إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح العمدة (الأمالي)
  5. شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الصيام - مقدمة

شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الصيام - مقدمةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصوم لغة: الإمساك، وشرعاً: الإمساك عن المفطرات في زمن مخصوص، وينقسم على قسمين: واجب كصوم رمضان والنذر، ومندوب كالست من شوال، والإثنين والخميس، وصوم رمضان فرض في السنة الثانية من الهجرة، وله حكم وآثار تربوية كثيرة منها: تحقيق العبودية لله تعالى، وتربية العبد على التقوى والصبر، والقدرة على قمع الشهوة، ويشترط في الصائم: الإسلام والبلوغ والعقل.

    1.   

    تعريف الصيام والقدرة على الصوم

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    هذا يوم الأربعاء ليلة الخميس السابع عشر من شهر رجب من سنة 1422للهجرة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الصيام].

    الصيام أو الصوم مصدران، وهما أصل في اللغة يدلان على الإمساك والركود أياً كان، فمنه مثلاً: الإمساك عن الكلام، كما في قوله تعالى: فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [مريم:26]، فالمقصود بالصوم هنا: الإمساك عن الكلام.

    ومنه أيضاً الركود والثبات على حال واحدة، كما يقول النابغة :

    خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما

    فالمقصود بالخيل الصيام الثابتة أو الراكدة، ومنه أيضاً يقال: صامت الريح إذا ركدت، ومنه يقولون: صام النهار إذا كان وقت استواء الشمس وقت القيلولة وبقيت الشمس أو ثبتت للحظات قبل أن تجنح للغروب، فإنهم يقولون: صام النهار، لأنها تتوقف قليلاً عن الحركة في نظر الرائي، هذا من حيث اللغة.

    أما من حيث الشرع: فإن الشرع نقل الصيام إلى معنى شرعي خاص، لم يكن معروفاً -والله أعلم- وقد يكون معروفاً عند الأمم الكتابية السابقة؛ لأن الصيام ليس خاصاً بهذه الأمة، لقول الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، لكن من غير العرب، والآن مفهوم الكلمة بلغة العرب، فهذه الكلمة أصبحت في مصطلح الشرع دلالة على: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية.

    الإمساك عن المفطرات بغض النظر عن الدخول في المفطرات؛ لأنه سوف يأتي تفصيلها، فمما أجمع عليه من المفطرات مثلاً: الأكل والشرب والجماع؛ لأنها مذكورة في قوله تعالى: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [البقرة:187]، فهذه المفطرات الثلاثة كمثال، فالمقصود الإمساك: التوقف عن المفطرات كالأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس كما في الآية الكريمة.

    ثم قلنا: بنية التقرب أو بنية التعبد؛ لأن هذا الإمساك قد يكون بغير نية فلا يكون صياماً شرعياً ولا أجر فيه، مثل من لم يجد طعاماً، أو من كان مثلاً نائماً بغير نية أو ما أشبه ذلك، فإنما يطلق الصيام على الإمساك بنية التعبد أو التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

    وأقوال الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم كلها تدور حول هذا المعنى، وإن اختلفت عباراتهم.

    1.   

    أقسام الصيام

    والصيام ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الصيام الواجب، وهو ثلاثة أشياء:

    منه ما هو واجب بالوقت أو بالزمن، وذلك يتمثل في صيام شهر رمضان، فإنه واجب بالوقت.

    ومنه ما هو واجب بعلة أو سبب، وذلك مثل صيام الكفارات، والصيام موجود في معظم الكفارات أو كلها، مثل كفارة الظهار: صيام شهرين متتابعين، كفارة اليمين: صيام ثلاثة أيام، كفارة القتل، الفدية في الإحرام، الجماع في نهار رمضان.

    فالمقصود إذاً: أن الصيام يكون واجباً حين يكون واحداً من خصال الكفارة المذكورة.

    القسم الثالث من الصيام الواجب هو صيام النذر: وهو ما أوجبه الإنسان على نفسه من غير أن يكون واجباً عليه في أصل الشرع، مثل لو نذر الإنسان أن يصوم لله شهراً أو يوماً أو ما أشبه ذلك، فيجب عليه الوفاء بنذره: ( من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه )، هذه أقسام الصيام الواجب.

    القسم الثاني من الصيام هو صيام التطوع أو صيام النفل وبابه واسع، مثل أيام البيض، أو ثلاثة أيام من كل شهر، صيام عاشوراء، الإثنين والخميس، صيام عرفة، الست من شوال، صيام شعبان، صيام النفل أيضاً سيأتي له حديث خاص.

    أما الصيام الفرض فأوله كما ذكرنا صيام شهر رمضان واجب للزمان أو للوقت وهو ما سنتحدث عنه في هذا الوقت.

    والقضاء تابع للأداء، إن كان قضاء نفل فهو نفل، وإن كان تابع لقضاء فرض فهو فرض.

    1.   

    رمضان .. اشتقاقه ومعناه

    بالنسبة لرمضان أولاً من حيث الاسم اشتقاقه قيل: لأنه يرمض الذنوب ويزيلها، وقيل: اشتقاقه لأنه يوافق وقت الحر وقت الرمضاء، ولعل هذا أقرب؛ لأن اسمه رمضان حتى قبل الإسلام، والله أعلم.

    فيكون اشتقاقه من الرمضاء؛ لأنه يوافق غالب الوقت، أو أن جزءاً من الوقت يوافق وقت الحر والرمضاء.

    الجمهور على أنه من الممكن أن يسمى رمضان ومن الممكن أن يسمى شهر رمضان، يعني: ممكن تقول: شهر رمضان أو تقول: رمضان بدون شهر، لا إشكال في هذا، هذا مذهب الجمهور.

    وقد ورد في السنة كثيراً: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال ) مثلاً، وكثيراً في السنة جاء ذكر رمضان من غير أن يكون مربوطاً بكلمة الشهر، ولذلك فالأئمة الأربعة وجمهور العلماء على أنه يمكن أن تقول: رمضان، ويمكن أن تقول: شهر رمضان، والبخاري بوب على هذا في صحيحه إشارة إلى أن هذا جائز ولم يثبت فيه شيء، يعني: باب من قال رمضان أو نحو هذا.

    القول الثاني: نقل عن بعض السلف كـمجاهد والحسن أنهم كانوا يرون أنه لا يصلح أن تقول: رمضان، لابد أن تقول: شهر رمضان، لماذا؟ قالوا: لأن رمضان اسم من أسماء الله تبارك وتعالى، واستدلوا لهذا بحديث رواه البيهقي في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله )، وهذا الحديث الذي ذكره البيهقي ضعيف، بل شديد الضعف في سنده أبو معشر نجيح السندي ضعيف، وقد حكم جماعة من أهل العلم على الحديث بأنه موضوع أيضاً، ومع ضعفه كما ذكرنا فهو منكر المتن مخالف للأحاديث الواردة في ذكر رمضان من غير أن تكون مضافة إلى الشهر.

    وأيضاً مما يؤكد نكارة متن الحديث وروده في السنة، وأيضاً: أن رمضان ليس من أسماء الله تعالى، وحكى بعضهم الاتفاق على أن رمضان ليس من أسماء الله، ولهذا لو سمى أحد الله تبارك وتعالى برمضان لأنكر عليه ذلك لعدم ورود ذلك؛ ولا ثبوته، ولم يأت في القرآن ولا في سنة صحيحة، ولا قال أحد من أهل العلم بهذا المعنى فيما هو معروف.

