إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين - حديث 69-71

شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين - حديث 69-71للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للمسح على الخفين أحكام كثيرة بينتها الأحاديث النبوية، منها: مدة المسح للمقيم وللمسافر، ومتى تبدأ مدة المسح، وهل ينتقض الوضوء بمجرد خلع الخفين أم لا؟ وحكم المسح على الخف المخرق وما في حكمه.. وكل مسألة للعلماء فيها مآخذ وأقوال متعددة، وكل قول له ما يعضده من الأدلة الشرعية.

    1.   

    شرح حديث عمر وأنس في عدم التوقيت للمسح على الخفين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله وخيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فبقي من أحاديث المسح على الخفين ثلاثة أحاديث نأخذها الآن إن شاء الله لنبدأ بعد ذلك في الأسبوع القادم بموضوع نواقض الوضوء.

    وهذه الأحاديث الثلاثة الباقية هي: أولاً: حديث عمر رضي الله عنه موقوفاً، وحديث أنس مرفوعاً بلفظ: ( إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما، وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من الجنابة ).

    والحديث الثاني: هو حديث أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة إذا توضأ فلبس خفيه أن يمسح عليهما ).

    والحديث الثالث: هو حديث أبي بن عمارة رضي الله عنه أنه قال: ( يا رسول الله! أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يوماً؟ قال: نعم، قال: ويومين؟ قال: نعم، قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم وما شئت ).

    وسأتحدث عن كل واحد من هذه الأحاديث بما تيسر، ثم أنتقل بعدها إلى ذكر بعض المسائل المهمة المتعلقة بالمسح على الخفين.

    كلام أهل العلم في الحديث موقوفاً ومرفوعاً

    فأما الحديث الأول فحقه أن يكون حديثين؛ وذلك لأنه ورد عن عمر موقوفاً عليه من قوله، وورد عن أنس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأما حديث عمر رضي الله عنه الموقوف عليه فقد أخرجه الدارقطني كما ذكر المصنف؛ فأن المصنف عزا الحديث بشقيه إلى الدارقطني والحاكم، والذي يظهر أن الدارقطني أخرج حديث عمر الموقوف، وذلك في سننه في باب ما جاء في المسح على الخفين من غير توقيت، وأن الحاكم أخرج حديث أنس المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    فأما حديث عمر الموقوف فقد قال فيه صاحب التنقيح : إسناده قوي. وذلك كما في نصب الراية للزيلعي، وأظن صاحب التنقيح هو ابن عبد الهادي والله أعلم، وكذلك ذكر الزيلعي أن ابن الجوزي -يعني في كتابه التحقيق الذي انفرد فيه بأدلة الفقه الحنبلي، وأدلة غيرهم من المذاهب الأخرى أيضاً، لكنه توسع في أدلة الفقه الحنبلي- ذكر صاحب نصب الراية: أن ابن الجوزي لم يُعِلَّ هذا الحديث في التحقيق بشيء، وإنما قال: هو محمول على مدة الثلاث، يعني: أن قوله: ( فليمسح عليهما وليصل فيهما ولا يخلعهما إن شاء ) يعني: خلال المدة المحددة وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، فـابن الجوزي أوَّل الحديث إن صح التعبير، والتأويل فرع التصحيح، كما يقول العلماء ؛ لأنه لم يتعرض لسنده بشيء.

    أما حديث أنس المرفوع وهو فيما يظهر ينبغي أن يُعدَّ حديثاً آخر لاختلاف الصحابي، حيث إن الصحابي في الأثر الأول عمر، والصحابي في الحديث هو أنس، وقد أخرجه الحاكم باللفظ الذي ساقه المصنف، وقال عقبه: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وعبد الغفار بن داود -يعني أحد رواة الحديث وهو المتفرد به- ثقة . ولكن أشار إلى أن عبد الغفار تفرد بهذا الحديث عن غيره، وأن هذا الحديث بهذا الاعتبار شاذ؛ ولذلك كان رحمه الله قبل أن يسوق الحديث .. لما ساق حديثاً آخر يقاربه في المعنى قال: وقد روي هذا الحديث عن أنس بن مالك بإسناد صحيح، رواته عن آخرهم ثقات إلا أنه شاذ بمرة. هذا كلام الحاكم، فصرح بشذوذ الحديث. وكذلك وافقه الذهبي وقال في تلخيصه للمستدرك: على شرط مسلم تفرد به عبد الغفار وهو ثقة والحديث شاذ.

