إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب المواقيت - حديث 171

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب المواقيت - حديث 171للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالإبراد بصلاة الظهر إذا اشتدت الحرارة والمراد بالإبراد الدخول في وقت البرد، ليصلي الناس وهم مطمئنون في صلاتهم، وليكون للحيطان ظل يستظل به الماشي إلى المسجد، وحد الإبراد أن تكون الصلاة في النصف الثاني من الوقت.

    1.   

    وقت أداء صلاة العشاء

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    بعد ذلك ننتقل إلى أحاديث الليلة والوقت ضيق، شرحنا في الأسبوع الماضي مسألة تتعلق بتأخير صلاة العشاء، وذلك من خلال حديث جابر وعائشة رضي الله عنهما، وفيه -حديث عائشة -: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتم ليلة بالعشاء حتى ذهب عامة الليل، ثم خرج فصلى، وقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي ).

    وينبغي أن أضيف الآن في مسألة صلاة العشاء: أن الغالب من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان -فيما يتعلق بصلاة العشاء- يراعي اجتماع الناس، فإذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطئوا أخر، كما ذكره جابر في حديثه المتفق عليه قال: ( والعشاء أحياناً وأحياناً إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطئوا أخر )، فهذا هو الغالب من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والسنة أن يفعله الإنسان فيمن كان يصلي بجماعة، لكن ما ثبت من الأحاديث في تأخير النبي صلى الله عليه وسلم العشاء حتى ابهار الليل أو ذهب عامة الليل ونام النساء والصبيان -كما ثبت ذلك في حديث ابن عمر وابن عباس وعائشة وأبي موسى وغيرهم وكلها في الصحيح- فإن هذا إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم لعارض؛ ولذلك في حديث أبي موسى المتفق عليه أنه قال: ( أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فصادفناه وله بعض الشغل في بعض أمره فأعتم بالعشاء )، فبين أن إعتامه وتأخيره للعشاء إنما كان لانشغاله، وكذلك في حديث ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: ( شغل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ) يعني: فلم يصل العشاء ( حتى نام النساء والصبيان ) شغل النبي صلى الله عليه وسلم عنها ليلة.

    وهذا الشغل ورد مصرحاً به في رواية عند الطبري من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر من وجه صحيح كما يقول ابن حجر : عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، أن ذلك كان لاشتغاله صلى الله عليه وسلم بتجهيز جيش، فهذا الشغل الذي جعله يؤخر العشاء، فلابد أن ينتبه لذلك فيما يتعلق بوقت صلاة العشاء.

    1.   

    شرح حديث: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة)

    بعد ذلك ننتقل إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في موضوع الإبراد بصلاة الظهر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم ).

    تخريج الحديث

    يقول المصنف: متفق عليه، والحديث رواه البخاري في كتاب المواقيت، (باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر)، ورواه مسلم أيضاً في الكتاب نفسه، (باب: استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة).

    وكذلك روى الحديث أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، فهو مما يصح أن يقال فيه: رواه الجماعة أو رواه الستة، وليس متفقاً عليه فقط.

    معاني ألفاظ الحديث

    وفيما يتعلق بمعاني ألفاظ الحديث فإن فيه قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا اشتد الحر فأبردوا) ومعنى قوله: (فأبردوا) أي: أخروا الظهر إلى أن يبرد الجو ويخف وهج الظهيرة، فمعنى (أبردوا) أي: ادخلوا في وقت البرد. أو كما نقول: البراد. كما يقال: أظهر إذا دخل في وقت الظهر، هذا بالنسبة للزمان، وكذلك يقال في المكان: أنجد فلان إذا دخل في نجد، وأتهم إذا دخل في تهامة، وهكذا، فمعنى (أبردوا) يعني: أخروا إلى وقت البرد وخفة الحرارة.

    وقوله: (بالصلاة) الباء هاهنا للتعدية، وقيل: إنها زائدة، وجاء في رواية الكشميهني من صحيح البخاري وفي مصادر أخرى: ( فأبردوا عن الصلاة )، والمقصود بالصلاة صلاة الظهر كما جاء مصرحاً به في حديث أبي سعيد الخدري في صحيح البخاري، المقصود: صلاة الظهر.