    فنقول أيضاً مما يؤكد نكارة الحديث: أنه ذكر أن رمضان من أسماء الله، وهذا ليس بصحيح ولا ثابت، إذاً: سواءً قلت: رمضان، أو قلت: شهر رمضان، فالأمر في ذلك سيان.

    1.   

    وقت فرضية صيام رمضان

    متى فرض صيام رمضان؟

    فرض صوم شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وصام النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسعة رمضانات، وقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن فرضية رمضان كانت في السنة الثانية، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام صام تسعة رمضانات.

    1.   

    حكم صيام رمضان

    أدلة وجوب صوم رمضان من القرآن

    صوم شهر رمضان ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب ففي سورة البقرة قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183] وكلمة (كتب) معناها: فرض وأوجب، فهي نص في وجوب الصيام على الذين آمنوا، كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، يعني: من أهل الكتب السماوية والديانات السماوية السابقة، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:183-184]، فكون الله سبحانه وتعالى جعل البديل للمريض والعاجز عدة من أيام أخر هو دليل آخر أيضاً على الفرضية والوجوب، ولهذا لم يسقط إلا إلى بدل.

    وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، وكان هذا في أول الإسلام، كان من ترك الصيام يفتدي بطعام مسكين، وقال ابن عباس رضي الله عنه: [ إن هذه الآية خاصة بالشيخ الفاني والعجوز المسنة الذين يشق عليهم الصيام ]، ولذلك في بعض القراءات: (وعلى الذين يطوقونه) يعني: يستطيعونه ولكن بشيء من المشقة، عليهم فدية طعام مسكين، وبناءً على هذا القول ستكون الآية محكمة غير منسوخة لكنها خاصة في حق الشيخ الكبير والعجوز ومن في مثل حالهم، مثل من؟ مثل المريض الذي مرضه لا يرجى برؤه ولا يقدر على الصيام أو يشق عليه، فمثل هؤلاء يفتدون عن الصيام بطعام مسكين.

    ثم قال في الآية الأخرى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185]، فبين أن الشهر الذي يجب صيامه شهر محدد وهو شهر رمضان، وقد أجمع العرب وأجمع المسلمون وأجمعت الأمة على أن شهر رمضان هو الشهر رقم كم؟ هو الشهر التاسع إذا كانت بداية الشهر من المحرم، وهو الذي يكون محصوراً بين شعبان وشوال، فهو بعد شعبان وقبل شوال، هذا هو شهر رمضان.

    فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وهذا أيضاً أمر والأمر يقتضي الوجوب: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].

    فهذه الآية بمفرداتها المتعددة نص قطعي في الدلالة على وجوب صيام شهر رمضان على المسلم القادر المستطيع.

    أدلة وجوب صوم رمضان من السنة النبوية

    أما السنة النبوية فقد جاء في هذا أحاديث كثيرة جداً، منها على سبيل المثال: حديث ابن عمر المتفق عليه: ( بني الإسلام على خمس )، وذكر منها صوم رمضان والحج.

    ومنها أيضاً: حديث جبريل المشهور الذي جاء عن أبي هريرة وعمر وغيرهم في تعليم الإسلام وأنه سأله عن الإسلام وذكر له من ضمن أركان الإسلام صيام رمضان.

    ومنها أيضاً: قصة ضمام بن ثعلبة من حديث طلحة بن عبيد الله وأنس وغيرهم وهي في الصحيح، أنه سأله أن الله افترض علينا صوم رمضان؟ ( قال: نعم. قال: هل علي غيرها؟ قال: لا. إلا أن تطوع ) إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة جداً والتي بسطها أهل العلم في مواضعها الدالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم صام رمضان وأمر المسلمين بصيامه وعلمهم وتواتر هذا عن الرسول صلى الله عليه وسلم تواتراً قطعياً واضحاً لا إشكال فيه.

    الإجماع على وجوب صيام رمضان

    ولذلك أجمع العلماء على وجوب صيام شهر رمضان، وأنه أحد أركان الإسلام، ولذلك أيضاً نقول: من أنكر أو جحد وجوب صيام رمضان فهو كافر، إلا أن يكون جاهلاً حديث عهد بإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة ولم يتعرف، فهذا يعرف ويبين له، فإن أصر بعد ذلك فإنه يكون كافراً، ولهذا لو قال أحد مثلاً: إن صيام رمضان كان في ظروف خاصة وأوضاع خاصة والآن هناك فرص أن الإنسان يمكن أن يكون له مثلاً ريجيم خاص فيما يتعلق بالطعام والغذاء، ومن الممكن أن يقوم بأعمال معينة فيما يتعلق بالتربية أو بالمجاهدة الروحية، وأن هذا يكفي عن الصيام لكان هذا القول ردة عن الإسلام وخروجاً من ربقته، وإنكاراً لما هو متواتر قطعي معلوم من الدين بالضرورة، فهذا ما يتعلق بوجوب الصيام.

    1.   

    حِكم الصوم وآثاره التربوية

    شرعية الصيام إنما كانت لحكم عظيمة جداً، وربما ندرك قليلاً منها ويخفى علينا أكثرها، فمن الحكم العظيمة في شرعية الصيام:

    تحقيق معنى العبودية والاستسلام لله تعالى

    تحقيق معنى العبودية لله تبارك وتعالى والاستسلام له، ولهذا كان الصيام أحد أركان الإسلام بالاتفاق كما ذكرنا، فالإسلام لا يتم إلا بالصيام، والصيام فيه تدريب العبد على الطاعة والامتثال وتذكيره بأنه عبد، لكن عبد لله تبارك وتعالى لا لغيره، ولهذا الله سبحانه وتعالى يأمرك في وقت بأن تأكل حتى لو صمت لكنت عاصياً كما في حالة العيد مثلاً أو الوصال، وفي أحوال أخرى يأمرك الله سبحانه وتعالى بالصوم حتى لو أفطرت لكنت عاصياً، وهكذا تجد هذا يتحقق أيضاً في الإحرام أن العبد في الإحرام يمنع من أشياء ويؤمر بها في غيره، يتحقق فيه أشياء كثيرة، يتذكر بها العبد أبداً أنه عبد لله تبارك وتعالى، يأتمر بأمره ويقف عند حده، وهذا المعنى عظيم لو أن الناس أدركوه وعملوا به وتفطنوا له في عباداتهم لكان أثره ليس مقصوراً على الأركان المعروفة، بل جعل المسلم في أحواله كلها مثل الجندي الملتزم الذي يده على الزناد وواقف مستعد إذا أمر أن يقدم أقدم وإذا أمر أن يحجم أحجم، وإذا أمر أن يلتفت هاهنا أو هاهنا، وهذا المعنى العظيم -معنى العبودية لله تبارك وتعالى- من أعظم مقاصد الصوم ومقاصد العبادات، وكثير من المسلمين يخلون بهذا المعنى، قد يلتزمون ببعض العبادات، لكن فقدت روحها عندهم فأصبحت لا تؤثر فيهم الأثر المطلوب في تحقيق معنى العبودية لله تبارك وتعالى.

    الصوم يربي على التقوى

    من معاني الصيام وآثاره وأسراره العظيمة: أنه يربي العبد على التقوى، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]؛ لأن الإنسان إذا كان صائماً فرضاً أو نفلاً تذكر أنه لا يشرب.. لا يأكل -مع أن هذه الأشياء في الأصل مباحة له- لماذا؟ لأنه مرتبط مع الله سبحانه وتعالى بوعد، ممسك ابتغاء ثواب الله.