    وبذلك تبين والله تعالى أعلم بالصواب: أن حديث عمر الموقوف أصح وأقوى من حديث أنس المرفوع؛ وذلك لأن حديث عمر إسناده قوي كما ذكر صاحب التنقيح، أما حديث أنس فإنه وإن كان صحيح الإسناد إلا أنه شاذ؛ وذلك لتفرد عبد الغفار به عن بقية أصحاب حماد بن سلمة.

    الاستدلال بالحديث على عدم التوقيت للمسح على الخفين والرد عليه

    وبذلك يظهر جانبان من جانب الإجابة على من استدل بهذا الحديث على عدم التوقيت في المسح، فإنهم استدلوا بظاهر اللفظ على أن المسح لا يوقَّت للمقيم ولا للمسافر؛ لقوله: ( ولا يخلعهما إن شاء إلا من الجنابة ) فدل بظاهره على عدم التوقيت، ويجاب عن ذلك بجوابين:

    الأول: ما أشار إليه ابن الجوزي في الكلمة السابقة في التحقيق : من أنه محمول على مدة الثلاث، يعني: على ما ورد في النصوص الأخرى من التوقيت، وهذا هو أيضاً رأي النووي وغيره في مثل هذه الأحاديث، أنها كقوله صلى الله عليه وسلم: ( الصعيد الطيب طهور المؤمن وإن لم يجد الماء عشرة سنين ) يعني: أنه يتيمم كلما احتاج إلى ذلك، ولا يعني أنه يكفيه تيمم واحد لهذه المدة كلها.

    وكذلك مثل هذا الحديث، يحمل على أنه لا يخلعهما مدة المسح التي ثبتت في السنة من جميع الأحداث إلا من جنابة، وبذلك يكون هذا الحديث كحديث صفوان بن عسال قال: ( كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم ) يعني: أن الإنسان خلال هذه المدة لا يخلع خفيه إلا من الجنابة أما من بقية الأحداث فلا يخلعهما. هذا الجواب الأول.

    الجواب الثاني: أن يقال: على فرض دلالة الحديث أو الأثر على عدم التوقيت، فقد تبين أن الحديث المرفوع وهو حديث أنس شاذ، كما ذكر ذلك الحاكم والذهبي وغيرهما، فلا حجة فيه على القول بشذوذه، وأن الصحيح أنه موقوف على عمر رضي الله عنه، ولعل هذا هو السر في صنيع المصنف رحمه الله حيث اعتبرهما حديثاً واحداً أنه يرجِّح أنهما حديث واحد، وأن من رواه عن أنس مرفوعاً فكأنه يكون وهم في ذلك والله تعالى أعلم، وإذا صح أن الحديث شاذ وأن الصحيح الموقوف، فلا حجة في المرفوع حينئذ لشذوذه، ولا حجة في الموقوف لأنه لا يعدو أن يكون رأياً لـعمر رضي الله عنه وأرضاه، وقد سبق بيان مَن مِن الصحابة يرى عدم التوقيت، وإنما هذا الأثر غايته الدلالة على رأي عمر على عدم التوقيت إن دل على ذلك، وحينئذ فالحجة في المرفوع الثابت من حديث أنس ومن حديث صفوان وأبي بكرة .. وغيرهما وعلي وغيره في توقيت المسح على الخفين.

    فوائد الحديث

    حديث عمر أو أثره فيه فوائد أخرى:

    منها: اشتراط الطهارة الكاملة للمسح على الخفين، أن يكون لبسهما على طهارة كاملة، وهذا أيضاً سبق الكلام فيه، وذكر الأقوال وبيان الراجح.