    (فإن شدة الحر من فيح جهنم) (من فيح جهنم) أي: من سعة حرها وانتشارها، فإن الفيح في الأصل هو السعة، ومنه يقول أهل اللغة: هذا واد أفيح، يعني: واسع.

    فمعنى (من فيح جهنم) أي: من شدة حرها وسعة انتشاره.

    وفي هذا الحديث علل النبي صلى الله عليه وسلم شدة الحر بأنها من فيح جهنم، أعاذنا الله وإياكم من جهنم.

    وظاهر الحديث يدل على أن سبب شدة الحر هو فيح جهنم وسعة حرها وانتشار سعيرها.

    ومما يشهد لهذا الظاهر ما رواه الشيخان أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب! أكل بعضي بعضاً. فأذن الله تبارك وتعالى لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير ) يعني: أشد ما تجدون من الحر من حرها، وأشد ما تجدون من الزمهرير من بردها.

    وقد أشكل هذا على طائفة من أهل العلم:

    أولاً: أشكل على بعضهم شكوى النار (اشتكت النار إلى ربها) فقال بعضهم: إن هذا تمثيل. والصواب ما رجحه كثير من أهل العلم -كـابن عبد البر وغيره- أنه على حقيقته، ولذلك يقول القرطبي : لا مانع من حمل اللفظ على حقيقته، فإذا أخبر الصادق بخبر ولم يحتج إلى تأويله فالأولى حمله على الحقيقة.

    ومثل ذلك قال القاضي عياض والنووي والتربشتي والزين بن المنير وغيرهم من أهل العلم، قالوا: إن الشكوى -شكوى النار إلى ربها- هي شكوى حقيقية، يعني: بلسان المقال لا بلسان الحال.

    ثم اختلفوا أيضاً في مسألة كون شدة الحر من فيح جهنم ما معنى ذلك؟ فذهبوا إلى مذاهب:

    منهم من قال -كما سبق-: إن في الكلام تشبيهاً، والمعنى: أن شدة الحر يشبه حر جهنم، وهذا غير صحيح:

    أولاً: لأنه خلاف ظاهر الحديث، لأن ظاهر الحديث ( فإن شدة الحر من فيح جهنم ).

    وثانياً: أن الحديث الآخر قال: ( اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف ) وهذا لا يمكن أن يكون تشبيهاً.

    القول الثاني: قالوا: إن شدة الحر فعلاً خارجة من النار وليست من الشمس، وهذا مكابرة للحس والواقع، وليس بصحيح.

    يقول بعض المصنفين: وعندي أن تكذيب الحديث أولى من هذه المكابرة.

    وأقول: لسنا بين خيارين: إما أن نكذب الحديث وإما أن نكابر هذه المكابرة، بل نقول: إن هناك أجوبة أخرى لا تستدعي تكذيب الحديث، ولا تستدعي مكابرة الحس والواقع.

    القول الثالث: قالوا: إن الشمس هي شعلة من النار أخرجها الله منها شرارة، ثم استقرت في هذا المكان الذي هي فيه لمصلحة العباد، وبناء على ذلك فإن ما يحدث من آثار الشمس من شدة الحر هو في الأصل من فيح جهنم أيضاً؛ ولذلك قال هؤلاء: ولذلك فإن الله عز وجل يعيد الشمس يوم القيامة إلى ما كانت منه في الأصل، فتعود إلى النار، كما في قوله تعالى في آخر سورة الأنبياء: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98]، وقد جاء في الحديث الصحيح: ( أن الشمس والقمر مكوران في النار يوم القيامة ).

    القول الرابع: قالوا: إن حرارة الشمس ليست منها هي، وإنما هي مكتسبة من جهنم، فهي صادرة للشمس من جهنم، وبالتالي فشدة حر الشمس أيضاً من جهنم.