    فحينئذٍ من باب أولى أنه سيكف عن المعاصي التي يعرف أنها محرمة في كل الظروف، وهذا المعنى -أيضاً- لو عقل المسلم معنى الصيام وسره أنه كيف يمسك عن الطعام والشراب وهما مباحان في الأصل ثم يقبل مثلاً على الغيبة أو النميمة أو قول الزور أو شهادة الزور أو غير ذلك، ولهذا جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه: ( من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )، فالذي ترك قول الزور وترك العمل به، هل لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه؟ الله ليس له حاجة بنا، إذاً: ما معنى الحديث؟ معنى الحديث: كأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الله تعالى لم يشرع الصيام لحاجة إليكم أن تدعوا طعامكم وشرابكم، وإنما شرع الصيام من أجل أن تتدربوا على ترك قول الزور وترك العمل به، فإذا لم تتركوا قول الزور ولم تتركوا العمل به فأي معنى لصيامكم، الله ليس له حاجة أصلاً، وإنما شرع من أن تتركوا قول الزور وتتركوا العمل بالزور، فإذا لم يحدث الصيام فيكم هذا المعنى، فصيامكم حينئذٍ غير ذي جدوى لهذه العلة، هذا المعنى إذا تأملته تجده ظاهراً وجيداً.

    فالصوم يربي الإنسان على التقوى وترك المحرمات كلها من الغيبة، والنميمة، والفحش، والكذب، والبهتان وغيرها من الأخلاق السيئة الرديئة المدمرة للفرد وللمجتمع.

    الصوم يربي على الصبر وقوة الإرادة

    الصوم -أيضاً- يربي الإنسان على قوة الإرادة وعلى الصبر؛ ولهذا فإن من أسماء الصوم الصبر؛ ولذلك سمي شهر رمضان شهر الصبر، بل في قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45] قال بعض المفسرين: المقصود بالصبر هاهنا الصوم، يعني: استعينوا بالصوم والصلاة ؛ وذلك لأن الصوم يربي في الإنسان ملكة الصبر وقوة الإرادة، وكثير من الناس يحتاجون تماماً ودائماً إلى تقوية إرادتهم.

    والعلماء الذين يتكلمون في العصر الحاضر عن النجاح وسر النجاح، يقولون: إن النجاح يفتقر إلى ثلاثة أشياء:

    الأمر الأول: الرغبة، وهذه موجودة عند كل أحد، كل إنسان يود أن يكون قوياً وأن يكون ناجحاً وأن يكون موفقاً وأن يكون غنياً إلى غير ذلك، فالرغبة في حد ذاتها موجودة عند كل الناس.

    الأمر الثاني الذي يفتقر إليه النجاح: القوة أو القدرة، وهذه توجد عند أكثر الناس، فأكثر الناس عنده عقل لو استخدمه لنجح، عنده جسم لو استخدمه لنجح، عنده إمكانيات لو وظفها لنجح.

    الأمر الثالث: الإرادة، فالإرادة لا توجد إلا عند الناجحين الذين استطاعوا أن يحققوا هذه الرغبات من خلال استخدام القوة الموجودة لديهم، فتقوية إرادة الإنسان من أعظم أسباب النجاح للإنسان في دنياه وفي آخرته، والصوم يقوي الإرادة ويربي الإنسان على تحمل المشاق في أمور الحياة كلها.

    الصوم يربي على قمع الشهوة

    الأمر الرابع من آثار الصوم: قمع الشهوة؛ ولهذا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء )، فأشار صلى الله عليه وسلم إلى أن الصوم يمنع من اندفاع الإنسان إلى الشهوات، وربط بعض أهل العلم هذا الحديث بالحديث الآخر المتفق عليه أيضاً، وهو قول النبي صلى الله وعليه وآله وسلم: ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم )، في قصة المرأة.

    جاء في الحديث: ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) وجاء فيه زيادة: ( فضيقوا مجاريه بالصوم )، وهذه الزيادة باطلة ليس لها أصل، ولا تعرف في شيء من كتب الحديث.

    فالصوم يقمع الشهوة، وقد يكون قمع الصيام بالشهوة بأن يضيق المجاري كما يقول بعض العلماء، وقد يكون -وهو الأقرب- أن قمع الصوم للشهوة يكون من خلال تلبس الإنسان بعبادة معينة وارتباطه بها، فهذا يمنعه من الاندفاع إلى النظر الحرام مثلاً، أو يمنعه من الوقوع فيما حرم الله.

    أثر الصوم على البدن

    هناك الآثار النفسية والبدنية وهذا كثير جداً، يعني: مثلاً قد يتكلم بعض الأطباء عن الصيام وأثره على البدن وتنظيم الطعام، وأنه نوع من الحمية، وقد يوصي به بعض أهل الطب، لاشك أن المسلم يعتبر هذه الأشياء من الفوائد التابعة كما قد يقال مثل هذا عن الصلاة أو عن الحج أو غيرها، لكن المسلم في الأصل إنما يمتثل هذه الأشياء تعبداً لله تعالى وطاعة حتى لو لم يكن لها فائدة على بدنه، بل لو كان في العبادة ضرر على البدن لكان على الإنسان أن يفعلها، والله سبحانه وتعالى لا يأمرنا بما فيه ضرر، إلا في حالة واحدة إذا كان يقابله نفع أعظم منه.

    1.   

    شروط وجوب الصوم

    على من يجب الصوم؟ هذا ما بدأ به المصنف رحمه الله حيث قال: [يجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم].

    فذكر أربعة شروط، قال: يجب على كل مسلم، بالغ، عاقل، قادر على الصوم، وهذه الشروط تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ما يسميه العلماء بشروط وجوب الصوم، وذلك مثل: البلوغ والعقل والإسلام، فهذه شروط وجوب من فقدها لا يجب عليه الصوم أصلاً.

    والقسم الثاني: شروط وجوب الأداء، وجوب القيام بهذه العبادة، وهذا مثل القدرة ومثل الإقامة أيضاً وعدم السفر.

    إذاً: الشروط قسمان: شروط وجوب وشروط أداء.

    الإسلام

    الإسلام شرط للصيام، ولهذا لا يقبل الصوم من كافر، ولا يجب عليه إذا أسلم، لا نقول: يجب عليه أن يقضي ما فاته من الشهور، بل لو أسلم في هذا الشهر، هل نقول: يجب عليه أن يقضي ما مضى من الأيام؟ لا.

    طيب. لو أسلم هذا اليوم هل نقول: يجب عليه أن يقضي هذا اليوم؟ محتمل! هنا قولان للعلماء، والأقرب أنه لا يجب عليه القضاء؛ لأنه أدركه جزء من اليوم وهو غير مطالب بالصوم، والدليل على هذا أن الكافر لا يجب عليه قضاء ما فاته: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، فهذا دليل على أنه لا يكلف بما مضى كما لا يكلف بما مضى مثلاً من الصلوات أو غيرها، فكذلك لا يكلف بقضاء الصوم، ولو ارتد المسلم في أثناء النهار لفسد وبطل صومه كما هو واضح.