    ولعلي أشرت إلى كلمة لشيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى التي ذكر فيها خلاف الطهارة الكاملة، وذكر قول بعضهم: فيما لو لبس الخف اليمنى بعد غسل القدم اليمنى وقبل غسل القدم اليسرى، وقول بعضهم: إنه لا يجزئه حينئذ، بل لابد أن يخلعها ثم يغسل القدم اليسرى ليلبس اليمنى واليسرى بعد ذلك وبعد اكتمال الطهارة، وأنه أشار إلى أن هذا ليس بلازم، بل إذا لبس الخف اليمنى بعد غسل القدم اليمنى، ثم غسل اليسرى ولبس بعد ذلك الخف، فهذا يكون لبسها على كمال الطهارة، وأن هذا هو الحق الذي لا شك فيه. هذا مؤدى ما ذكره شيخ الإسلام .

    من فوائد الحديث أيضاً: أنه يشترط لبس الخفين كليهما، وهذا يفهم من سائر الأحاديث الواردة في المسح على الخفين كحديث ابن المغيرة وعلي وأبي بكرة وصفوان .. وغيرهم؛ لأن فيها التصريح بلبس الخفين كليهما، ولعل هذا إجماع أنه لابد أن يلبس الخفين جميعاً، ولا يجزئه أن يلبس أحدهما دون الآخر ويمسح عليه، وهذا لا إشكال فيه بحال من الأحوال.

    من فوائد الحديث: جواز المسح على الخفين، وقد سبق مراراً.

    من فوائده أيضاً: جواز الصلاة في النعال بل ومشروعيته؛ لقوله: ( وليصل فيهما )، ومذهب الجمهور على استحباب ذلك، ولعل من أدلتهم ما رواه أنس وقد سئل: ( هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم )، والحديث في الصحيحين، وأصرح منه في الدلالة ما رواه أبو داود والحاكم من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم )، فهذا أمر بالصلاة بالنعال والخفاف، وتعليل لذلك بمخالفة اليهود الذين كانوا يتقون الصلاة في النعال والخفاف، وقد ذكر بعض أهل العلم: أن مأخذ اليهود في ذلك أمر الله تعالى لموسى عليه السلام أن يخلع نعليه حين جاء إلى الوادي المقدس، والله أعلم.

    من فوائد الحديث: خلع النعلين في غسل الجنابة وغيره من الأغسال، وهذا إجماع أهل العلم كما ذكره ابن حجر والنووي .. وغيرهما.

    والحديث دليل لمن قال بعدم التوقيت، وسبق الجواب على استدلالهم به.

    هذه أهم فوائد الحديث.

    1.   

    شرح حديث أبي بكرة في الترخيص بالمسح على الخفين للمقيم والمسافر

    أما الحديث الآخر فهو حديث أبي بكرة رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما ).

    والحديث عزاه المصنف رحمه الله للدارقطني .

    قال: وصححه ابن خزيمة، يعني: رواه ابن خزيمة في صحيحه، والدارقطني رواه في الباب السابق الذي هو: باب ما جاء في المسح على الخفين في الباب الذي أشرت إليه من قبل؛ باب ما جاء في المسح على الخفين من غير توقيت.

    تخريج الحديث

    ورواه أيضاً غير من ذكر المصنف: الأثرم في سننه، وابن حبان، وابن الجارود، والشافعي، وابن أبي شيبة، والبيهقي، والترمذي في علله المفردة يعني: العلل الكبير .

    وقد صححه جمع من أهل العلم أو حسنه جمع من أهل العلم، ممن صححه الخطابي، وكذلك الشافعي فقد نقل البيهقي أن الشافعي صحح هذا الحديث، وكذلك نقل الترمذي عن البخاري : أنه حديث حسن، وذلك أيضاً في العلل المفردة للترمذي نقل عن البخاري تحسين هذا الحديث.

    إذاً: الحديث يمكن أن نقول: صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والخطابي، والشافعي، وحسنه البخاري كما في العلل المفردة للترمذي .

    فوائد الحديث

    الحديث حجة لمن قالوا بالتوقيت، وهو حديث ثابت، وحجتهم فيه صحيحة؛ لأنه صريح في ذلك وموافق لأكثر الأحاديث الواردة في التوقيت كما سبق.

    وفيه كما في سابقه: اشتراط الطهارة الكاملة، وسبق الكلام عليه.

