إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح العمدة (الأمالي)
  5. شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الحج والعمرة - باب الإحرام

شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الحج والعمرة - باب الإحرامللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإحرام أحد أركان الحج، وله واجبات وسنن وآداب، ومن ذلك أن من أراد أن يدخل في نسك فإن عليه أن يغتسل ويتنظف ويتطيب، ويتجرد عن المخيط، ثم يلبس إزاراً ورداءً أبيضين نظيفين، ويستحب أن يصلي ركعتين ثم يلبي ويشترط إذا احتاج إلى ذلك، ويكثر من التلبية والذكر والدعاء، وأنساك الحج ثلاثة: تمتع وقران وإفراد، وهي تتفاضل بحسب حال صاحبها، ولو أنه أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد إحرامه بالعمرة على قول جماهير العلماء.

    1.   

    تعريف الإحرام وحكمه

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين..

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الإحرام ].

    الإحرام لغة: هو الدخول في الحرام أو في الحرمة، فمن دخل في الحرم سمي محرماً من حيث اللغة، ومن دخل في النسك سمي محرماً أيضاً وعلى هذين الوجهين فسر قول الشاعر:

    قتلوا كسرى بليل محرما

    فمن حيث المعنى اللغوي هو: الدخول في الحرمة، أما من حيث الاصطلاح الفقهي أو التعريف الشرعي فإن الإحرام هو: نية الدخول في النسك أو هو الدخول في النسك، فليس الإحرام كما يظنه كثير من العامة أنه لبس الثياب أو التلبية وإن كانت هذه أشياء من لوازم الإحرام أو من سننه، لكن المقصود بالإحرام حقيقة هو: نية الدخول في النسك حتى لو لم يلبس ثيابه ونوى الدخول في النسك فهو محرم أو لو لم يلب ونوى الدخول في النسك فهو محرم.

    ونقول: نية الدخول في النسك أو الدخول في النسك حقيقة أو حكماً حتى يدخل في التعريف الصبي وما شابهه، فإن الصبي ليس عنده نية متميزة ولا إدراك ولكنه يعد محرماً باعتبار ما يفعله به والداه، فهو من حيث الحكم محرم وإن كان من حيث الحقيقة لم ينو شيئاً من ذلك.

    ما هو حكم الإحرام أو مكانه في النسك؟

    الجمهور وهم الأئمة الثلاثة أحمد ومالك والشافعي يرون أن الإحرام ركن، وأما أبو حنيفة فإنه يراه شرطاً.

    ولكن الحنفية يقولون: هو شرط في الابتداء ركن في الاستدامة. فيرجع قولهم إلى قريب من مذهب الجمهور، وأياً كان القول فلا شك أن هذا دليل على عظمة الإحرام وشدة أهميته؛ لأن الركن والشرط لا يتم ولا يصح النسك إلا به.

    1.   

    ما يفعله من أراد الإحرام

    الغسل والتنظف

    قال المصنف رحمه الله: [ من أراد الإحرام استحب له أن يغتسل ].

    وهذا دليل على أن الغسل مستحب لمن أراد الإحرام.

    وقد حكى غير واحد الإجماع على استحباب الغسل للإحرام، ونقل عن بعض أهل المدينة ونقل أيضاً عن الحسن البصري أنهم يرون على تارك الاغتسال دماً. وهذا ليس له وجه ألبتة، كما نقل بل صح عن ابن حزم أنه يرى الغسل واجباً على الحائض والنفساء. وحجة ابن حزم في ذلك هو ما رواه الشيخان: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يأمر أسماء بنت عميس زوجه -وكانت نفست في الميقات- أن تغتسل وتهل ).

    فهذا الحديث هو حجة للجمهور في استحباب الاغتسال؛ لأننا نقول: إذا كانت الحائض والنفساء وهي في حالة نجاسة لا ينفع معها الاغتسال، يعني: لا تخرج من حدثها بالاغتسال ومع ذلك استحب في حقها فهو في حق غيرها أكثر تأكيداً منه في حق الناس العاديين.. أو نقول من باب أولى: أن يكون مستحباً في حق غيرها، أما أن يكون الحديث دليلاً على وجوبه في حق النفساء والحائض فليس بوجيه؛ لأنه لا يضيف إليهما جديداً، فتظل الحائض والنفساء على حدثها حتى تطهر على ما هو معروف.

    إذاً: الدليل على استحباب الغسل هو أمر النبي صلى الله عليه وسلم لـأسماء بنت عميس، وكذلك أمره صلى الله عليه وسلم لـعائشة بذلك وكانت حائضاً على ما هو معروف.

    يقول: [ استحب له أن يغتسل ويتنظف ].

    المقصود بالتنظف هو: إزالة الشعث وقطع الرائحة وحلق الشعر وتقليم الأظفار وما في معناه ونتف الآباط ونحو ذلك.

    وهذا الأمر نص المؤلف رحمه الله على أنه مستحب، وحجته ومن وافقه من الفقهاء على ذلك أنه غسل مستحب كغسل الجمعة وغيره، فاستحب له قطع التفث وإزالة المادة الخبيثة من البدن، ولكن الصواب في ذلك أنه لا دليل على هذا وأن هذا لا يختص بالإحرام، بل من وجد منه ذلك الريح الخبيثة أو طول الأظفار أو نحوها فإنه يستحب له إزالته في كل وقت، فإن صادف وقت إحرامه أن يكون في أظفاره طول أو يكون لم يتعاهد آباطه أو شعره المستحب إزالته أو نحو ذلك استحب له ذلك، وإن كان الأمر غير هذا فإنه لا يستحب عمل ذلك بمناسبة فعل الإحرام؛ لأنه لا دليل على هذا.

