إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب - حديث 128 - 130

شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب - حديث 128 - 130للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يستحب في غسل الجنابة غسل الكفين والوضوء قبله، وهل يكون الوضوء كاملاً أم يؤخر غسل القدمين؟ خلاف في أيهما يستحب، واختلفوا في سنية غسل الرأس والأعضاء ثلاثاً، وفي حكم الدلك هل هو واجب أو مستحب، وحكم تنشيف الأعضاء والتي وقع الخلاف فيها على خمسة أقوال.

    1.   

    شرح حديث عائشة وميمونة في صفة غسل النبي من الجنابة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونصلي ونسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما اليوم فعندنا أحاديث في صفة الغسل:

    الحديث الأول: وهو حديث عائشة رضي الله عنها، هو حديث من أصول الأحاديث في صفة الغسل من الجنابة؛ حتى قال الإمام أحمد : غسل الجنابة على حديث عائشة .

    وقال ابن عبد البر : هو من أحسن حديث يروى في الباب، والحديث فيه تفصيل غسل الجنابة. ‏

    الكلام على سياق المصنف للحديث مختصراً وعزوه إلى الشيخين بلفظه

    وقبل أن أبدأ في ذكر شرحه وتفصيله، أشير إلى أن سياق المصنف -رحمه الله- لهذه الرواية كالعادة فيه شيء من الاختصار؛ لأن المؤلف يميل إلى هذا المسلك رغبة في تقليل حجم الكتاب.

    ومن مظاهر هذا الاختصار: أن المصنف -رحمه الله- ساق الحديث في أوله بلفظ الفعل المضارع: ( يبدأ.. فيغسل يديه ..) إلى آخره، ثم لما وصل إلى غسل الرأس قال: ( ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات )؛ وذلك لأنه حذف هاهنا كلمة موجودة في أصل الحديث وهي قولها رضي الله عنها: ( ثم أخذ الماء فأدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا ظن أنه قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات )؛ ولذلك صار سياق الحديث أوله فعل مضارع (يبدأ.. يغسل) وآخره فعل ماض: (ثم حفن.. ثم أفاض)، ولا يبين السبب في اختلاف السياق إلا بهذه الزيادة التي حذفها المصنف رحمه الله.

    وكذلك يلاحظ: أن المؤلف نسب الحديث إلى الشيخين فقال: متفق عليه واللفظ لـمسلم .

    وفي الحديث لفظة لم أجدها في البخاري، فإن البخاري ذكر الحديث في ثلاثة مواضع من كتاب الغسل، ولم أجد في شيء منها ذكر غسل فرجه: ( ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل فرجه )، هذه الزيادة لم أجدها في المواضع التي في صحيح البخاري، ولكن الزيادة هذه عند مسلم والترمذي والشافعي، وهي كما ذكر الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في الفتح أنها زيادة جليلة؛ لأنه إذا بدأ بغسل فرجه يأمن أن يلمسه أثناء الغسل، فيحتاج إلى إعادة الوضوء إذا بدأ بغسل الفرج.

    غسل الكفين قبل الشروع في الغسل

    أما قولها رضي الله عنها: ( كان إذا اغتسل من الجنابة ) فالمعنى: إذا أراد أن يغتسل، وقيل: إذا شرع وبدأ في الاغتسال.

    وقولها: (من الجنابة) (من) هاهنا سببية، يعني: بسبب الجنابة، ( يبدأ فيغسل يديه )، والمقصود: غسل الكفين، ولماذا يكون هذا الغسل؟ يحتمل أن يكون لما على اليد من أذى فيزيله بذلك، ويحتمل أن يكون هذا الغسل بعد استيقاظه من نوم الليل، وقد سبق في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده ).

    ومما يؤيد أن هذا الغَسل بسبب الاستيقاظ من نوم الليل، أنه جاء في زيادة عند الترمذي والشافعي : ( فيغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء )، وهذا قد يفهم منه: أن المقصود غسلهما من نوم الليل.

    الاستنجاء قبل الشروع في الغسل

    ( ثم يفرغ بيمينه على فرجه فيغسله )، وهذا دليل على مشروعية البداءة بالاستنجاء وغسل الفرج قبل الغسل.