    وفي الحديث فائدة: وهي أن المسح رخصة؛ لأن فيه: (أنه رخص -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم- للمسافر)، فدل على أن المسح رخصة لا سنة، وقد سبق التفصيل في ذلك، وأن العلماء اختلفوا فيه على نحو ثلاثة أقوال، وأن أقوى الأقوال في ذلك: أن المشروع للإنسان ألا يتكلف ضد حاله التي هو عليها، فإن كان لابساً للخفين بالشروط المطلوبة؛ مثل لبسهما على طهارة وما أشبه ذلك، فإن الأولى في حقه أن يمسح عليهما ولا يخلعهما إلا من جنابة، وإن كان غير لابس فإن الأولى أن يغسل قدميه، وألا يلبس الخفين من أجل المسح عليهما فحسب، هذا أبرز ما في الحديث من الفوائد.

    1.   

    شرح حديث أبي بن عمارة في التوقيت للمسح على الخفين

    أما الحديث الثالث والأخير فهو حديث أبي بن عِمارة -بكسر العين- رضي الله عنه، وهو ممن صلى إلى القبلتين، أنه قال: ( يا رسول الله! أمسح على الخفين؟ -وهذا سؤال حذفت منه همزة الاستفهام، يعني: أأمسح- قال صلى الله عليه وسلم: نعم، قال: يوماً؟ قال: نعم، قال: ويومين؟ قال: نعم، قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم وما شئت ).

    والحديث نسبه المصنف أو عزاه إلى أبي داود قال: وقال: ليس بالقوي.

    تخريج الحديث وكلام أهل العلم فيه

    والحديث أخرجه أبو داود في سننه في باب التوقيت في المسح على الخفين باللفظ الذي ذكره المصنف، ثم ساقه من طريق آخر وقال: ( حتى بلغ سبعاً -يعني: وثلاثاً وأربعاً وخمساً وستاً وسبعاً- فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: نعم ما بدا لك )، ثم قال أبو داود عقب سياق الحديث: وقد اختُلف في إسناده وليس هو بالقوي، فأشار إلى اضطراب الحديث وضعف إسناده.

    وقد رواه غير أبي داود ابن ماجه في سننه في كتاب الطهارة، والحاكم في المستدرك، والدارقطني .. وغيرهم.

    وقد أعله أهل العلم وضعفوه، حتى قال فيه أبو داود ما قد سمعتم، قال: وقد اختلف في إسناده وليس هو بالقوي، وكذلك الدارقطني قال عقب رواية الحديث: هذا إسناد لا يثبت، وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافاً كثيراً، وقال فيه أبو زرعة: سمعت أحمد يقول: حديث أبي بن عمارة ليس بمعروف الإسناد، وفي بعض المصادر قال: رجاله لا يُعرفون، وكذلك البخاري قال: لا يصح، وقال ابن عبد البر: لا يثبت وليس له إسناد قائم، بل نقل النووي في المجموع اتفاق الحفاظ والأئمة على ضعف هذا الحديث، وقال ابن حجر : إن الجورقاني أو الجوزقاني -وأظنه بالراء- بالغ فذكره في الموضوعات، وقد وجدت في بعض الكتب نسبة هذا لـابن الجوزي، بعض المتأخرين نقل في تخريج هذا الحديث قال: وبالغ ابن الجوزي فذكره في الموضوعات، أما كلمة ابن حجر رحمه الله فإنه كما في التلخيص الحبير قال: وبالغ الجوزقاني فذكره في الموضوعات، ولم يتسن لي مراجعة كتاب الأباطيل والمناكير والعلل المتناهية والموضوعات للتثبت من ذلك، والله أعلم.

    الخلاصة: أن الحديث فيه علتان:

    العلة الأولى: جهالة بعض رجاله، وهذه التي أشار إليها الإمام أحمد في كلمته التي نقلها أبو زرعة قال: رجاله لا يعرفون، أو ليس بمعروف الإسناد، ومن هؤلاء عبد الرحمن بن رزين فإنه مجهول، وكذلك محمد بن يزيد وأيوب بن قطن .

