إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - حديث 294-295

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - حديث 294-295للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف أهل العلم في وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة على أقوال، فالجمهور من السلف والخلف على الاستحباب، وكان لهم من السنة الأدلة الكثيرة على ذلك، وخالف مالك في رواية عنه، وحكي عن الليث، وذهب الأوزاعي إلى التخيير بين الوضع والإرسال، واختلف الجمهور في مكان وضع اليدين فالأكثر على وضعهما تحت الصدر وفوق السرة، وقال إسحاق يوضعان على الصدر، وقال أبو حنيفة: تحت السرة واحتج بحديث ضعيف.

    1.   

    شرح حديث وائل بن حجر: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    وفي هذا اليوم عندنا حديث وائل بن حجر رضي الله عنه، وحديث عبادة بن الصامت برواياته الثلاث.

    نقرأ حديث هذه الليلة، عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: ( صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره )، أخرجه ابن خزيمة كما ذكر المصنف. ‏

    تخريج الحديث

    أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، كتاب الصلاة، باب وضع اليد اليمين على اليد الشمال في الصلاة بعد الاستفتاح، وإسناد الحديث عند ابن خزيمة فيه ضعف، فإن في سنده رجلاً اسمه مؤمل بن إسماعيل، وهو كما ذكر علماء الجرح والتعديل: صدوق سيئ الحفظ، فعلى هذا يكون سند الحديث ضعيفاً؛ لأن فيه رجلاً صدوقاً سيئ الحفظ.

    شواهد الحديث

    ولكنّ للحديث شاهداً بل شواهد:

    منها: مرسل طاوس رحمه الله تعالى، فقد روى أبو داود في سننه عن طاوس قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على اليسرى، ثم يشد بينهما على صدره في الصلاة )، ومرسل طاوس هذا رواه أبو داود بسند صحيح، وقد صححه من المعاصرين الشيخ الألباني، وقال سماحة الشيخ عبد العزيز في تعليقاته على بلوغ المرام في نسخته قال: إسناده جيد، وسند الحديث صحيح مرسل، فهو مرسل صحيح إلى طاوس، وبه يشد حديث وائل السابق، الذي هو حديث الباب، فيكون حديث وائل حينئذٍ حسناً لغيره، خاصة وأن حديث وائل لم يكن ضعفه من قبل شيء آخر، إنما كان ضعفه لأن راويه سيئ الحفظ، ولكنه صدوق في نفسه، فالحديث بهذا المرسل الجيد حسن إن شاء الله تعالى، وبذلك يكون حديث وائل مع مرسل طاوس هما أصح ما ورد في هذا الباب، يعني: في مسألة وضع اليدين في الصلاة .

    وله شواهد أخرى، لكنها في الواقع ليست صريحة في هذا الباب.

    يعني: حديث وائل ومرسل طاوس بمجموعهما، يعني: يكون أصح ما ورد في المسألة عن النبي صلى الله عليه وسلم في وضع اليدين على الصدر.

    في الحديث مسألتان:

    وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة

    الأولى: مسألة وضع اليدين، هل يضع يديه في الصلاة أم يرسلهما؟

    وفي المسألة قولان لأهل العلم:

    الأول: أن وضع اليدين في الصلاة سنة، والمقصود بوضعهما، يعني: أن يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وهذا مذهب لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبي هريرة وعائشة من الصحابة، يعني: نقل عنهم، وإلا فهو بالتأكيد مذهب غيرهم من كثير من الصحابة، لكنه نقل عن علي وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم.

    وهو مذهب سعيد بن جبير من التابعين، وهو مذهب النخعي أيضاً وأبي مجلز وسفيان الثوري، وهو مذهب الأئمة المتبوعين، فهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والإمام أحمد، وهو رواية مشهورة عن الإمام مالك، وستأتي الرواية الأخرى عنه رحمه الله.

    وهو أيضاً مذهب إسحاق بن راهويه من علماء وفقهاء أهل الحديث، ومذهب أبي ثور وداود الظاهري وجماهير أهل العلم من السلف والخلف وغيرهم، قالوا: يسن للإنسان أن يضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة.

    قال الإمام الترمذي في جامعه : والعمل عليه عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، أن يضع الإنسان يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة.

