إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح العمدة (الأمالي)
  5. شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الحج والعمرة - باب صفة الحج

شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الحج والعمرة - باب صفة الحجللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للحج أعمال محددة ومبينة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تقبل إلا إذا كانت موافقة لما عمله النبي صلى الله عليه وسلم في حجته، وتبدأ أعمال الحج من يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وتنتهي في آخر أيام التشريق الثلاثة لمن أراد أن يتأخر، ومن تعجل في يومين فلا إثم عليه.

    1.   

    أعمال الحج يوم التروية

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

    وهذه ليلة الخميس الرابع والعشرين من ذي القعدة من سنة 1422 للهجرة، وعندنا في هذا اليوم باب صفة الحج، والغالب في أوصاف الحج أنها سهلة؛ لأنها حكاية لما يقع ويجري من الحاج على وفق ما جاءت به سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا تكثر فيها المسائل والآراء.

    والمصنف رحمه الله عقد كغيره من الفقهاء هذا الباب وقسمه إلى قسمين:

    الأول: صفة الحج.

    والثاني: ما يفعله بعد الحل.

    سبب التسمية بيوم التروية

    قال المصنف رحمه الله: [إذا كان يوم التروية فمن كان حلالاً أحرم من مكة وخرج إلى عرفات ] يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة باتفاق العلماء، وسمي بهذا الاسم إما لأنهم كانوا يروون الماء قبل أن توجد المياه وتنتشر بينهم، أو يروون إبلهم، وهذا هو الأقرب، وقيل غير ذلك، قال بعضهم: سمي يوم التروية؛ لأن إبراهيم عليه السلام أوري ليلة إذ أنه يذبح ابنه، فلما أصبح صار يروي الرؤيا لنفسه أهي رؤيا أم حديث نفس، فلما كان من الليلة الثانية أريه، فلما أصبح عرف أنها حقيقة، فسمي هذا يوم التروية، وسمي ذاك يوم عرفة . وقيل: لأن الإمام يروي لهم أحكام الحج. هذا لا يهم كثيراً؛ المهم أن يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، وفي هذا اليوم يحرم الحجاج.

    الخروج إلى عرفات مروراً بمنى

    قال: [فمن كان حلالاً] يعني: قد أحل من عمرته، كالمتمتع مثلاً، فإنه قد أحرم بالعمرة ثم أداها، ثم حل، وصار حلالاً إلى أن يحرم بالحج في اليوم الثامن، في يوم التروية. أو كان لم يحرم أصلاً كالمكي -مثلاً- المقيم بـمكة، فكل هؤلاء يدخلون تحت قوله: [فمن كان حلالاً أحرم من مكة ].

    [وخرج إلى عرفات ] وقد ذكرنا فيما يتعلق بـعرفات أنها سميت بذلك إما لأن إبراهيم عرف، أو لأن جبريل أرى النبي صلى الله عليه وسلم المناسك وعرَّفه إياها، أو لأن آدم عرف حواء، أيضاً أقوال ليس لها كبير أهمية.

    إذاً: السنة أن يخرج الناس إلى عرفات يوم التروية على ظاهر كلام المصنف، وليس هذا هو مقصوده، والله أعلم وإنما مقصوده أن يخرجوا من مكة؛ لأنه يتصور أن الحجاج كانوا بمكة، فإذا كان يوم الثامن أحرموا من مكة ثم خرجوا إلى عرفات، لكن في خروجهم إلى عرفات يمرون بمنى، ويمكثون بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، يصلون كل صلاة في وقتها مقصورة بالنسبة للمسافرين، ثم يدفعون من عرفات من الغد، ولكن أصل انطلاقهم من مكة كأنهم انطلقوا إلى عرفات ؛ ولذلك المصنف قال: [وخرج إلى عرفات ]، وهذا الكلام قد لا يخلو من شيء من الإيهام.

    وهذا الذي جاء في حديث جابر المشهور، فإنه قال: ( فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني: إلى منى - فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث بها حتى طلعت الشمس ثم دفع إلى عرفة )، وهذا دليل على مشروعية ذلك؛ أن يحرم بـمكة يوم التروية .. من كان بـمكة يحرم بها، ومن كان بمنى يحرم بها أيضاً، ثم يصلي بها الأوقات الخمسة، ثم يجلس بها إلى ما بعد طلوع الشمس من يوم عرفة، ثم يدفع إلى عرفة، وهذا أيضاً الذي قاله أنس بن مالك لما سئل عن ماذا عقله من النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أين صلى الظهر يوم التروية؟ فقال رضي الله عنه: صلى عليه الصلاة والسلام بمنى. قيل: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بـالأبطح)، يعني: آخر أيام التشريق.

    ثم -كما ذكرنا- من كان مقيماً وهذا فيما يتعلق بالحال، سواء كان متمتعاً حل من عمرته، أو كان مكياً مقيماً بـمكة لم يحرم إلا بالحج.

    لكن من كان مقيماً على إحرامه مثل من؟ مثل القارن والمفرد، وأيضاً مثل المتمتع إذا ساق الهدي، فإنه يخرج إلى منى -كما ذكرت- يخرج وهو محرم في الأصل ولا يحتاج إلى تجديد إحرامه.

    أما من كان منهم حلالاً فهم المتمتعون وقد ذكرنا حالهم، وأنهم يحرمون في اليوم الثامن، وهو فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ذكره جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وسعي بين الصفا والمروة، وقصروا ثم أقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج )، وهذا الحديث متفق عليه.

    إهلال أهل مكة يوم التروية

    وأما بالنسبة لأهل مكة فالجمهور أيضاً على أن أمرهم مثل أمر غيرهم، أنهم يهلون يوم التروية. وقيل: إنهم يحرمون قبل ذلك كما جاء عن ابن عمر وغيره أنه كان يقول: (يا أهل مكة! ما للناس يقدمون شعثاً غبراً، وتقدمون أنتم في زينتكم) أو نحو ذلك، وأمرهم أن يحرموا من هلال ذي الحجة -من هلال الشهر-، وهذا قول عن مالك رحمه الله، لكن ما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح؛ أن أهل مكة شأنهم في ذلك شأن من كان أحرم ثم حل، يهلون في اليوم الثامن في يوم التروية.

    وهذا الاستحباب -في الإهلال يوم التروية-: لا يفرق فيه بين من وجد الهدي ومن لم يجد الهدي؛ لأننا نعرف أن من لم يجد الهدي ماذا عليه؟ أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. فهل نقول: إن من لم يجد الهدي يقدم الإحرام حتى يصوم الأيام الثلاثة -يعني: يوم عرفة ويومين قبلها السابع والثامن والتاسع مثلاً- يصومها في الحج، ويجعل الباقي إذا رجع إلى أهله، هل نقول: يقدم الإحرام من أجل أن يصوم؟ هذا قال به بعض الفقهاء من الحنابلة والشافعية وغيرهم. لكن الصواب أن ذلك ليس بمشروع، بل بعضهم قال: يقدمه يومين كما ذكر عن أبي الوفاء بن عقيل أو غيره لو صام السابع والسادس -يعني: يحرم- لأنهم قالوا: ينبغي أن يكون صيامه في إحرام، يصوم وهو محرم؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ [البقرة:196]، ولكن هذا القول ليس عليه دليل؛ لأننا نعلم بالقطع واليقين أن كثيراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن معهم هدي وكانوا متمتعين، وعليه فهم سوف يصومون ثلاثة أيام في الحج، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحداً منهم أن يحرم قبل يوم التروية، فدل ذلك على أن الأمر واسع، وأنه بإمكانهم أن يصوموا حتى ولو كانوا غير محرمين.