    العلة الثانية: هي الاضطراب والاختلاف فيه على يحيى بن أيوب على أوجه عديدة كما أشار إليه أبو داود قال: وقد اختُلف في إسناده، والدارقطني : وقد اختُلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافاً كثيراً، وهذا الاختلاف لم يذكر أهل العلم المحققون كـأبي داود والدارقطني وابن حجر .. وغيرهم لم يذكروا ترجيح وجه على وجه حتى يزول هذا الاضطراب، بل أعلوا الحديث بالاضطراب.

    فهاتان العلتان تضعفان الحديث والحجة مع من ضعفه.

    الحديث لو صح دليل لمن قالوا بعدم التوقيت ولكنه لا يصح؛ ولذلك لا يُشتغل بدفع دلالته؛ لأنه ضعيف فلا تقوم به الحجة، كيف وقد خالف في ظاهر دلالته الأحاديث الصحاح الثابتة، كحديث علي في صحيح مسلم وسبق، وكحديث صفوان وهو صحيح وسبق، وكحديث أبي بكرة السابق وهو صحيح أيضاً.. وغيرها كثير.

    وبانتهائنا من هذه الأحاديث الثلاثة تنتهي أحاديث المسح على الخفين.

    1.   

    مسائل فقهية في المسح على الخفين

    بقي في المسح على الخفين مسائل أحب أن أختم بها لأهميتها، ولأنها لم ترد خلال شرح الأحاديث السابقة، وهي تقريباً ثلاثة مسائل فقهية:

    انتقاض الوضوء بخلع الخف

    الأولى: مسألة: هل ينتقض الوضوء إذا خلع الماسح خفه أم لا؟ يعني: لو افترضنا أن إنساناً لبس خفيه على طهارة ثم أحدث ثم مسح عليهما، توضأ ومسح عليهما ثم خلع خفيه، هل نقول: إن خلعه لخفيه حينئذ ناقض لطهارته ووضوئه وأن عليه أن يتوضأ؛ لأن وضوءه كان بالمسح على الخفين وليس بغسل القدمين، أم نقول: إن وضوءه باق، وإن خلع الخف ليس بناقض لوضوئه؟

    هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال:

    القول الأول: أن وضوءه ينتقض بذلك، وضوء الماسح على الخف ينتقض بخلع الخف؛ وذلك لأن حكمه في الأصل هو الغسل، وإنما انتُقل إلى المسح بدلاً عن الغسل لتغطية القدم، فإن خلع الخف فقد عاد حكمه إلى وجوب الغسل، وهذا مذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه .. وغيرهما، وقد اختاره جمع من أهل العلم، وممن رجح هذا القول سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز، كما في تعليقه على فتح الباري الجزء الأول صفحة ثلاثمائة وعشرة.

    وهذا القول فيه قوة والله تعالى أعلم؛ لأنه قد يلزم على غيره أن لا يغسل الإنسان قدمه أبداً كما سيأتي، ولأن الاكتفاء بالمسح على الخفين بدلاً من غسل القدمين إنما هو لوجود الخفين، فلما خلع الخفين زال حكمهما ووجب عليه الغسل فيعيد وضوءه حينئذ.

    القول الثاني: أنه يغسل قدميه فحسب، وهذا قول من لا يشترطون الموالاة في الوضوء؛ لأنهم يوافقون الأولين على أن القدم لما خلع الخف وجب غسلها؛ لكنهم لا يرون وجوب الموالاة ومن ثم إعادة الوضوء، لكن يكتفون بغسل القدمين حين أظهرهما من الخفين، وهذا مذهب الكوفيين، والمزني، وأبي ثور، ومالك، والليث بن سعد، إلا أن مالكاً والليث يشترطون: ألا تطول المدة كثيراً.

    وإذ قد علم مما سبق من مباحث الوضوء وجوب الموالاة فلا حاجة لإعادة القول بذلك، وأن ترجيح وجوب الموالاة يضعف هذا القول.

    أما القول الثالث: فهو مذهب الحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجماعة من السلف وهم يقولون: ليس عليه شيء لا إعادة الوضوء ولا غسل القدمين، وقاسوا من خلع خفيه بعد مسحهما بمن حلق رأسه بعد مسحه فإنه لا يجب عليه إعادة مسح الرأس.

