمرين! ويا خسارة المفطرين! ويا ندامة المقصرين!

    فاتقوا الله عباد الله! واستفتحوا عامكم بالتوبة والإنابة والمداومة على الأعمال الصالحة، وخذوا من مرور الليالي والأيام عبراً، ومن تصرم الشهور والأعوام مدَّكراً ومزدجراً، وإياكم والغفلة عن الله والدار الآخرة!

    ثم صلوا وسلموا -رحمكم الله- على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، والحبيب المرتضى، كما أمركم بذلك المولى جلَّ وعَلا فقال تعالى قولاً كريماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، وأفضل الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله الأطهار، وصحابته الأبرار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، واخذل الطغاة والمفسدين وسائر أعداء الدين.

    اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم هيء له البطانة الصالحة، اللهم كن له على الحق معيناً وظهيراً ومؤيداً ونصيراً يا ذا الجلال والإكرام!

    اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين.

    اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    اللهم فرِّج هَمَّ المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقضِِ الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين.

    اللهم فارج الهم، كاشف الغم، رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، نسألك اللهم رحمة من عندك تغنينا عن رحمة مَن سواك.

    اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

    اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

    اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.

    اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا عزيز!

    اللهم انصر إخواننا في فلسطين ، وفي كشمير ، والشيشان ، وفي كل مكان يا رب العالمين.

    اللهم عليك باليهود المعتدين، والصهاينة الغاشمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك.

    اللهم طهر مقدسات المسلمين من عبث العابثين، وعدوان المعتدين يا رب العالمين.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.

    سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.