    التطيب للمحرم

    ثم قال: [ ويتطيب ].

    فأما الطيب فلا شك في مشروعيته عند الجماهير، خلافاً للإمام مالك، وخلافاً قبل ذلك لـابن عمر رضي الله عنه، فإن ابن عمر كان يقول: [ ما يسرني أن أصبح محرماً أنضح طيباً ]، وكذلك مالك لا يرى الطيب للمحرم قبل الإحرام.

    أما الجمهور من الصحابة: عائشة وابن عباس وغيرهم، ومن الأئمة المتبوعين والسلف فإنهم يرون استحباب الطيب للمحرم. وحتى المرأة تتطيب بالطيب المناسب لها، وطيب المرأة هو ما يظهر لونه ولا يظهر ريحه، والطيب الذي لا يشمه أو كذلك لو كانت عند نساء ولا تمر برجال فيستحب لها أن تتطيب أيضاً.

    وقد جاء في ذلك أحاديث صحاح منها ما روته عائشة رضي الله عنها واتفق على إخراجه البخاري ومسلم قالت: ( كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت )، ولفظ الحديث الآخر وهو متفق عليه أيضاً قالت: ( كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ).

    فهذان الحديثان وما شابههما دليل على استحباب التطيب للمحرم، يعني: لمن أراد أن يدخل في النسك، لمن أراد أن يحرم، وكذلك جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تعصب على جبهتها عصابة فيها المسك. فهذا مما يستدل به على استحباب الطيب للمرأة أيضاً.

    وها هنا مسألة وهي: هل يشرع الطيب في الثياب أم أن الطيب في الشعر.. في الرأس.. في اللحية.. في البدن؟ فهذا الذي ذكرنا أنه قول الجمهور من الصحابة والتابعين وهو الصحيح بلا إشكال، حتى إن ابن الزبير رضي الله عنه يقول عنه مسلم بن صبيح [ كنت أرى على لحية ابن الزبير ورأسه من الطيب ما لو ملكه إنسان لكان يصلح أن يكون رأس مال له ] يعني: من كثرة هذا الطيب وغلاء ثمنه.

    لكن الطيب في البدن واضح، الطيب في ثياب الإحرام قبل أن يحرم هل يشرع أو لا يشرع؟

    في المسألة طبعاً خلاف مشهور، منهم من قال بمنعه وهذا لابد أن يكون مذهب المالكيين من باب أولى أيضاً، وحجة القائلين بالمنع هو ما رواه البخاري وغيره من حديث يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في خيمة له أو قبة فسأله، وقال: ( ما ترى في رجل أحرم في جبة وهو متضمخ بالخلوق، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اخلع عنك الجبة واغسل عنك الخلوق واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك )، والحديث دلالته ظاهرة على ما قالوه، ويجاب عن هذا الحديث بأجوبة:

    منها: أن هذا الحديث كان في الجعرانة، وحديث عائشة الذي ذكرناه في حجة الوداع فهو بعده بسنتين، والمتأخر يحكم على المتقدم، وعلى فرض وجود التعارض فإن الآخر ينسخ الأول.

    الوجه الثاني: أن يقال: إن هذا الرجل قد يكون وضع الطيب على ثيابه بعد الإحرام، ولاشك أن من وضع الطيب على ثيابه بعد الإحرام يجب عليه غسلها يجب عليه إزالة الطيب وغسل ثيابه، أما لو تطيب بثيابه قبل الإحرام فإنه لا يضر استدامته ويجوز فيه استمراراً ما لا يجوز ابتداءً، ولو خلع ثياب الإحرام ثم لبسها والطيب فيها فإن هذا لا يضره أيضاً، ولذلك من المعلوم أن الطيب الذي على البدن لابد أن يصيب الثياب. وهذا هو القول الراجح أن الطيب جائز في البدن وجائز في الثياب قبل الإحرام.

    التجرد عن المخيط

    قال: [ويتجرد عن المخيط].

    أولاً: لابد أن نعرف ما هو المخيط؟ وهذه من مشكلات ألفاظ الفقهاء، فإن التعبير النبوي لم يرد فيه ذكر لكلمة المخيط، وإنما الحديث الوارد في الصحيحين حديث ابن عمر : ( ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا يلبس القمص ولا القلانس ولا العمائم ولا السراويلات، ولا ثوباً مسه زعفران أو ورس )، فالرسول صلى الله عليه وسلم عدد أسماء ألوان من الثياب المعتادة، فالفقهاء عمموا واستخدموا كلمة: (المخيط)، وهذا أوقع لبساً عند كثير من العوام فإنهم يظنون أن كل ما مر عليه الخياط فهو حرام، وهذا خطأ؛ فإن لفظ (الخياط) لم يرد في كتاب ولا سنة، ولا إشكال في أن يلبس الإنسان شيئاً مخيطاً على غير هيئته، يعني: لو أن إنساناً تلفف بثوبه ولم يلبسه أكماماً وجيباً وإنما تلفف بثوبه لفه على بدنه فلا إشكال في ذلك، لأنها ليست المشكلة في وجود الخياط، المشكلة في كونه مخيطاً على هيئة البدن على قدِّ أو قدر البدن كالفنيلة أو السراويل أو الطاقية أو الثوب أو نحوها من الثياب، ولذلك بعضهم قالوا: المخيط المحيط؛ ليدفعوا هذا الإشكال.