    البلوغ

    الشرط الثاني: البلوغ، فلا يجب الصوم إلا على بالغ من ذكر أو أنثى، فالصبي لا يجب عليه الصوم قبل بلوغه، وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو مذهب جماهير الأئمة الثلاثة: أنه لا يجب الصوم إلا على البالغ، وشروط البلوغ معروفة: بلوغ خمس عشرة سنة، أو الاحتلام أو الإنزال، أو نبات الشعر، ويضاف بالنسبة للمرأة الحيض، فإذا بلغ الصبي من ذكر أو أنثى وجب عليه الصيام، ولذلك سئل الإمام أحمد عن الصبي إذا احتلم في بعض الشهر؟ قال: لا يقضي وإنما يصوم فيما يستقبل، وهكذا سئل الإمام أحمد أيضاً عن المرأة والجارية إذا حاضت في بعض الشهر؟ قال: تصوم الباقي، وهذا دليل على أن الرواية المنصوصة عن الإمام أحمد هي كقول الجمهور -والله أعلم- أنه لا يجب عليه الصوم إلا بالبلوغ، بينما هناك رواية أخرى: أنه يصوم إذا أطاقه وقدر عليه واعتاده، والله أعلم أن هذا ليس على سبيل الإيجاب، وإنما على سبيل التعليم والتدريب، والإمام أحمد كان يقول: إذا أطاق الصبي الصيام، فإنه يؤمر به ويضرب عليه ليعتاده، مثلما جاء في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر )، فيكون هذا للتدريب والتعويد، وليس لأنه واجب عليهم وجوباً شرعياً.

    العقل

    الشرط الثالث: العقل، فلا يجب الصوم على مجنون -على المشهور من المذهب- وهذا قول الشافعي وأبي ثور، وفي رواية عند الإمام أحمد أنه يقضيه إذا أفاق، يعني: لا يجب عليه قطعاً أن يصوم وهو مجنون، لكن في رواية أخرى أنه إذا أفاق وجب عليه القضاء، والصواب أنه لا قضاء عليه، ولم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة أن المجنون يقضي كما ذكر ابن تيمية رحمه الله، بل ولا يقتضي القياس والعقل أن يقضي المجنون.

    وهناك فرق بين المجنون وبين المغمى عليه أو النائم، فالبنسبة للنائم مثلاً صومه صحيح، يعني: لو أنه نوى الصيام ونام طول النهار، نقول: صومه صحيح أو فاسد؟ صومه صحيح، كذلك المغمى عليه لو أن إنساناً نوى الصيام ثم أغمي عليه، فإذا أفاق جزءاً من النهار من أوله أو أوسطه أو آخره فصومه صحيح، وحتى لو لم يفق ما دام أنه قد نوى الصيام، فإنه يتجه أن يكون صومه صحيحاً أيضاً؛ لأن النية وجدت فيه وإلحاقه بالنائم أقرب من إلحاقه بالمجنون؛ لأن الإغماء أمر طارئ وهو نوع من المرض، والغالب أنه لا يطول بالإنسان.

    القدرة على الصوم

    الشرط الرابع: القدرة على الصوم، وهذا قلنا عنه: إنه شرط وجوب أو شرط أداء؟ شرط أداء. يعني: غير القادر إذا كان مسلماً بالغاً عاقلاً يجب عليه الصيام، لكن لا يلزم أن يصوم الآن في رمضان، قد يقضي فيما بعد ذلك؛ ولهذا نقول: إن القدرة على الصوم هي شرط أداء وليست شرط وجوب، والقدرة شرط في معظم بل في كل التكاليف الشرعية؛ لعموم النصوص الواردة، كما في قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، ( صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب )، فالقدرة شرط في جميع الواجبات الشرعية، لكنها شرط أداء وليست شرط وجوب، فالمريض يصوم إذا شفي مثلاً، وهكذا العاجز لسبب من الأسباب يصوم إذا زال السبب، والعجز ينقسم عند العلماء إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون عاجزاً في الوقت قادراً بعده، مثل المريض كما ذكرنا، أو المرأة الحامل التي لا تستطيع الصيام خوفاً على نفسها أو خوفاً على ولدها، فهذا يقضي، والحامل تلحق بالمريض في هذه الحالة، والله سبحانه وتعالى يقول: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، ولهذا نقول: إن الحامل وكذلك المرضع تقضي، بلا إشكال أن عليها القضاء، خلافاً لقول لا يخلو من نكارة يذهب إليه بعضهم أن عليها الفدية بلا قضاء، فنقول: الصوم واجب على كل مسلم بكل حال، لكن إن كان عاجزاً عنه في الوقت فإنه يقضيه إذا زال عذره، فإذاً: العجز الأول أن يكون عاجزاً في الوقت قادراً عليه بعد الوقت، فهذا يقضي متى قدر كالمريض والمرأة الحامل؛ لقوله تعالى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].

    النوع الثاني من العجز: أن يكون عجزاً دائماً مطلقاً مثل الشيخ الكبير كما ذكرنا، والمرأة العجوز، المريض الذي لا يرجى برؤه، فمثل هؤلاء يفطرون ويطعمون، يعني: ليس عليهم صوم لعجزهم عجزاً مستديماً، فينتقلون إلى البدل عن الصيام وهو الإطعام، كما في قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] كما ذكرنا عن ابن عباس رضي الله عنه.

    هذه شروط وجوب الصيام.

    1.   

    ثبوت شهر رمضان

    قال: [ويجب بأحد ثلاثة أشياء ..].

    بماذا يجب الصيام؟ إما أن يجب الصيام بإكمال شهر شعبان، أي: أن يكملوا شعبان ثلاثين يوماً، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول في المتفق عليه: ( الشهر هكذا وهكذا وهكذا ) يعني: إما أن يكون الشهر تسعة وعشرين، أو أن يكون الشهر ثلاثين، فالشهور الإسلامية لا تكون ثمان وعشرين أو واحداً وثلاثين، بل هي مترددة بين التسع وعشرين أو ثلاثين يوماً، فإذا أكملوا شعبان ثلاثين يوماً فقد دخل رمضان عندهم بيقين، فعليهم حينئذٍ أن يصوموا، وهذا أمر متفق عليه، سواءً رأوا هلال رمضان أو لم يروه، وسواء كان هناك غيم أو سحاب أو قتر أو دخان أو لم يكن، وهذا متفق عليه كما ذكرت لتواتر الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: ( فأكملوا عدة شعبان ثلاثين )، وقوله: ( الشهر هكذا وهكذا ) وغير ذلك من النصوص، هذا الأمر الأول الذي يكون به الصيام، وهو إكمال شعبان ثلاثين يوماً.

    الأمر الثاني: قال: ورؤية هلال رمضان، هذا أيضاً الأمر الثاني وهو متفق عليه، فإذا رأوا هلال رمضان رؤية شرعية وجب عليهم الصيام بغض النظر عن الاختلاف في كيف تتحقق الرؤية كما سوف نشير إليها بعد قليل، ومن الدليل على ذلك حديث: ( صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته ) كما في حديث ابن عمر وأنس والعباس وغيرهم وهي أحاديث صحاح.

    فقوله: ( صوموا لرؤيته ) يعني: لرؤية الهلال، فإذا رأوا هلال رمضان وجب عليهم الصيام.