    وقد أخذ منه بعض أهل العلم: أنه يكفي في الاستنجاء أن يغسل الإنسان فرجه مرة واحدة؛ لأن الغسل يطلق على المرة، فقولها: (فيغسله) يكفي أن يغسله مرة ليقال: غسله، وقد سبق أيضاً بحث هذه المسألة في موضع آخر.

    وخلاصة الكلام: أن الراجح الذي صححه عدد من أهل العلم كـابن قدامة والنوويوغيرهما: أنه لا يشترط في الاستنجاء بالماء عدد محدود؛ لعدم ورود دليل يدل على ذلك، وإنما المقصود الإنقاء، فبأي شيء حصل كفى -يعني: من الغسلات- ولا يشترط لها عدد معين.

    أما مسألة الاستدلال بهذا الحديث على هذه المسألة ففيه بعض النظر؛ لأنه لا يلزم أن يكون غسل فرجه عن حدث ونجاسة؛ بل قد يكون عن ذلك وقد يكون عن غيره، فالاستدلال بالحديث على ذلك فيه نظر، لكن المسألة ثابتة لعدم وجود دليل يدل على اشتراط العدد في غسل الفرج في الاستنجاء بالماء.

    حكم الوضوء قبل الغسل من الجنابة

    وقولها رضي الله عنها: ( ثم يتوضأ ) هكذا في هذه الرواية، وفي رواية أخرى عند البخاري قالت: ( ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة )، وهكذا جاء في حديث ميمونة -وهو يشبه حديث عائشة - أنها قالت: ( ثم يتوضأ وضوءه للصلاة )، وهو دليل على استحباب الوضوء قبل الغسل، وهذا نقل الإجماع عليه.. نقل الإجماع على أنه يستحب له أن يتوضأ قبل الغسل، ومن أدلته حديث عائشة هذا وحديث ميمونة وغيرهما.

    صفة غسل الرأس من الجنابة

    ( ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر )، وهذا في مسألة غسل الرأس، فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ الماء بيديه ثم يدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى يظن أنه روى هذا الشعر ووصل إلى أصوله، ثم بعد ذلك يحثو على رأسه ثلاث حثيات، وها هنا قالت: ( ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات )، والحفنات: جمع حفنة وهي ملء الكف من الماء كما في النهاية .

    وقيل: ملء الكفين، كما في حديث ميمونة في بعض رواياته ( ملء كفيه )، ولكن أكثر روايات حديث ميمونة في مسلم قالت: ( ملء كفه )، فدل على أن الحفنة ملء الكف.

    ومسألة غسل الرأس في الجنابة فيها عدد من المسائل:

    منها: وجوب إيصال الماء في الغسل إلى بشرة الرأس.

    ومنها: وجوب غسل الشعر، وهاتان المسألتان سيأتي بحثهما -إن شاء الله- في المجلس القادم لمناسبة حديث أم سلمة وعلي ..وغيرهما.

    و المسألة الثالثة: هي مسألة التثليث في غسل الرأس في الجنابة، فإن قولها: ( ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات ) -وهكذا جاء في حديث ميمونة - يدل على مشروعية التثليث في غسل الرأس من الجنابة.

    وقد ذكر النووي -رحمه الله- أنه لا يعلم في ذلك خلافاً بين أهل العلم, إلا ما انفرد به الماوردي، حيث زعم أنه يغسل مرة واحدة، وأضاف الحافظ ابن حجر -رحمه الله- إلى من قالوا بالغسل مرة واحدة أبا علي السنجي والقرطبي، وقال: إنه رأى أن هذه الحفنات الثلاث لمواضع متفرقة من الرأس، فكأن حفنة لليمين وحفنة للوسط وحفنة للشمال ..أو نحو ذلك.

    فذهب -يعني القرطبي وكذلك من سبق- إلى الاقتصار على واحدة في غسل الرأس، وعدم مشروعية تثليثه في غسل الجنابة، والصحيح: أنه يستحب تثليثه لهذا الحديث، وحديث ميمونة، وحديث أم سلمة وسيأتي وغيرها من الأحاديث، هذا فيما يتعلق بغسل الرأس.

    صفة غسل سائر البدن

    لكن ما هو الحكم بالنسبة لبقية البدن: هل يستحب أيضاً غسله ثلاثاً في الجنابة أم يكفي مرة واحدة وهي السنة؟ بكلٍّ قال بعض أهل العلم.

