إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب الأذان - حديث 215-219

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب الأذان - حديث 215-219للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يستحب عند الجمهور أن يقيم من تولى الأذان، وإن كان حديث: (من أذن فهو يقيم) ضعيفاً إلا أن هذا هو ما جرى عليه العمل في العهد النبوي، ويستحب للسامع أن يأتي بالأذكار الثابتة المتعلقة بالأذان والتي منها الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان ثم دعاء الوسيلة ثم يدعو بما شاء؛ لأن الدعاء بين الأذان والإقامة مظنة الإجابة.

    1.   

    تابع شرح حديث: (من أذن فهو يقيم)

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً.

    لله شهر رمضان ما أطيب لياليه! وما أحلى أيامه! جعلنا الله وإياكم ممن صامه فأحسن صيامه، وقامه فأحسن قيامه، وجعله لنا شهيداً وشافعاً مشفعاً يوم القيامة.

    ونحمده جل وعلا أن ينعقد هذا المجلس التاسع والسبعون من مجالس أمالي شرح بلوغ المرام في الليلة الثانية من ليالي شهر رمضان المبارك لعام (1410) للهجرة.

    وفي هذه الليلة -إن شاء الله- سوف نستكمل ما تبقى من حديث الأذان, لندخل في الأسبوع القادم في باب شروط الصلاة بعد ذلك.

    نبدأ في أحاديث الليلة، وأولها حديث زياد بن الحارث رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( ومن أذن فهو يقيم ).

    تخريج الحديث

    وهذا الحديث رواه الترمذي كما أشار المصنف، قوله: (وله) يعني: للترمذي، فالحديث رواه الترمذي في (باب من أذن فهو يقيم), وقال الترمذي عقب روايته: حديث زياد إنما نعرفه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وقد ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره، وقال الإمام أحمد: لا أكتب حديث الإفريقي.

    يقول الترمذي: وسمعت محمد بن إسماعيل يقوي أمره، ويقول: هو مقارب الحديث، والعمل على هذا عند أهل العلم، أن من أذن فهو يقيم. انتهى كلام الترمذي .

    وروى الحديث -أيضاً- أبو داود وابن ماجه وأحمد في مسنده والبيهقي والطحاوي وعبد الرزاق في مصنفه، وفي إسنادهم جميعاً عبد الرحمن بن زياد، وخلاصة الكلام في عبد الرحمن بن زياد : أنه رجل صالح، لكنه في حفظه شيء، في حفظه ضعف.

    فالراجح أن حديثه ضعيف، ولذلك ضعفه جماعة من العلماء كـالبيهقي والبغوي، ومن المعاصرين الألباني ضعفوا هذا الحديث، ولم يصب من قواه أو حسنه كما فعل الحازمي في الاعتبار، وكما فعل من المتأخرين الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي .

    فالراجح أن الحديث ضعيف، حديث: ( من أذن فهو يقيم ) ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي.

    شواهد الحديث

    وله شاهد من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( مهلاً يا بلال

    ، فإنما يقيم من أذن
    )، وهذا الشاهد أيضاً فيه: سعد بن راشد المازني وهو ضعيف وحديثه منكر, وحكم جماعة من العلماء على حديثه بالنكارة وهو عند البيهقي : ( مهلاً يا بلال

    ، فإنما يقيم من أذن
    ) فهو ضعيف أيضاً، هو الآخر ضعيف.

    ويقابل هذين الحديثين في الدلالة -حديث زياد بن الحارث الصدائي وحديث ابن عمر - حيث يدلان على أن الذي أذن هو الذي يقيم، يقابلهما في الدلالة حديث عبد الله بن زيد الذي ساقه المصنف من رواية أبي داود أن عبد الله بن زيد قال: ( يا رسول الله! أنا رأيته -يعني: الأذان- وأنا كنت أريده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فأقم أنت ) والحديث فيه ضعف أيضاً.

    فأما من حيث الرواية فقد رواه -كما أشار المصنف- أبو داود، وذلك في (باب: الرجل يؤذن ويقيم آخر) أو: (ويقيم غيره)، ورواية أبي داود هي من طريق محمد بن عمرو أبي سهل الواقفي، رواه من طريق محمد بن عمرو أبي سهل الواقفي عن محمد بن عبد الله المازني عن عمه عبد الله بن زيد، هذا إسناده عند أبي داود من طريق محمد بن عمرو أبي سهل الواقفي عن محمد بن عبد الله المازني عن عمه عبد الله بن زيد.