    والقول الخامس -وهو عندي أرضى هذه الأقوال وأحسنها وأسلمها من الاعتراض- أن يقال: إن لشدة الحر سببين: سبب شرعي وسبب طبعي.

    فأما السبب الطبعي فهو من الشمس، وأما السبب الشرعي فهو من حر جهنم ووهجها، ولا مانع من أن يتزامن السببان في وقت واحد، كما يقال ذلك في مثل الخسوف والكسوف وغيرها، مع أن لها أسباباً طبيعية معروفة لدى أهل العلم، لا يمنع ذلك أن يكون لها الأسباب الشرعية، إما من تجلي الله عز وجل لهذه المخلوقات، أو ما ورد أن الله تعالى يخوف بها عباده، أو بغير ذلك مما يعتبر داخلاً في الأسباب.

    حكم الإبراد بصلاة الظهر وأقوال العلماء فيه

    ننتقل إلى المسألة الواردة في الحديث، وهي مسألة الإبراد بصلاة الظهر، المسألة الفقهية: مسألة: الإبراد بصلاة الظهر.

    في الإبراد بصلاة الظهر وتأخير الظهر إلى أن يبرد الجو والوقت ثلاثة أقوال:

    القول الأول: وجوب الإبراد

    القول الأول: قالوا: يجب الإبراد، وهذا القول حكاه القاضي عياض، وهو نص محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة في كتاب الأصل له، وفي ذلك رد على من زعم الإجماع على عدم الوجوب، فقد نقل نص محمد بن الحسن على وجوبه ولكنه قول ضعيف.

    القول الثاني: استحباب الإبراد وأدلته

    القول الثاني: وهو مذهب الجمهور -جمهور الصحابة وجمهور الأئمة المتبوعين كـالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي حنيفة وغيرهم- أن الإبراد مستحب.

    واستدل هؤلاء بأدلة: منها حديث الباب -حديث أبي هريرة -: ( إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم ) والحديث متفق عليه، ونحوه حديث أبي سعيد في صحيح البخاري وحديث ابن عمر في صحيح البخاري أيضاً، ومثله حديث المغيرة قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر في الهاجرة، ثم قال: أبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم )، وحديث المغيرة هذا رواه أحمد في مسنده وابن ماجه وابن حبان في صحيحه، قال البوصيري في الزوائد : إسناده صحيح ورجاله ثقات.

    وقال ابن حجر في فتح الباري أيضاً: رجاله ثقات. وصححه ابن حبان .

    وفيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهاجرة ثم أمر بالإبراد ).

    وهناك في حديث المغيرة لفظ آخر، قال: ( كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإبراد ) وهذا اللفظ رواه الخلال، وحديث المغيرة أيضاً صححه الإمام أحمد وأبو حاتم .

    ووردت أحاديث أخرى كثيرة عن أنس وغيره في مسألة الإبراد بصلاة الظهر، كما ورد أيضاً حديث عند أحمد في مسنده عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وعند أحمد أيضاً عن صفوان الزهري وعند النسائي عن أنس، وكلها في أن النبي صلى الله عليه وسلم أبرد بصلاة الظهر أو أمر بذلك.

    وكل هذه الأدلة تشهد لما ذهب إليه الجمهور من استحباب تأخير الظهر في شدة البرد.

    وقد اشترط بعض هؤلاء القائلين باستحباب الإبراد شروطاً:ً

    منها: شدة الحر، وهذا اشترطه جميعهم، وهو صريح الحديث ( إذا اشتد الحر ).

    والشرط الثاني قالوا: أن تكون البلاد حارة.

    والشرط الثالث قالوا: أن تكون الصلاة في جماعة.

    والشرط الرابع: أن يكونوا يأتون إلى المسجد من أماكن بعيدة.

    وقال النووي : ظاهر الحديث يدل على أنه لا يشترط إلا شدة الحر. يعني: بقية الشروط الأخرى لا دليل على اشتراطها.