    وهذا القياس كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: فيه نظر؛ لأنه قياس مع الفارق كما يقال، فإن الرأس حكمه الأصلي هو المسح، والإنسان حين مسح رأسه أتى بالواجب الأصلي: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6]، فلما حلقه لم يُلزم بشيء آخر غير ما فعل، أما مسح الخف فليس هو الواجب الأصلي؛ ولكنه بدل يُنتقل إليه عند لبس الخفين ففارق مسح الرأس في ذلك.

    ولذلك كان القول الأول -وهو وجوب إعادة الوضوء- أقوى لاشتراط الموالاة من جهة كما سبق، ولدفع ما يلزم من عدم غسل القدم أبداً، بمعنى: أننا لو قلنا: يجوز للإنسان أن يخلع خفه ولا يلزمه إعادة الوضوء لخلع الخف، يعني خلع الخف وهو على طهارة كما هو معلوم بعد اكتمال مدة التوقيت، وهي يوم وليلة أو ثلاثة أيام ثم لبسه، وبذلك يكون لبس الخف مجدداً على طهارة، ثم مسح عليه يوماً وليلة أو ثلاثة أيام بلياليها إن كان مسافراً، ثم خلعه ثم لبسه في الحال، يعني: خلعه وهو على طهارة ولبسه وهو على طهارة، ثم مسح عليه يوماً وليلة أو ثلاثة أيام بلياليها.

    وقد يقال: يخلعه لكن يشترط ألا يلبسه إلا على طهارة، وحينئذ يقال لقائل هذا القول: لابد من دليل على أنه لا يلبس الخف إذا خلعه إلا على وضوء غُسلت فيه القدمان، بل يقال: الأولى والأقرب والله تعالى بالصواب أعلم أن يقال: إذا خلع خفيه انتقض الوضوء الذي مسح فيه عليهما، ووجب عليه أن يتوضأ من جديد دفعاً لهذا اللازم فيما يبدو ويظهر.

    هذه المسألة الأولى، وقد تبين أن فيها ثلاثة أقوال، وأن الذي رُجِّح -وإن كانت المسألة اجتهادية كما هو ظاهر؛ لأنه ليس فيها نص يخصها وينص عليها- هو أن الإنسان الماسح إذا خلع خفيه فعليه أن يعيد الوضوء.

    حكم المسح على الخف المخرق وما في حكمه

    أما المسألة الثانية فهي مسألة: المسح على الخف المخرق، وما في حكمه.

    فالخف المخرق معلوم، ما يكون فيه خروق في مواضع منه، وما في حكمه مثل: ما يلبسه بعض الناس في هذا العصر من الخفاف التي تسمى بالكنادر وغيرها، مما لا يكون ساتراً لجميع المحل المفروض بل يظهر منه بعض القدم.

    فهذه الخفاف المخرقة فيها أقوال أيضاً:

    ذهب الإمام أحمد والشافعي في مذهبه الجديد: إلى أنه لا يجوز المسح على خف فيه شيء من الخروق يبدو منها شيء من القدم، وحجتهم في ذلك: أن ما انكشف من القدم فحكمه الغسل، والجمع بين الغسل والمسح في قدم واحدة لا يجوز، كما أن غسل قدم ومسح الأخرى لا يجوز أيضاً؛ ولذلك قالوا: لا يجوز المسح على خف فيه خرق يبدو منه شيء من القدم. هذا هو القول الأول.

    القول الثاني: هو مذهب الإمام مالك وأصحابه: إلى أنه إن ظهر من خروق الخف قدر ثلث القدم فأكثر لم يجز المسح عليه، وإذا كان أقل من ذلك جاز، وحجتهم في هذا التفريق بين ما كان أقل من الثلث وما كان بقدر الثلث فأكثر، هو أن الشرع دل على أن الثلث هو آخر حد اليسير وأقل حد الكثير، ربما يكون من أدلتهم مثلاً قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه لـسعد : ( الثلث والثلث كثير )، وما أشبه ذلك، فعدو الثلث فيصلاً بين الكثير والقليل.