    فذهب الأكثرون -نسبه بعضهم إلى الجمهور- إلى أنه يستحب التثليث في غسل الجنابة، وأن يغسل كل عضو ثلاث مرات، وقالوا: إنه إذا استحب التثليث في الوضوء فاستحباب التثليث في غسل الجنابة هو من باب الأولى، وما دام نقل التثليث في غسل الرأس، فكذلك يقاس عليه غيره من الأعضاء، وهذا القول نسبه بعضهم إلى الإمام الشافعي، وذكر النووي في المجموع وشرح مسلم أن الصحيح من مذهب الشافعية، وكذلك هو المذهب عند الحنابلة والأحناف وغيرهم، قالوا: بأنه يستحب التثليث.

    والقول الآخر: أنه لا يستحب التثليث في غسل بقية الجسد، بل يعممه بالماء، فإذا غلب على ظنه أن الماء قد وصل إلى جميع بدنه فإنه لا يشرع له حينئذ أن يغسله ثلاثاً، يعني: لا يشرع التثليث في غسل بقية البدن.

    وهذا رأيٌ آخر لبعض فقهاء الحنابلة، وهو ظاهر كلام الخرقي في مختصره، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الإنصاف، وقال الزركشي : هو الأصح دليلاً، أي: أن الأحاديث لم يرد فيها ذكر التثليث في غسل الجنابة، وهذا القول -والله أعلم- بعدم مشروعية التثليث أقرب؛ لأن الأحاديث التي وردت في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد في شيء منها -فيما أعلم- ذكر أنه غسل بقية أعضائه ثلاثاً ثلاثاً.

    إضافة إلى أحاديث كثيرة قولية من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيها ذكر صب الماء على الجسد، أو إفاضة الماء على الجسد، أو إفراغه -وستأتي في مسألة أخرى- ولم يذكر فيها التثليث، ولا شك أن القياس في مجال العبادات فيه نظر، فقياس الغسل على الوضوء، أو قياس بقية الأعضاء على الرأس كل ذلك لا يكفي دليلاً على استحباب التثليث، فالظاهر: أن المقصود تعميم البدن بالماء فحسب دون التزام بثلاث غسلات، هذا فيما يتعلق بمسألة التثليث في غسل بقية أعضاء البدن، وقولها رضي الله عنها: ( ثم أفاض الماء على جسده )، يدل على ما ذكرت من الاكتفاء بواحدة وعدم مشروعية التثليث.

    صفة الوضوء الذي توضأه النبي قبل غسل الجنابة والحكمة منه

    ( ثم غسل رجليه )، وغسل الرجلين هذا هل هو غسل آخر أم هو غسلهما للوضوء؛ لأنها ذكرت رضي الله عنها في أول الحديث أنه صلى الله عليه وسلم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، وهكذا جاء في حديث ميمونة فهل غسل الرجلين المذكور في آخر الحديث هل هو من الوضوء أم هو غسل آخر؟

    هذا يدعونا أولاً إلى معرفة الوضوء الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم في أول غسله، لماذا فعله؟ لماذا توضأ صلى الله عليه وسلم في أول الغسل؟

    قال ابن حجر -رحمه الله-: يحتمل أن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم.. أو غسله لأعضاء الوضوء في أول الغسل حتى تحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى، فيبدأ بالوضوء الذي هو الطهارة الصغرى من الحدث الأصغر، ثم يبدأ بالغسل وهو الطهارة الكبرى من الحدث الأكبر.

    ويحتمل أن يكون بدأ بأعضاء الوضوء في الاغتسال لشرفها، وربما يستدل لذلك بما في الصحيحين من حديث أم عطية رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنسوة اللاتي كن يغسلن ابنته زينب : ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها )، فقالوا: يحتمل أن يكون البدء بمواضع الوضوء في الغسل هاهنا لشرفها.

    وبناء على ذلك فإن هذا الغَسل يكفي عن الغُسل، فلا يلزمه أن يعيد غسل أعضاء الوضوء؛ لكن لابد أن ينوي رفع الحدث الأكبر بالغسل، يعني: حين يغسل وجهه ويديه ورجليه في أول الوضوء وينوي بذلك رفع الحدث الأكبر، فإن هذا يجزئه ولا يلزم أن يعيد غسل هذه الأعضاء.

    ذكر ابن حجر هذين الاحتمالين:

    إما أن يكون بدأ بهما لتجتمع له صورة الطهارتين.

    وإما أن يكون بدأ بهما لشرفهما.

