إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب التيمم - حديث 145-148

شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب التيمم - حديث 145-148للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من كان به جروح أو لصوق أو جبائر لا يستطيع معها الوضوء فعليه أن يتوضأ أو يغتسل ويمسح على الجبيرة أو الجروح أو اللصوق، وهل يتيمم؟ قولان لأهل العلم الراجح منهما عدمه، وهذا من مظاهر يسر الإسلام وسماحته، ولهذا لم يقيد المسح على الجبائر بمدة أو أن توضع على طهارة -خلافاً للشافعي- كما في المسح على الخفين.

    1.   

    شرح أثر ابن عباس في مشروعية التيمم لمن به جراحة أو قروح وخشي أن يموت إن اغتسل للجنابة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله وخيرته من خلقه, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

    فيما يتعلق بالحديث الأول أو بالأثر الأول وهو أثر ابن عباس رضي الله عنه: في قوله تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ [النساء:43] قال: (إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله والقروح، والجدري -كما ورد في المصادر- فيخاف أن يموت إن اغتسل تيمم).

    تخريج الأثر

    الحديث رواه الدارقطني موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنه، ورواه البزار، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي وغيرهم، مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، البيهقي رواه في كتابه معرفة السنن والآثار له، كما ذكر ذلك السيوطي في كتابه الدر المنثور في التفسير بالمأثور، رواه هؤلاء مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    أما الدارقطني فرواه موقوفاً على ابن عباس، وهذا الحديث جاء من طريق جرير بن عبد الحميد عن عطاء -يعني ابن السائب - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعطاء بن السائب اختلط في آخر عمره كما سبق بيان ذلك في حديث -فيما أذكر-: ( يكفيك الماء ولا يضرك آثره ). فـعطاء قد اختلط في آخر عمره، وجرير ممن روى عنه بعد الاختلاط، كما ذكر ذلك الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والعقيلي وغيرهم، بل إنهم نصوا على أن جريراً يرفع عن عطاء عن سعيد أشياء لا يرفعها غيره، يعني: يرفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حين أن غيره لا يرفعها، ولذلك فإن الصحيح في هذا الحديث أنه موقوف على ابن عباس من قوله هو، ولا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه حتى الموقوف فيه نظر؛ لأن الأسانيد التي وقفت عليها في المصادر المذكورة من طريق جرير عن عطاء كما ذكرت لكم، وهو قد روى عنه بعد الاختلاط، فيكون فيه ضعف، إلا أن يكون له طرق أخرى تقويه وتدفع هذا الضعف عنه، فالحديث موقوف.

    حكم التيمم لمن خشي الضرر من استعمال الماء

    أما ما يتعلق بمعنى الحديث، فإنه يدل على أن الإنسان إذا خاف على نفسه من الموت فإنه يترك استعمال الماء في الغسل -ومن باب الأولى في الوضوء- ويتيمم، ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز له أن يترك الماء مع وجوده إلا إذا خاف الموت، وهذا منقول عن الإمام أحمد وهو رواية عن الشافعي .

    وقال آخرون: بل إذا خاف الضرر ولو لم يكن خاف الموت فإنه يتيمم. وهذه هي الرواية الأخرى عن الشافعي، ومذهب مالك وأبي حنيفة .

    والقول الثالث وهو مذهب داود والظاهرية، وبعض أهل الحديث، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك رجحه الصنعاني في سبل السلام هو: أنه إذا كان به مرض جاز له أن يتيمم، وهذا هو المنسجم مع ظاهر الآية في قوله: وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى [النساء:43]، فإذا كان مريضاً سواء خاف الضرر بزيادة المرض، أو بتأخير البرء، أو بما أشبه ذلك فإنه يتيمم؛ لأن التيمم رخصة، فلا ينبغي أن يضيق فيها على عباد الله.

    فالقول بأن التيمم يجوز للإنسان عند خوف الضرر بزيادة المرض، أو تأخر البرء، أو ما أشبه ذلك هو القول المرجح.

    وأما قول ابن عباس رضي الله عنه هاهنا: [ فيخاف أن يموت ]، فليس المقصود أنه لا يجيز ذلك إلا بخوف الموت، ولكن لعله ذكر ذلك على سبيل المثال، ومثله قوله: [ تكون بالرجل الجراحة في سبيل الله ]، فإنه لو كانت الجراحة به بسبب سقوط من مكان، أو ضربة، أو ما أشبه ذلك، ولو لم تكن من أجل في سبيل الله وبسبب الجهاد، فإن الحكم يشمله أيضاً في جواز التيمم وترك الاغتسال.