    وهذا الإسناد أيضاً موجود في مسند الإمام أحمد وسنن البيهقي .

    إذاً: رواه أبو داود وأحمد والبيهقي بهذا الإسناد، وفيه علتان, في هذا الإسناد علتان:

    أولاهما: أن محمد بن عمرو الواقفي ضعيف، ضعفه أكثر أهل العلم بالحديث، كـيحيى بن سعيد القطان وابن معين ويعقوب بن سفيان الفسوي والنسائي وابن عدي وغيرهم، فهو ضعيف .

    والعلة الثانية: أنه مضطرب، فقد اضطرب فيه محمد بن عمرو، فمرة يقول: عن محمد بن عبد الله المازني، ومرة أخرى يقول: عن عبد الله بن محمد المازني، وهذا نوع من الاضطراب في الحديث، ولذلك أكثر أهل العلم ضعفوا هذا الحديث.

    وممن ضعفه المصنف، حيث قال هاهنا: وفيه ضعف أيضاً، وممن ضعفه البيهقي حيث أشار إلى ضعفه واضطرابه، ويحتمل أن يكون المنذري ضعفه أيضاً؛ لأنه نقل كلام البيهقي وكأنه يقره على أن حديث عبد الله بن زيد : (فأقم أنت) ضعيف.

    وفي مقابل ذلك قواه جماعة من أهل العلم، قووا الحديث، منهم ابن عبد البر، ابن عبد البر يقول: إسناده حسن، وهو أحسن من حديث الإفريقي، وماذا يعني بحديث الإفريقي؟

    يعني حديث زياد بن الحارث الصدائي : ( من أذن فهو يقيم ابن عبد البر يقول: إسناده حسن وهو أحسن من حديث الإفريقي، يعني: حديث عبد الله بن زيد : ( فأقم أنت ).

    وكذلك من الغريب أن الحافظ ابن حجر نفسه في كتاب الدراية في تخريج أحاديث الهداية صحح إسناد الحديث، ساقه وقال: رواه البيهقي في الخلافيات وإسناده صحيح، وهذا مما يستغرب؛ فإن الحافظ هاهنا قال: وفيه ضعف أيضاً, وفي كتاب الدراية قال: رواه البيهقي في الخلافيات وإسناده صحيح.

    والراجح أن الحديث ضعيف؛ لما سبق من ضعف محمد بن عمرو الواقفي عند جماعة علماء الحديث، فالحديث لا يصح أيضاً.

    حكم أن يؤذن رجل ويقيم رجل آخر

    في الحديثين -حديث زياد بن الحارث الصدائي : ( من أذن فهو يقيم )، وحديث عبد الله بن زيد : ( فأقم أنت )- فيهما مسألة واحدة، وهي: ما حكم أن يؤذن رجل ويقيم رجل آخر؟ هل يجوز هذا أم لا يجوز؟

    خلاصة البحث أنه لا بأس بذلك.

    الإمام الحازمي في الاعتبار نقل الإجماع -إجماع أهل العلم- على جواز ذلك، يعني: على أنه يجوز أن يؤذن رجل ويقيم غيره، نقل الإجماع على جوازه، وإنما اختلفوا في الأفضل والأولى، اختلفوا أيهما أفضل وأولى: هل يقيم من أذن أم لا بأس أن يقيم هو أو يقيم غيره من غير تفضيل ولا مفاضلة؟

    ذهب الأكثرون -كما يقول الحازمي - إلى أن الأمر متسع، وأنه لا يختلف أن يؤذن رجل ويقيم آخر، أو يؤذن ويقيم هو, وقال: هذا مذهب مالك وأبي حنيفة ؛ وذلك لعدم الدليل الذي يدل على أن في هذا فاضلاً ومفضولاً.

    وربما استدل بعضهم بأن عبد الله بن أم مكتوم كان يؤذن لصلاة الفجر كما هو معروف، يؤذن الأذان الأول, والذي كان يقيم على الدوام إنما هو بلال ، الذي كان يقيم دائماً هو بلال ، وفيه أحاديث كثيرة متواترة أن بلالاً كان يأتي للرسول عليه الصلاة والسلام فيؤذنه بالصلاة، وسبق شيء من هذه الأحاديث، يعلمه بالصلاة: الصلاة يا رسول الله.