    فالمقصود بالمخيط إذاً: هو الثوب الذي يخاط على هيئة وقد البدن؛ ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم المرأة عن أن تلبس النقاب حال الإحرام ( لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين )؛ لأن القفاز على هيئة اليد والنقاب على هيئة الوجه، والمرأة لا شك أنه يجوز لها أن تلبس المخيط خلافاً للرجل، فلبس المخيط النهي عنه خاص بالرجل، أما المرأة فتلبس من المخيط ما شاءت إلا أنها لا تلبس النقاب، لا تنتقب ولا تلبس القفازين، لكن لو غطت وجهها بغير النقاب فإنه لا شيء في ذلك؛ لأن المنهي عنه هو الغطاء المفصل أصلاً لهذا العضو، وكذلك لو غطت يديها بغير القفازين.

    إذاً: يسأل البعض عن الألبسة والإحرامات التي تكون مخيطة على هيئة الإحرام فقط هو مخيط فهذا لا شيء فيه، كما أن كثيراً من الناس قد يجمع ما بين طرفي الإحرام بالكلابات أو بغيرها، فلا فرق بين هذا وبين الخيط، يعني: هما سواء، وليست العبرة بكونه فيه خياط أو ليس فيه خياط، العبرة بكونه مفصلاً على هيئة البدن؛ ولذلك لو وجد ثياب بالنسج أو بتصنيع حديث لم يمسه الخيط ولا المخيط ولا اشتقاق خاط يخيط وهي مفصلة على قدر البدن مثل الثوب أو مثل السراويل أو مثل الفنايل أو القمصان أو غيرها لكانت محرمة وإن لم يكن فيها الخياط. فينتبه لهذا المعنى.

    وقول المصنف رحمه الله: [ ويتجرد عن المخيط ].

    هاهنا نوع من الإشكال؛ لأنه قال: (استحب له)، فهل التجرد عن المخيط مستحب أم هو واجب؟ هو واجب، لكن قد يكون مراد المصنف رحمه الله أنه استأنف الكلام وقال: ويجب أن يتجرد عن المخيط، ويحتمل أنه قصد أنه لا بأس أن يبدأ الإحرام وعليه المخيط، يعني: يحدث النية وعليه المخيط ثم يخلعه حالاً، والفقهاء نصوا على أن هذا ليس به بأس، لكن لا يستديمه أكثر من الوقت الذي يتطلبه خلع الثوب فيحتمل هذا وهذا.

    لبس إزار ورداء

    قال: [ويلبس إزاراً ورداءً أبيضين نظيفين].

    أما كون الإزار والرداء أبيضين فلاشك أن هذا لم يرد فيه نص خاص في حال الإحرام، وإنما استدل له المؤلف وغيره من الفقهاء بالأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فضل البياض، فقال: ( خير ثيابكم البياض، فالبسوها وكفنوا فيها موتاكم )، والحديث رواه أحمد وأهل السنن وغيرهم ولا بأس بإسناده، فقالوا: يستحب أن يلبس الأبيض، ولكننا نقول: أيضاً غير الأبيض يجوز من غير كراهة، فإذا احتاج الإنسان إلى لبس إحرام ملون كملابس الشتاء مثلاً وخصوصاً أنه قد يأتي من مناطق شديدة البرودة أو قد يكون الجو بارداً أو قد يكون هو ضعيفاً لا يتحمل أو لا يجد، فيلبس إحراماً ملوناً، فلا حرج في ذلك إلا أن يكون منهياً عنه لعارض آخر غير عارض التلوين.

    وكذلك في موضوع كون الإزار والرداء نظيفين، فإن المقصود بالنظيف ليس بالضرورة أن يكون جديداً وإنما أن يكون نظيفاً، والنظافة مطلوبة في هذا وفي غيره، وخصوصاً وأن الإنسان مقبل على طاعة وعبادة، وإن كان لم يرد في هذا نص خاص، وقصارى ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الثياب وهو ما ورد في الصحيح من حديث ابن عمر الذي ذكرته قبل قليل قال: ( من لم يجد إزاراً فليلبس السراويلات، ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين ).

    صلاة ركعتين

    [ثم يصلي ركعتين].

    صلاة الركعتين فيها مسألتان:

    المسألة الأولى: استحباب الإحرام عقب صلاة، وهذا ثابت أنه يستحب أن يحرم عقب صلاة فرضاً كانت أو نفلاً، وقد جاء في الصحيحين من حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أتاني الليلة -وهو بـالعقيق والعقيق قريب من ذي الحليفة قال-: آتٍ من ربي، وقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة ).

    فهذا دليل على استحباب أن يكون الإحرام عقب صلاة، صل وقل، وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحرم عقب الصلاة، وكذلك سائر أصحابه.

    فمن هنا قال الفقهاء: يستحب أن يحرم عقب صلاة. هذه هي المسألة الأولى.

    المسألة الثانية: هل للإحرام صلاة تخصه؟! بمعنى: هل يشرع أن يُنشئ ركعتين للإحرام وتسمى ركعتي الإحرام؟ هذا ليس عليه دليل من السنة النبوية.