    الاختلاف في تحديد وقت الإحرام يوم التروية

    بالنسبة ليوم التروية؛ ما هو السنة فيه: هل يحرم قبل الزوال أو بعد الزوال؟

    هما قولان للعلماء، وروايتان في مذهب الإمام أحمد أصحهما أنه يحرم عقب الزوال، وهذا هو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر قال: ( أمرنا عشية عرفة أن نحرم بالحج )، والعشية أو العشي إنما يطلق على ماذا؟ على ما بعد الزوال، وما قبله يسمى الغداة، كما في القرآن الكريم: بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52]، فالغداة ما قبل الزوال، والعشي هو ما بعد الزوال.

    إحرام أهل مكة

    من أين يحرم؟

    قلنا: يحرم من مكة، وهذا هو قول الجمهور، وعندنا دليل يتكرر كثيراً في مشروعية الإحرام من مكة وهو: ( حتى أهل مكة يهلون من مكة ) حديث ابن عمر في ذكر المواقيت، قال في آخره: ( حتى أهل مكة ) يعني: من كان دون ذلك -يعني: دون المواقيت- ( فمهله من حيث أنشأ ) يعني: من حيث نوى أو عقد نية الإحرام.

    ( حتى أهل مكة يهلون من مكة )، وخرج من هذا ماذا؟ العمرة .. خرجت العمرة في قول غالب العلماء، وحكاه بعضهم إجماعاً؛ أن المعتمر إذا أراد العمرة يحرم من ماذا؟ من الحل، من التنعيم أو الجعرانة أو أي مكان آخر أو من عرفة، المهم يحرم بالعمرة من الحل.

    لكن بالنسبة للحج، قالوا: لا، الأصل أنه في الحج يحرم من مكة .

    طيب! من أي مكة ؟

    قال كثير من الحنابلة والمالكية والشافعية: يحرم من المسجد، والصواب في ذلك أنه يحرم من بيته أو من حيث تيسر؛ لأنه لم يرد في ذلك سنة خاصة، بل حديث جابر : (أنهم لما جعلوا مكة منهم بظهر أحرموا بـالأبطح)، معنى ذلك: أنهم لم يحرموا في المسجد الحرام.

    وبناء عليه نقول: يحرم من حيث هو، يحرم في بيته الذي هو فيه أو في فندقه أو في مكانه، أياً كان.

    وقال بعضهم أيضاً: إنه إذا أحرم يذهب ليطوف بالبيت، وسموا هذا الطواف طواف الوداع -وداع مكة - وليس وداع الحج، وهذا أيضاً ليس عليه دليل وليس من السنة على الأصح أنه يطوف للوداع إذا أراد الخروج من مكة ؛ ولذلك قال الزبير بن عربي : [ قلت لـابن عمر : يا أبا عبد الرحمن ! من أين أهل يوم التروية ومتى أهل؟ قال: من حيث شئت ومتى شئت ]، يعني: قبل الزوال أو بعده، في بيتك أو في المسجد أو فيما شاء الله تعالى، وهكذا جاء عن جابر كما ذكرنا وابن عباس .

    ثم يبيتون بمنى -كما ذكرنا- حتى تطلع الشمس وتشرق؛ ولذلك نقول: لا يشرع لهم ولا يستحب لهم التعجل إلى عرفة، فالذين يذهبون -مثلاً- في الليل إلى عرفة أو يذهبون قبل طلوع الشمس، نقول: خالفوا السنة وليس عليهم شيء.

    1.   

    أعمال يوم عرفة

    النزول بنمرة

    ثم يسيرون من منى إلى عرفات، وهنا: لا يقفون عند المشعر الحرام، وكان أهل الجاهلية يقفون عنده، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم خالف هدي المشركين، وسار ولم يقف عند المشعر الحرام حتى نزل بـنمرة، وكان أمر عليه الصلاة والسلام بقبة له فضربت بـنمرة.

    ونمرة هو الوادي الذي قبل عرفة، والذي فيه المسجد الآن، وقد قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه ( فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس, وأمر بقبة من شعر فضربت له بـنمرة . قال: فسار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا تشك قريش أنه سوف يقف عند المشعر الحرام. -يعني: كما كانوا يصنعون في الجاهلية- فأجاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد نصبت له بـنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس -يعني: زالت الشمس- أمر بالقصواء وهي ناقته، فرحلت له صلى الله عليه وآله وسلم، فأتى بطن الوادي فخطب الناس، وقال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت .. ألا هل بلغت؟ ثم قال صلى الله عليه وسلم: إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين موضوع، وكل ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا من ربا الجاهلية أضعه ربانا ربا الفضل بن العباس، وأول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ). ثم قال صلى الله عليه وسلم: ( استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف). ثم قال صلى الله عليه وسلم: (قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده أبداً: كتاب الله وسنتي، وأنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ فقالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بسبابته إلى السماء يرفعها هكذا: اللهم اشهد ..) إلى آخر خطبته عليه الصلاة والسلام وهي في صحيح مسلم وغيره.

    فهذا دليل على ما فعله صلى الله عليه وسلم في انصرافه إلى نمرة وبقائه في القبة ثم خطبته يوم عرفة، وهذا فيه فوائد ومسائل من العلم يأتي شيء منها.

    فأما نمرة فقد ذكرنا أن نمرة هي الجبل الذي عليه الأنصاب، وهي ليست من عرفة على قول جمهور العلماء خلافاً للحنفية وهي معروفة الآن، أميالها وحدودها واضحة.

    وفي ذلك أيضاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج من منى إلى عرفة عن طريق يقول له أهل المعرفة كـالأزرقي وغيره يقولون: إنه خرج من طريق ضب، وهذا الطريق كان معروفاً من منى إلى عرفة، وهو يمر بمزدلفة، فهذا الذي خرج منه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع من طريق المأزمين، كما سوف نذكره، وقد كان من هديه إذا ذهب من مكان أن يعود من مكان آخر.

    أداء صلاة الظهر والعصر جمعاً بعرفة

    فهنا أيضاً نجد في الحديث السابق حديث جابر وغيره: ( أنه لما زالت الشمس يوم عرفة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ثم صلى )، فيستحب للحاج إذاً كما يقول المصنف: [ فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الظهر والعصر يجمع بينهما ] وفي نسخة: [بأذان وإقامتين] فهذا مما يشرع للحاج يوم عرفة ؛ أن يصلي الظهر والعصر جمعاً وقصراً بأذان واحد وإقامتين. وكونه يجمع فإن هذا باتفاق العلماء.