    1.   

    شرح حديث علي في المسح على الجبائر

    أما الحديث الآخر وهو حديث علي رضي الله عنه قال: ( انكسرت إحدى زندي، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرني أن أمسح على الجبائر )، يقول المصنف: رواه ابن ماجه بسند واه جداً، رواه ابن ماجه في سننه في باب المسح على الجبائر.

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله: (إحدى زندي) الزند: هو ملتقى الذراع بالكف، وهو مذكر، ولذلك فإن الصواب أحد زندي؛ لأن إحدى إنما تقال للمؤنث، إلا أن يكون نظر إلى معنى آخر، ولكن الظاهر أنه ما دام مذكراً فإنه ينبغي أن يقال: أحد زندي، وليس إحدى زندي.

    تخريج الحديث وكلام أهل العلم فيه

    قول المؤلف رحمه الله: (بإسناد واه جداً) يعني: ضعيف جداً، وسبب ضعف هذا الحديث أنه من رواية عمرو بن خالد الواسطي وهو كذاب؛ كذبه الإمام أحمد ويحيى بن معين، فقالا: كذاب. وقال البخاري : منكر الحديث. وقال وكيع وأبو زرعة : كان يضع الحديث. وقال الحاكم : يروي عن زيد بن علي الموضوعات، وهذا كلام الحاكم .

    ورواية هذا الحديث هي من طريق زيد بن علي ؛ فإن عمرو بن خالد الواسطي يروي الحديث عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب، فهو من الموضوعات على رأي الحاكم في كلامه، ولذلك اتفق العلماء على أن هذا الحديث ضعيف، فضعفه من سبق من أهل العلم، وكذلك قال الإمام النووي : اتفق الحفاظ على ضعف حديث علي في هذا، وكذلك قال الشوكاني في نيل الأوطار، ولعله نقل كلام النووي، لكن مما لا شك فيه أن العلماء متفقون على ضعفه، بل هو ضعيف جداً إن لم يكن موضوعاً؛ لأن من كان هذا شأنه فحديثه موضوع.

    وبالمناسبة فإن رواية عمرو بن خالد الواسطي عن زيد بن علي هي في كتاب اسمه: مسند زيد، وهو مطبوع يباع في المكتبات فانتبهوا له، مسند زيد بن علي كتاب مطبوع، وبعض الطلاب كلما رأوا كتاباً اشتروه دون أن يتبصروا فيقرءون فإذا وجدوا فيه حديثاً اعتمدوه.

    مسند زيد بن علي هذا طبع في مصر وطبع في غيرها من البلاد. هو من رواية عمرو بن خالد الواسطي الكذاب عن زيد، ومع الأسف أنه قد قدم للكتاب بتقاريظ لعدد من العلماء، وبعضهم من شيوخ الأزهر، وهذا ليس من الأمانة في شيء، فإنه مدعاة إلى انخداع طلاب العلم -فضلاً عن الدهماء- بمثل هذا الكتاب وأخذ ما فيه، وكل ما فيه لا يرتقي عن أن يكون موضوعاً أو ضعيفاً جداً على أحسن الأحوال، فينبغي التنبه لهذا الكتاب.

    شواهد الحديث

    وقد ورد في المسح على الجبيرة أحاديث أخرى غير حديث علي رضي الله عنه، فمنها حديث أبي أمامة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربه ابن قمئة

    يوم أحد في رأسه، فكان صلى الله عليه وسلم يمسح عليها
    )، وهذا الحديث رواه الطبراني في الكبير، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : في إسناده حفص بن عمر العدني وهو ضعيف.

    وكذلك قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير قال: إسناده ضعيف، وأبو أمامة لم يشهد أحداً. فانتقده الحافظ ابن حجر من جهة حفص بن عمر هذا، ومن جهة المعنى؛ فإن أبا أمامة لم يشهد أحداً حتى يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك ضعفه بعضهم بأن شيخ الطبراني مجهول، فعلى كل حال حديث أبي أمامة هذا ضعيف أيضاً.