    الأمر الثالث: قال المصنف: ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه، يعني: لم يروا الهلال، ولم يكملوا شعبان ثلاثين يوماً، لكن ليلة الثلاثين كان هناك غيم أو قتر أو غبار أو دخان أو ما في معانيها مما حال بين الناس وبين رؤية الهلال، فلا يعرفون هل طلع الهلال أو لم يطلع؟ هل وجد أو لم يوجد؟ فالمصنف رحمه الله قال: إنهم بهذه الحالة عليهم أن يصوموا، وهذا يقودنا إلى أن نشير إلى ضرورة التمييز بين حالتين:

    حكم عدم رؤية هلال رمضان لمانع كالغيم

    إذا حال بين الناس غيم أو قتر أو لم يروا الهلال لسبب آخر، يعني: إذا لم ير الناس هلال رمضان ليلة الثلاثين، فهذا يكون بأحد سببين:

    إما أن تكون عدم الرؤية لحائل أو مانع أو سبب كالغيم أو القتر أو نحوها، فهذه هي التي ذكر المصنف الكلام فيها، وأنه يجب عليهم الصيام، وهذا سوف نذكره الآن.

    الحالة الثانية: أن يكون ليس هناك حائل، وفي هذه الحالة إذا لم يوجد حائل يكون يوم الثلاثين المكمل لشعبان يسميه كثير من الفقهاء: يوم الشك، وعليه لا يجوز صيامه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تتقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين )، وكذلك حديث عمار في مسلم قال: ( من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ) صلى الله عليه وآله وسلم.

    فنقول: أما قيام يوم الثلاثين من شعبان، ولم يكن هناك قتر ولا غيم ولا حائل، وإنما صامه من باب الاحتياط للعبادة أو ما أشبه ذلك، فهذا نقول: إنه لاشك في منعه وتحريمه إذا صامه احتياطاً لرمضان؛ لمخالفته للنص.

    الاحتمال الثاني: أن يكون الصيام ليس بهذه الصورة، وإنما لأنه وجد قتر أو غيم أو نحوها مما يحول بين الناس وبين رؤية الهلال، فوجد مانع، فهذه الحالة فيها خلاف عريض جداً عند الإمام أحمد وغيره، هل يستحب أو يجب أو يحرم أو يباح الصيام على أربعة أو خمسة أقوال أذكرها بإيجاز، واضح الفرق عندكم بين الثنتين؟

    الحالة الأولى: واحد صام يوم الثلاثين وكان الجو صحواً من باب الاحتياط يقول: يمكن يكون من رمضان هذا قلنا: لا يجوز وهو اليوم الذي يشك فيه عند جمهور الفقهاء.

    الحالة الثانية: أنه وجد غيم أو قتر حال دون رؤية الهلال، فالناس لا يدرون هل الليلة من رمضان أو ليست من رمضان، ففي هذا خلاف عريض كما ذكرت:

    القول الأول: أنه يجب عليهم صيام هذا اليوم الذي هو الثلاثين من شعبان، وقد يكون الأول من رمضان، وقد ورد في هذا آثار عن جماعة من الصحابة استطرد بذكرها الإمام ابن القيم مثلاً في زاد المعاد وكذلك ذكرها الإمام ابن تيمية في شرح العمدة وذكرها غيرهم، منها أثر عن عمر رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب الغفاري، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر هؤلاء من الصحابة، وبعض الآثار عنهم صحيحة، وكذلك آثار عن جماعة من التابعين: كـسالم بن عبد الله بن عمر، ومجاهد، وطاوس، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وميمون بن مهران، وبكر بن عبد الله المزني، وغيرهم.

    فهذه الآثار وهذه النقول -وبعضها كما ذكرت صحيح- تدل على أن الإنسان إذا كان في يوم غيم في آخر يوم من شعبان، فإنه يجب عليه الصيام.

    والجدير بالذكر: أن هذه الآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين ليس في أكثرها التصريح بوجوب الصوم، وإنما فيها أنهم صاموا أو أن بعضهم يقول: لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان، أو ما أشبه ذلك، كما أشار إليه ابن تيمية رحمه الله وابن القيم، هذا القول الأول.

    القول الثاني: أنه يحرم عليه الصيام، وهذا نقيض القول الأول، ولهذا نقول في مثل هذه المسألة: ربما أنه لا مجال للاحتياط، فهؤلاء يقولون: يجب، وهؤلاء يقولون: يحرم، فلا مجال للاحتياط في مثل هذه المسألة، فالذين يقولون بتحريم الصيام، هذا القول أيضاً نقل عن جماعة من الصحابة، نقل عن عائشة أيضاً رواية أخرى عنها، وعن عمر رواية أخرى، وعن ابن عمر رواية أخرى، ونقل عن ابن عباس وابن مسعود وحذيفة وغيرهم.

    ومن الأدلة على قوة هذا القول: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين -يعني: على سبيل الاحتياط- إلا رجل كان يصوم صوماً )، ومثله أيضاً ما ورد من النهي عن صوم يوم الشك، فإن بعضهم حمله على الشك مطلقاً سواءً مع وجود الغيم أو مع عدمه، وهذا القول هو قول الجمهور، وهو مذهب الشافعي ومالك، وهو أيضاً رواية عن الإمام أحمد، ويمكن أن الإمام أحمد له أربع روايات في المسالة.

    القول الثالث: أن ذلك جائز لا واجب ولا محرم، وكأن الذين قالوا بهذا القول قالوا به من أجل الجمع بين الأقوال الواردة والنصوص الواردة عن الصحابة والتابعين في هذا، فقالوا: إن هذا جائز وليس بواجب ولا محرم، وهذا اختاره ابن تيمية رحمه الله كما في الاختيارات، وكما في شرحه للعمدة أيضاً، واختاره ابن القيم كما في الزاد، ورجحه ابن تيمية إضافة إلى الجمع بين النصوص بالقياس.

    قال ابن تيمية رحمه الله: إن إيجاب شيء غير متيقن لا دليل عليه ولا قياس فيه، يعني: كوننا سنوجب على الناس صيام هذا اليوم، ولا دليل يقيني على أنه من رمضان، هذا خلاف القياس.

    وأيضاً منع الناس من الاحتياط للعبادة هو خلاف القياس، فأن يحتاط المسلم لعبادته جائز، فذهب ابن تيمية رحمه الله وابن القيم إلى أن ذلك جائز وليس بواجب ولا محرم.

    القول الرابع: أنه يرجع في ذلك إلى الإمام، فإن آذن الناس وأعلنهم وأعلمهم بالصيام صاموا وإلا أفطروا، وهذه أيضاً إحدى الروايات عن الإمام أحمد وهو مذهب ابن عمر، ولعل مرجع الأمر إلى هذا، أنه إن صام الناس فإن الإنسان يصوم معهم، وإن أفطروا أفطر، وإلا فإن الأصل عدم الصيام، ولا نقول بتحريم صوم هذا اليوم لوجود النصوص الصحيحة عن جماعة من الصحابة والتابعين والسلف، وللخلاف في تعريف وتحديد معنى اليوم الذي يشك فيه، لكن الأولى ألا يصومه؛ لأن هذا الاحتياط للعبادة قد يفضي إلى أن يدخل في الصوم ما ليس منه، ومن مقاصد الشريعة تحديد وقت العبادة بداية ونهاية، فلا يزاد مثلاً في صلاة الظهر على أربع ركعات، ولا يزاد في صيام شهر رمضان من أوله كما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

    ثبوت رمضان بالرؤية

    النقطة الأخرى التي أشار إليها المؤلف قوله: [وإذا رأى الهلال وحده صام].

    هذا يقودنا إلى مسألة وهي: بماذا يثبت دخول شهر رمضان؟

    نحن عرفنا الآن أن المسلمين يصومون بأحد شيئين: إما برؤية الهلال أو بإكمال شعبان، أما قول المؤلف فيما يتعلق بالقتر فقد بينا التردد الحاصل فيه.