    وإنما نقول: قد يصلي ركعتين للوضوء، قد يصلي ركعتين لفريضة، قد يصلي ركعتين تحية المسجد ثم يحرم عقبها، لكن لو لم يوجد من ذلك شيئاً فإنه لا يستحب له أن ينشئ صلاة من أجل الإحرام؛ لأن هذا لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك نقول: إن الإنسان لو كان في وقت نهي ولم يدخل المسجد ولم يتوضأ، لم يدخل المسجد حتى يصلي تحية المسجد ولم يتوضأ حتى يصلي سنة الوضوء، ففي هذه الحالة لا يشرع له أن يصلي ركعتين بل يكره بل قد يحرم عليه كونه صلى لذات الركعتين وليس لسبب آخر.

    إذاً: صلاة ركعتين من أجل الإحرام فهذا ليس له أصل، وأما أن يحرم عقب صلاة فهذا ثابت بنص النبي صلى الله عليه وسلم من قوله، وثابت من فعله وفعل أصحابه.

    وهذه الصلاة التي يذكرها بعضهم ليست من ذوات الأسباب فلا تفعل في وقت النهي إلا أن تكون تحية مسجد أو سنة وضوء أو ما أشبه ذلك.

    موطن الإحرام

    [ويحرم عقبهما].

    يعني: عقب الركعتين اللتين ذكرهما المصنف، والإحرام عقب الركعتين فيه عن الصحابة رضي الله عنهم ثلاثة نقول:

    النقل الأول: عن ابن عباس، وهو عند أبي داود وأحمد وغيرهم: أنه يحرم وهو في مجلسه مستقبل القبلة بعدما يسلم، فينوي الإحرام ويهل به، يعني: يرفع صوته بالإحرام بعدما يسلم وهو مستقبل القبلة، يقول: لبيك عمرة أو لبيك حجاً أو لبيك عمرة وحجاً. هذا هو النقل الأول.

    وهذا النقل عن ابن عباس رضي الله عنه نقله خصيف بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأن سعيداً قال له: (يا ابن عباس عجباً لكم يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تختلفون في إحرام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس : إن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم من مكانه فرأى ذلك قوم فنقلوه، ثم أحرم لما استوى على راحلته، فرأى ذلك قوم وسمعوه فنقلوه، ثم أحرم لما علا البيداء فرأى ذلك قوم فنقلوه، فمن هنا اختلفوا)، لكن هذه الرواية التي ذكرتها عن أحمد وأبي داود وغيرهم وفيها خصيف بن عبد الرحمن وهو إلى الضعف أقرب، ضعفه الإمام أحمد وغيره ووثقه آخرون لكن لاشك أن درجته لا ترقى إلى رتبة مواجهة النصوص الأخرى التي سوف أذكرها في الأقوال الثانية، ففي هذا الحديث ضعف.

    النقل الثاني في إحرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه أحرم لما استوت به راحلته، ومعنى استوت به راحلته.

    أي: لما وقفت به راحلته؛ لأنه قد يركب والراحلة باركة، فلما استوت به راحلته وقام عليها، ولذلك جاء في بعض ألفاظ البخاري (لما استوت به راحلته) وفي بعض ألفاظه قال: (لما وضع رجله في الغرز) فيحمل هذا على أنه لما قامت الراحلة واستتمت قائمة وقبل أن تبدأ في المسير أنشأ النبي صلى الله عليه وسلم الإحرام حينئذٍ، وهذا هو الثابت عن ابن عمر في الصحيحين وعن جابر أيضاً في حديثه الطويل المشهور، وهو أيضاً جاء في رواية صحيحة عن ابن عمر، وكان ابن عمر يتشدد في هذه المسألة، يشدد على من خالف في هذا ويقول: (بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند مسجد الشجرة لما استوت به راحلته)، وهو المنقول أيضاً عن جابر في حديثه الطويل، وهو المنقول في رواية صحيحة عن ابن عباس، وكذلك عن عائشة رضي الله عنها.

    إذاً: جمهور الصحابة وجمهور الأحاديث تدل على أن إحرام النبي صلى الله عليه وسلم كان حينما يستوي على راحلته وهي قائمة به وقبل أن يبدأ المسير. وهذا أصح الأقوال.

    النقل الثالث: عن أنس رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل وأحرم حينما علا البيداء ) وهي مكان مرتفع أو شرف مقابل ذي الحليفة، فـأنس رضي الله عنه يرى أنه أحرم هناك، وكان ابن عمر يغضب غضباً شديداً لذلك، ويقول كما سمعتم: (بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ويقصد بالكذب معناه الأصلي اللغوي عند أهل الحجاز الذي يعني: الخطأ، ولا يلزم منه الكذب المحرم الذي فيه تعمد حكاية غير الواقع، وأثر أنس صحيح في البخاري وغيره.

    فالمقصود: أن ثمة ثلاثة نقول عن الصحابة في مكان الإحرام، والذي اختاره المصنف أنه يحرم بعد الركعتين، وظاهره وهو مذهب الإمام أحمد والشافعية أيضاً أنه يحرم في مكانه، واستدلوا بما ذكرت من حديث ابن عباس رواية خصيف واستدلوا أيضاً بحديث عمر : ( صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة ).

    والنقل الثاني: نقل ابن عمر وهو الصحيح المعتمد وعليه للجمهور، والنقل الثالث نقل أنس، ولا تعارض بينهما فإنه يحرم حينما تستوي به راحلته ويجهر بالتلبية ويحرم بعد ذلك إذا علا البيداء ويحرم في أماكن شتى، يعني: المقصود يهل، يرفع صوته بالتلبية وإلا فإن دخوله في النسك يكون في الموضع الذي ذكرته.

    ثم قال: [وهو أن ينوي الإحرام].

    يقصد تعريف الإحرام: هو أن ينوي الدخول في النسك فهو أن ينوي الإحرام.