    ومن الأحاديث الواردة في المسح على الجبيرة حديث ابن عمر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الجبائر )، وقد رواه الدارقطني وقال: لا يصح مرفوعاً. وأبو عمارة ضعيف، واسم أبي عمارة هذا محمد بن أحمد المهدي وهو ضعيف .

    فأحاديث المسح على الجبيرة كلها ضعيفة، بل شديدة الضعف، ولذلك قال الإمام البيهقي رحمه الله: لا يثبت في هذا الباب شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني: في باب المسح على الجبيرة، وأصح ما فيه حديث عطاء، يعني حديث جابر الذي ساقه المصنف بعد ذلك، هذا كلام البيهقي رحمه الله.

    أما ما ذهب إليه الشوكاني والصنعاني حين ظنا أن هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً فهو ليس بصحيح؛ لأن هذه الأحاديث شديدة الضعف، ومن المعلوم أن الحديث حين يكون ضعفه شديداً لا يتقوى ولو تعددت طرقه، فإن من شرط انجبار الحديث بتعدد الطرق أن يكون الضعف غير شديد، أما من كان شديد الضعف كأن يكون ضعيفاً جداً، أو متروكاً، أو كذاباً، أو وضاعاً؛ فهذا لا ينجبر حديثه ولو جاء من عشرين طريقاً، فما ذهب إليه الشوكاني والصنعاني من تقوية أحاديث المسح على الجبيرة ببعضها غير سديد ولا صحيح.

    هذا فيما يخص الحديث من حيث الكلام على إسناده، وما يتعلق به من الأحاديث الأخرى، وأما مسألة المسح على الجبيرة فأتركها حتى ننتقل إلى الحديث الذي بعده لأنه يتعلق به أيضاً.

    1.   

    شرح حديث جابر في قصة صاحب الشجة

    الحديث الذي بعده هو حديث جابر رضي الله عنه في قصة صاحب الشجة، والمصنف عزا الحديث لـأبي داود، وأبو داود أخرجه في سننه في كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم، وذكر في أوله قصة عن جابر رضي الله عنه قال: ( كنا في سفر فأصابت رجلاً منا شجة في رأسه، فأجنب، فقال: هل تعلمون لي رخصة أن أتيمم؟ فقلنا: لا نعلم لك رخصة وأنت تجد الماء، قال: فاغتسل فمات، فلما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما جئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه، فقال: قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ثم يعصب أو يعصر -شك موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي أحد الرواة في هذا الحرف- على جرحه خرقة، ثم يمسح عليه، ثم يغسل سائر جسده ).

    تخريج الحديث وكلام أهل الحديث في رواياته

    المؤلف رحمه الله ذكر أن في إسناده ضعفاً، وهو كذلك؛ لأن أبا داود رواه من طريق الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر، والزبير هذا ضعيف، قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب : لين الحديث . وقد انفرد بهذا اللفظ -خاصة موضوع المسح، قوله: (ثم يمسح عليه) فإنه انفرد به- ولم يرد إلا من طريقه، فالحديث بهذا اللفظ ضعيف.

    وأما قول المصنف رحمه الله: (وفيه اختلاف على رواته) فإنه يعني: أن الرواة اختلفوا في هذا الحديث، فإن الزبير بن خريق -كما ذكرت لكم- رواه عن عطاء عن جابر رضي الله عنه، وخالفه في ذلك الأوزاعي إمام أهل الشام، فرواه عن عطاء عن ابن عباس، وقال مرة: عن رجل عن عطاء عن ابن عباس، وقال مرة ثالثة: بلغني عن عطاء عن ابن عباس . والمقصود بـعطاء هاهنا هو عطاء بن أبي رباح، بخلاف الرجل في الحديث الأول فهو عطاء بن يسار، فاختلف في ذلك الرواة، فإن الزبير بن خريق قال: عن عطاء عن جابر كما ذكره المصنف، وهو عند أبي داود .