    ننتقل بعد ذلك: كيف يمكن ثبوت رؤية الهلال؟ هنا المصنف يقول: [وإذا رأى الهلال وحده صام].

    فنحن نقول: أولاً: هل تجزئ رؤية أو شهادة الواحد في دخول رمضان أو لا تجزئ؟

    هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال:

    القول الأول: وهو إحدى الروايتين عند الحنابلة وقول مصحح عند الشافعية، أن رؤية الهلال تثبت برؤية شخص واحد عدل، بأن وجد مسلم عدل شهد برؤية الهلال ولا يوجد ما يعارض هذه الرؤية، لو جاءنا شخص أعشى ضعيف البصر، وقال: رأيت الهلال والناس الأصحاء ما رأوه، هنا قد ترد رؤيته؛ لأنه يعتقد أنه حصل عنده لبس، لكن لو وجد إنسان صحيح ومسلم عدل قال برؤية الهلال فإن شهادته حينئذٍ تكون مقبولة، والدليل على ذلك: حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: ( تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام، وأمر الناس بصيام )، والحديث رواه أبو داود، والدارمي، والحاكم، وابن حبان وصححه ابن حبان وصححه الحاكم، والذهبي، وابن حزم، والنووي وحسنه العراقي وسنده لا بأس به وله شاهد.

    فهذا الحديث دليل على قبول رواية الواحد إذا كان عدلاً ولا يوجد ما يمنع من قبول روايته في دخول الشهر.

    القول الثاني: أنه لا يقبل دخول شهر رمضان إلا بشهادة مسلمين عدلين، وهذا قول مالك وهو القول الآخر عند الشافعية، ورواية أخرى أيضاً عند الإمام أحمد .

    وقد ورد في هذا حديث فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (فإن شهد شاهدان مسلمان، فصوموا وأفطروا)، فهذا دليل بمفهومه على أنه لا يقبل شهادة أقل من اثنين، وإلا لم ينص عليهما، وهذا يسمى مفهوم العدد.

    والحديث رواه النسائي وأحمد، وفي سنده ضعف، فيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلس وفيه كلام، وكان عثمان رضي الله عنه لا يقبل في دخول الشهر إلا شهادة اثنين.

    القول الثالث للحنفية، وهو أنهم قالوا: إن كان الجو صحواً فإنه لا يقبل إلا شهادة الجماعة، أما إن كان الجو غيماً أو حال دون رؤيته سبب فإنه يقبل شهادة الرجل الواحد، ومأخذهم في ذلك أنهم يقولون: إذا كان الجو صحواً فإن دوافع الناس ودواعيهم تتوفر على رؤية الهلال والشهادة بذلك، بخلاف ما إذا كان غيم فقد لا يراه إلا أفراد قلائل من أصحاب البصر الحاد أو العارفين بمواطن رؤية الهلال وإمكانيتها.

    فهم يرون التفريق بين الصحو وغيره، وكأن القول الأول له قوة ووجاهة، وهو أنه إذا رآه مسلم عدل لا يوجد ما يمنع من قبول شهادته قُبلت شهادته.

    حكم من رأى هلال رمضان فردت شهادته

    لنفترض أن هذا المسلم الذي شهد برؤية الهلال ردت شهادته، ذهب عند القاضي فلم يقبل شهادته لسبب من الأسباب، فما حكم هذا الإنسان؟ هل نقول: يجب عليه الصيام؛ لأنه رأى الهلال، أو نقول: يفطر تبعاً للناس؟

    الجمهور من العلماء يقولون: إنه يلزمه الصيام؛ لأنه قامت عليه الحجة: ( إذا رأيتموه فصوموا )، وهذا تقريباً مذهب الثلاثة ورواية عند الحنابلة أنه يجب عليه الصوم، وهي التي ذكرها المؤلف قال: وإذا رأى الهلال وحده صام.

    القول الثاني: الرواية الأخرى في مذهب الحنابلة: أنه لا يصوم، وهذا الذي اختاره ابن تيمية رحمه الله أنه لا يلزمه الصوم ولا غيره، قال: لأنه لا يعرّف وحده، ما معنى لا يعرّف؟ أي: لا يقف بـعرفة وحده، يعني: لو رأى هلال ذي الحجة وهو خلاف ما عند الناس هل يقف بـعرفة في اليوم الثامن والناس في اليوم التاسع، أو يقف في العاشر والناس واقفون في التاسع باعتبار رؤيته الخاصة؟ لا. وكذلك لا يضحي وحده ولا يعيد وحده، وإنما هو تبع للأمة، وهذه من الأشياء التي جعل الإسلام فيها نوعاً من الربط بين المسلمين وتوحيد كلمتهم في هذا؛ ولذلك نقول: لا يصوم وحده أيضاً بل هو تبع للناس، ومما يقوي هذا المذهب الحديث الذي ذكرناه سابقاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون )، وهذا الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، وله طرق وصححه غير واحد.

    ومعنى الحديث: أن الإنسان يكون تبعاً للناس في صومه وفطره وأضحاه ووقوفه بـعرفة وغير ذلك، ولهذا نقول: الأقرب أنه لو رأى الهلال وحده وردت شهادته لا يصوم، لماذا؟

    لاحتمال أن يكون ما رآه وهماً، وكثير من الناس قد يتوهمون، يرون نجماً يظنونه الهلال أو قد يرون جرماً يظنونه الهلال وليس الأمر كذلك.

    وقوله: [فإن كان عدلاً] يعني: الذي رأى الهلال إن كان عدلاً صام الناس بقوله، يعني: يكتفى بشهادة واحد، ولا يفطر إلا بشهادة عدلين.

    كيفية ثبوت رؤية هلال شوال

    إذاً: ننتقل للنقطة الثانية وهي: الفطر، فالبنسبة للفطر لا يفطرون من رمضان إلا بشهادة عدلين، وهذا القول هو مذهب الجماهير بل حكاه غير واحد إجماعاً، فإن الترمذي رحمه الله قال: لم يختلف أهل العلم في أن الفطر من رمضان لا يكون إلا بشهادة رجلين مسلمين، ومثله هلال ذي الحجة هذا قوله، وهكذا ابن عبد البر رحمه الله فإنه يقول: أجمع العلماء على أنه لا يقبل في رؤية هلال شوال إلا رجلان، ولكن ذكر النووي رحمه الله أن هذا مذهب الجمهور، وأن في المسألة خلافاً لـأبي ثور وبعض أهل الحديث الذين يرون أنه يقبل في رؤية هلال شوال رجل واحد كما يقبل في دخول الشهر.

    إذاً: الجمهور على أنه لا يقبل قوله برؤية هلال شوال حتى يأتي بآخر، أي: لا يقبل إلا شاهدان.

    ومن أدلة الجمهور على أنه يشترط وجود شاهدين: ما رواه حسين بن الحارث الجدلي قال: خطبنا أمير مكة، فقال: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا أن ننسك للرؤية، فإذا لم نره وشهد شاهدان عدلان نسكنا بشهادتهما )، والحديث رواه أبو داود والدارقطني، وقال الدارقطني : إسناده متصل صحيح، وجاء فيه عن ابن عمر رضي الله عنه نحوه وسنده جيد.

    فهو دليل على أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين عدلين، وقول الجمهور راجح وقوي؛ لأن دخول الشهر أهون من خروجه، فالاحتياط في دخوله أن تقبل شهادة رجل والاحتياط في خروجه ألا تقبل إلا شهادة اثنين.