    التلبية عند الإحرام

    قال: [ويستحب أن ينطق بما أحرم به].

    المعروف أن التلفظ بالنية ليس له أصل في جميع العبادات، والظاهر أن الحج مثلها في ذلك، فلا يستحب له أن ينطق بالنية من حيث كونها نية، فلا يقل: اللهم إني أنوي حجاً أو أنوي عمرة أو أنوي تمتعاً أو قراناً أو ما أشبه ذلك، هذا غير مشروع ولا دليل على استحبابه، والنطق به كما ذكر المصنف رحمه الله فيه نظر، وإنما المستحب هو أن يلبي الإنسان بما أحرم به كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول: لبيك حجاً، أو يقول: لبيك عمرة، أو يقول: لبيك عمرة وحجاً، وهذا غير النية، فإن النية تسبقه وتكون في القلب، ولذلك فبالإجماع لو نوى بقلبه ولم يقل بلسانه شيئاً فلا يضر ذلك، ولكن لو قالها دون أن يكون ناوياً لمعناها فإن هذا لا ينفعه.

    فالنية إذاً: محلها القلب ومكانها القلب وما يقوله بلسانه ليس هو تعبيراً عن هذه النية ولا تلفظاً بها، وإنما يقول ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التواضع لله تعالى والتعبد له: لبيك عمرة أو لبيك حجاً، وقد يقول ذلك ليعلم من حوله ويرشدهم إلى نوع الإحرام.

    الاشتراط لمن يخاف إحصاراً أو فواتاً أو نحوه

    قال: [ يستحب أن ينطق بما أحرم به ويشترط ويقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني، فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني ] محل تنطق بالوجهين بالفتح أو بالكسر محَل أو محِلي، يعني: مكان إحلالي حيث حبستني، والاشتراط ورد فيه حديث ضباعة بنت الزبير حديث ابن عباس في صحيح مسلم أنها قالت: ( يا رسول الله! إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: حجي واشترطي )، وفي رواية لأهل السنن: ( فإن لك على ربك ما استثنيت )، ولذلك قال العلماء: إن المحرم إذا اشترط ثم حبسه حابس من مرض أو فوات أو إحصار أو ضياع نفقة أو منعه من الحج لسبب قد يكون مثل كونه لا يملك التصريح كما هو.. الذي قد يحدث الآن فإنه إذا كان اشترط فإنه يحل من ساعته وليس عليه شيء فهذا فائدة الاشتراط، ولكن هل يستحب للإنسان أن يشترط مطلقاً؟

    قول في المذهب وهو الذي اختاره المؤلف، والراجح أنه لا يستحب الاشتراط إلا لمن احتاج إليه كالمريض، ولذلك لم يشترط النبي صلى الله عليه وسلم في حجه ولم يأمر به أحداً من أصحابه ابتداءً وإنما أرشد إليه ضباعة بنت الزبير ؛ لأنها كانت شاكية وخافت ألا تقدر على الحج، بل لم يرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم عائشة زوجه علماً أنها حاضت وصار لها ما هو معلوم من الضيق والحرج بسبب عدم قدرتها على إتمام عمرتها ومع ذلك لم يرشدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاشتراط.

    فنقول: الاشتراط لا يستحب إلا لمن احتاج إليه، كأن يكون مريضاً أو يخشى فوات الحج أو يخشى ضياع النفقة أو يخشى أن يحال بينه وبين أداء النسك، فمثل ذلك يستحب له أن يشترط.

    1.   

    أنساك الحج

    قال المصنف رحمه الله: [ وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران ].

    هذه مسألة كبيرة وعويصة وهي مسألة الأنساك الثلاثة والتفضيل بينها، أما من حيث جواز الأنساك الثلاثة فهذا نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن الأنساك الثلاثة كلها جائزة، وهذا نقله ابن قدامة في المغني ونقله النووي في شرح مسلم وفي المجموع ونقله غير واحد من أهل العلم: أن الأنساك الثلاثة كلها جائزة، فللإنسان أن يحرم متمتعاً أو قارناً أو مفرداً، ومما يستدل به على جواز الأنساك الثلاثة كلها ما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمنا من أهل بحج ومنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة )، فهذا الحديث متفق عليه، ودليل على جواز الأنساك الثلاثة وأن الصحابة رضي الله عنهم أحرموا ببعض هذه الأنساك.

    وقد يدعي مدعٍ أن هذا الأمر منسوخ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يفسخوا الحج إلى عمرة، فنقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والذي نفسي بيده! ليهلن ابن مريم من فج الروحاء حاجاً أو معتمراً أو ليثنينهم )، فهذا الحديث وهو صحيح يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عن نسك عيسى عليه السلام أنه سوف يكون حجاً أو عمرة، يعني: متمتعاً أو ليثنينهما، يعني: يكون قارناً، فهذا يدل على جواز الأنساك الثلاثة كلها وهو إجماع كما ذكره من أشرت إليهم.

    وهذا الإجماع لا يخلو من نظر، فإن عمر رضي الله عنه وعثمان كانا ينهيان عن المتعة وهذا ثابت عنهما في الصحيح وغيره، وابن عباس رضي الله عنه نقل عنه القول بوجوب التمتع، واختار هذا القول ابن القيم في زاد المعاد ونصره، وذهب إليه من المعاصرين الألباني رحمهم الله تعالى جميعاً، وكذلك ابن حزم، والظاهر أن ابن عباس لم يكن يرى نسخ المتعة مطلقاً؛ لأنه كان يقول لأهل مكة -وربما ذكرنا هذا-: [أنه ليس عليكم عمرة يكفيكم الطواف بالبيت، ومن أبى منكم فعليه أن يخرج من بطن هذا الوادي]، يعني: من أراد العمرة، وعلى هذا ابن عباس إذا كان يمنع أهل مكة من العمرة فهل يوجب عليهم التمتع؟

    لا يوجب عليهم التمتع، فيكون في النقل عن ابن عباس خصوصاً نقل ابن حزم شيء من التوسع.