    وأما كونه بأذان وإقامتين فإن هذا هو المروي عن الإمام أحمد، وهو قول الشافعية وأبي ثور وهو ما نقله أكثر الصحابة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ أنه يؤذن أذاناً واحداً، ويقيم لكل صلاة إقامة؛ لأن الأذان يقصد به جمع الناس، وأما الإقامة فيقصد به تهيؤهم للصلاة فاكتفي بأذان واحد.

    وفي المسألة أقوال: الإمام مالك رحمه الله قال: يؤذن أذانين. وهذا منقول عن عمر رضي الله عنه، ولكن الأقرب أنه إن ثبت عن عمر فإنما قد يكون أذن لعارض؛ كأن يكون الناس تفرقوا فاحتاج الأمر إلى أن يؤذن لاجتماعهم، وهو أيضاً قول ابن مسعود .

    وقيل: إنه يؤذن أذاناً واحداً ويقيم إقامة واحدة أيضاً، وهذا منقول عن ابن عمر وسفيان الثوري .

    إذاً: في المسألة ثلاثة أقوال: إما يؤذن أذاناً واحداً، ويقيم إقامتين، وهذا قول الجمهور وهو الراجح، أو يؤذن أذانين وإقامتين، أو يؤذن أذاناً واحداً وإقامة واحدة.

    ذكرنا حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    بعد ذلك الحاج إذا صلى الظهر والعصر تفرغ للذكر والدعاء والعبادة.

    خطبة يوم عرفة

    وفيما سبق من حديث جابر أن الإمام أو نائبه يستحب له أن يخطب بالناس خطبة بـبطن عرنة -بضم العين وفتح الراء على الضبط الراجح- أنه يخطب بهم، ثم يصلي بعد الخطبة أيضاً، وهذه الخطبة أيضاً في عرفة سنة متفق عليها نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه كما نقلها جابر وابن عباس وابن عمر، وجمهور من نقلوا حجة النبي عليه الصلاة والسلام، وتوارثها المسلمون إلى يوم الناس هذا.

    ويستحب أن تكون الخطبة قصيرة كما قاله عبد الله بن عمر للحجاج -كما في صحيح البخاري -: (إن كنت تريد السنة فأقصر الخطبة)، وأن يشرح الإمام فيها للناس أحكام الحج وما يتعلق به، ويبين لهم أصول الإسلام وجمله وقواعده وأحكامه كما سمعتم في خطبة النبي عليه الصلاة والسلام التي رواها عنه جابر .

    الوقوف بعرفة

    [ثم يروح إلى الموقف] الذي يقف الناس فيه، وهو يسمى موقفاً وإن كان لا يلزم من ذلك الوقوف فيه كهيئة القائم، وإنما يسمى الوقوف للبقاء بعرفة، سواء كان واقفاً على قدميه أو كان راكباً على بعيره، أو كان جالساً أو مضطجعاً، فكلهم يسمى واقفاً بـعرفة . وقد بحث العلماء في الأفضل من هذه الأشياء، فذهب الجمهور إلى أن الأفضل: أنه يقف على بعيره كما فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل: السنة أن يقف على قدميه لأنه أرفق بالدابة، والأرجح أنه لا شيء من ذلك أفضل من شيء، بل الأفضل هو ما يناسبه، فإن كان يناسبه الوقوف على بعير أو سيارة أو نحوها، مثل من يكون مقصوداً أو يحتاج الناس إلى سؤاله واستفتائه أو إلى ملاحظة فعله والاقتداء به، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالسنة له أن يقف هكذا، ومن لم يكن أمره كذلك فيقف حيث شاء، وربما يكون القعود أرفق بكثير من الناس وأدعى إلى حضور قلوبهم واستجماع عزائمهم في الدعاء والذكر [ثم يروح إلى الموقف].

    [وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة ] ويسمى عرنة أو بطن عرنة، وهو بطن الوادي الذي فيه المسجد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وارفعوا عن بطن عرنة ). قال ابن عبد البر : أجمعوا على أن من وقف بـعرنة أنه لا يجزئه ذلك. نقله إجماعاً للعلماء.

    ولكن هناك رواية عن مالك نفسه - ابن عبد البر رحمه الله مالكي- هناك رواية عن مالك نفسه: أنه يهريق دماً وحجه تام، وهذا قول في مذهب المالكية، ولا أقول: إنها رواية عن الإمام مالك، لكن هو قول في مذهب المالكية؛ أنه يهريق دماً لو وقف بـعرنة وحجه تام، وهي رواية مرجوحة أيضاً عند الشافعية كما ذكرها النووي، والحنفية يرون عرنة من عرفة -كما ذكرنا-.

    الوقوف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة

    يقول المصنف: [ويستحب أن يقف في موقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو قريباً منه على الجبل، قريباً من الصخرات]، وهكذا وقف النبي عليه الصلاة والسلام كما ذكره جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام وقف على الجبل قريباً من الصخرات.

    [وجعل حبل المشاة -هكذا بالحاء- بين يديه] وهذا قريب مما يعرف اليوم بـجبل الرحمة وهو يتوسط عرفة، ولا يشرع له أن يرقى أو يصعد هذا الجبل كما يعتقده كثير من العوام. وهذا هو الموقف المشروع

    تخصيص دعاء خاص يوم عرفة

    ويكثر من الذكر والدعاء والاستغفار، ولم يرد في هذا الموقف دعاء خاص، وإنما المصنف يقول: [ يكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله عز وجل إلى غروب الشمس] وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو -تعني: رب العزة جل وعلا- ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ..)، والحديث رواه مسلم، فهذا دليل على فضل يوم عرفة، وأنه خير يوم طلعت عليه الشمس، كما جاء هذا أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    فهذا دليل على فضله واستحباب اغتنامه في ذكر الله تعالى ودعائه واستغفاره وإن لم يكن ثَمّ دعاء أو ذكر خاص في هذا اليوم، وقد روي في ذلك أشياء كثيرة جداً لا داعٍ للإطالة فيها، منها ما ذكره المصنف وغيره، ومن ذلك ما جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر دعائه يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير )، وهذا يمكن أن يكون من أصح ما ورد، على أنه لا يخلو من ضعف.

    وقد ذكر العلماء ألواناً من الأدعية أعجبني منها نموذج دعاء ذكره ابن قدامة في المغني، قال: روينا عن سفيان الثوري : سمعت أعرابياً، طبعاً الأعرابي ليس ما يفعله بحجة، لكن ما دمنا نذكر الدعاء فإن من الأفضل أن يقبل الإنسان على الدعاء مما حضره، وألا يلتزم بشيء لم يرد، لكن هذا مما نقل، يقول: [ سمعت أعرابياً -هذا سفيان الثوري - وهو مستلقٍ بـعرفة يقول: إلهي! من أولى بالزلل والتقصير مني، وقد خلقتني ضعيفاً، ومن أولى بالعفو منك وعلمك فيّ سابق، وأمرك بي محيط، أطعتك بإذنك والمنة لك، وعصيتك بعلمك والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك عليّ وبانقطاع حجتي، وبفقري إليك وغناك عني؛ أن تغفر لي وترحمني، إلهي! لم أحسن حتى أعطيتني، ولم أسيء حتى قضيت عليّ، اللهم أطعتك بنعمتك في أحب الأشياء إليك: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك: الشرك بك، فاغفر لي ما بينهما، اللهم أنت أنس المؤنسين لأوليائك، وأقربهم بالكفاية من المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم، وتطلع على سرائرهم، سري إليك مكشوف وأنا إليك ملهوف، إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك، وإذا أصمت عليّ الهموم لجأت إليك؛ استجارة بك علماً بأن أزِمَّة الأمور بيدك ومصدرها عن قضائك ]. ثم ذكر ابن قدامة أيضاً دعاءً آخر طويلاً نسبه إلى إبراهيم بن إسحاق الحربي .

    فمهما دعا الإنسان أو ذكر الله أو قرأ القرآن جاز له ذلك.

    الدفع إلى مزدلفة

    قال: [ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة على طريق المأزمين وعليه السكينة والوقار، ويكون ملبياً ذاكراً لله عز وجل] بالنسبة لقدومهم إلى عرفة أو ذهابهم منها فإنهم يجمعون بين الذكر والتكبير والتهليل وغيره كما جاء في صحيح البخاري عن أنس قال: (كيف كنتم تصنعون؟ قال: كان يهل المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه)، يعني يهل: يلبي أو يكبر الله سبحانه وتعالى، كل ذلك واسع.

    وقوله: [ ثم يدفع مع الإمام ] الإمام عادة لا يدفع إلا بعد غروب الشمس، وهذا معروف؛ لأن العلماء يرون أن الوقوف بـعرفة ينبغي ويشرع أن يشمل جزءاً من الليل وجزءاً من النهار، والنبي صلى الله عليه وسلم وقف بـعرفة كما ذكره جابر، وقف بـعرفة حتى غربت الشمس، ولهذا قال رضي الله عنه: ( فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع وقد شنق للقصواء الزمام )، فهذا دليل على أن السنة أن يتأخر بـعرفة إلى غروب الشمس ليدرك جزءاً من الليل، كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: ( خذوا عني مناسككم ).

    وهذه المسألة، مسألة إدراك شيء من الليل، اختلف العلماء فيها تقريباً على خمسة أقوال نذكرها باختصار:

    القول الأول: أن إدراك جزء من الليل بـعرفة ركن وأنه لابد منه، وهذا قول لـمالك، قال ابن عبد البر: لم يوافقه عليه أحد من العلماء. وبناء على هذا القول لو دفع قبل غروب الشمس فإنه يفسد حجه، وهذا قول ضعيف، بل ربما هو أضعف الأقوال ولا دليل عليه.

    القول الثاني: أنه يجب عليهم البقاء إلى غروب الشمس، أو على الأقل لو عاد بعدما غربت الشمس وأنه لو لم يعد واقتصر في الوقوف على النهار فقط، فإن حجه صحيح وعليه دم، وهذا قول عطاء والثوري والشافعي والحنفية والحنابلة، يعني: هو مذهب الجمهور تقريباً، أنهم يرون أنه يجب عليه الوقوف، وإن تركه فعليه دم، يعني: الوقوف بالليل، بقدر من الليل، فلو اقتصر في الوقوف على النهار فعليه دم.

    القول الثالث: أنه يجب الوقوف ولا دم عليه، يعني: لو ترك الوقوف بالنهار فإنه يجب عليه الوقوف ليلاً، ولو ترك الوقوف ليلاً واقتصر على النهار ليس عليه دم، وهذا أيضاً هو قول آخر عند الشافعية وصححه النووي، وهو قول عند الحنابلة.

    القول الرابع: أن من كان معذوراً فله الانصراف ولا دم عليه، بخلاف المعذور، وهذه رواية أيضاً في مذهب الإمام أحمد، فقالوا: إذا كان له عذر، مثل أن يكون له رفقة أو خرج وضل أو ضاقت عليه السبل أو ما أشبه ذلك فخرج ليس عليه شيء، وإن كان ليس له عذر فعليه دم.

    القول الخامس: أن إدراك جزء من الليل سنة، وليس عليه إثم ولا دم بعدم الوقوف بالليل، ويكفيه النهار، وهذا القول هو أيضاً رواية عند الشافعية، وذهب إليه الإمام ابن حزم كما في المحلى، ورجحه جماعة من المتأخرين كما يومئ إليه كلام الشنقيطي، وكلام الشيخ عبد الله بن منيع وغيرهم. وقالوا: لأنه لا يوجد دليل صحيح على وجوب استيعاب جزء من الليل بـعرفة، ومجرد الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم ليس دليلاً صريحاً في الوجوب، وإن كان الآخرون قد يستدلون بقوله عليه الصلاة والسلام: ( خذوا عني مناسككم ).

    وعلى كل حال أنتم ترون أن هذه الأقوال متقاربة خصوصاً الأقوال الثلاثة الأخيرة، وبناءً عليه فإن الأحوط للإنسان أن يبقى إلى غروب الشمس، خصوصاً وأن هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والإجماع على أن ذلك هو السنة وهو المشروع. ولكن لو ذهب فليس عليه شيء على القول الراجح، لو خرج قبل الغروب فليس عليه شيء.

    وينبغي أن يكون خروجه من عرفة بتؤدة وسكينة، فإن ( النبي صلى الله عليه وسلم دفع - كما يقول ابن عباس - فسمع وراءه زجراً شديداً وضرباً للإبل، فأشار بسوطه وقال: أيها الناس! عليكم السكينة، فإن البر ليس بالإيضاع )، والإيضاع هو الإسراع.

    وكذلك عروة بن الزبير يقول: لما سئل أنس بن مالك رضي الله عنه: (كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حين أفاض من عرفة؟ قال: كان يسير العنق، -والعنق: هو المشي غير السريع- فإذا وجد فجوة نصّ)، إذا وجد فراغاً نص، والنص هو نوع من المشي السريع، فإذا وجد فراغاً أسرع، وإذا تزاحم الناس فإنه كان يسير العنق، وهو السير الهادئ، وهكذا نقول بالنسبة للمشاة: فإن كثرة الإزعاج وضرب المنبهات ورفع صوت السيارة والخصام بين الناس والازدحام أن هذا ليس من السنة، وينبغي للإنسان أن يحرص على تجنبه.

    1.   

    أعمال ليلة المزدلفة

    قال المصنف رحمه الله: [فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهما ] هذا أيضاً مما اتفق العلماء على مشروعيته في الجملة؛ أنه يستحب له أن يجمع المغرب والعشاء بالمزدلفة، ويجمعهما بأذان واحد وإقامتين على القول الراجح، وهناك في المسألة قولان آخران كما ذكرناه فيما يتعلق بعرفة.

    فهذا الجمع هو من السنة المتواترة وهو لأهل مكة وغيرهم من الحاج، فالكل يجمعون بعرفة، والكل يجمعون بمزدلفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع بهم هنا، وجمع بهم هناك، ولم يقل لأهل مكة في هذين الموقفين أن يستثنيهم من غيرهم في شيء من الأحكام.

    وهذا ورد عن ابن عباس -كما ذكرنا- وعن جابر وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: ( جمع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بالـمزدلفة )، وهكذا أسامة بن زيد وقد كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفات قال: ( فلما بلغ الشعب، قبل أن يصل إلى مزدلفة، أناخ النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء فصببت عليه الوضوء، فقلت: يا رسول الله! الصلاة؟ قال: الصلاة أمامك )، يعني: في المزدلفة، ولم يصلّ النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق، فمن صلى في الطريق بين عرفة ومزدلفة أجزأه ذلك وقد خالف السنة، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم -كما يقول أسامة- حتى أتى المزدلفة فصلى بها، ثم أردف معه الفضل بن العباس غداة جمع.

    المبيت بالمزدلفة

    قال المصنف رحمه الله: [ثم يبيت بها] يعني: بـالمزدلفة، وهذا في حق الحاج جميعاً أن يبيتوا بـمزدلفة إلى طلوع الفجر، ثم يقف عند المشعر الحرام، وهو المسجد المعروف اليوم إلى قبيل طلوع الشمس [ثم يصلي الفجر] يعني: الحاج بـمزدلفة [ثم يصلي الفجر بغلس].

    وبالنسبة للمبيت فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحيا تلك الليلة بصلاة أو غيرها، والأقرب -والله أعلم- أنه لا يستحب تخصيص تلك الليلة بشيء عن بقية الليالي، لكن لو صلى كما كان يصلي عادة فإنه ليس عليه في ذلك حرج، فإن مشروعية صلاة الليل -والله أعلم- عامة لكل الليالي، وإن كان يستحب ربما تخفيفها في مثل هذه الليالي، والاشتغال بغيرها خصوصاً أن الحاج قد يكون متعباً، ويحتاج إلى شيء من الراحة وسوف يصلي الفجر بغلس.

    صلاة الفجر بالمزدلفة

    وقوله: [صلى الفجر بغلس] الغلس: هو ظلمة الليل، ولا شك أن من المقطوع به أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بـالمزدلفة كانت بعد طلوع الفجر، وهذا هو ما قاله جابر رضي الله عنه في حديثه، فإنه قال: [ اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، ثم صلى الفجر حين تبين له الصبح ]، فما قاله ابن مسعود رضي الله عنه أن هاتين الصلاتين نقلتا عن وقتهما؛ صلاة المغرب والعشاء بـمزدلفة وصلاة الفجر، فإنه ليس مقصوده النقل عن الوقت المعلوم المتفق عليه عند العلماء، لا، وإنما مقصوده عن الوقت المعتاد الذي كان يصليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه كان يصلي المغرب في وقتها، ثم يصلي العشاء في وقتها، فليلة مزدلفة - جمعهما، وكذلك الفجر كان يؤخرها قليلاً عليه الصلاة والسلام، أما في ليلة مزدلفة فإنه صلاها بغلس، وبكَّر فيها جداً، هذا معنى قوله: إنها نقلت عن وقتها أو ميقاتها.

    الدعاء عند المشعر الحرام

    [ثم يأتي المشعر الحرام] وهو ما ذكرنا [ فيقف عنده ويدعو] يعني: بعد صلاة الفجر [ويكون من دعائه: اللهم كما وقفنا فيه] ولعل الصواب كما وقفتنا فيه، يعني: يسرت لنا سبيل الوقوف فيه [ وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق، فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ [البقرة:198] - إلى آخر الآيتين من سورة البقرة- إلى أن يسفر جداً، ثم يدفع قبل طلوع الشمس] وهذا الدعاء الذي ذكره المصنف ليس له أصل كما ذكرنا، وإنما هو من الأدعية، وهو وغيره من الأدعية التي هي في معنى ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، كلها سائغة في مثل هذا المقام.

    الدفع من مزدلفة للضعفة ومن في حكمهم

    ثم إذا أسفر جداً، يعني: وقبل أن تطلع الشمس يدفع إلى منى.

    ويجوز لمن كانوا بـمزدلفة من الضعفة والصبيان والمرضى والنساء أن يدفعوا بعد غياب القمر، أن يدفعوا بعد نصف الليل وقبل حطمة الناس، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لـسودة، وهو في الصحيحين حديثها، وكما أذن للعباس ومن معه أيضاً وكانوا من الصبية، فأمرهم بالدفع مع النساء، وعائشة رضي الله عنها كانت لم تستأذن وتمنت أن تكون استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: (لأن أكون استأذنته أحب إليّ من مفروح به)، فهذا جائز للضعفة ومن في حكمهم ومن يرافقهم، كسائق السيارة مثلاً ومحرم المرأة، ومن يكون يدبر أمورهم، ومن يكون معه في الحملة أيضاً ويصعب عليه أن يبقى ويتركهم، فكل هؤلاء يشملهم حكم التخفيف.

    المراد بالمشعر الحرام

    والمشعر الحرام الذي ذكره المصنف، المقصود به المسجد وهو موضع، وأيضاً هذه الكلمة تطلق على مزدلفة كلها؛ لقوله تعالى: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198]، فالمزدلفة كلها تسمى المشعر الحرام، وتسمى مزدلفة أيضاً، وتسمى جمعاً، أي: لأن الناس يجتمعون بها أو لأنهم يجمعون الصلاة بها، وقد جاء عن عمرو بن ميمون أنه قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، فقلت له: (أين المشعر الحرام الذي ذكره الله تعالى في كتابه؟ فقال له عبد الله: إن تبعتني أخبرتك. قال: فتبعته حتى إذا وضعت الركاب أيديها في الحرم -يعني: في مزدلفة - قال له: هذا المشعر الحرام. قال: قلت له: إلى أين؟ قال: إلى أن تخرج منه)، فكل مزدلفة مشعر حرام، وهذا الأثر رواه الأزرقي وسنده صحيح.

    والوقوف بمزدلفة هو من تمام الوقوف بعرفة، وسوف يأتي بيان حكمه.

    إفاضة الإمام من مزدلفة إلى منى

    أما بالنسبة للإمام فإنه لا يفيض إلا أن يسفر النهار، فيفيض قبيل طلوع الشمس كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر، وقد ذكر عمر رضي الله عنه: (أن أهل الجاهلية كانوا لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير)، وثبير هو جبل معروف في مزدلفة، فإذا أشرق ووقعت عليه الشمس أغاروا وانطلقوا إلى منى، فالله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين أن يخالفوا هديهم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدفع قبل طلوع الشمس.

    الحكمة من الإسراع عند المرور بمحسر

    ثم المصنف رحمه الله يقول: [ ثم يدفع قبل طلوع الشمس، فإذا بلغ محسراً أسرع قدر رمية بحجر حتى يأتي منى] وهذا هو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم، ففي حديث جابر : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام دفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن العباس وراءه وكان رجلاً أبيض حسن الشعر وسيماً، فلما دفع صلى الله عليه وسلم مرت به ضعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فصرف النبي صلى الله عليه وسلم وجه الفضل، والتفت الفضل إلى الشق الآخر ينظر إليهن ). وفيه أيضاً: (أن امرأة من خثعم جاءت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تسأله والفضل ينظر إليها، فصرف وجهه -هذا حديث آخر- فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! ابن عمك -كأنه قال: شققت عليه- فقال: إني رأيت شابين فلم آمن عليهما ).

    المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق في حديث جابر وصرف وجه الفضل، حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً. وبطن محسر معروف، وهو بين مزدلفة وبين منى، وقد قال العلماء: إن الحكمة في الإسراع في بطن محسر أنه موضع عذاب، وفيه أصيب أصحاب الفيل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:1]، نزل عليهم العذاب في هذا الموضع، وقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يكره البقاء في مواضع العذاب، كما فعل صلى الله عليه وسلم في مدائن صالح، ولما أمر الصحابة أن يغادروها ويسرعوا بالخروج منها.

    وهكذا قالوا في بطن محسر: إنه كان يسرع ويحرك، سواء كان على راحلته، وإن كان ماشياً أسرع حتى يخرج منه؛ لأنه موضع عذاب.

    وقد استمر النبي صلى الله عليه وسلم في التلبية حتى أتى جمرة العقبة، وهكذا نقول بالنسبة للحاج: إنه يستحب له أن يلبي حتى يصل إلى جمرة العقبة.

    1.   

    أعمال يوم النحر

    المصنف بعد ذلك قال: [ حتى يأتي منى فيبدأ بجمرة العقبة ] هذا اليوم الذي نحن فيه الآن، يعني: نحن الآن في الحج، هو يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر، أمس كان يوم عرفة، واليوم يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر كما سماه الله سبحانه وتعالى وهو مذهب الجمهور وهو الصحيح: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ [التوبة:3].

    أعمال هذا اليوم هي أربعة التي فعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

    رمي جمرة العقبة

    أولاً: أنه رمى جمرة العقبة بسبع حصيات متتابعات كحصى الخذف، وهي الحصى التي يرمى بها، وهي حجارة صغيرة فوق الحمص بقليل، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتقاط هذه الحصى، كما قال ابن عباس وغيره، وقال: ( بمثل هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو ) كما رواه النسائي وغيره، وسنده صحيح.

    [فيكبر مع كل حصاة] يرمي كل واحدة بيده ويكبر معها، ويرميها بسبع حصيات، وهذا كله في الجملة محل اتفاق فيما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أطبق وأجمع عليه العلماء.

    هذا أول ما يفعله الحاج في يوم الحج الأكبر.. في يوم العيد يرمي جمرة العقبة.

    وسوف أكمل ما يتعلق بالجمرة، المهم نكمل الأعمال؛ ثم ينحر هديه إن كان معه هدي، ثم يحلق رأسه، ثم يطوف. هذا هو الذي رتبه النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، أنه فعل هذه الأشياء مرتبة هكذا: رمى جمرة العقبة، ثم نحر هديه؛ نحر ثلاثاً وستين بيده، ثم حلق رأسه، يعني: أمر من يحلقه، ثم طاف بالبيت، يعني: ذهب إلى مكة وطاف طواف الإفاضة، وهذه هي السنة.

    وما حكم ترتيب هذه الأعمال، هل يجب أن يرتبها هكذا، أو يجوز له أن يقدم أو يؤخر؟

    أما ترتيبها عند الشافعي وهو رواية عن أحمد فإنه سنة، ولا يجب عليه أن يرتبها، وهذا هو الراجح؛ لأنه فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتفق عليه: ( أنه سئل عمن قدم وأخر؟ فكان يقول: لا حرج.. لا حرج)، والحديث معروف، وهذا يرجح قول الشافعي والرواية عن أحمد بأن الترتيب سنة. وأما الأحناف والمالكية والرواية الثانية عند الحنابلة فإنهم يرون هذا الترتيب واجباً، وبعضهم يرى أن على من أخل به دماً.

    نعود إلى رمي جمرة العقبة في يوم العيد، وهي كما يقولون: تحية منى [أنه يرميها ويرفع يده، ويقطع التلبية عند الابتداء -كما يقول المصنف- ويستبطن الوادي] يعني: كيف يرمي الجمرة؟ هذا خلاف وأصح الأقوال كما ذكره ابن مسعود في الصحيحين أنه ذكر ذلك، فقال: (هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة؛ أنه يجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ثم يرمي الجمرة) يستبطن الوادي، ولا يقف عند الجمرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف عندها.

    بالنسبة للرمي كما ذكرنا في صفته حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (أنه استبطن الوادي واستعرضها ورماها بسبع حصيات، وقال: هذا والذي لا إله إلا هو مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، يجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه).

    نحر الهدي

    قال: [ ثم ينحر هديه] كما ذكرنا في حديث جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف إلى المنحر ونحر ثلاثاً وستين بدنة بيده ثم أعطى علياً وأمره فنحر ما غبر منهن)، وهكذا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه ذكر هذا.

    الحلق أو التقصير

    قال: [ ثم يحلق أو يقصر] قال: يحلق ويقصر، والصواب: يحلق أو يقصر؛ لأن الأمرين لا يجتمعان، وإنما يكون الحلق للرجال وهو سنة، والتقصير للنساء، وإنما على النساء تقصير، وليس على النساء حلق، ولو أن الرجل حلق جاز له ذلك، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم -كما أسلفنا- للمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين واحدة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس

    الحلاق، فقال له: (خذ! وأشار بيده فبدأ بيمينه وحلق يمينه، ثم أشار إلى الطرف الآخر، ودعا أبا طلحة

    وأعطاه إياه )، وقد تقاسم الصحابة رضي الله عنهم شعرات النبي صلى الله عليه وسلم لما فيها من الخير والفضل والبركة، وهذا خاص بالآثار النبوية المادية التي لقيها الناس من أثره عليه الصلاة والسلام.

    التحلل الأول

    قال: [ثم قد حل له كل شيء إلا النساء] يعني: إذا فعل هذين الأمرين، وهما رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير. أما النحر فلا مدخل له في التحلل؛ ولهذا يقول الفقهاء من الحنابلة والشافعية وغيرهم: إن التحلل الأول يقع باثنين من ثلاثة وهما: رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير، والثالث ما هو؟ الطواف بالبيت، فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة فإنه يحل التحلل الأول، حيث يجوز ويحل له كل شيء إلا النساء، فيلبس لباسه ويتطيب، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: ( إنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله قبل أن يطوف بالبيت ) كما في صحيح البخاري .

    وهل يقع التحلل بهذين الاثنين أم يقع برمي جمرة العقبة فحسب؟

    هما قولان للعلماء: القول الأول: وهو مذهب الجمهور أن التحلل يقع باثنين من ثلاثة، أو يقع برمي جمرة العقبة مع الحلق أو التقصير، وهذا المشهور من مذهب الحنابلة والشافعية وجمهور العلماء.

    وهناك قول آخر للإمام أحمد أن الحل يقع برمي جمرة العقبة فحسب، وهذا مذهب عطاء وأبي ثور والإمام مالك، وهو أيضاً الصحيح عند ابن قدامة، قال في المغني: وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وهذا القول منقول عن جماعة من الصحابة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسنده إليه جيد، وعن عبد الله بن عمر وعن أم سلمة وجماعة.

    فنقول: إن التحلل يقع برمي جمرة العقبة، ومن احتاط فلم يتحلل إلا بفعل الأمر الثاني وهو الحلق فلا شك أن هذا أفضل وأحوط.