    أما الأوزاعي -وهو أعلم وأحفظ وأثبت، بل هو إمام حجة- فإنه رواه عن عطاء عن ابن عباس، وروايته عند الدارقطني بطرقه الثلاث، مرة عند الدارقطني، ومرة قال: عن عطاء عن ابن عباس، ومرة قال: قال عطاء عن ابن عباس، ومرة قال: بلغني عن عطاء، ومرة قال: عن رجل عن عطاء، وهذا الرجل الذي روى عنه الأوزاعي عن عطاء لعله إسماعيل بن مسلم، كما ذكر ذلك أبو زرعة وأبو حاتم، قالوا: إن الأوزاعي لم يروه عن عطاء وإنما رواه عن إسماعيل بن مسلم، وإسماعيل بن مسلم أظنه المكي البصري وهو ضعيف، فإن كان كذلك فالحديث ضعيف، وهو مضطرب أيضاً، فالذي يترجح لي -والله تعالى أعلم بالصواب- أن الحديث كله ضعيف، ولا يقوى أو يشد بعضه بعضاً؛ لأنه مضطرب، ومداره على هذه الروايات التي ذكرت لكم.

    ومن أهل العلم من حسن هذا الحديث بمجموع طرقه، فاعتبره حسناً لغيره دون لفظة: (ثم يمسح عليه) الواردة في حديث جابر، فإن المسح لم يرد إلا من طريق الزبير بن خريق .

    على كل حال: الحديث الذي يظهر لي الآن أنه ضعيف، سواءً عن طريق جابر أو عن طريق ابن عباس، وإن قلنا: إنه حسن لغيره فإن الشاهد في الحديث لا يصح، وهو أنه يمسح على هذه الجبيرة التي عصب بها جرحه، هذا اللفظ انفرد به الزبير وهو ضعيف، فحتى من قالوا: إن الحديث حسن اعتبروا هذه الزيادة ضعيفة.

    حكم المسح على الجبيرة

    أما مسألة المسح على الجبائر فإن فيها كلاماً كثيراً لأهل العلم، وأشهر الأقوال في ذلك ثلاثة أقوال:

    القول الأول: قول الجمهور، وبالمناسبة المقصود بالجبائر: هي كل ما يشد أو يعصب على الكسر، سواءً كانت من الخشب أو الخرق أو الجبس، أو غيرها مما يستر به موضع الجرح أو الكسر، وهي جمع جبارة بكسر الجيم، أو جبيرة بفتح الجيم، كما ذكره النووي في المجموع .

    فالقول الأول في المسح على الجبائر: مذهب الجمهور، ذهب إليه جمع من الصحابة، كـابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما صح ذلك عنهما، وذهب إليه جمع من التابعين أيضاً كـالحسن البصري وغيره، وذهب إليه من الأئمة الأوزاعي، وأحمد، ومالك وأهل الرأي، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمزني، والشافعي في مذهبه القديم في العراق، والأوزاعي كما ذكرت، بل هو مذهب الفقهاء السبعة.. فقهاء المدينة المشهورين، بل إن الإمام ابن المنذر في كتابه الأوسط نسبه إلى هؤلاء وإلى غيرهم وقال: فهو كالإجماع. ولا أحفظ أحداً خالف في المسح على الجبائر إلا ما يذكر من القول الآخر للشافعي، فإن للشافعي قولاً آخر في هذه المسألة، فهو مذهب الجماهير من أهل العلم: أن الإنسان إذا شد الجبيرة يمسح عليها بشروطها، وحجة أصحاب هذا القول ما يلي:

    أولاً: احتج بعضهم بما سبق من الأحاديث كحديث علي: (انكسرت إحدى زندي)، وحديث أبي أمامة في مسح النبي صلى الله عليه وسلم على جرحه في أحد، وحديث ابن عمر في كون النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الجبائر، لكن كل هذه الأحاديث أحاديث ضعيفة لا تصح، فلا يحتج بها.

    الدليل الثاني: ما ثبت عن جمع من الصحابة أنهم كانوا يمسحون على الجبائر، فروى الدارقطني عن ابن عمر : أنه كان يمسح على الجبائر. وروى الدارقطني، والبيهقي، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وابن المنذر وغيرهم: (أن ابن عمر أصاب إبهام رجله جرح فألقمه مرارة فكان يمسح عليها)، وقال البيهقي : هو عن ابن عمر صحيح. وكذلك ذكر ابن المنذر في الأوسط عن ابن عباس : (في الرجل إذا كان به جرح فيخاف من الوضوء، قال: يمسح عليه). قالوا: ولم يعرف لهؤلاء مخالف من الصحابة، فكان كالإجماع من الصحابة على مشروعية المسح على الجبيرة، ولا شك أنه يصعب القول بأن هذا إجماع من الصحابة، يصعب القول بذلك، لكن هذه طريقة بعض الفقهاء، هذا الدليل الثاني لهم في المسح على الجبائر.