    ولا أدري ما هو المانع من أن يكون الأمران مقصودين، فيكون بدأ بهما لكلا الأمرين، ويكون هذا كافياً عن الوضوء وصورة رفع الحدث الأصغر، وكذلك مجزئاً عن الغسل؛ لأنه نوى فيه أيضاً رفع الحدث الأكبر، فلا مانع من الأمرين وتدخل الطهارة الصغرى في الكبرى حينئذ.

    لكن هل أكمل عليه الصلاة والسلام هذا الوضوء أم أنه لم يغسل رجليه فيه؟

    ظاهر حديث عائشة : (يتوضأ وضوءه للصلاة)، وكذلك حديث ميمونة في عديد من رواياته: (كما يتوضأ للصلاة)، يدل على أنه توضأ في أول الغسل وضوءاً كاملاً، فغسل يديه ومضمض واستنشق، وغسل وجهه، ثم غسل ذراعيه، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه، هذا هو الظاهر، وهو المتبادر عند إطلاق لفظ الوضوء؛ خاصة أنها قالت: (وضوءه للصلاة) أو (كما يتوضأ للصلاة)، وجاء في رواية لحديث ميمونة عند البخاري أنها قالت رضي الله عنها: ( فتوضأ وضوءه للصلاة غير رجليه ) .

    ومن ثم اختلف أهل العلم في الوضوء الذي يكون في أول الغسل، هل يشرع أن يكون وضوءًا كاملاً، أم يتوضأ دون أن يغسل رجليه؟

    فذهب بعضهم: إلى أنه يتوضأ وضوءاً كاملاً ويغسل رجليه، وهذا المذهب الصحيح عند الشافعية، وقال النووي : إنه أصح القولين وأشهرهما، وهو أيضاً رواية عن الإمام أحمد، وحجتهم في أنه يتوضأ وضوءًا كاملاً ما سبق: أنه هو المتبادر عند إطلاق لفظ (الوضوء) كما في حديث عائشة وميمونة .

    و ذهب آخرون إلى أنه يتوضأ ولا يغسل رجليه، وهذا نسب إلى الجمهور: أنه يتوضأ دون أن يغسل رجليه، بل يؤخر غسل الرجلين إلى ما بعد انتهائه من الغسل، ولا شك أن حجة أصحاب هذا القول ظاهرة، وحجتهم حديث ميمونة في قولها: (غير رجليه)، فهي نص لأنه لم يغسل رجليه.

    وقد يستدلون بأنه غسل رجليه أيضاً كما في حديث ميمونة وعائشة بعد الفراغ من الغسل، فربما كان هذا لأنه لم يغسلهما قبل ذلك.

    في المسألة قول ثالث وهو للإمام مالك أنه قال: إن كان المكان نظيفاً غسل رجليه في أول الغسل، يعني: مع الوضوء، وإن كان غير نظيف فإنه يؤخر غسل الرجلين إلى بعد انتهائه من الغسل.

    وقول رابع وهو للإمام أحمد : أنه مخير، يفعل هذا أو هذا؛ لأن الأدلة وردت في كليهما، والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن الغالب من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتوضأ وضوءاً كاملاً في أول الغسل، هذا هو الغالب من حاله؛ لأن حديث عائشة -مثلاً- حديث الباب ذكرت صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم للجنابة على سبيل الدوام، ولم تذكر حالة معينة، فكأن هذا كان هو الغالب من فعله صلى الله عليه وسلم، وإذا أطلق لفظ الوضوء فالمقصود به هو الوضوء المعروف، فيدخل فيه مسح الرأس؛ خلافاً للمالكية الذين قالوا: لا يمسح الرأس في غسل الجنابة، يعني: في الوضوء السابق لغسل الجنابة، ويدخل فيه غسل الرجلين أيضاً كما سبق، ولكن حديث ميمونة في البخاري نص بأنه ترك غسل الرجلين، فيحمل هذا على أنه يحدث قليلاً، فيكون أكثر فعله صلى الله عليه وسلم الوضوء كاملاً قبل الغسل، وقد يتوضأ أحياناً دون أن يغسل قدميه ثم يغسلهما بعد انتهاء الغسل، ولا مانع أن يكون هذا لملابسة خاصة كما يومئ إليها رأي الإمام مالك، فقد يكون المكان غير نظيف أو ما أشبه ذلك، فيؤخر غسل الرجلين إلى ما بعد الغسل، والإنسان يعرض هذا له أحياناً، أنه قد لا يطمئن إلى نظافة المكان الذي هو قاعد فيه، فيؤخر غسل الرجلين إلى ما بعد انتهاء الغسل، وبهذا تجتمع الأدلة ولا تتعارض، وفي هذا الحديث وهو حديث عائشة رضي الله عنها ذكر مجمل غسل النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من المسائل التي يذكرها الفقهاء في صفة غسل الجنابة، واستقصاء هذه المسائل على سبيل التفصيل أمر يطول، لكن فيما سبق كفاية إن شاء الله.