    أدلة هذا القول كثيرة جداً، قد يكون من الصعب حصرها؛ لأن هذا من المواضع التي ادعى فيها بعضهم أنها متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنذكر طائفة مختصرة من أدلة القائلين باستحباب وضع اليمين على الشمال في الصلاة.

    فمنها: أدلة الصحابة الذين وصفوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، كحديث وائل بن حجر رضي الله عنه: ( أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على يده اليسرى )، وهذا موضع الشاهد: (ثم وضع يده اليمنى على يده اليسرى) والحديث رواه مسلم في صحيحه.

    ورواه أيضاً أبو داود في سننه بلفظ آخر عن وائل رضي الله عنه قال بدل قوله: ( ثم وضع يده اليمنى على يده اليسرى ) قال: ( ثم وضع اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ والساعد )، هكذا على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد، الرسغ يقال بالسين أو بالصاد: وهو ما بين الساعد والكف، قال:( ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد )، وهذه الرواية أو هذا اللفظ رواه أبو داود في سننه بسند صحيح، كما يقول الإمام النووي في المجموع.

    وقال سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز : إسناده جيد، وذلك في تعليقاته على بلوغ المرام.

    فهذا هو الدليل الأول حديث وائل بن حجر.

    الدليل الثاني: حديث هلب الطائي رضي الله عنه، وهو صحابي قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه )، وحديث هلب هذا رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح .

    الدليل الثالث: حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: ( صف القدمين ووضع اليد على اليد من السنة ).

    (صف القدمين) يعني: في الصلاة، (ووضع اليد على اليد من السنة) رواه أبو داود، وقال النووي في المجموع : حديث حسن، وفي سند الحديث زرعة بن عبد الرحمن لم يوثقه غير ابن حبان وبقية رجال الإسناد ثقات، ففي سند الحديث شيء، ولكن النووي رحمه الله قال: إسناده حسن.

    ذكرنا حديث وائل بن حجر أولاً، وحديث هلب الطائي ثانياً، وحديث ابن الزبير ثالثاً.

    الأدلة الثلاثة السابقة كلها فيها صفة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، حديث ابن الزبير : ( أنه من السنة )، ولا شك أن المقصود بالسنة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الدليل الرابع وهو من أقوى أدلتهم: ما رواه البخاري في صحيحه، ومالك في موطئه عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه وأرضاه قال: ( كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة )، والحديث كما ذكرت رواه البخاري ومالك.

    قال الراوي: ( لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم )، يعني: أن الآمر لهم بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا من المرفوع حكماً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    الدليل الخامس: هو حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ( أنه كان يصلي، فوضع يده اليسرى على يده اليمنى، فرآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوضع يده اليمنى على اليسرى ) يعني: أخذ اليمنى ووضعها فوق اليسرى.

    وحديث ابن مسعود هذا رواه أبو داود والنسائي، وقال الإمام النووي : سنده صحيح على شرط مسلم، وكذلك صحح إسناده الشيخ الألباني، في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، صحح إسناد هذا الحديث.

    الدليل السادس: هو قوله صلى الله عليه وسلم: (إنا معاشر الأنبياء أمرنا بتعجيل الفطر وتأخير السحور، وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة )، وهذا الحديث جاء من طريق ابن عباس رضي الله عنه عند أبي داود الطيالسي في مسنده، وعند الطبراني في معجمه، وهو حديث صحيح، وله شاهد آخر أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنه رواه الدارقطني، وابن حبان، والطبراني في المعجم الصغير والأوسط، ورواه أيضاً الضياء المقدسي في أحاديثه المختارة التي هي صحيحة عنده، من حديث ابن عمر رضي الله عنه، وسنده أيضاً صحيح.

    هذه أهم أدلة القائلين باستحباب وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وهم جماهير أهل العلم من السلف والخلف.

    القول الثاني في المسألة: هو أن السنة أن يرسل الإنسان يديه، ولا يضع اليمنى على اليسرى.

    وهذا القول حكاه ابن المنذر عن ابن الزبير، وفي حكايته عن ابن الزبير رضي الله عنه نظر؛ لأن ابن الزبير كما سبق قبل قليل، ذكر أن وضع اليد على اليد في الصلاة من السنة، فنسبة أنه يرى الإرسال إليه كما ذكره ابن المنذر فيها نظر.