    القول الثالث: استحباب الصلاة في أول الوقت مطلقاً وأدلته

    القول الثالث: وهو وجه شاذ للشافعية ونقل عن بعض السلف: أنه يستحب صلاة الظهر في أول وقتها ولا يستحب الإبراد، واستدل هؤلاء بأدلة كثيرة:

    منها: النصوص الكثيرة في مشروعية الصلاة في أول وقتها أو على وقتها، وسيأتي شيء من ذلك.

    ومنها: النصوص الواردة في أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بعد زوال الشمس.

    ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه عن خباب رضي الله عنه قال: ( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا ) فقالوا: هذا الحديث يدل على أنهم كانوا يصلون في وقت شدة الرمضاء وأنهم طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام تأخير الصلاة، فلم يقبل منهم هذا الطلب ولم يزل شكواهم.

    وهذا الحديث -وإن استدلوا به- إلا أن استدلالهم به مدفوع من وجوه عديدة، فمن أهل العلم من قال: إن هذا الحديث منسوخ. وهذا نقل عن الإمام أحمد والأثرم والطحاوي وغيرهم، أن هذا الحديث منسوخ بأحاديث الإبراد، ولذلك قال الإمام أحمد : إن الإبراد آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وحديث المغيرة السابق أنه صلى بالهاجرة ثم أبرد صريح في النسخ، وأصرح منه رواية الخلال : [ كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإبراد ] هذا الوجه الأول، أن يقال بأن الحديث منسوخ بأحاديث الإبراد.

    الوجه الثاني: أن يقال: إن معنى قوله: ( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة الرمضاء فلم يشكنا ) أن معنى قوله: (فلم يشكنا) أي: أنه لم يحوجنا إلى الشكوى، بل أزال ما نشكو منه وأذن لنا في التأخير. وهذا حكي عن ثعلب، ويشكل على هذا الوجه ما رواه البيهقي وابن المنذر في نفس الحديث: ( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا وقال: صلوا إذا زالت الشمس )، فهو صريح بأنه لم يزل شكواهم.

    الوجه الثالث الذي يجاب به عن هذا الحديث: ( فلم يشكنا ) أن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم طلبوا تأخيراً زائداً عن الوقت أكثر من وقت الإبراد الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الوجه لا بأس به، خاصة وسيأتي بعد قليل ما يشهد له.

    كذلك من أدلة من قالوا باستحباب صلاة الظهر في أول وقتها: ما رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ( كنا نصلي الظهر مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يسجد على الأرض وضع رداءه فسجد عليه )، ( فإذا لم يستطع أحدنا أن يسجد على الأرض ) يعني: من شدة الحر ( وضع رداءه فسجد عليه ) اتقاء للحر، والحديث أصله في الصحيحين، وهو مثل حديث خباب السابق، يدل على أنهم كانوا يصلون في شدة الرمضاء، ويجاب عنه بما أجيب في السابق: إما أنهم طلبوا تأخيراً زائداً عن الوقت، أو أن هذا منسوخ بأحاديث الأمر بالإبراد، ولا إشكال فيها.

    ننتقل إلى سؤالين لابد من الإجابة عليهما، طبعاً: الراجح في موضوع الإبراد أنه مستحب ما لم يكن في ذلك حرج على الناس، فيقال فيه مثل ما يقال في تأخير صلاة العشاء، أنه إن كان في الإبراد حرج ومشقة على الناس لم يفعل؛ لأن أصل المقصود بالإبراد دفع المشقة عن الناس، فإذا كان في فعله مشقة فإن تركه يكون أولى؛ جمعاً لكلمة الناس وجماعتهم وإبعاداً عما يثقل عليهم.

    سبب الإبراد

    في مسألة الإبراد هنا سؤالان:

    السؤال الأول: ما هو السبب في الإبراد؟

    يحتمل أن يكون السبب في أمره صلى الله عليه وسلم بالإبراد حتى يبرد الجو وتبرد الأرض بعض الشيء ليصلي الواحد منهم وهو مطمئن في صلاته لا ينقص خشوعه، فيكون ذلك مثلما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بحضرة الطعام، ومثلما نهى عن الصلاة وهو يدافعه الأخبثان؛ تحصيلاً لكمال الخشوع في الصلاة، هذا احتمال.