    1.   

    صفة الغسل من الجنابة وبعض مسائله

    وأعيد ذكر صفة غسل الجنابة اختصاراً، مع الإشارة إلى بعض المسائل التفصيلية التي ذكرها الفقهاء.

    فإن الإنسان إذا أراد أن يغتسل للجنابة استحب له: أن يقول: بسم الله، كما يستحب ذلك في الوضوء، ثم ينوي غسل الجنابة، والنية لابد منها، ثم يغسل كفيه كما في حديث عائشة مرتين، أو ثلاثاً، كما في حديث ميمونة، ثم يفرغ بيده اليمنى على الشمال ويغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة فيتمضمض ويستنشق، ويغسل وجهه وذراعيه، ويمسح برأسه وأذنيه، ويغسل رجليه، وقد يؤخر غسلهما كما سبق.

    والمضمضة والاستنشاق أيضاً لابد منهما هاهنا على الصحيح، وقد سبق ذكر هذه المسألة في الوضوء، فالصحيح وجوب المضمضة والاستنشاق لغسل الجنابة، وهو مذهب الحنابلة والحنفية، ثم يأخذ بيديه الماء ويروي أصول الشعر ثم يصب على رأسه ثلاث حفنات من الماء، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ويستحب له أن يبدأ بميامنه -باليمين- كما سبقت أدلته في غير هذا الموضع، فإذا فعل ذلك فقد تم غسله.

    حكم دلك الجسد عند الغسل من الجنابة

    وهل يجب عليه أن يدلك جسده بيديه للغسل أم يكفي إفاضة الماء؟ هذه من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم أيضاً، فقال أكثر أهل العلم: لا يجب الدلك بل يستحب، وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة والأحناف وغيرهم، قالوا: لا يجب الدلك باليد، بل إذا أفاض الماء على جسده فإنه يكفي، واستدلوا: بأن الغسل ليس في معناه اللغوي ما يدل على دخول الدلك في مسماه، وكذلك جاء في حديث عائشة هذا: ( ثم أفاض الماء على جسده )، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم لـأم سلمة لما سألته عن شعر رأسها: هل تنقضه؟ قال: ( إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي الماء على جسدك )، وحديثها سيأتي في المجلس القادم إن شاء الله.

    وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: ( للرجل في قصة المزادة الذي كان جنباً فأعطاه الماء وأمره أن يفرغه عليه )، وكذلك في حديث أبي ذر وقد سبق: ( الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتقِ الله وليمسه بشرته ).

    وفي حديث جبير بن مطعم عند أحمد وأصله في الصحيحين قال: ( تذاكرنا غسل الجنابة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات، ثم أفيض الماء على سائر جسدي ).

    فكل هذه الأحاديث وغيرها جاء فيها استعمال لفظ الصب والإفراغ والإفاضة، وليس في شيء من هذه الألفاظ ما يدل على الدلك باليد.

    أما القول الثاني: فهو للإمام مالك وأكثر أصحابه، وللمزني من الشافعية، قالوا بوجوب الدلك في الغسل، واستدلوا بأن الغسل لا يسمى غسلاً إلا بالدلك، فلو أن إنساناً وقف في المطر لم يسمّ مغتسلاً، وقاسه المزني على التيمم، فكما ينبغي ويجب المسح في التيمم يجب المسح والدلك في الغسل.. هكذا قال، وكلا الدليلين لا يستقيم.

    والصحيح أن الإنسان يسمى مغتسلاً إذا وصل الماء إلى جميع جسده بالنية ولو لم يدلك، فلو وقف في المطر أو تحت ميزاب أو انغمس في بركة -مثلاً- ووصل الماء إلى جميع جسده سمي مغتسلاً لغة وشرعاً، ولا يوجد ما يمنع من ذلك؛ ولهذا كان الصحيح مذهب الجمهور في أنه لا يجب الدلك في غسل الجنابة.