    ولا يخفى ما في التحديد بالثلث من النظر في هذه المسألة.

    ذهب أبو حنيفة -وهذا هو القول الثالث- إلى أن الخروق الكبيرة الفاحشة يُمنع المسح على الخرق إذا وجدت، وأما الصغيرة فلا بأس في ذلك، وحددوا الخروق الكبيرة الفاحشة بمقدار ثلاثة أصابع.

    والقول الرابع لبعض أهل العلم: أنه يجوز المسح على جميع الخفاف، فكل ما سمي خفاً ومشى فيه الإنسان وأمكن تتابع المشي فيه دون أن يسقط فهو جائز المسح عليه وإن كثرت فيه الخروق، وهذا اختيار ابن المنذر وابن تيمية رحمهم الله جميعاً، وكذلك رجحه الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان وقال: وأقرب الأقوال عندي المسح على الخف المخرق -ما لم يتفاحش خرقه- بحيث يمكن تتابع المشي فيه؛ وذلك لإطلاق النصوص، مع أن الغالب على خفاف المسافرين والمجاهدين والغزاة عدم السلامة من التخريق، وهو مذهب الثوري وإسحاق بن راهويه ويزيد بن هارون وأبي ثور وابن المنذر .. وغيرهم، أن كل ما سمي خفاً وأمكن تتابع المشي فيه دون أن يسقط جاز المسح عليه، وإن كثرت فيه الخروق.

    ومن أدلة هؤلاء ما سبق أن النصوص ورد فيها ذكر الخفاف، ولم يرد فيها شيء آخر وراء ذلك، فكل ما سمي خفاً جاز المسح عليه؛ لأنه خف، والشرع جاء بالرخصة في المسح على الخفين.

    ومن أدلتهم أيضاً: أن الصحابة رضي الله عنهم على ما كانوا عليه من شظف الحال وضيق ذات اليد، كانت كثير من خفافهم فيها خروق، وكانوا أحياناً يلفون على أقدامهم الخرق وغيرها، وقد قيل: إن غزوة ذات الرقاع إنما سميت بهذا الاسم لذلك.

    ابتداء مدة المسح على الخفين

    والمسألة الثالثة والأخيرة من هذه المسائل هي: متى تبدأ مدة المسح على الخفين؟ يعني: إذا كان التوقيت ثابتاً كما سبق يوماً وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، فمتى يبدأ هذا التوقيت، هل يبدأ من حين أن يلبس الإنسان الخف، أو من أول حدث بعد لبس الخف، أو من أول مسح، أو ماذا؟

    أقوال في هذه المسألة:

    فقد روي عن الحسن البصري رحمه الله: أن ابتداء المدة بعد اللبس، وبناء على هذا القول يكون الإنسان يمسح من يوم أن لبس الخف مدة يوم وليلة فحسب.

    وذهب الجمهور من الشافعية والحنفية ورواية عن الإمام أحمد، وكذلك مذهب الثوري وداود الظاهري وهي أيضاً رواية عنه: إلى أن المدة تبدأ من أول حدث بعد اللبس.

    وحجتهم في ذلك: أن المسح على الخف عبادة مؤقتة بوقت كما ثبت في النصوص، فكان ابتداء وقتها من حين جواز فعلها وإيقاعها كالصلاة، فمن حين جاز للإنسان أن يمسح على الخف بدأ احتساب الوقت.

    وقد يشكل على ذلك أنه يجوز للإنسان أن يمسح على الخف حتى قبل أن يُحدث؛ لأن الإنسان من حين أن لبس الخف على طهارة جاز له أن يمسح عليه، فلو أراد مثلاً أن يجدِّد وضوءه بعد لبس الخف جاز له أن يمسح عليه قبل أن يُحدث.

    القول الثالث في المسألة هو منهج الأوزاعي وأبي ثور، وهو أيضاً رواية عن أحمد وداود الظاهري، وهو اختيار ابن المنذر رحمه الله، وقد نقل نحو هذا القول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن مدة المسح تبدأ من أول مسح بعد الحدث.