    وكذلك نقله ابن المنذر عن الحسن البصري والنخعي، وحكاه غيره عن محمد بن سيرين، وقال الإمام الليث بن سعد إمام أهل مصر قال: [ يرسل يديه، فإن طال عليه، وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة ].

    وكذلك قال الأوزاعي إمام أهل الشام : [ هو مخير إن شاء وضعهما وإن شاء أرسلهما ].

    وروى ابن القاسم عن الإمام مالك : أنه يرى إرسال اليدين في الصلاة.

    قال الإمام النووي في المجموع، تعليقاً على ما ذكره ابن القاسم عن مالك : أنه يرى الإرسال في الصلاة، قال النووي : وهو الأشهر -يعني: هذا أشهر الروايات عن مالك : أنه يرى إرسال اليدين، وعليه جميع أهل المغرب من أصحابه -من أصحاب مالك يعني- أو جمهورهم. هذا كلام النووي .

    وعن مالك رحمه الله رواية أخرى موافقة للجمهور، كما ذكرت في القول الأول أنه يرى وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وهو الذي ذكره في كتاب الموطأ.

    وقد ألف أحد المتأخرين، وهو الشيخ أحمد الصديق الغماري من محدثي المغرب، وهو عالم في الحديث، وإن كان فاسد الاعتقاد ألف كتاباً سماه: المثنوي والبتار، هذه من أسماء السيف طبعاً تراجعونها في القاموس، المثنوي والبتار في نحر العنيد المعتار الطاعن فيما صح من السنن والأخبار، هذه رقية العقرب كما يقال، هل يستطيع واحد منكم يعيد لنا عنوان الكتاب؟ المثنوي والبتار في نحر العنيد المعتار الطاعن فيما صح من السنن والأخبار، والكتاب هذا مطبوع، وخلاصة الكتاب هذا: أن مؤلفه الشيخ أحمد بن الصديق الغماري رد فيه على رجل اسمه ابن مايابا الشنقيطي، له رسالة في السدل، يعني: يرى ابن مايابا هذا سدل اليدين في الصلاة وأنه مذهب مالك، ابن مايابا في هذه الرسالة التي ألفها في السدل، رد فيها على علماء آخرين، يرون أن مذهب مالك هو الوضع، فممن رد عليهم ابن مايابا : محمد المكي بن عزوز التونسي له كتاب اسمه: هيئة الناسك، يعني: في أن وضع اليد اليمنى على اليسرى هو مذهب مالك، وكذلك يوجد عالم آخر مشهور من المالكية: وهو محمد بن جعفر الكتاني، له كتاب أيضاً اسمه: سلوك السبيل الواضح في أن قبض الشمال باليمين في مذهب مالك مشهور وراجح.

    إذاً: عندنا كتابان لبعض المالكية، فيهما: أن مذهب مالك هو القبض، الكتاب الأول هو: هيئة الناسك، ومؤلفه هو كما ذكرنا محمد المكي بن عزوز التونسي، والكتاب الثاني: سلوك السبيل الواضح وهذا لـمحمد بن جعفر الكتاني، قام واحد من الشناقطة ورد عليهما في كتاب، هذا ابن مايابا الشنقيطي رد على الاثنين في كتاب في السدل، رجح فيه: أن مذهب مالك هو السدل، جاء الغماري هذا فرد على ابن مايابا في كتاب المثنوي والبتار الذي ذكرته قبل قليل.

    وخلاصة الكلام هذا: أن الغماري خلص في كتابه ذلك الطويل إلى أن وضع اليمين على الشمال في الصلوات كلها هو مذهب الإمام مالك، وهو القول الذي لم يقل الإمام مالك غيره، ولا نقل عنه أحد من الرواة سواه، وهو الذي ذكره الإمام مالك في موطئه، الذي كتبه بيده، وقرئ عليه طيلة عمره.

    فخلص الغماري إلى أن مذهب مالك الصحيح الذي لم يقل غيره، ولا نقل عنه أحد سواه، وهو الموجود في الموطأ، الذي قرئ عليه طول عمره -كما يقول- وكتبه بيده، أن مذهب مالك هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة.

    إذاً: القول الثاني: أن هناك طائفة من العلماء يرون السنة هي إرسال اليدين، وليس وضع اليمين على الشمال، وهذا ذكرناه منسوباً إلى جماعة من أهل العلم، واختلف على مالك، فأكثر الأقوال على أن مالكاً يرى وضع اليمين على الشمال كالجمهور، وبعضهم يقولون: مذهب مالك هو الإرسال، ما هي حجة من يرى الإرسال؟

    أهم دليل لهم هو حديث المسيء في صلاته، وقد ذكرناه سابقاً، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر للمسيء في صلاته أنه يضع اليمين على الشمال، وكيف نرد على هذا الاستدلال؟ كيف نرد على استدلالهم بحديث المسيء في صلاته؟ أن هذا من السنن، ولا يلزم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر للمسيء في صلاته كل السنن المشروعة في الصلاة.

    والراجح بلا إشكال ولا شك هو مذهب الجمهور: أن السنة وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وليست السنة في الإرسال.

    مكان وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة

    المسألة الثانية من المسائل الفقهية هي مسألة: أين يضع يديه؟

    عرفنا أن مذهب جماهير أهل العلم، هو أن يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، لكن بقي أين يضعهما؟ هل يضع يديه على صدره، أو يضعهما فوق السرة، أو يضعهما تحت السرة؟ ثلاثة أقوال.

    القول الأول: أنه يضع يديه على صدره، يضع اليمنى على اليسرى على صدره في الصلاة، كما هو مقتضى حديث وائل بن حجر ومرسل طاوس .. وغيرهما من الأدلة.

    وهو مذهب إسحاق بن راهويه من فقهاء المحدثين، كما ذكر المروزي في مسائله، قال: كان إسحاق بن راهويه رحمه الله يوتر بنا ويضع يديه على ثدييه أو تحت ثدييه. فهذا يدل على مذهب إسحاق بن راهويه .

    وحجته: حديث وائل بن حجر وحديث طاوس، وهما أصح ما ورد في الباب.

    القول الثاني في المسألة: هو أن يضع يديه تحت صدره وفوق سرته، يضعهما في أعلى بطنه، تكون اليدان تحت الصدر وفوق السرة، يعني: بين السرة والصدر.

    وهذا تقريباً مذهب جمهور أهل العلم، فهو مذهب سعيد بن جبير وداود الظاهري والشافعي ورواية عن الإمام أحمد، كما ذكرها ابنه عبد الله في مسائله، قال: رأيت أبي يصلي فوضع يديه إحداهما على الأخرى فوق السرة.

    ودليل هذا القول: حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد روى ابن جرير الضبي عن أبيه قال: [ رأيت علياً رضي الله عنه يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة ]، وهذا الأثر عن علي رضي الله عنه مهم؛ لأنه سوف يأتي ما يخالفه، هذا الأثر رواه أبو داود، والبيهقي، وقال البيهقي : إسناده حسن، وقد رواه البخاري في صحيحه معلقاً مجزوماً به .

    ومن أدلة أصحاب هذا القول: الحديث السابق حديث وائل بن حجر، وحديث طاوس، فإنهم يذكرونهما ضمن أدلتهم، وكأنهم يرون أن القائلين بأن الوضع على الصدر، يعني: في أسفل الصدر وفوق السرة، كذا ذكره النووي .. وغيره دليلاً لهم.

    القول الثالث في المسألة: أنه يضع يده اليمنى على اليسرى تحت السرة.

    وهذا مذهب أبي حنيفة والثوري، واختاره أبو إسحاق المروزي من الشافعية، وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولا يصح عن أبي هريرة، قال أبو داود في سننه : ليس بالقوي، يعني: عن أبي هريرة، كما حكاه ابن المنذر أيضاً عن النخعي وأبي مجلز، وهو رواية عن علي رضي الله عنه، ورواية أيضاً عن الإمام أحمد .. وغيرهم.

    حجة من قال: يضع يده اليمنى على اليسرى تحت السرة، حجتهم أولاً: حديث جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال، وهذا يخالف ما سبق قبل قليل، جاء هنا عن علي رضي الله عنه أنه قال: ( من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة، تحت السرة )، أو: ( وضع الأكف ) روايتان.

    وقوله: (من السنة) ينطلق إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الأثر عن علي رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي وابن أبي شيبة، ورواه الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على مسند أبيه، وهو أيضاً موجود في مسائل عبد الله عن أبيه .

    قال الإمام النووي عن هذا الأثر في المجموع: اتفقوا على تضعيفه. يعني العلماء؛ وذلك لأنه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف، باتفاق أئمة الجرح والتعديل.

    إذاً: علة الأثر هذا عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، يقول النووي : وهو ضعيف باتفاق أئمة الجرح والتعديل.

    وقد راجعت ترجمته، فوجدت الأمر فيما ظهر لي يشبه أن يكون كما قال الإمام النووي، أقوال أهل العلم متضافرة على تضعيفه .

    وكذلك قال البيهقي كما نقله الزيلعي في نصب الراية، وقال البيهقي : لا يثبت إسناده، تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو متروك.

    وقال الحافظ ابن حجر : إسناده ضعيف.

    ومما يقوي ضعف الحديث ثلاثة أمور:

    الأول: أن فيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وقد يقال الكوفي وهو ضعيف، أو ضعيف جداً، أو متروك كما قال البيهقي، وهناك رجل آخر اسمه: عبد الرحمن بن إسحاق المدني وهو أحسن حالاً من هذا، الرجل الضعيف عندنا عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي الواسطي وهو ضعيف، فهذا هو العلة الأولى في الحديث.

    العلة الثانية: أنه ورد عن علي خلاف هذا، بإسناد أحسن وأمثل من هذا.

    العلة الثالثة: أنه مضطرب، فالحديث مع ضعفه مضطرب، فإن عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي الواسطي اضطرب في هذا الحديث على ثلاثة أوجه:

    فمرة يرويه عن زياد بن زيد السوائي عن أبي جحيفة عن علي بن أبي طالب، هذا الوجه الأول، وهذا هو الموجود في أكثر المصادر التي أشرت إليها قبل قليل.

    ومرة أخرى يرويه عن النعمان بن سعد، والنعمان بن سعد خاله، يعني: يروي عن خاله النعمان بن سعد، خال لـعبد الرحمن بن إسحاق كما ذكر أهل التراجم، أخو أمه، فهو يروي عن خاله.

    المرة الثانية يروي عن خاله النعمان بن سعد عن علي بن أبي طالب، وهذه الرواية موجودة عند الدارقطني وعند البيهقي .

    ومرة ثالثة يرويه عن سيار أبي الحكم عن أبي وائل عن أبي هريرة، فبدلاً من كونه عن علي صار الحديث عن أبي هريرة .

    إذاً: الحديث جاء عن عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي الكوفي وهو ضعيف أو متروك، ومع ذلك اضطرب:

    فمرة يرويه عن زياد بن زيد عن أبي جحيفة عن علي.

    ومرة أخرى يرويه عن النعمان بن سعد عن علي .

    ومرة ثالثة يرويه عن سيار أبي الحكم عن أبي وائل عن أبي هريرة، وهذا يدل على أن الحديث مضطرب.

    على كل حال يتبين من ذلك: أن هذه أدلة القائلين بأن السنة وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت السرة، وأن هذه الأدلة لا يثبت منها شيء بل هي ضعيفة.

    ولذلك أقول: أولاً: الأمر في هذا واسع، وضع اليمين على الشمال فوق السرة، أو تحت السرة، على الصدر أو على البطن، الأمر فيه واسع، فغاية ما في الأمر أنه سنة، فكون بعض الناس أوصلوا القضية إلى حد أنه أصبحت -والعياذ بالله- مجالاً للتضليل أو التبديع والتفسيق، بل والتكفير نسأل الله السلامة والعافية، هذا يدل على انهيار في أخلاقيات من يتعاطون هذه الألفاظ، أقصد ألفاظ التبديع والتكفير والتفسيق، دون أن يكون عندهم رادع من خوف الله عز وجل، ولا حياء أو خجل من الناس، فالأمر في ذلك واسع.

    والأقرب للسنة أن يضع الإنسان يده اليمنى على اليسرى، على صدره في الصلاة، والصدر من أين إلى أين؟ يبدأ من ثغرة النحر هنا وينتهي بالبطن، فلو وضع الإنسان يده هكذا مثلاً على أسفل الصدر لكان واضعاً يده على صدره، ولو رفعها هنا، هل نقول: إن هذا مخالف للسنة؟ لا، نقول: هذا أيضاً وضعها على صدره، فكل ما صح أن يسمى صدراً في اللغة، فإنه يستحب للإنسان أن يضع يده اليمنى على اليسرى عليه في الصلاة، ولو وضعها تحت الصدر فوق السرة لكان بذلك أيضاً موافقاً لما عليه جمهور أهل العلم، والأمر في ذلك واسع.

    ولذلك قال الإمام أحمد في رواية ثالثة عنه قال: يخير بينهما ولا تفريط، وكذلك قال ابن المنذر : لم يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، وهو مخير في ذلك.

    إذاً: نستطيع أن نقول: إن الأقوال في وضع اليدين في الصلاة أربعة:

    الأول: أنه يضعهما على الصدر.

    الثاني: أنه يضعهما فوق السرة وتحت الصدر.

    الثالث: أنه يضعهما تحت السرة.

    الرابع: أنه مخير في ذلك، وهذه رواية عن الإمام أحمد اختارها ابن المنذر .

    1.   

    شرح حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)

    ننتقل للحديث الثاني: حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)، يقول المصنف: متفق عليه.

    تخريج الحديث

    الحديث رواه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الحضر والسفر، فيما يجهر فيه وما يخافت، ولفظ البخاري : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، ورواه مسلم في صحيحه أيضاً، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، ورواه بألفاظ، لفظ المصنف هو أحدها: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن ).

    واللفظ الآخر لـمسلم هو كلفظ البخاري : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).

    واللفظ الثالث: (لا صلاة لمن لم يقترئ).

    وقد روى الحديث غير من ذكر المصنف، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، والشافعي في مسنده، والحميدي، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه والدارقطني، وابن الجارود، وأبو عوانة، والبيهقي، والبغوي، وابن خزيمة، والدارمي، وابن حبان كما في الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان .. وغيرهم.

    والراوية الثانية التي ذكرها المصنف قال: وفي رواية ابن حبان والدارقطني: (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب)، ظاهر صنيع المصنف رحمه الله أن هذه الرواية من حديث عبادة؛ لأنه قال: وفي راوية لـابن حبان والدارقطني : (لا تجزئ صلاة) يعني: بدل قوله في اللفظ الأول: (لا صلاة) قال: (لا تجزئ صلاة)، فظاهر صنيع المصنف أن هذا لفظ آخر من حديث عبادة، وهو كذلك في سنن الدارقطني، فقد أخرج الحديث الدارقطني في سننه، في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة أم الكتاب في الصلاة، أخرجه بهذا اللفظ من حديث عبادة رضي الله عنه، وقال الدارقطني : هذا إسناد صحيح، وصححه بهذا اللفظ الذي ساقه المصنف رحمه الله ابن القطان وغيره، لكنني لم أقف عليه عند ابن حبان من حديث عبادة رضي الله عنه، وإنما هو عنده من حديث أبي هريرة، كما سوف يأتي، فيتأمل ذلك، فإن الحافظ رحمه الله ذكر الحديث في فتح الباري بهذا اللفظ الذي ساقه هنا ونسبه للإسماعيلي قال: رواة الإسماعيلي من طريق العباس بن وليد النرسي ثم قال الحافظ : وتابعه، يعني: تابع العباس بن الوليد زياد بن أيوب أحد الإثبات رواه الدارقطني، فذكره هناك ونسبه للدارقطني ولم ينسبه لـابن حبان.

    شواهد الحديث

    قال في فتح الباري : وله شاهد من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، أخرجه ابن خزيمة وابن حبان .. وغيرهما، فدل على أن المصنف رحمه الله كأنه وهم في هذا الموضع من بلوغ المرام، حين نسب هذا الحديث إلى ابن حبان من طريق عبادة رضي الله عنه، وإنما هو عند ابن حبان من طريق أبي هريرة، وهذا الذي أشار إليه المصنف رحمه الله في فتح الباري، أنه للحديث شاهد عن أبي هريرة عند ابن حبان، هو الذي وجدته في كتاب الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان المطبوع، وهو بالمناسبة كتاب جيد جداً، وفيه عناية كبيرة بتخريجه وتحقيقه، طبع منه في حدود ما وصلني ستة مجلدات، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ينبغي ألا يفوت طالب العلم، أن يحظى بهذا الكتاب النفيس، الذي فيه من الروايات والأحاديث ما لا يكاد يوجد إلا في القليل من الكتب .