    أما القول الثاني: فهو ما ذهب إليه الشافعي وأحمد ، وبضد ذلك نسبه الترمذي لأكثر أهل العلم كما سبق حين نقلت كلامه في التعليق على حديث زياد ، قال: وعليه العمل عند أهل العلم. فكما أن الحازمي نسب الأول لأكثر أهل العلم الترمذي نسب الثاني لأكثر أهل العلم، وهو مذهب الشافعي وأحمد : أن الأفضل أن يتولى الإقامة من أذن، وقد يستدلون بالحديث: ( من أذن فهو يقيم )، لكنه ضعيف لا يستدل به، فينتقل إلى الاستدلال بواقع الحال؛ يستدل بواقع الحال، فإن من المعلوم من واقع حال النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي كان يقيم هو بلال وهو الذي كان يؤذن، هذا هو الغالب من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحفظ حالة واحدة -فيما أذكر وأعلم- أذن فيها رجل وأقام فيها غيره، الذي كان يؤذن ويقيم هو بلال ، أما أذان عبد الله بن أم مكتوم في أذان الفجر فإنه كان قبل الوقت كما سبق، وكان بلال يؤذن بعده على الوقت، فـبلال رضي الله عنه هو الذي كان يؤذن الأذان الذي ينادي به إلى الصلاة، وهو الذي كان يقيم، ولذلك فإن القول الثاني أقوى، أن نقول: إن الأمر في ذلك متسع، والإجماع قائم على جواز الأمرين: أن يؤذن رجل ويقيم آخر أو يؤذن ويقيم هو، لكن الأفضل أن يقيم من أذن إذا لم يكن في ذلك حرج، شريطة ألا يكون في هذا مشقة أن ينتظر إذا خرج من المسجد، أو يحدث مشكلة كما قد يقع في بعض المساجد بسبب أنه أذن رجل وأقام رجل آخر، هذا كله لا يسوغ؛ لأنه ما دامت المسألة مترددة بين فاضل ومفضول فالأمر لا يحتمل مثل هذه الأشياء، فالإجماع قائم على جواز ذلك كله.

    1.   

    شرح حديث: (المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة)

    الحديث الذي يليه هو حديث أبي هريرة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء في هذه الرواية: ( المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة ).

    تخريج الحديث

    المؤلف رحمه الله نسب هذا الحديث إلى ابن عدي، قال: رواه ابن عدي وضعفه.

    وابن عدي من أئمة الجرح والتعديل، له كتاب اسمه: الكامل في ضعفاء الرجال وهو مطبوع في سبعة مجلدات، وقد روى هذا الحديث في كتابه الكامل في ترجمة شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، أخرج هذا الحديث في ترجمة شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، وزاد عقب سياقه -زاد ابن عدي -: ( اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين )، هكذا ساق الحديث: ( المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين )، ثم قال: وهذا بهذا اللفظ -يعني: هذا الحديث بهذا اللفظ- لا يعرف إلا من حديث شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة .

    وقد رواه الناس عن الأعمش، يقول: وقد رواه الناس عن الأعمش فقالوا: (الإمام ضامن).

    إذاً: أشار ابن عدي إلى أن شريكاً قد تفرد بهذا الحديث بلفظ: ( المؤذن أملك بالأذان ) وأن الناس خالفوه، فما ساقوا قضية أن الإمام أملك بالإقامة والمؤذن أملك بالأذان، وإنما ذكروا حديثاً آخر وهو حديث: ( الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين )، وهذا الحديث سبق معنا وسيمر إشارة إليه أيضاً الآن.

    إذاً: شريك بن عبد الله له أوهام وأخطاء وهذا منها، ولذلك ساق الحديث أيضاً البيهقي في سننه، ساقه تعليقاً، يعني ما ساق إسناده، ولكن قال: وقد جاء من رواية شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة : (الإمام أملك بالإقامة، والمؤذن أملك بالأذان ) قال البيهقي : وليس بمحفوظ.

    إذاً: الحديث خطأ، يعتبر خطأ من شريك رحمه الله.

    شواهد الحديث

    للحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه رواه أبو الشيخ في كتاب الأذان، أبو الشيخ له كتاب اسمه: كتاب الأذان، ولعله الكتاب الوحيد من كتب التراث المؤلف في هذا الباب فيما أعلم، ولكنه غير مطبوع، روى فيه الحديث نفسه: ( المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة ) من حديث عبد الله بن عمر، لكن إسناده ضعيف أيضاً، فيه: معارك بن عباد وهو ضعيف, وبذلك يتبين أن الحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    شرح أثر علي: (المؤذن أملك بالأذان...)