    حكم من رأى هلال شوال فردت شهادته

    من رأى هلال شوال واحد أو اثنان ولم تقبل شهادتهما، فهل يفطر أو لا يفطر؟

    أما على المذهب فإنه لا يجوز له الفطر، وهو قول الحنفية والمالكية، هو قول الجمهور، لكن عند الشافعية قول: أن له الفطر، والمذهب الراجح أنه لا يفطر؛ لأننا إذ قلنا: إنه لا يصوم برؤية الهلال إذا كان وحده من باب أولى أن نقول: لا يفطر برؤية هلال شوال إذا كان وحده للأدلة السابقة.

    قال المصنف: [ولا يفطر إذا رآه وحده].

    إكمال عدة رمضان في حالتي الشهادة والغيم

    ثم قال: [وإذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً أفطروا].

    وهذا واضح، أنه لو شهد اثنان برؤية رمضان وتم رمضان ثلاثين يوماً أفطرنا بعد ذلك حتى لو لم نر هلال شوال.

    قال: [وإن كان بغيم].

    يعني: صاموا بناءً على أنه كان يوم غيم فاحتاطوا وصاموا الثلاثين من شعبان الذي يحتمل أن يكون الأول من رمضان، وهذا أيضاً لا إشكال فيه، أنهم لو صاموا يوم غيم لابد أن يكملوا شعبان ثلاثين ورمضان ثلاثين أيضاً؛ لأنه يحتمل أن يكون يوم الغيم ليس من رمضان أصلاً، فلابد أن يعتبروه من شعبان ولا يعد صيامه، ثم يكملوا رمضان ثلاثين يوماً، ثم يفطروا، هذا وضح؛ لأننا قلنا: أصلاً لا يستحب لهم أن يصوموا في الغيم، فلو صاموا لا يعد من رمضان إلا إذا رأوا الهلال في آخر رمضان، إذاً: هذا الغيم.

    قال: [أو صاموا بقول واحد لم يفطروا إلا أن يروه].

    لو صمنا رمضان بناءً على شهادة واحد، ثم كملنا ثلاثين يوماً من رمضان، المصنف رحمه الله يقول: لم يفطروا إلا أن يروا الهلال أو يكملوا العدة، فنحن نقول: إذا كان بقول واحد فهذا القول معتبر، يعني: نعتبر اليوم الذي صمناه من رمضان، فنكمل صوم ثلاثين يوماً من رمضان أو نرى الهلال.

    صيام الأسير عند اشتباه الشهور عليه

    قال: [وإن اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام، فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأ].

    وهكذا الحال بالنسبة للصلاة، يعني: أسير أو ما في حكمه في منطقة بعيدة لا يعرف الشهور أو لا يعرف الوقت، فتحرى وصام رمضان، إذا لم يعرف فيما بعد ما الذي جرى هل اجتهاده صحيح أو غير صحيح، هل عليه شيء؟ لا شيء عليه، لكن لو اكتشف بعد ذلك أن صيامه كان في شهر رمضان المشروع، هذا الحمد لله وافق اجتهاده حكم الله، لكن لو اكتشف فيما بعد أنه صام رمضان في شوال أو في ذي الحجة، هل يجزئه أو عليه أن يقضيه؟ يجزئه؛ لأنه يعتبر في هذه الحالة مثل القضاء؛ لأنه صام بعد الشهر، لكن لو اكتشف أنه صام شعبان يظنه رمضان ماذا عليه؟ عليه القضاء؛ لأنه صام الشهر قبل حلوله، مثل ما لو صلى.

    افترض أن إنساناً صلى صلاة الظهر باجتهاده، وبعد ذلك تبين له أن صلاة الظهر كانت وقت العصر، هل نقول: عليه قضاء الظهر؟ ليس عليه قضاء؛ لأنه صلاها بعد وقتها، ووقت العصر وقت للظهر أيضاً، لكن لو اكتشف أنه صلى الظهر قبل الزوال هل يجزئه؟ لا يجزئه، بل لابد له أن يعيد الصلاة.

    هذا قول المصنف: [إن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه، وإن وافق قبله لم يجزئ].

    1.   

    الأسئلة

    من صام آخر شعبان بنية النفلية ثم تبين أنه اليوم الأول من رمضان

    السؤال: رجل اعتاد صيام يوم وإفطار يوم، ووافق صيامه صيام الثلاثين من شعبان، وعند التبين من ذلك اليوم وجد أنه اليوم الأول من رمضان، هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم لعدم وجود النية؟

    الجواب: نعم. إذا صامه على أنه نافلة فلابد أن يعيد صيامه -وهذا سوف يأتي- ولذلك العلماء بحثوا في مسألة ما لو صام متردداً قالوا: إن كان من رمضان فهل يجزئه أم لا؟ وسيأتي ذكر هذه المسألة وابن تيمية رحمه الله اختار أنه يجزئه إذا كان علق النية على أنه إن كان من رمضان.

    الالتزام بالإسلام يشمل جوانب الحياة كافة

    السؤال: يقول: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19] بعض الشباب -هداهم الله- إذا قلت له: لماذا لا تلتزم وتستقيم على طريق الحق، احتج بهذه الآية؟

    الجواب: يعني: الدين عند الله الإسلام، هذا صحيح، نحن ندعوه إلى التزام المزيد من الإسلام، نحن لا نقول: إنه غير مسلم، هو مسلم لكن عنده نقص أو عنده تقصير في بعض الطاعات مثلاً أو ارتكاب لبعض المعاصي والمحرمات، فهو يدعى إلى استكمالها، ولهذا أنت تطلب منه المزيد، الله تعالى يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [الإسراء:12]، فجاء في الإسلام تشريع لمفردات المسائل وجملها، وعلى المسلم أن يكون وقافاً عند حدود الله في كل ذلك.

    قيام الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة كاملة بآية واحدة

    السؤال: هل الرسول صلى الله عليه وسلم قام ليلة كاملة بآية؟

    الجواب: نعم. روى النسائي وغيره بسند جيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام ليلة بآية واحدة، وهي قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118] يرددها حتى أصبح والحديث صحيح.

    حكم شهادة المرأة في رؤية هلال رمضان

    السؤال: هل يثبت دخول الشهر وخروجه برؤية النساء؟

    الجواب: هذه مسألة أخرى، يعني: هل تجزئ امرأتان عن رجل أو لابد من الرجال؟

    بعض الفقهاء قالوا: هذا مما يختص به الرجال، يختصون بعلمه، وبعضهم قال: يجزئ في ذلك النساء وهو أقوى.

    حكم الإعجاب بتقنيات الكفار وحضارتهم

    السؤال: ما حكم الإعجاب بتقنيات الكفار وحضارتهم، وهل هذا يدخل في الولاء والبراء؟

    الجواب: بالنسبة للتقنيات هذا شيء طبيعي، نحن نستفيد من الكهرباء الآن، ونستفيد من المكيفات، ونستفيد من مكبر الصوت، ونستفيد من جهاز التسجيل، ومعظم الأشياء -مع الأسف- هي من منتجاتهم، والتي يفترض أننا سبقناهم إليها.