    حكم الوضوء مع الغسل

    وفي حديث عائشة وميمونة أيضاً -وإن كان المصنف لم يذكر حديث ميمونة بنصه- مسألة أخرى: وهي حكم الوضوء مع الغسل.

    وقد أسلفت: أن الوضوء قبل الغسل سنة بالاتفاق كما نقله بعضهم، لكن لنفترض -مثلاً- أن إنساناً لم يتوضأ قبل الغسل بل اغتسل غسلاً كاملاً دون أن يتوضأ فهل يجب عليه الوضوء مع الغسل وبعده يعني بعده أم لا يجب، جماهير أهل العلم على أنه لا يجب الوضوء مع الغسل؛ بل نقل هذا الرأي عدد من العلماء.. نقلوه إجماعاً، وممن نقل الإجماع عليه الإمام الطبري، وابن عبد البر، وابن العربي ؛ نقلوا الإجماع على أنه لا يجب الوضوء مع الغسل، والصحيح أنه ليس هناك إجماع في المسألة، وحكاية الإجماع في هذا مما يستغرب، ولكنه رأي الجماهير من أهل العلم، وحجة أصحاب هذا القول: أن الطهارة الصغرى تدخل في الطهارة الكبرى، فإذا ارتفعت الجنابة بالغسل الكامل ارتفعت ...

    ومن أدلتهم أيضا الأحاديث السابقة التي لم يذكر في شيء منها الوضوء كحديث جبير بن مطعم، وحديث أبي ذر، وحديث عائشة رضي الله عنها .. وغيرها من الأحاديث، واستدلوا أيضاً بأن عدداً من الصحابة رضي الله عنهم أنكروا الوضوء بعد الغسل، روى هذا ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عمر وحذيفة .. وغيرهما.

    والقول الثاني: أنه يجب الوضوء مع الغسل، هذا القول منسوب لـداود الظاهري وأبي ثور، وذكره في المغني رواية عن أحمد والشافعي، والأدلة ترجح القول الأول: وأن الطهارة الصغرى تدخل في الطهارة الكبرى، فإذا اغتسل غسلاً كاملاً.. عمم جميع بدنه بالماء أجزأه عن الوضوء، هذا هو الأقوى والأقرب.

    حكم دلك اليد بتراب أو أشنان بعد الاستنجاء بها

    في حديث ميمونة الذي ذكره المصنف -في آخره- يوجد مسائل نذكرها أيضاً، منها استحباب غسل اليد بمنظف كالتراب أو الأشنان أو غيره عقب الاستنجاء بها بالماء، يعني: إذا استنجى بالماء وغسل فرجه بيده استحب له أن يدلكها ويمسحها بالأرض بالتراب أو بالأشنان أو بالصابون أو بغيره، وهذا على سبيل التنظيف.

    حكم تنشيف الأعضاء بعد الغسل

    وهناك مسألة فقهية وهي مسألة التنشيف بعد الغسل ما حكمه؟

    يؤخذ من قولها رضي الله عنها: ( ثم أتيته بالمنديل فرده، وجعل ينفض الماء بيده ) .

    ومسألة التنشيف في الوضوء ذكر النووي فيها خمسة أقوال:

    قيل: مكروه، ونسب هذا القول لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره، واستدل القائلون بالكراهة بكونه صلى الله عليه وسلم رده في هذا الحديث: ( فأتيته بالمنديل فرده )، واستدلوا أيضاً بحديث رواه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ عن أنس رضي الله عنه قال: ( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح وجهه بالمنديل، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا علي، ولا ابن مسعود )، ولكن الحديث ضعيف كما ذكر الحافظ ابن حجر -رحمه الله- فلا يحتج به.

    وقيل: إن التنشيف مستحب.

    ومن أدلة من قالوا باستحبابه -أدلتهم كثيرة- منها: حديث قيس بن سعد، قال: ( أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا -وذكر في آخر الحديث-: أن أباه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بشملة بها ورس أو زعفران فاشتمل بها النبي صلى الله عليه وسلم )، وهو عند أحمد، وابن ماجه، وأبي داود، ورجال أبي داود رجال الصحيح.

    والله أعلم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله ونبيه محمد وآله وصحبه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.