    والحديث وجدته في الكتاب نفسه في الإحسان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القران قال عبد الرحمن

    لـأبي هريرة

    : إني أكون وراء الإمام، فقال له أبو هريرة

    : اقرأ بها في نفسك
    )، وهذا اللفظ أيضاً موجود عند ابن خزيمة في صحيحه، وأحمد، وأبي عوانة، والطحاوي، أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، وأخرجه الطحاوي أيضاً في شرح معاني الآثار، وسنده صحيح.

    فإن صح ما ظهر لي الآن، من أن الحديث بهذا اللفظ الذي ساقه المصنف عن عبادة : (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب) ليس موجوداً في صحيح ابن حبان , فإنه ينبغي أن يكون هذا الموضع من المواضع، التي تلحق في التنبيهات التي أخرجها أخونا الشيخ عبد الله العبيلان، وسماه تنبيه الكرام على أحاديث في بلوغ المرام، فيلحق بها هذا، وما شابهه من المواضع إن ثبت هذا، وقد يكون موجوداً في صحيح ابن حبان، لكنني لم أعثر عليه ولم أظفر به.

    1.   

    شرح حديث: (لعلكم تقرءون خلف إمامكم..)

    الرواية الأخيرة التي ذكرها المصنف أيضاً ونسبها لـأحمد وأبي داود والترمذي وابن حبان : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم، قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ).

    تخريج الحديث

    هذه الرواية نسبها المصنف لـأحمد وأبي داود والترمذي وابن حبان، وهي موجودة في هذه المصادر على كل حال، وقد أخرجها غير من ذكره المصنف: أخرجها البخاري في كتاب جزء القراءة خلف الإمام، وهذا جزء مفرد صنفه الإمام البخاري في هذه المسألة، وهناك كتاب آخر أيضاً مصنف في هذه المسألة صنفه الإمام البيهقي وهو مطبوع أيضاً، فهذا اللفظ أخرجه البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وأخرجه الدارقطني في سننه، والطحاوي، وابن خزيمة، كلهم أخرجوه عن محمد بن إسحاق قال: حدثني مكحول، ومحمد بن إسحاق صدوق مدلس كما سبق مراراً، وقد صرح هاهنا بالتحديث في أكثر المصادر، فانتفت عنه تهمة التدليس، فيكون الإسناد حسناً، ومع ذلك فقد تابعه غير واحد، ممن تابعه: زيد بن واقد وسعيد بن عبد العزيز، كلاهما عن مكحول .. وغيرهما وروايتهما عند الدارقطني والبيهقي .. وغيرهما.

    شواهد الحديث

    وللحديث شواهد عن غير عبادة :

    منها: ما رواه الإمام أحمد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب، قال: (لا تفعلوا) بمعنى حديث الباب.

    وهذا الحديث عند أحمد، قال الحافظ ابن حجر : إسناده حسن.

    حكم قراءة الفاتحة في الصلاة

    في هذا الحديث حديث عبادة بألفاظه الثلاثة مسألة: وهي مسألة قراءة الفاتحة في الصلاة.

    وفي المسألة تفريعات وأقوال عديدة، وهي من معترك الخلاف بين أهل العلم، وهي مسألة طويلة صنف فيها أهل العلم مصنفات خاصة، كما ذكرت قبل قليل، صنف فيها البخاري رحمه الله، وصنف فيها الحافظ ابن حجر، وكذلك في كتاب مطبوع فيه فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهناك كتاب للأهدل أحد علماء اليمن، وفيها مصنفات كثيرة جداً، وسوف نعرض لهذه المسالة ونبسطها إن شاء الله تعالى، بقدر ما يتسع الوقت في الأسبوع القادم إن وفق الله.

    ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد، هذا والله تبارك وتعالى أعلم.

    وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.