    واستدلوا ثالثاً بأن قالوا: إن المسح على الجبيرة هو أولى من التيمم وغيره؛ وذلك لأن المسح يكون على العضو نفسه، فإذا كان الكسر في اليد فإنه يمسح على اليد نفسها، بخلاف التيمم فإنه يكون على الكفين والوجه كما هو معروف، وكذلك هو أولى من جهة أنه باستخدام الماء -يعني: المسح- فإنه يمسح بالماء بخلاف التيمم فإنه بالتراب، ولا شك أن استخدام الماء أولى من استخدام التراب ما دام الماء موجوداً وممكناً، إضافة إلى أنهم قالوا: إن الشارع خفف في أمور كثيرة في موضوع المسح، وذلك كالمسح على الخفين، والمسح على العمائم، والمسح على الخمار، وهذا كله سبق: أن الإنسان يجوز له أن يمسح على خفيه، ويمسح على العمامة إذا كان يشق نزعها، وكذلك المرأة تمسح على الخمار إذا كان يشق عليها نزعه، كل ذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالمشقة في الجبيرة أعظم، والحاجة إلى التخفيف فيها أكبر وأشد، ولذلك فإن القول بالمسح على الجبيرة مناسب لهذه الرخص التي جاء بها الشارع، كالمسح على الخفين وعلى العمامة وعلى الخمار كما سلف.

    وقد يقال: إن بين المسح على الخفين وبين المسح على الجبيرة فرق أو فروق، ولا شك أن بينها فروقاً، لكن يقال: إن المسح على الجبيرة إنما يكون لحال الضرورة، والضرورة لها أحكام تقدر بقدرها، والشارع جاء بالرخصة والتخفيف في مثل هذه الأحوال، وإذا ضاق الأمر اتسع.

    ومما يقوي هذا القول أننا نقول: هب -يعني افترض- أن الجرح كان على الرجل، أو على القدمين كلتيهما، فوضع الإنسان عليهما جبساً، أو عصبهما بعصائب، ألا يمسح عليهما؟ يمسح عليهما، وحتى على قولهم: إذا كان على وضوء فإنه يمسح عليهما.

    فإذا جاءت مسألة التوقيت قلنا: إن الأقوال في التوقيت سبقت، يعني: أنه يمسح يوماً وليلة للمقيم وثلاثة أيام للمسافر، وذكرنا القول الآخر أن من أهل العلم من قالوا: إن التوقيت يعفى عنه إذا احتاج الإنسان إلى ذلك، كما إذا كان في سفر أو حالة جهاد أو شدة برد وما أشبه ذلك، فمن باب الأولى أن يعفى عنه إذا كان في حالة جبيرة على قدميه.

    هب أن الجرح كان برأسه، ثم وضع على رأسه لفافة أو خرقة، فهي أولى أن يمسح عليها من العمامة، والعمامة ليس فيها نص في التوقيت، ولا في كونه يلبسها على طهر، وإن كانت هذه كلها مواضع خلاف، وإذا كان ذلك في القدمين والرأس، فالأعضاء كلها سواء في هذا الأمر ويصعب القول بالتفريق بينها.

    حتى العمامة، العمامة فيها أقوال، منهم من قال: يشترط لبسها على طهارة، ومنهم من لم يشترط ذلك لعدم ورود نص صريح في هذا، وسبق بحث المسألة، ولذلك رجح هذا القول -يعني: بالمسح على الجبيرة- شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، وابن القيم وغيرهم من العلماء المحققين، وكذلك علماؤنا المعاصرون.

    القول الثاني في المسألة: هو أنه يمسح على الجبيرة ويتيمم، وهذا رواية في مذهب الإمام أحمد، ورواية عند الشافعية أيضاً، وكأنهم رأوا أن المسح لا يكفي؛ نظراً لأن الجبيرة تكون على موضع ليس فيه جرح، الجبيرة تشمل موضع الجرح وغيره، فكأنهم رأوا أنه يمسح على موضع الجرح ويتيمم عن الباقي، أو رأوا أن الأدلة لا تكفي فقالوا بالاحتياط في ذلك، والقول بالجمع بين الطهارتين طهارة المسح على الجبيرة وطهارة التيمم ليس عليه دليل، وهو جمع بين أمرين لا داعي للجمع بينهما ولا دليل على ذلك .

    القول الثالث: هو أنه يسقط عنه الموضع الذي فيه الجبيرة إلى غير بدل، فإذا كان فيه كسر مجبر مثلاً، فإنه لا يلزمه غسله لا في وضوء ولا في غسل؛ لأنه كما قال الله عز وجل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )، فقالوا: هذا لا يستطيع، فيكفي أن يغسل ما استطاع، ويترك موضع الجبيرة لا يمسح ولا يتيمم. وهذا منقول عن الشعبي، وهو مذهب الإمام ابن حزم كما في المحلى، وربما استدلوا بحديث رواه ابن أخي عطاء عن عطاء عن ابن عباس في الحديث السابق، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يكفيه أن يغسل ما استطاع )، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ولم يأمره بغسل موضع الجرح، ولكن في الاستدلال بهذا نظر من وجوه:

    أولاً: أنه لم يذكر أن هذا الرجل قد شد الجبيرة على موضع الجرح.

    وثانياً: أن الحديث منقطع وضعيف فلا حجة فيه، والحديث شأنه ما سلف، لذلك فإن القول الراجح فيما يظهر لي أنه يمسح على الجبيرة.

    الفروق بين المسح على الجبيرة والمسح على الخفين

    بين المسح على الجبيرة والمسح على الخفين فروق، ذكرها بعض الأحناف وأوصلوها إلى سبعة وثلاثين فرقاً، ومن أهم الفروق بين المسح على الجبيرة والمسح على الخفين:

    أن الخفين اشترطوا لهما اللبس على طهارة بخلاف الجبيرة.

    والخفان المسح عليهما مؤقت بخلاف الجبيرة.

    والخفان لا يمسح عليهما في الطهارة الكبرى، يعني الغسل من الجنابة، بخلاف الجبيرة فإنه يمسح عليها حتى في الغسل من الجنابة.

    وكذلك أن الجبيرة لا يمسح عليها إلا إذا كان يتضرر بإزالتها، فإن كان يستطيع أن يزيلها ويغسل الجرح أو يمسحه بالماء على الأقل، فإنه يزيلها ويغسل الجرح أو يمسحه بالماء إن استطاع ذلك ولم يكن عليه فيه ...

    هذه بعض الفروق بين المسح على الجبيرة والمسح على الخفين، ويمكن أن نضيف فرقاً خامساً: وهو أن المسح على الخفين يكون في القدمين فقط، بخلاف المسح على الجبيرة فهو يكون في أي موضع من البدن.

    خلاصة القول في المسح على الجبيرة

    المسألة ليس فيها أدلة صريحة؛ لأن أدلة المسح على الجبيرة كما ذكرت كلها ضعيفة جداً، ولكن هذا هو المشهور عن جماهير السلف، ومن راجع كتاب المصنف لـابن أبي شيبة، والمصنف لـعبد الرزاق، وسنن البيهقي، والأوسط لـابن المنذر، وغيرها، رأى هذا مشهوراً عند السلف، فالقول به وجيه جداً، ولكن لو ترك إنسان المسح باعتبار أنه لم يرد شيء، أو تيمم باعتبار أن التيمم يجزئ عن الغسل والوضوء في حال المرض، يعني: غسل ما استطاع وتيمم عن الباقي فالأمر في ذلك كله واسع؛ لأنه لم يرد في الشرع ما يمنع من ذلك، والله تعالى يقول: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة:115].

    1.   

    شرح أثر ابن عباس: (من السنة ألا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة ...)

    الحديث الأخير وهو حديث ابن عباس رضي الله عنه قوله: (من السنة ألا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة ثم يتيمم للصلاة الأخرى) رواه الدارقطني وهو ضعيف، وضعفه لأن فيه الحسن بن عمارة وهو ضعيف جداً.

    حكم أداء أكثر من صلاة بتيمم واحد

    أما مسألة: ألا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة فقد سبقت في مبحث: هل التيمم مبيح أو رافع؟ وسبق أن القول الراجح -بل الصحيح إن شاء الله- أن الإنسان يتيمم ثم يصلي ما شاء حتى ينتقض وضوءه بأحد نواقض الوضوء، أو بوجود الماء، أو بزوال العذر، أحد ثلاثة أمور، لا ينتقض التيمم إلا بأحد ثلاثة أمور: إما بنواقض الوضوء وهي معروفة، وإما بوجود الماء إن كان تيممه لفقدان الماء، وإما بزوال العذر إن كان تيممه لعذر، وأما اعتبار خروج الوقت ناقضاً للتيمم فلا دليل عليه.