    أما بالنسبة لحضارتهم، فكلمة (الحضارة) كلمة شاملة يدخل فيها هذه المبتكرات العلمية والتقنية، كما يدخل فيها جوانب قد تكون من الأمور المتعلقة بفلسفاتهم في علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الإنسان والقضايا المختلفة، ولا شك أن مثل هذه الأشياء تدخل في قضية الولاء والبراء أن على الإنسان أن يتأثر بمعطيات الحضارة التي لها تعلق بالشريعة والدين؛ لأن هناك أشياء جاء الله تعالى فيها ببيان وبحكم، فمثل هذه الأشياء ينبغي أن يكون المسلم يقظاً مبتعداً عما يخالفها، وهناك أشياء جعلها الله سبحانه وتعالى متاحة مباحة لكل أحد، مثلاً: الحكمة ضالة المؤمن، هناك أشياء مثلاً في علم الإدارة، أو فيما يتعلق بقضايا المرور، أو فيما يتعلق بتنظيم أمور الحياة العادية الدنيوية البحتة، هذه الأشياء تختص بالخبرة، ومتى وجدنا فيها شيئاً أنفع من شيء أخذنا به، لكن هناك أشياء فيها جوانب علمية، فيها نظريات، فيها فلسفات، ينبغي للإنسان أن يبتعد عما يعارض أصول الشريعة فيها، وتلك العلوم لا يمكن فصلها عن مصادرها عندهم، فتجدها متأثرة بتاريخهم، متأثرة بتراثهم الإغريقي واليوناني والروماني، متأثرة بمجتمعاتهم، متأثرة بحياتهم.

    حكم رؤية الهلال عبر الأجهزة المتطورة

    السؤال: رؤية الهلال عبر الأجهزة المتطورة هل يعتد به؟

    الجواب: نعم. إذا رئي الهلال من خلال أجهزة دقيقة كالمكبرات وغيرها فلا بأس بذلك.

    حكم تذكير الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً

    السؤال: هل يذكر الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً أم يترك حتى يكمل أكله وشربه، ما رأيكم؟

    الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه )؛ ولذلك فالجمهور على أن صومه صحيح، لكن نقول: ينبغي أن يذكر؛ لأن هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى، فمن رآه ذكره وقال له: أنت صائم.

    الحكمة من شرب الماء للمتكلم

    السؤال: أنا معلم عندما أشرح أتعب في الشرح، فهل شرب الماء فيه حكمة؟

    الجواب: يعني: قصدك أني أنا أشرب؟ الإنسان إذا أصبح يتكلم فإنه من خلال الكلام يدخل الهواء إلى فمه وقد يحدث نوعاً من الجفاف في الريق، فالماء يعوض ذلك، وبالنسبة لي ربما صارت عادة أيضاً.

    حكم من ترك الصيام بعد بلوغه بحجة الصغر

    السؤال: شاب تأخر في الصيام في السنوات الماضية على أنه صغير ما حكم ذلك إذا كان قد تساهل في هذا الأمر، وقد يكون بالغاً في إحدى السنوات؟

    الجواب: إذا كان بالغاً بأحد أسباب البلوغ التي ذكرناها أو علامات البلوغ، فعليه أن يقضي السنوات التي تركها وأفطرها.

    وعند طائفة من الفقهاء عليه مع القضاء أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، عن رمضان الذي مر عليه رمضان آخر، يعني: مثل رمضان العام الأول إذا قضاه يطعم عن كل يوم مسكيناً مع القضاء عند طائفة من الفقهاء، ونقل هذا عن بعض الصحابة.

    نفقة الابن على أبيه

    السؤال: والدي له زوجتان وعنده راتب سبعة آلاف، وأستلم أنا تسعة آلاف، وقد أعطيته سبعة عشر ألف ريال، وعندي إيجار وأصرف شهرياً أربعة آلاف، وطلب مني أن أعطيه كل شهر ألف ريال، فأعطيه كل شهر ثلاثمائة ولم يقل شيئاً، فما حكم عملي؟

    الجواب: إعانتك لوالدك من الخير ومن البر والتقوى، وإن كان والدك فقيراً ومحتاجاً إلى هذا المال وأنت قادر عليه وهو لا يجد ما ينفق به على نفسه أو على زوجتيه فيجب عليك أو على الغني من إخوانك أو عليكم بمجموعكم أن تسدوا حاجته من النفقة.

    أما ما زاد على ذلك فلا يجب إعطاء الوالد شيئاً إلا على سبيل التبرع، وبعض الإخوة يسألون عن حديث: ( أنت ومالك لأبيك )، فهذا الحديث سبق أن أعددت فيه بحثاً خلاصته: أن في الحديث ضعفاً، وحكم جماعة من أهل العلم كـالبيهقي وغيره بأنه معارض لظواهر النصوص الشرعية من القرآن والحديث، ولهذا إذا مات الولد لا يأخذ الأب ماله، وإنما يقسم ماله في الورثة، أي نعم، لكن ينبغي للابن أن يبر بأبيه ويحسن إليه، وإذا كان بر الأب يشترى بالمال، فما أرخص المال الذي نتمكن به من الحصول على رضا الآباء، فأعتبر أن رضا والديك عليك تاج على رأسك وسر سعادتك حتى في الدنيا سبحان الله.

    فالإنسان البار بوالديه سعيد في دنياه، موفق في حياته، مستجاب الدعوة غالباً، والأبواب أمامه مفتوحة.

    والإنسان المقصر أو العاق قد يكون بضد ذلك، ولهذا أوصي الإخوة كثيراً بهذا الجانب.

    من مصادر المعلومات الصحيحة

    السؤال: هذا يسأل عن الأحداث ودور الشباب، وكيف يستقون المعلومات الصحيحة وأين العلماء الذين يرجع إليهم وإلى آخره؟

    الجواب: أما المعلومات فنوصي الأخ بالرجوع إلى موقع الإسلام اليوم (islam today) فإنه ينشر أخباراً منتقاة، وكذلك مقالات كثيرة مترجمة يقوم الموقع بترجمتها، أو تغطي جوانب كثيرة في هذا الحديث، وللصراحة كل المواقع تغطي جوانب في هذا.

    رؤية الشيخ لأحداث 11 سبتمبر

    أما فيما يتعلق بالرؤية فسبق أن ذكرت شيئاً من ذلك في أكثر من مناسبة، ونزلنا ورقة للحوار في الموقع عندنا حول الأحداث تناولت فيها أربع نقاط:

    النقطة الأولى: أسباب الحدث، وإدانة السياسة الأمريكية المنحازة والتي كانت وراء مثل هذه الأحداث وغيرها.

    النقطة الثانية: قضية الرؤية الشرعية والمصلحية في مثل هذه الأحداث وبيان اجتهادي ورأيي فيها.

    النقطة الثالثة: قضية وجوب تحقيق الأخوة الإيمانية وتحريم مناصرة الكفار أو محالفتهم على المسلمين أو إعانتهم بضرب بلد إسلامي وضرب الأبرياء من المسلمين.

    النقطة الرابعة: ضرورة التأكيد على الشباب بأهمية استتباب واستقرار الأمن في مجتمعاتهم وأسرهم وبلادهم، وأن اليهود يتربصون بخلخلة الأمن في المناطق الإسلامية كلها، وهم يغنون على هذا الوتر ويتمنونه بقوة، فيجب أن نكون يقظين في هذا الجانب.

    هذه تقريباً النقاط الأربع، إضافة إلى توجيهات عامة فيما يتعلق بالجوانب النفسية في مواجهة هذا الحدث، ونتمنى من الإخوة أن يطلعوا وأن يشاركوا أيضاً برأيهم أو نصحهم، أو إذا كان لديهم وجهات نظر أخرى في الموضوع.

    والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.