    الاحتمال الثاني: أن يكون أمر عليه الصلاة والسلام بالإبراد وفعله حتى يكون للحيطان ظل يستظل به الماشي إلى المسجد..

    وعلى هذا لا يكون هناك تعارض بين الأمر بالإبراد وبين ما سبق في حديث خباب ( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا )، وحديث أنس : أنهم كانوا إذا لم يستطع أحدهم أن يسجد على جبهته بسط رداءه فسجد عليه، لا تعارض بينهما؛ لأن حر الشمس لا يزول عن الأرض بمجرد وجود الظل للحيطان، بل يبقى بعد ذلك فترة، فيكونون أبردوا ومع ذلك كانت الأرض حارة، فطلبوا زيادة الإبراد فلم يقبل منهم صلى الله عليه وسلم.

    ويحتمل أن يكون الإبراد لأمر ثالث، وهو بسبب أنه وقت عذاب، كما قال عليه السلام: ( من فيح جهنم )، ولذلك جاء في صحيح مسلم عن عمرو بن عبسة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( أقصر عن الصلاة عند زوال الشمس؛ فإن جهنم تسجر حينئذ )، فعلل صلى الله عليه وسلم النهي عن الصلاة في وقت الزوال -يعني: لحظة الزوال- بأن جهنم كانت تسجر في هذا الوقت، والتعليل -تعليل الأمر بالإبراد بأن ذلك وقت عذاب- فيه إشكال من وجهين:

    الوجه الأول: أن الإبراد ليس مطلوباً في كل السنة، وإنما المطلوب فقط في وقت شدة الحر.

    الأمر الثاني: أن المعهود عند وقت العذاب أن يفزع الإنسان إلى العبادة والصلاة يستدفع بها بأس الله تعالى وغضبه، فيناسب الصلاة، وليس ترك الصلاة في مثل هذا الوقت، وإنما الأمر بالإبراد رفقاً وتجنباً للمشقة على الناس.

    حد الإبراد في وقت الظهر

    النقطة الثانية: إلى أي حد يكون الإبراد؟ إلى أي حد؟

    مداخلة: السؤال الثاني يا شيخ؟

    الشيخ: نعم السؤال الثاني: إلى أي حد يكون الإبراد؟

    في حديث أبي ذر في الصحيحين ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر، فأذن مؤذنه -وهو بلال -، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أبرد فإن شدة الحر من فيح جهنم. قال أبو ذر : حتى رأينا فيء التلول )، والفيء هو الظل بعد الزوال، والتلول: جمع تل، وهو كل ما تجمع على الأرض من تراب ونحوه، والعادة أن التلول منبطحة ليست مرتفعة، منبطحة فلا يظهر فيئها إلا بعد الزوال بوقت طويل، فأخروا الظهر حتى رأوا فيء التلول.

    بل في رواية أخرى في صحيح البخاري قال: (حتى ساوى الفيء التلول ) يعني: تساوى الفيء مع التل، وهذا ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الظهر حتى صار ظل الشيء مثله، وهل يعقل هذا؟ هل يمكن؟

    يمكن؛ لأنه كان في سفر، فيحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، لا مانع، وإلا فقد خرج وقت الظهر بذلك، كما أنه يحتمل الحديث معنى ثانياً، وهو أن يكون ساوى الفيء التلول يعني على سبيل التقريب، وليس على سبيل أنه قاسه فوجده مساوياً له، وقد قال بعض أهل العلم: يبرد حتى يكون ظل الشيء قدر ثلث قامة أو ربع قامة أو نصف قامة، وقال بعض الفقهاء: يشترط أن يكون في النصف الأول من الوقت.

    وظواهر النصوص تدل على أن الإبراد يكون في النصف الأخير من الوقت وليس في النصف الأول، لكن لا يكون في نهاية الوقت، بل يكون قبل نهايته، وهذا هو الوقت الذي يحصل به الإبراد في الجو ووجود الظل الذي يستظل به، وظهور فيء التلول.

    في الأسبوع القادم -إن شاء الله- نكمل بقية الأحاديث.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.