    والخلاصة: أن القول بجواز الأنساك الثلاثة كلها قول جيد وينبغي الأخذ به وعدم الالتفات لما خالفه؛ لأن في ذلك أولاً تمشياً مع النصوص، وفيه توسعة على الناس.

    المفاضلة بين أنساك الحج الثلاثة

    والذي يريد أن يفاضل بين الأنساك الثلاثة فإنه يجد عناء وصعوبة في مجرد المفاضلة، فضلاً عن أن يقول: إن واحداً منها محرم، وهذه هي النقطة الثانية في موضوع الأنساك الثلاثة، وهي: أي الأنساك الثلاثة أفضل؟

    أما المؤلف رحمه الله فإنه يقول: أفضلها التمتع ثم الإفراد ثم القران وهذا هو المذهب، ونصوص أحمد عليه كثيرة جداً، وهو أيضاً قول في مذهب الشافعية.

    أما أبو حنيفة فإنه يقول: القران أفضل.

    وأما الشافعي في القول الراجح أو الصحيح عنه كما صححه النووي وغيره ومالك، فإنهم يقولون: الإفراد أفضل، وقد نسبه النووي وغيره وكذلك الشنقيطي في منسكه وفي تفسيره لأكثر الصحابة رضي الله عنهم.

    وهناك قول رابع ذكره النووي وهو قول جيد على الأقل من جهة سهولته وعدم حاجته إلى تفصيل وتدقيق وتنقير، وهو أنه نقل عن القاضي عياض قولاً لبعض العلماء أن الأنساك الثلاثة كلها سواء ولا فضل لبعضها على بعض.

    ولكل فئة حجة، والحقيقة أن الدخول في هذا سوف يأخذ منا ربما جلسة كاملة في مسألة المفاضلة بين هذه الأنساك الثلاثة؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أنفسهم اختلفوا في حج النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان؟! فمنهم من قال: كان قارناً، ومنهم من قال: كان مفرداً، ومنهم من قال: كان متمتعاً، وكل ذلك صحيح من حيث الجملة في النقل.

    ولكن الخلاصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم -على القول الراجح- كان قارناً، ومن قال: إنه كان متمتعاً فعنى بذلك معنى التمتع العام؛ لأن القران والتمتع كلاً منهما يسمى تمتعاً باعتبار أنه أداء نسكين في سفر واحد، فهناك معنى عام للتمتع يشمل التمتع والقران، وهناك معنى خاص للتمتع، وهو ما عرفه المصنف الآن ونأتي إليه، فنقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً وكان قد ساق الهدي وهذا نقله أكثر أصحابه عنه، ولذلك تمنى النبي صلى الله عليه وسلم أن لم يكن ساق الهدي حتى يعتمر ثم يحل من عمرته، ولكنه قد قلد هديه ولبد رأسه فلا يحل حتى يبلغ الهدي محله.

    فالراجح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً وهذه حجة من قالوا: بأن القران أفضل، قالوا: إن الله لم يكن ليختار لرسوله صلى الله عليه وسلم إلا أفضل الأنساك، وكذلك هذا حال جماعة من الصحابة الذين ساقوا الهدي وهم على كل حال قليل مثل علي بن أبي طالب وغيره من أصحاب اليسار والجدة والغنى من أصحابه، فهؤلاء كانوا قارنين، وأما التمتع فالذين قالوا بأنه أفضل وهو اختيار المصنف وهو المذهب ولا تختلف الرواية فيه عن أحمد من حيث الجملة أنه أفضل، فقالوا: إن التمتع أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يصيروا إليه وتمنى أن يفعله عليه الصلاة والسلام لولا أنه ساق الهدي، فقالوا: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى إلا أن ينتقل إلى ما هو الأفضل؛ فإنه قال: ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة )، يعني: لكنت متمتعاً، فقالوا: تمنيه عليه الصلاة والسلام دليل على أن التمتع أفضل.

    وأما الذين ذكروا أن الإفراد أفضل، فاحتجوا إما بما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه حج مفرداً، وهذا إما أن يقال: إنه غلط، وإما أن يقال: إن المقصود أنه حج مفرداً أول الأمر ثم أدخل العمرة، وإما أن يقال: إن معنى الإفراد هنا هو إفراد أعمال الحج من حيث الصورة، أنه يشبه المفرد من حيث أعمال الحاج؛ لأنه سوف يطوف ويسعى ثم يطوف ويسعى، فهذه أحد ثلاثة أوجه يرد بها النقل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفرداً في حجه.

    هناك تفصيل جيد في هذه المسألة واختاره ابن تيمية وغيره وهو أن نقول فيما يتعلق بأفضل هذه الأنساك: من ساق الهدي فالأفضل في حقه أن يكون قارناً، ومن لم يسق الهدي فله حالان: الحال الأولى: أن يكون اعتمر في تلك السنة قبل أشهر الحج، مثل: أن يكون اعتمر في رمضان وجلس في مكة حتى أحرم بالحج في تلك السنة، فيكون الأفضل في حقه حينئذٍ الإفراد، أو يكون أحرم بالعمرة في السنة نفسها في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده ثم أحرم بالحج.