    عقد النكاح بعد التحلل الأول

    [ثم قد حل له كل شيء إلا النساء] يعني: إلا الجماع. وهل يجوز له أن يعقد الإحرام بعدما تحلل التحلل الأول؟ نعم يجوز؛ لأنه ليس من أمر النساء، والمقصود بالنساء الجماع.

    إذاً: هذا الذي يحصل به التحلل على ما ذكرناه.

    طواف الإفاضة

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم يفيض إلى مكة فيطوف للزيارة، وهو الطواف الذي به تمام الحج] بالنسبة لهذا الطواف، طواف الزيارة، طواف الركن، طواف الإفاضة، طواف الحج، وسميناه أيضاً طواف الصدر، وليس المقصود به الصدر من مكة، فله خمسة أسماء، هو مثل الوقوف بـعرفة من أركان الحج، ولعل هذا الكلام سيأتي، وهو يلي الوقوف بـعرفة في فضله ومكانته في الحج.

    متى يبدأ وقت الطواف؟

    قولان للعلماء:

    الحنابلة والشافعية أيضاً يرون أن وقت الطواف يبدأ من منتصف ليلة النحر، فما بعد منتصف الليل وقت للطواف بحيث إذا دفع الضعفة مثلاً من مزدلفة وذهبوا إلى البيت وطافوا فإنهم يكونون طافوا في الوقت الذي يصلح ويصح فيه الطواف، وهذا هو الراجح؛ لأنهم قالوا: إذا جاز لهم الدفع وجاز لهم رمي الجمرة؛ فإنه يجوز لهم الطواف مثل ذلك، والرمي والطواف واحد، وقد جاء في البخاري قصة أسماء رضي الله عنها: (أنه ذهب بها عبد الله -وهو خادم عندها- فرمت ورجعت، وقال لها: قد غلسنا ثم صلت الفجر بعد ذلك بوقت، وقالت: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أذن لنا بذلك). فإذا جاز الرمي والرمي لا شك أنه يجوز بعد منتصف الليل إذا وصل إلى الجمرة رمى، وإلا لا معنى أن يقال: ادفع من مزدلفة ثم اجلس عند الجمرة تنتظر مجيء الناس وازدحامهم حتى ترمي، وإنما نقول: إنه لا بأس أن يؤخر الرمي إلى بعد طلوع الشمس إذا لم يكن عليه في ذلك حرج، مثل من يكونون مرافقين للضعفة، فأخروا الرمي فليس عليهم، ولو رموا قبل الشمس فلا بأس بذلك، وهكذا نقول بالنسبة للطواف، طواف الحج؛ أن قول الحنابلة والشافعية هو قوي في أنه يجوز إيقاعه قبل الفجر بعد منتصف الليل.

    القول الثاني في المسألة، وهو قول المالكية والأحناف: أنه لا يجوز إيقاع الطواف إلا بعد طلوع الفجر، وقالوا: لأنه من أعمال يوم النحر كما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    السعي بين الصفا والمروة للمتمتع

    قال: [ ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً ] قوله: [إن كان متمتعاً] وذلك لأن سعيه الأول لعمرته، فالعمرة الأولى مستقلة، فيها طواف ثم سعي ثم تقصير، فإذا أحرم بالحج سعى للحج، وهذا قول مشهور عند الحنابلة وغيرهم، وفي المسألة عند الحنابلة قول آخر: أن المتمتع لا يحتاج إلى سعي جديد، بل يكفيه الطواف بالبيت، وأما بالنسبة لسعي الحج، فإنه يكفيه السعي الأول الذي هو مع عمرته، وهذا الذي رجحه الإمام ابن تيمية رحمه الله وقواه من حيث الأثر، وجزم به كثير من المحققين، وقالوا: إنه هو الذي فعله أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام على أن أكثرهم كانوا متمتعين، فإنهم طافوا طوافاً واحداً بين الصفا والمروة، وأما الذي كرروه فهو الطواف بالبيت؛ لأن طواف الحج ركن بعد الوقوف بـعرفة باتفاق العلماء أنه لا يكون إلا بعد الوقوف بـعرفة، ومن قال بغير ذلك كما فعله الشيخ صديق حسن خان فقد غلط في هذا، وتأول النصوص على غير ما هي له، فإجماع العلماء على أن الطواف بالبيت -طواف الحج- لا يكون إلا بعد الوقوف بـعرفة، وهو الذي كرره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ طافوا للعمرة وطافوا للحج بعد عرفة .

    أما السعي بين الصفا والمروة فإنه يجزئه أن يقدمه مع عمرته أياً كان، بما في ذلك المتمتع، فإنهم يقولون: يكفيه سعي العمرة عن سعي الحج، وقد قال عروة عن عائشة : (خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال عليه الصلاة والسلام: من كان معه هدي فليهل بالحج والعمرة، ثم لا يحل منهما. فقدمت مكة وأنا حائض، فلما قضينا حجنا أرسل لي مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمر، فقال: هذه مكان عمرتك. قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا طوافاً آخر بعد أن راجعوا من منى، والذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافاً واحداً)، طبعاً ليس المقصود الطواف بالبيت؛ لأنه طوافان، وإنما المقصود طوافهم حينئذٍ بين الصفا والمروة . ولهذا قالت كما في لفظ مسلم: (فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة -يعني: أولاً- ثم حلوا ثم طافوا طوافاً واحداً).

    قال المصنف: [ ثم قد حل له كل شيء ] يعني: إذا طاف طواف الإفاضة وسعى السعي المشروع عقبه إذا لم يكن سعى، فقد حل له كل شيء.

    لكن لو لم يكن سعى، وطاف، فهل يحل له كل شيء بمجرد الطواف حتى لو بقي عليه سعي؟

    هذا فيه قولان في المذهب، ويعتمد على حكم السعي، وذكر ابن عقيل أنه حتى على افتراض كون السعي فرضاً فإنه لا يتوقف عليه التحلل الأول ولا الثاني.

    1.   

    التضلع من شرب ماء زمزم

    قال المصنف رحمه الله: [ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما أحب ويتضلع منه، ثم يقول: اللهم اجعله لنا علماً نافعاً ورزقاً واسعاً ورياً وشبعاً وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي واملأه من خشيتك وحكمتك] النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك كما في حديث جابر أنه أتى بني عبد المطلب وهم يسقون، فقال: ( انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم )، وشرب النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم عقب طواف الإفاضة، وهكذا ابن عباس رضي الله عنه قال: ( سقيت النبي صلى الله عليه وسلم من ماء زمزم وهو قائم )، وحديثه متفق عليه، ومن هذا أخذ العلماء جواز الشرب قائماً، وأن النهي عنه لكراهة التنزيه، وفيه قصة أن أعرابياً جاء لـابن عباس رضي الله عنه وهذا في البخاري ومسلم أيضاً، وقال له: ( ما لي أرى بني عمكم يسقون اللبن والعسل، وأنتم تسقون الماء، أمن بخل بكم أم من فقر أو حاجة؟! فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا من بخل ولا من حاجة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فسقيناه، فقال: ابقوا على سقايتكم أو هكذا فافعلوا، فلا نريد أن نغير أمراً فعله النبي صلى الله عليه وسلم). والعلماء عدوا هذا من الأجوبة المفحمة أو المسكتة.