    وقولهم: من أول مسح بعد الحدث تحرز عما لو مسح قبل الحدث كما في حال تجديد الوضوء مثلاً، لو لبس الخف على طهارة ثم أراد أن يجدِّد الوضوء فمسح عليه فهذا لا يُعدُّ عندهم من المدة، وإنما المدة تبدأ من أول مسح بعد الحدث، يعني: من أول مسح في وضوء واجب.

    وهذا القول رجحه أيضاً الإمام النووي كما في المجموع شرح المهذب حيث قال: وهو المختار الراجح دليلاً.

    ولعل من أقوى أدلة هذا القول: أن النصوص السابقة -وهي كثيرة- ورد فيها لفظ المسح: (يمسح المقيم) (يمسح المسافر) (رخص في المسح).. وهكذا، فجاء فيها لفظ المسح في الوضوء بدلاً من الغسل، فدل على أن الشيء الموقَّت في الأحاديث هو المسح نفسه، ولا علاقة له بلبس الخف أو بالحدث وإنما بالمسح نفسه، وبذلك تبين أن المدة المحددة هي مدة المسح على الخفين، فمن أول مسح بعد الحدث يحتسب الإنسان المدة الواجبة ويمسح فيها قدر يوم وليلة، فإذا انتهى اليوم والليلة فمن المعلوم أنه لا يمسح بعده، لكن لو ظل على طهارته فإنه يصلي ما شاء الله أن يصلي ما دام على طهارته، لكن لا يمسح بعد انتهاء المدة.

    وهذا القول الثالث الذي يحتسب المدة من أول مسح بعد الحدث، وإن شئت فقل: من أول مسح في وضوء واجب قول قوي، وكما ذكر النووي رحمه الله: أنه المختار الراجح دليلاً.

    وليس يُشكل على هذا القول ما ذكره أبو محمد بن حزم رحمه الله في المحلى من الاعتراض على هذا القول بصورة: ما لو وجد إنسان فاسق -كما ذكر- فلبس الخف على طهارة ثم ترك الصلاة وقتاً طويلاً، يعني: أوقاتاً متتابعة أسبوعاً أو شهراً لم يخلع خفيه، ولم يمسح عليهما، ولم يتوضأ، ولم يصل طيلة هذه المدة، ثم بدا له أن يتوضأ ويصلي، فبناء على هذا القول فإنه يزعم أنه يلزم أصحاب هذا القول أن يجيزوا له المسح على الخف ولو بعد مضي أسبوع أو شهر لم يمسح فيه، لا يقال هذا؛ لأنه إذا قيل: إن المدة تبدأ من أول مسح بعد الحدث أو من أول مسح في وضوء واجب فإنه يعتبر الأمر الواجب حينئذ، فمثلاً نقول: بالنسبة لحال هذا الفاسق الذي أشار إليه ابن حزم تبتدئ مدة المسح بالنسبة له من الوقت الذي كان يجب فيه أن يتوضأ ليؤدي واجباً فلم يفعل، فيكون له يوم وليلة منذ ذلك الوقت.

    ثم لا أدري ما رأي أبي محمد رحمه الله في إنسان يدع الصلاة هذه الأيام المتطاولة، لا يصلي ليلاً ولا نهاراً، لا جمعة ولا جماعة، هل يبقى عنده في دائرة الإسلام، أم أن عليه أن يجدد إسلامه ويجدد طهارته بالاغتسال؟

    المهم الذي يظهر أن القول بأن المدة تبتدئ من أول مسح في طهارة واجبة، أو من أول مسح بعد الحدث هو المختار الأقوى دليلاً، والله تعالى أعلم بالصواب.

    هذه المسائل الثلاث هي المسائل التي أحببت أن أشير إليها في نهاية الحديث عن المسح على الخفين؛ وذلك لأنه لم يرد حديث عنها في أثناء شرح هذا الباب وأحاديثه التي اختارها المصنف رحمه الله تعالى، وهي من المسائل المهمة التي تكثر حاجة الناس إليها؛ فبذلك أحببت أن أختم الحديث عن المسح على الخفين بها.

    وأسأل الله تعالى للجميع التوفيق والعلم النافع والعمل الصالح، إنه على كل شيء قدير.

    وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.