    أما قول المصنف في الرقم الذي بعده: (وللبيهقي نحوه عن علي رضي الله عنه من قوله) فقد رواه البيهقي في سننه من كلام علي رضي الله عنه وسنده صحيح، وبذلك يتبين أن الرواية الصحيحة من كلام علي، أنه رضي الله عنه قال: (المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة).

    وهذا المعنى الذي يدل عليه الحديث أيضاً صحيح، مما يدل على صحته ما رواه مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: ( كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس ) ما معنى دحضت؟ زالت، دحضت: زالت.

    إذاً: ما المقصود بالأذان، أي أذان هذا؟ أذان الظهر, الحديث في مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: ( كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس، وكان لا يقيم إلا إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا رآه قد خرج أقام ). فهذا دليل على أن الأذان من المسئول عنه؟ المؤذن هو الذي يؤذن على الوقت دون أن يحتاج إلى أن يأمره أحد بذلك، ولذلك كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس.

    أما الإقامة فمن المسئول عنها؟ الإمام، ولذلك بلال لا يتعجل رضي الله عنه بالإقامة حتى يرى النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك الحديث السابق الذي سبق معنا -ورواه أبو داود والترمذي وسنده صحيح- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين )، فهذا الحديث يدل أيضاً على أن مسئولية الوقت من نصيب المؤذن، وأنه المسئول عن رعاية الوقت وضبطه، والحديث له شواهد عن أبي أمامة وغيره لكنها ضعيفة، وهو سنده صحيح كما أسلفت.

    وبذلك يتبين أن معنى الحديث صحيح، وأن سند الحديث صحيح إلى علي رضي الله عنه.

    1.   

    شرح حديث: (لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة)

    أما حديث أنس رضي الله عنه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة ).

    تخريج الحديث

    الحديث رواه النسائي -كما ذكر المصنف- وصححه ابن خزيمة، والحديث رواه أيضاً أبو داود في سننه وأحمد، ورواه ابن خزيمة في صحيحه وابن حبان والبغوي وعبد الرزاق والطحاوي وغيرهم، وسنده صحيح أو حسن، صححه ابن خزيمة وابن حبان وحسنه الترمذي، وحسنه الحافظ ابن حجر في أماليه على الأذكار في نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار.

    فالحديث ثابت، أقل ما يقال فيه أنه حديث حسن، وسيتبين أنه إن كان حسناً لذاته فهو صحيح لشواهده، فإن للحديث شواهد عديدة سبق ذكر شيء منها وسيمر بعد قليل بعضها.

    وقد روى الحديث الترمذي أيضاً كما أسلفت، وزاد فيه لفظة، وهي أنهم قالوا: ( فما نقول يا رسول الله؟ ) يعني: لما قال: ( لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة )، ( قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة ).

    وهذه الزيادة -زيادة: (سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة)- رواها الترمذي وأشار إلى أن غيرها أصح منها، فإنه ساق الحديث بزيادة: ( سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة ) ثم ساقه بدون زيادة كما ساقه المصنف: ( لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة ) وقال: وهذا أصح، يعني: بدون زيادة أصح من هذه الزيادة.

    والإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد ساق الحديث بالزيادة, وقال: رواه أصحاب السنن، وهو حديث صحيح.

    والواقع أن الحديث لا يصح بالزيادة، الزيادة هذه -زيادة: (سلوا الله العافية)- لا تصح؛ فإنه قد تفرد بها يحيى بن اليمان عن سفيان عن زيد العمي، ويحيى بن اليمان وزيد العمي كلاهما ضعيف .

    فالحديث ضعيف بزيادة: (سلوا الله العافية)، أما بدون الزيادة فسنده نظيف لا مطعن فيه.

    شواهد الحديث

    ومن شواهد الحديث التي أشرت إليها ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص : ( أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن المؤذنين يفضلوننا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: قل مثل ما يقول المؤذن ثم سل تعط )، والحديث رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما وهو حديث حسن، (قل مثل ما يقول المؤذن ثم سل تعط) وفيه بيان: أن من قال مثل ما يقول المؤذن ثم دعا أجيبت دعوته بإذن الله تعالى.