    وماء زمزم ورد فيه فضائل أنه ( طعام طعم وشفاء سقم )، وهذا صحيح، وورد ( أنه لما شرب له )، وهو عند أحمد وغيره، وفي سنده ضعف،، ولذلك الدعاء الذي ذكره المصنف أيضاً مما ليس له أصل، وقد ورد في صحيح مسلم أيضاً قصة أبي ذر: (أنه كان يشرب من ماء زمزم فاكتفى به عن الطعام والشراب وقوي به بدنه).

    هذا تقريباً ما ذكره المصنف في هذا الباب.

    1.   

    الأسئلة

    حكم عمل عمرتين في السفر الواحد

    السؤال: هل يجوز عمل عمرتين في سفر واحد؟

    الجواب: عائشة رضي الله عنها فعلت ذلك كما في المتفق عليه، وذكرناه قبل قليل، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن أخاها أن يعمرها من التنعيم، لكن هذا حال خاص، والنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه لم يفعلوه، ولهذا يمكن أن يقال: إن هذا من المباح، لكنه ليس من الفاضل. والعمرة في حقيقتها هي طواف بالبيت، ومن أحب أن يتزود فإن طوافه بالبيت يكفيه، وهو مقصود العمرة وغايتها ولبها، فيطوف بالبيت أسبوعاً أو أكثر ويجزئه ذلك، ولا يسن له أن يذهب إلى الحل ويعتمر منه، ولو فعل فليس عليه حرج.

    حكم الوضوء من النوم بعد ضجعة أذان الفجر

    السؤال: إنسان اضطجع بعد أذان الفجر ونام نوماً عميقاً هل ينقض نومه الوضوء؟

    الجواب: النوم الذي ينقض الوضوء على القول الراجح هو النوم المستغرق، الذي يفقد الإنسان معه إدراكه، فهذا ينقض الوضوء؛ بحيث لو أحدث لم يشعر بذلك، أما إذا كان يشعر بما حوله ولو حصل منه شيء لاستيقظ به، فهذا لا ينتقض به الوضوء.

    نصيحة لطالب العلم إذا لم يكن ذكياً

    السؤال: أنا حريص على طلب العلم والقراءة لكن لست بذاك الذكي والفهيم، فما نصيحتك لي؟

    الجواب: جزاك الله خيراً، ما شاء الله، هذا طيب، هذا دليل إن شاء الله على فهمك لكونك كتبت السؤال بهذه الطريقة، وأرى أنك على خير:

    أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلجا

    حكم الهدي على القارن

    السؤال: هل للقارن عليه هدي؟

    الجواب: نعم، هو ساق هدياً، يفترض أنه ساق هدياً أو عليه هدي.

    حكم رفع اليدين والتكبير عند بدء الطواف

    السؤال: ورد عن ابن تيمية بالنسبة لرفع اليدين والتكبير عند بدء الطواف أنه لا يرفع يديه كهيئة السلام.

    الجواب: هذا ذكرناه ربما في الأسبوع الماضي، أنه لا يشرع رفع اليدين إنما يشير إلى الحجر بيده، وأما التكبير فقد ذكر أنه ثابت في البخاري، وأما التسمية فقد جاءت عن ابن عمر في بداية الطواف.

    ازدحام الناس بمنى يوم العيد

    السؤال: في يوم العيد بمنى يزدحم الناس في الليل للمبيت فيها فقد لا تجد لك مكاناً، فما الحكم؟

    الجواب: من لم يجد مكاناً بمنى فليس عليه شيء فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]. ومن الخطأ الصريح أن يجلس الناس في الشوارع أو في الطرقات أو في الأرصفة، هذا لا يجوز ربما، لأن الحديث يقول: ( إياكم والجلوس في الطرقات )، وربما هذا لا يصل إلى التحريم بالنسبة للجلوس في الطرقات؛ لأنهم قالوا: (ما لنا بد، فقال: أدوا حق الطريق )، لكن في منى الجلوس في الطريق يؤذي المارة، ويعرض الإنسان للخطر، ويعرض أهله إن كانوا معه أو صبيانه، ولم يأمرنا الله سبحانه وتعالى في هذه المناسك من أجل أن يؤذي بعضنا بعضاً أو أن يترك الإنسان ما تقتضيه المروءة والأخلاق الكريمة والخصال الطيبة، فيجلس في الشارع يأكل ويشرب وينام ويتحدث ومعه أهله أو رفقته ويؤذي المارة ويضيق عليهم في الطريق، فإن هذا فيه شيء عظيم من المخالفات والمحظورات، فإن وجد الإنسان مكاناً يبيت فيه فالحمد لله، وإن لم يجد فليس عليه في ذلك حرج.

    الإنابة في الحج لمن عليه دين

    السؤال: أريد الحج وعليّ دين وقد عرض عليّ الإنابة عن شخص؟

    الجواب: لا بأس بذلك، إذا كنت سوف تنوب عن شخص في الحج، وأنت قد أديت الفريضة قبل ذلك فلا بأس، ولو كان عليك دين.

    اشتراط وصول الجمرات إلى الحوض

    السؤال: هل المقصود برمي الجمرات ضرب الشاخص أم الحوض، وهل إذا ضربت الشاخص ثم خرجت تعاد؟

    الجواب: بالنسبة للرمي المقصود فيه هو رمي الجمرة في المرمى، وليس بالضرورة أن أقول: الحوض؛ لأن الحوض هل كان موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا، إنما قيل: إنه وجد في عهد بني أمية أو بعد ذلك، وإنما المقصود مجمع الحصى .. أن ترمي في مجمع الحصى، ولهذا فإن الحصى أحياناً يفيض على الحوض، فلا يكون في الحوض مكان، هل نقول: إنه لا يجزئ الرمي، ترمي في المكان الذي تجتمع فيه الحصى. ولا يسن ولا يشرع ضرب الشاخص.

    الرمي عن النساء لخوف الضرر

    السؤال: هل يجوز الرمي عن النساء لخوف الضرر؟

    الجواب: نعم، إن كان يمكن أن ترمي النساء في الليل وقت السعة، فهذا أولى وأفضل لأن يقوم الإنسان المكلف بالعمل والعبادة بنفسه، فإن كان يشق ذلك عليه أو كان الليل مزدحماً أيضاً فيجوز التوكيل عن النساء والصبيان.

    الحج عن ميت مقابل مال يؤخذ من أهله

    السؤال: هل يجوز الحج عن شخص ميت بمقابل مال يؤخذ من أهله؟

    الجواب: نعم، يجوز الحج عن الميت بمال يؤخذ عن أهله إذا لم يكن قصد الحاج المال والتجارة.

    دليل وجوب السعي وتكراره

    السؤال: ما دليل وجوب سعي الحج وتكراره؟

    الجواب: ذكرنا أن الراجح أنه يكفي المتمتع والقارن سعي واحد، والمفرد بطبيعة الحال من باب أولى.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.