    وهذا الأثر عن ابن عباس لا يصح، وقد جاء مثله عن بعض الصحابة وهو لا يصح أيضاً، هذا ما تيسر، فإن كان هناك أسئلة ضرورية حول هذه الموضوعات تطرح.

    1.   

    الأسئلة

    توسع عدد من أهل العلم في مسائل التيمم

    السؤال: ذكر الألباني حديثاً صحيحاً أن الإنسان إذا أراد أن ينام بعد الجماع ولم يغتسل ولم يتوضأ يجزئ عنه التيمم.

    الجواب: نعم مسألة التيمم يا إخوة! توسع فيها عدد من أهل العلم، ومن أكثر من توسع فيها الإمام ابن تيمية، فقال: إن الإنسان يمكن أن يتيمم إذا خاف فوات الجمعة، أو إذا خاف فوات الجنازة، أو إذا خاف فوات قيام الليل، أو إذا خاف التهمة لو اغتسل، لو خرج للحمام فخاف أن يتهم فيضره ذلك، ومثله ما شابه ذلك من الأمور، توسع في ذلك. ومن حجتهم حديث ابن جهيم في تيمم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة لرد السلام.

    فمن العلماء من توسع في باب التيمم في مثل هذه الأمور ولو كان الماء موجوداً، وقد ورد في ذلك آثار عن بعض الصحابة. نعم.

    حكم الإكثار من التيمم لصاحب الجبيرة

    السؤال: هل يجوز لصاحب الجبيرة أن يكتفي بالتيمم؟

    الجواب: المرض، يعني كون الإنسان فيه مرض مثل أن يكون به جدري أو مرض، إذا استعمل الماء زاد مرضه أو تأخر برؤه، أما الجبيرة فإنه يتعذر عليه إذا كان الجرح معصوباً أن يوصل الماء إليه أثناء وجود العصابة، فإذا أزال العصابة كان هنا مريضاً، ولذلك فإننا نقول: إذا كان الإنسان فيه جرح، وكان هذا الجرح مكشوفاً ليس مغطى فإنه يغسله بالماء، هذا هو الأصل، فإن كان الغسل يضره أو يؤخر برؤه فإنه ينتقل إلى المسح بالماء، وهذا ثبت عن الإمام أحمد، وهو أولى من المسح على الجبيرة وأولى من التيمم، يمسح على الجرح بالماء إذا لم يكن دونه ساتر، فإن كان المسح يضره أيضاً عدل حينئذ إلى التيمم، أما إذا وجدت الجبيرة فإن الأقوال فيها ما ذكرت، وقد بحثت فلم أقف على أحد من العلماء قال يتيمم فقط عن الجبيرة، ولا أنفي أن يكون فيه قول، بل إني أتوقع أن هناك قولاً موجوداً، لكن في حدود الكتب التي رجعت إليها لم أجد قولاً بأن الإنسان يتيمم فقط عن الجبيرة.

    حكم الوضوء بعد نزع الجبيرة

    السؤال: هل ينتقض وضوء من مسح على الجبيرة ثم نزعها؟

    الجواب: والله هذه مشكلة عندي، مسألة: إذا أزال الجبيرة فهل ينتقض وضوءه بذلك أو لا؟ طبعاً من أهل العلم من قال: إنه ينتقض ويجب عليه أن يتوضأ، ويغسل هذا الموضع أو يمسحه بحسب الإمكان، ومنهم من قال: إنه توضأ وضوءاً صحيحاً فلا ينتقض إلا بأحد النواقض، وبناءً على ما سبق في موضوع المسح على الخفين فالذي يظهر لي الآن أنه يتوضأ، وإن كنت لا أجزم بذلك.

    حكم المضمضة في الوضوء لمن في فمه جراحة

    السؤال: ما حكم من لا يستطيع أن يتمضمض مطلقاً؟

    الجواب: والله لا أدري، على مذهب ابن حزم الظاهر يسقط عنه، لكن على قول الجمهور لا أدري.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.