    وابن تيمية رحمه الله نصر هذا ونقله عن جمهور الصحابة، بل حكى اتفاق العلماء عليه، حكى اتفاق الأئمة الأربعة الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد على أن هذه الصورة أفضل، يعني: أن تفرد العمرة بسفر وتفرد الحج بسفر آخر، وإن كانت المسألة فيها نوع من الإشكال لكن في الجملة نقتصر على مثل هذا المقدار.

    ونقول: إما أن يحرم قبل أشهر الحج ويبقى في الحرم ثم يحرم بالحج تلك السنة أو يحرم في أشهر الحج ويعود إلى بلده ثم يحرم بالحج مرة أخرى، فيكون هذا في حقه أفضل، أن يفرد العمرة لسفر ويفرد الحج بسفر آخر.

    وإنما قلنا: في غير أشهر الحج بالنسبة للمسألة الأولى؛ لأن الإمام أحمد سئل: ما أفضل العمرة؟ ما أكمل العمرة؟ قال: أن تحرم بها في غير أشهر الحج. فلما جمع العلماء بين كلامهم الأفضل هو التمتع وأكمل العمرة أن يحرم بها في غير أشهر الحج، قالوا: ربما عنى أن يحرم بالعمرة في غير أشهر الحج ثم يظل في الحرم حتى يحرم بالحج في تلك السنة.

    وعلى كل حال الأمر في ذلك واسع، أحرم متمتعاً أو قارناً أو مفرداً فليس في ذلك إشكال.

    حج التمتع

    ثم بدأ المصنف رحمه الله في تعريف هذه الأنساك، فقال: [التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها].

    يعني: إحراماً.. طوافاً.. سعياً.. حلقاً أو تقصيراً.. ثم يتحلل تحللاً كاملاً.

    [ثم يحرم بالحج في عامه].

    يعني: في السنة نفسها، فلو أنه أحرم في عام آخر لا عبرة بذلك، ولو أنه سافر إلى بلده فهل ينقطع تمتعه؟ ذكرنا هذه المسألة والمصنف لم يشر إليها، مما يدل على أنه يرى -والله أعلم- أن التمتع لا ينقطع، سواء سافر إلى بلده أو سافر إلى بلد آخر، وسواء كان داخل المواقيت أو خارجها. هذا هو التمتع.

    إذاً: صورة التمتع واضحة: أن يحرم بالعمرة ثم يفرغ منها ويتحلل ثم يحرم بالحج في يوم التروية مثلاً أو بعده، فهذا يسمى تمتعاً لماذا سمي تمتعاً؟ إما لأنه أدى نسكين في سفر واحد فتمتع بترك أحد السفرين، وإما لأنه يحل له كل شيء بعد العمرة إلى أن يحرم بالحج، فيحل له الطيب والنساء وغير ذلك، هذا هو التمتع.

    حج الإفراد

    [أما الإفراد: فهو أن يحرم بالحج وحده].

    أن يدخل بالحج بنية الحج ويظل حراماً حتى يرمي جمرة العقبة، ثم ينحر هديه ويطوف بالبيت ويسعى سعي الحج.

    فهذا هو الإفراد أن يحرم بالحج ولا يتحلل منه حتى يبلغ الهدي محله.

    حج القران

    [وأما القران: فهو أن يحرم بهما أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج].

    فهذا هو القارن، وقد دخلت عنده أعمال العمرة في أعمال الحج، فهو يحرم بالحج والعمرة يقول: لبيك عمرة وحجاً، ويظل محرماً، فهو من حيث الصورة شبيه بالمفرد، إلا أنه جمع نسكين، وإلا فهو يظل في إحرامه حتى يبلغ هديه محله.

    قال: [ أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج ]، كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنهم أحرموا بالعمرة وأدخلوا عليها الحج.

    قال: [ أن يحرم بهما أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج ]. هذا مثل ما حصل لـعائشة رضي الله عنها أنها أحرمت بالعمرة ثم حاضت، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وأن تحرم بالحج، فصارت رضي الله عنها قارنة، جمعت نسكين في سفر واحد، ولم تتحلل من عمرتها بل أدخلت الحج على العمرة، فهذه صفة القران.

    حكم إدخال العمرة بعد الإحرام على الحج

    قال: [ ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد إحرامه بالعمرة ].

    هذا عند الجمهور خلافاً لـأبي حنيفة ؛ لأنه لم ينقل في هذا الحرف شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ ولأنه لا يستفيد بإدخال العمرة على الحج شيئاً ولا يزيد عملاً، ولذلك إذا أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة، فإن العمرة لا تنعقد حينئذٍ ويظل مفرداً كغيره.

    1.   

    أحكام التلبية

    حكم التلبية

    قال: [ فإذا استوى على راحلته لبى ].

    التلبية معروفة وهي مأخوذة من لبى بالمكان، أي: أقام ولزم، وهي شرط عند الحنفية أو ما يقوم مقامها، وواجبة عند المالكية، وسنة عند الجمهور وهو الراجح، بل الصحيح أن التلبية سنة، فلو لم يلب لم يضره شيئاً، وليس عليه ذنب فهي سنة.