    ومنها -يعني: من شواهد حديث الباب- حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثنتان لا تردان -وفي رواية: ثنتان قلما تردان- الدعاء عند النداء -يعني: عند الأذان- وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً ) يعني: عند اشتداد القتال والتحامه، وحديث سهل هذا رواه أبو داود وابن خزيمة والدارمي مرفوعاً وموقوفاً، ففي بعض الروايات أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعضها موقوف على سهل بن سعد، وسنده صحيح، وعلى فرض أنه موقوف فإنه مما لا يقال بالرأي، فلم يكن سهل بن سعد ليخبر عن أمر غيبي من قبل نفسه إلا أن يكون سمع هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن شواهد حديث الباب: حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا ثوب بالصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء )، (إذا ثوب) يعني: نودي للصلاة أذاناً أو إقامة.

    ( إذا ثوب بالصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء )، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده وفيه ضعف، فيه عبد الله بن لهيعة وهو ثقة، لكن احترقت كتبه -كما سبق- فصار يحدث من حفظه واختلط .

    وفيه أيضاً أبو الزبير المكي محمد بن مسلم بن تدرس المكي مولاهم، وهو صدوق مدلس، وقد عنعن في هذا الحديث، ففي الحديث علتان، لكنه يصلح في الشواهد والمتابعات.

    على كل حال حديث أنس رضي الله عنه أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة له شواهد من حديث ابن عمرو، ومن حديث سهل بن سعد، ومن حديث جابر، فهو -بلا شك- حديث صحيح، وهو يدل على أن ما بين الأذان والإقامة من مواطن إجابة الدعاء.

    ما يقال من الدعاء بين الأذان والإقامة

    ولم يثبت في تحديد الدعاء الذي يقال في هذا الموضع حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يثبت في ذلك حديث، لكن يستحب للإنسان أن يدعو بما أحب من خير الدنيا والآخرة، ويحرص على جوامع الدعاء، مثل: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، وما أشبه ذلك من الأدعية الجوامع التي تحتوي على معان عظيمة بألفاظ موجزة مختصرة، وإلا فإنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم دعاء خاص يقال بين الأذان والإقامة، لم يثبت شيء مطلقاً، لكن يدعو بما يناسب وبما هو من جوامع الدعاء، ومن ذلك: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:40-41] فهذا من جوامع الدعاء، هذا من الأدعية القرآنية لا بأس به.

    أسباب إجابة الدعاء

    وبمناسبة الحديث فإنني أود أن أشير إشارة مختصرة إلى أهم أسباب قبول الدعاء، خاصة ونحن في هذا الشهر الكريم.

    فيمكن أن نلخص أسباب قبول الدعاء وإجابته في خمسة أسباب:

    الأول: فضل الزمان، وذلك كإجابة الدعاء في رمضان وخاصة عند الافطار، وبين الأذان والإقامة كما في حديث الباب، وعند القتال كما في حديث سهل بن سعد عند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً.

    ومثله ساعة الجمعة: ( ساعة الجمعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى خيراً إلا أعطاه إياه ) وما أشبه ذلك، فهذا السبب الأول: فضل الزمان.

    والسبب الثاني من أسباب الإجابة: فضل المكان، أن يكون المكان الذي يدعو فيه الإنسان فاضلاً، فالمساجد -مثلاً- أفضل من غيرها، والأماكن المقدسة كـمكة والمدينة أفضل من سواها، ومثله الدعاء بـعرفة، وفي عرفة في يوم عرفة يجتمع فضل الزمان وفضل المكان.

    ومنها أيضاً: الدعاء عند الملتزم -وهو ما بين الحجر الأسود والباب في الكعبة- فقد ورد في ذلك حديثان يشد ويقوي أحدهما الآخر يدلان على فضل الدعاء، وهو مجرب ونافع مقبول بإذن الله تعالى الدعاء في ذلك الموضع، يلصق الإنسان صدره ووجهه وذراعيه بالملتزم ويبكي ويدعو فيستجيب الله تعالى له بإذنه، والله لا يخلف الميعاد.

    هذا السبب الثاني: المكان، فضل المكان.

    السبب الثالث: صفة الداعي، وذلك مثل كون الداعي صائماً, أو مظلوماً أو مسافراً أو أباً أو ما أشبه ذلك، فهذا مظنة إجابة دعائه، ومن أعظم ذلك أن يكون الداعي مضطراً، والمضطر هو الذي أعيته الحيل وانقطعت به الأسباب وسلم أمره لله، فعجز عن كل وسيلة يحاولها أو يريدها، ولم يبق إلا باب الله جل وعلا فقرعه بصدق واضطرار، فهذا يجاب، قال الله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ [النمل:62].

    السبب الرابع: صفة الدعاء، وذلك كأن يدعو الله تعالى بأسمائه الحسنى ويدعو بجوامع الأدعية، ويرفع يديه عند الدعاء ويحضر الأسباب والآداب المطلوبة، ولا يكون دعاؤه مشتملاً على ما يغضب الله، كأن يدعو بإثم أو قطيعة رحم أو يعتدي في الدعاء فيدعو بأمور مستحيلة أو ما أشبه ذلك.

    السبب الخامس: زوال الموانع، فإن الإنسان قد يستحق شيئاً لأسباب لكن يمنع منه لأسباب أخرى، كمثل إنسان استحق الميراث -مثلاً- من متوفى لأنه أبوه أو أخوه أو ابنه أو زوجه، لكنه منع من هذا الميراث لمانع، كأن يكون عبداً رقيقاً أو قاتلاً أو مخالفاً له في الدين، فوجد السبب لكن وجد مانع يقاومه فلا يحصل على إرث.

    كذلك الإنسان إذا دعا بإخلاص وصدق ولجوء وفي مكان فاضل وزمان فاضل ودعا بخير قد لا يستجاب له، لماذا؟ لوجود مانع, ومن أعظم الموانع: أكل الحرام كأكل الربا وأكل مال اليتيم وأكل أموال الناس بالباطل والسرقة والغش والخداع، ولذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في مسلم : ( الرجل الذي يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام. قال عليه الصلاة والسلام: فأنى يستجاب لذلك؟! )، فأنى يستجاب؟! استبعد صلى الله عليه وسلم أن يستجاب له؛ لأن المانع موجود.

    و من أعظم موانع إجابة الدعاء: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسكوت على الباطل وإقراره والمداهنة والمجاملة، فإن هذا من موانع إجابة الدعاء كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وغيرها.

    هذه خمسة أسباب تراعى في هذا الحديث وغيره؛ لأنه قد يقول قائل: الدعاء لا يرد، فكيف دعوت فلم يستجب لي؟

    1.   

    شرح حديث جابر فيما يقال بعد الفراغ من الأذان

    أما الحديث الأخير فهو حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة ) قال المصنف: أخرجه الأربعة. ‏

    سقوط الحديث من بعض نسخ البلوغ

    وفي هذا الحديث عدة مسائل أود إيضاحها:

    المسألة الأولى: أن هذا الحديث يوجد في بعض النسخ دون بعض، وقد حدث في الحديث أمر في نسختي جعلني أرجع إلى بعض المخطوطات، فرجعت إلى مخطوطتين عندي لـبلوغ المرام صورتا لي من المكتبة المحمودية بـالمدينة المنورة فلم أجد هذا الحديث فيهما، وجدت باب الأذان ينتهي بحديث أنس : ( لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة )، ولكن يبدو -وإن كنت لم أطلع- أنه موجود في بعض نسخ بلوغ المرام، النسخ المطبوعة كنسخة محمد حامد الفقي رحمه الله وبعض النسخ الأخرى.

    فيبدو أنه موجود في بعض المخطوطات, هذه واحدة.

    تخريج الحديث

    الثانية: قول المصنف رحمه الله: أخرجه الأربعة، هذا هو الذي دعاني إلى البحث في الحديث؛ لأن الحديث مشهور أنه أخرجه البخاري في صحيحه، والمؤلف نفسه - ابن حجر رحمه الله- في التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ذكر الحديث وقال: رواه البخاري وأصحاب السنن، فما باله هاهنا قال: أخرجه الأربعة؟!

    ومثل الحافظ ابن حجر يبعد أن يخفى عليه أن يكون الحديث في البخاري ؛ لأنه شرح البخاري وهو على اطلاع واف به ومعرفة بدقائقه، فيبعد أن يخفى على الحافظ رحمه الله أن يكون الحديث في الصحيح، لكن لعله سهواً أو يكون هذا من بعض النساخ.

    والواقع أن الحديث -كما ذكرت- أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأذان، وأخرجه الترمذي أيضاً وقال: حديث حسن غريب، فأشار إلى غرابته، ووافقه الحافظ ابن حجر على أن الحديث غريب وإن كان حسن الإسناد إلا أنه غريب أو صحيح، هو في الواقع صحيح الإسناد، لكنه غريب ليس له إلا إسناد واحد كما سيأتي بعد قليل.

    وممن أخرج الحديث أيضاً الطحاوي وابن خزيمة والبيهقي وأخرجه الطبراني في معجمه الصغير .

    مدار الحديث على راوٍ اسمه علي بن عياش الألهاني الحمصي، اضبط اسمه: علي بن عياش الألهاني الحمصي، وعن علي هذا -يعني: علي بن عياش الألهاني الحمصي - روى الحديث، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر . هذا إسناد الحديث، يعني: الحديث غريب ليس له إلا إسناد واحد، هذا الإسناد الواحد هو كالتالي: علي بن عياش قال: حدثني شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال حين يسمع النداء... )، وقد روى الحديث عن علي بن عياش أكثر، يعني رواه عنه ثلاثة عشر راوياً، منهم أئمة جبال في الحفظ، مثل: أحمد بن حنبل والبخاري، وأبي زرعة الدمشقي عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي, ومحمد بن يحيى الذهلي ومحمد بن مسلم بن واره وغيرهم، رواه عنه ثلاثة عشر رجلاً منهم أئمة جبال في الحفظ والإتقان.

    الكلام على زيادات رويت في الحديث

    وانفرد عنه راوٍ واحد بزيادة، وهي قوله في آخر الحديث: (إنك لا تخلف الميعاد) بعد قوله: ( وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ) زاد: ( إنك لا تخلف الميعاد )، وهذه الزيادة تفرد بها محمد بن عوف عن علي بن عياش، وهي عند البيهقي في سننه .

    محمد بن عوف ثقة لكنه خالف اثني عشر راوياً منهم: أحمد بن حنبل والبخاري ومحمد بن يحيى الذهلي، وأبي زرعة الدمشقي ومحمد بن مسلم بن واره وغيرهم، فلا يمكن أن يقبل تفرده من بين هؤلاء الأئمة الجبال بهذه الزيادة، مع أنه لا يعرف باختصاص عن هذا الراوي أو الشيخ الذي أخذ عنه، ولذلك حكم جماعة من العلماء على زيادة: (إنك لا تخلف الميعاد) بأنها زيادة شاذة، وهذا هو المعتمد.

    وقد تفرد أيضاً محمد بن عوف بلفظ آخر في الحديث انفرد به، وهو أنه قال: ( اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة ), والباقون ماذا قالوا؟ قالوا: (اللهم رب هذه الدعوة التامة)، أما محمد بن عوف فقال: (اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة)، وهذا أيضاً شذوذ تفرد به فلا يقبل تفرده، وإن ذكر بعض أهل العلم أن الإسناد صحيح، نعم نقول: الإسناد صحيح لكنه شاذ؛ لأنه خالف فيه ثقات لا يمكن أن يقبل تفرده عنهم بحال.

    وينبغي أن أشير إلى أن هذه الزيادة: (إنك لا تخلف الميعاد) جاءت في إحدى روايات صحيح البخاري، يعني: صحيح البخاري رواه عنه أئمة كبار كثر، حتى إن العلماء ذكروا أن الذين سمعوا صحيح البخاري من البخاري يعدون بنحو مائة ألف رجل، مائة ألف راو أو إنسان سمعوا صحيح البخاري عن البخاري، وهذا رقم عجيب! مائة ألف.

    وروي عن البخاري كتابه بروايات عدة، في إحدى روايات صحيح البخاري -وهي رواية الكشميهني - ذكر هذا اللفظ: (إنك لا تخلف الميعاد)، ولكن بقية روايات البخاري ليس فيها، ولذلك فالصحيح أن رواية البخاري ليس فيها: (إنك لا تخلف الميعاد).

    وكذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله في كتابه: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ذكر الحديث من رواية البخاري وذكر فيه زيادة: (إنك لا تخلف الميعاد)، والظاهر أن ابن تيمية رحمه الله اعتمد على رواية الكشميهني لصحيح البخاري.

    على كل حال زيادة: (إنك لا تخلف الميعاد) شاذة لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي أن يقولها الإنسان، وإن قالها لا ينبغي أن يحافظ عليها عند الأذان.

    بعض الناس الآن يقولون زيادة أخرى أيضاً في هذا الدعاء، وهي: (والدرجة العالية الرفيعة)، (آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة) كثيراً ما نسمعها ممن يتابعون المؤذن، يقولون: (آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة)، وهذا أيضاً لا أصل له، وإن كانت جاءت في عمل اليوم والليلة لـابن السني في بعض نسخه فإنما هي وهم من النساخ؛ لأن ابن السني روى الحديث عن طريق النسائي، والنسائي ليس فيه زيادة: (والدرجة العالية الرفيعة).

    وممن صرح بأنه لا أصل لهذه الزيادة الإمام الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير، وممن جزم بأنها زيادة من بعض النساخ الشيخ الألباني في كتابه: إرواء الغليل، فقد جزم بأن هذه الزيادة زيادة من بعض النساخ.

    ما يستحب أن يقوله من يسمع الأذان

    بقي أن نقول: ماذا يستحب للإنسان أن يقول إذا سمع المؤذن؟

    ما يقوله عند سماع ألفاظ الأذان في الجملة

    أولاً: ينبغي لمن سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول المؤذن، إذا كبر كبر وإذا تشهد تشهد، إلا في الحيعلتين، فإذا قال: (حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح) فإن السامع يستبدل ذلك بقوله: لا حول ولا قوة إلا بالله، كما سبق تقريره وتفصيله، هذه واحدة.

    ما يقوله عند سماع الشهادة لله بالوحدانية

    الثانية أن يقول: ( رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً )، وفي رواية: ( وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً )، وهذه لفظة جاءت من حديث سعد بن أبي وقاص الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه ورواه الأربعة: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه : ( أن الإنسان إذا سمع المؤذن فقال: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا غفر له ذنبه )، لكن متى يقولها؟ في أي موضع؟

    يقولها عند الشهادة الأولى: أشهد أن لا إله إلا الله، يدل على ذلك ما جاء في رواية أبي عوانة في مستخرجه على صحيح مسلم، فإن أبا عوانة روى الحديث بسند جيد في المستخرج، وفيه: ( أنه إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً -أو قال: رسولاً- ثم قال في آخر الحديث: غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ) .

    إذاً: المستحب أن يقول: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً أو رسولاً عند قول المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله.

    أو يقول: وأنا، يعني: الرسول عليه الصلاة والسلام أحياناً يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأحياناً يقول: وأنا وأنا، وأحياناً يقول: وأنا أشهد وأنا أشهد، كل ذلك واسع.

    ما يقوله عند الفراغ من الأذان

    الثالثة مما يقال عند سماع النداء: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء هذا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً -اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم صل على محمد- ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة ).

    هذا حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة ).

    إذاً: يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تكون بأي لفظ يؤدي معناها، فلو قال: (صلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد)، (اللهم صل وسلم على محمد) لأدى الصلاة، وينبغي أن تكون الصلاة مصحوبة بالسلام، فهذا أكمل، ولذلك قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، فالأفضل أن يصلي ويسلم على الرسول عليه والسلام، ويقول: صلى الله عليه وسلم، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، أو ما أشبه ذلك.

    والأكمل في الصلاة هنا أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية كما بسطه الإمام ابن القيم في زاد المعاد في الجزء الثاني، فيقول: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، فهذا هو أكمل من مجرد الصلاة عليه بلفظ مختصر، وإن أتى بلفظ مختصر فقد أتى بالمطلوب.

    الرابع مما يذكر مع الأذان: الدعاء الموجود في حديث جابر وسؤال الوسيلة.

    وهو أن يقول: ( اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته )، ويدل على ذلك أيضاً حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المشار إليه سابقاً، فإنه قال: ( ثم سلوا الله لي الوسيلة، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة ) وهاهنا قال: حلت له شفاعتي يوم القيامة.

    فالرابع يستحب له أن يسأل الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم الوسيلة.

    وقوله: (اللهم رب هذه الدعوة التامة) معناه الدعاء إلى الصلاة، وهو الأذان، فهو دعوة تامة؛ لأنها محتوية ومشتملة على معاني العقيدة كما سبق تقريره.

    (والصلاة القائمة) المشروعة المقامة التي قد أقيمت الآن ودعي إليها.

    ثم دعا للنبي صلى الله عليه وسلم بالوسيلة، وهي القربة في الأصل، والمقصود بها هنا المقام الذي لا ينبغي إلا لعبد من عباد الله في الجنة، منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله.

    أما المقام المحمود فهو الشفاعة، كما في قوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، فهو المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، حيث يشفع صلى الله عليه وسلم يوم القيامة يشفع للأمم كلها بفصل القضاء، ويشفع لأصناف من الناس، سبق تفصيل ذلك في حديث جابر : ( أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي ).

    الخامس مما يقال عند الأذان: الدعاء لحديث: ( لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة ) وشواهده كما سبق.

    فالخامس هو أن يدعو الإنسان بما أحب من خير الدنيا والآخرة، كما سبق تقريره.

    جعلنا الله وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين وآله وأصحابه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.