    صيغة التلبية

    والتلبية صيغتها أن يقول: ( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك )، كما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما، ولو زاد على ذلك شيئاً فلا بأس مثلما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم، كان منهم من يقول: لبيك ذا المعارج، لبيك ذا الفواضل، لبيك إله الحق لبيك، لبيك حقاً حقاً، أو غير ذلك من صيغ التلبية التي تدخل في معنى ما ورد، فإنه ليس عليه في ذلك حرج، وإن كان الالتزام بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم والإكثار منه أولى.

    وقوله: [ لبيك اللهم لبيك ] معناها: التثنية، أي: أنا مقيم على طاعتك والإجابة لأمرك إقامة بعد إقامة، هذا قول جمهور اللغويين، أنها بصيغة المثنى، يعني: أجيبك مرة بعد مرة، وهذه الإجابة هي لدعاء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حينما قال الله تعالى له: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا [الحج:27]، كما نقله سعيد بن منصور عن سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم بأسانيد صحيحة أن إبراهيم عليه السلام نادى فأجابه من كتب الله تعالى له أن يحج.

    إذاً: هذه التلبية لله تعالى بطاعته واتباع أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وفيها معنى إفراد الله تعالى بالعبادة والتوجه، وأن العبد لا يحرم إلا له، ولا ينسك إلا له، فإن الحج من أخص مقامات العبودية وأكثرها دلالة على التوحيد وإفراد الله تعالى والخلوص من الشرك بصيغه وأنواعه خصوصاً وأن البيت كان حوله نصب وأصنام كثيرة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه هذا التوحيد ليتجردوا من ذلك ويوحدوا الله تبارك وتعالى.

    قوله: [ إن الحمد والنعمة ]، الجمهور على كسر (إن) وقيل بفتحها (لبيك أن الحمد) والكسر أقوى وأجود؛ لأنه على الاستئناف، أما لو فتح (لبيك أن) فإنه يكون للتعليل يعني: لبيك لأن الحمد والنعمة لك، ولما يقول: (لبيك إن الحمد والنعمة لك) يكون هذا أعم وأقوى وهو أرجح في الرواية أيضاً.

    طبعاً ورد في التلبية أحاديث كثيرة جداً عن النبي صلى الله عليه وسلم وفضل التلبية وكذلك عن الصحابة رضي الله عنهم وكثرة تلبيتهم وإهلالهم ورفعهم الصوت بذلك كما سوف يشار إلى شيء منه.

    مشروعية الإكثار من التلبية

    قال: [ ويستحب الإكثار منها ورفع الصوت بها ].

    وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه النسائي وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا صوتهم بالإهلال للتلبية )، وقد روي عن أبي بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أفضل الحج العج والثج )، والحديث رواه الترمذي وأحمد وفيه ضعف .

    والمقصود بالعج: هو رفع الصوت بالتلبية، وأما الثج: فهو الذبح من الثج إسالة الدم وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: [ التلبية زينة الحج ].

    استحباب رفع الصوت بالتلبية لغير النساء

    يقول: [ يستحب رفع الصوت بها لغير النساء ]، فبالنسبة للنساء يستحب لهن رفع الصوت بقدر ما تسمع المرأة جارتها؛ ولذلك الإمام أحمد سئل عن ذلك؟ فقال: تجهر بقدر ما تسمع زميلتها. كما هو في رواية حرب .

    قال: [ وهي آكد ]، إذاً: التلبية مشروعة مطلقاً عند الإحرام، يعني: يلبي في أي وقت لكنها تتأكد في أوقات وهي [ ما إذا علا نشزاً ]، والنشز بثلاث أو بفتحتين بفتح النون والشين هو المكان المرتفع ومنه سميت المرأة ناشز إذا تعدت على زوجها.

    مواطن التلبية

    قال: [أو هبط وادياً أو سمع ملبياً أو فعل محظوراً] مثلما لو غطى رأسه ثم ذكر، أو فعل محظوراً ناسياً [أو لقي ركباً وفي أدبار الصلوات المكتوبة وبالأسحار وإقبال الليل والنهار].

    خلاصة هذه المسائل: أنه يلبي عند تغير الأحوال، وهذه الأشياء المذكورة لم يرد فيها نص وإنما نقل خيثمة بن عبد الرحمن عن أصحاب عبد الله بن مسعود كما في سنن سعيد بن منصور، وكذلك نقل إبراهيم النخعي في السنن أنهم كانوا يستحبون التلبية عند هذه المواضع إجمالاً. وأما (إدبار الصلوات المكتوبة والأسحار وإقبال الليل والنهار) فقالوا: إن الصلوات المكتوبة في دبرها ذكر والأسحار مكان إجابة وتنزل الرب جل وعلا وإقبال الليل والنهار لتغير الأحوال.

    وهذه الأشياء التي ذكرها المصنف [ إذا علا نشزاً أو هبط وادياً أو سمع ملبياً ]، فإن ظاهر كلامه وكلام الفقهاء أنه يلبي مرة واحدة بمناسبتها، ولا يكرر التلبية إلا إذا قصد استدامة التلبية فلا حرج في ذلك.

    وقت قطع التلبية

    المسألة الأخيرة: هي متى يقطع التلبية وهي آخر ما في الإحرام؟ الصواب أنه يقطع التلبية إذا شرع في الطواف تلبية العمرة يقطعها إذا شرع في الطواف، وأما تلبية الحج فمتى يقطعها؟ إذا شرع برمي جمرة العقبة، والدليل على ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة)، وأما الأحاديث الواردة في قطع النبي صلى الله عليه وسلم تلبيته عند استلام الحجر في العمرة فهي لا تخلو من مقال.

    والله أعلم.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ..