إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح العمدة (الأمالي)
  5. شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الزكاة - زكاة السائمة

شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الزكاة - زكاة السائمةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • السائمة هي الماشية التي ترعى في المباح الحول أو أكثره، والسوم: إرسال الماشية في الأرض ترعى فيها، والأصل في زكاة السائمة حديث أنس أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كتب له هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله على المسلمين والتي أمر الله بها ورسوله، وبهيمة الأنعام ثلاثة أصناف الإبل والبقر والغنم ولكل نصابها وشروطها.

    1.   

    معنى السائمة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم.

    عندنا زكاة السائمة، وهي طويلة في بضع صفحات، ولذلك لا أجدني بحاجة إلى أن أقرأ ما كتبه المصنف فيها، وبإمكان الإخوة الذين يرغبون في المتابعة أن يقرءوه فيما بعد؛ ليجدوا أن كل ما ذكره المصنف قد تم شرحه فيما سوف أقوله إن شاء الله تعالى، بدون حاجة إلى أن نتوقف عند عباراته وألفاظه رحمه الله تعالى.

    عندنا زكاة السائمة، والسائمة في لغة العرب مأخوذة من السوم، وهو الرعي، وقد جاء هذا المعنى في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [النحل:10]، يعني: ترعون.

    وكذلك قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ [آل عمران:14]، يجوز أن تكون المسومة بمعنى المرعية، ويجوز أن تكون المسومة بمعنى المُعَلَّمة، فالسوم يطلق على الرعي ويطلق على العلامة.

    ومنه قولنا: السيما أو السيمياء وهي علامة الشيء، كما في قوله تعالى: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29]، وكما في قوله تعالى: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ [الرحمن:41].

    ويقول الشاعر العربي:

    غلام رماه الله بالحسن يافعاً له سيمياء لا تشق على البصر

    كأن الثريا علقت في جبينه وفي جيده الشعرى وفي خده القمر

    إذاً: نلاحظ أن كلمة (سَوَمَ): السين والواو والميم لها معنيان:

    المعنى الأول: يتعلق بالرعي، أو كما عبر ابن فارس في معجم مقاييس اللغة : السوم يطلق على معنى الطلب كالرعي؛ لأن البهائم تطلب المرعى، ومنه سوم البضاعة إذا سام هذه السلعة، يعني: طلب شراءها، ومنه أيضاً يقولون: فلان يسوم فلاناً خسفاً، هذا معروف في لغة العرب، ومعروفة كلمة عمر يقول: يعجبني الرجل إذا سيم خطة ضيم أو خطة خسف أن يقول: لا، بملء فيه. يعني: طلب منه شيء يدل على ضيمه أو ازدرائه.

    فالمادة الأولى هي مادة الطلب، السوم بمعنى الطلب.

    المعنى الثاني الذي ذكره أهل اللغة ومنهم ابن فارس : السوم بمعنى العلامة كما ذكرنا مواضعه في القرآن الكريم.

    والأقرب أن يكون الأمر كله راجعاً إلى المعنى الثاني وليس الأول، فنقول: (السوم) مأخوذ من التعليم من الإعلام من وضع العلامة، فالإبل أو البقر أو الغنم نسميها سائمة إذا رعت؛ لأنها تعلم المرعى من خلال رعيها، تعلمه وتضع فيه علامات وآثاراً تدل على رعيها، وهكذا بقية المعاني.

    من يسومك خسفاً أو ضيماً يريد أن يسمك بميسم الذل والهوان

    وهكذا بقية المعاني.

    إذاً: كلمة (سَوَمَ) أصل واحد في لغة العرب فيما ظهر لي، يدل على العلامة أو وضع العلامة أو على التعليم أو الإعلام، هذه نقطة.

    في القرآن الكريم موضع في سورة آل عمران: بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران:125]، هذه الآية أي المعنيين يجوز فيها؟

    الأقرب أنه ينبغي أن يكون معنى الآية الثاني: أي: معلمين، فهناك علامة للملائكة، إما فيما يفعلونه بالكفار كما ورد أنهم كانوا يعرفون قتيل الملائكة ببنانه، وهذا أحد الوجوه .. أو غير ذلك، لكن المقصود أنهم مسومون، فهي من التسويم الذي هو العلامة، وليست من السوم الذي هو الرعي .

    الأصمعي رحمه الله من أئمة اللغة فسر السائمة التي يتكلم عنها الفقهاء: بأن السائمة هي كل إبل ترسل للرعي ولا تعلف في الدور، فهذه هي السائمة، هذه هي النقطة الأولى عندنا في جلسة هذا اليوم.

    1.   

    أقوال العلماء في اشتراط السوم في بهيمة الأنعام لأداء زكاتها

    ننتقل بعدها إلى المسألة الثانية: وهي اشتراط السوم أو الرعي في بهيمة الأنعام، فقد اختلف الأئمة: هل يشترط أن تكون بهيمة الأنعام راعية حتى توجب فيها الزكاة، أو توجب الزكاة حتى في غير الراعية، وفي هذا قولان مشهوران:

    القول الأول: (لا تجب الزكاة إلا في سائمة الأنعام)

    الأول: قول الجمهور: وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد ؛ أنه لا تجب الزكاة في بهيمة الأنعام إلا إذا كانت سائمة، يعني: ترعى في المرعى أو الكلأ المباح، وهذا القول أيضاً منسوب إلى جماعة من الصحابة، فقد نقل عن أربعة من الصحابة أنهم يقولون ذلك، منهم: عمر وعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما، فإنهما كانا يقولان: (ليس في العوامل صدقة). وكذلك نقل عن جابر رضي الله عنه وعمر بن الخطاب أنهم لا يرون الزكاة إلا في السائمة.

    إذاً: هو قول أربعة من الصحابة، وخلق من التابعين والسلف: كـعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والزهري، وطاوس، وهو رواية عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله، حتى إن سفيان الثوري قال: لا زكاة في غير السائمة من الإبل والبقر والغنم، فقال له قائل: إن مالكاً رحمه الله يوجب الزكاة في الإبل والبقر والغنم ولو كانت غير سائمة، فتعجب سفيان وقال: ما ظننت أن أحداً يقول بهذا القول.

    أعتقد أن سفيان ليس مقصوده الإنكار على مالك رحمه الله، فإن مالكاً إمام وجبل، وتفرد مالك بمثل هذا وغيره وأعظم منه ليس بكثير على سعة علمه وفقهه، وإنما سفيان ربما يشير إلى أنه لم يسمع بهذا القول من قبل، فهذا علم جديد أضيف إلى علمه أن هناك من يقول بأن الزكاة واجبة في غير السائمة.

    أدلة القائلين بوجوب الزكاة في السائمة من الأنعام فقط

    ما هي حجة الذين يقولون بذلك؟

    أهم وأصح حججهم ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي بكر رضي الله عنه في كتابه المشهور: ( هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين ) .. إلى آخر الحديث، وفيه ذكر أنصباء الصدقة في الإبل وفي الغنم .. وفي غيرها، ولكن في هذا الحديث قوله: ( وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين شاة شاة ).. إلى آخر الحديث.

    فقالوا: إن قوله: ( في صدقة الغنم في سائمتها )، دليل على أن السائمة تجب فيها الزكاة، وهذا يسميه علماء الأصول: المنطوق، فمنطوق حديث أبي بكر : أن السائمة من الغنم -يعني: الراعية- فيها الزكاة، هذا منصوص أو منطوق الحديث.

    أما مفهوم الحديث، مفهوم الصفة فهو أن غير السائمة ليس فيها زكاة، وهذا يسميه علماء الأصول: مفهوم الصفة، وهو أولى المفاهيم بالاعتبار، وهو حجة عند جمهور الأصوليين فإن السائمة هنا صفة للغنم، فمعنى الحديث: أن الغنم قسمان: سائمة، وغير سائمة، الحديث نص على أن سائمتها فيها الزكاة، فدل بمفهومه على أن غير السائمة ليس فيها زكاة . هذا دليل.

    الدليل الثاني عندهم: ما ثبت عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم -كما أسلفت-، منهم ذكرنا علياً ومعاذاً وجابراً وعمر أنهم يرون أن ليس فيها زكاة، يعني: غير السائمة، قالوا: ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان هذا إجماعاً، وهذا أحسن أحواله أن يكون إجماعاً سكوتياً كما يسميه علماء الأصول، وفي الاحتجاج به نظر، زد على ذلك أن المنقول عن جمع من السلف والتابعين القول بأن في غير السائمة زكاة يعكر على دعوى الإجماع هذه، وكثيراً ما يحتج ابن قدامة رحمه الله في المغني بمثل هذا، أنه نقل عن فلان من الصحابة واشتهر ولم يعرف له مخالف فكان إجماعاً، وفي هذا نوع من النظر، وإن كان يستأنس بهذا، لا يستدل به ويحتج به، لكنه يستأنس به، ويقوي جانب الأدلة الأخرى.

    الدليل الثالث: ما رواه بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( في كل إبل سائمة، في كل أربعين بنت لبون ).. إلى آخر الحديث، فقوله: ( في كل إبل سائمة )، مثله مثل حديث أبي بكر الأول يدل على أن الزكاة تجب في السائمة من الإبل والبقر والغنم، ولا تجب في غير السائمة.

    حديث بهز بن حكيم رواه أهل السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ورواه أحمد .. وغيرهم، وصححه جماعة أو حسنوه، ممن حسنه الترمذي والحاكم، وفيه خلاف؛ بسبب الخلاف المشهور في رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.

    والدليل الرابع: النظر والتأمل، فإنهم يقولون: إن العلة في وجوب الزكاة هي النماء، والسائمة يظهر فيها النماء، فإنها ترعى من أجل السمن، ومن أجل الدر واللبن ومن أجل النتاج وتتكاثر، ولذلك ناسب أن تجب فيها الزكاة زيادة على توفر مئونتها، من توفير العلف والطعام .. ونحو ذلك إذا رعت في المرعى المباح كالصحراء .. ونحوها، ولا تحتاج إلى عناء، فهذا يناسب أن تجب في السائمة زكاة وألا تجب في غيرها، وهو معنى جيد.

    هذا هو القول الأول.

    القول الثاني: أن الزكاة تجب في السائمة وفي غيرها

    القول الثاني: مذهب الإمام مالك كما أصبح ظاهراً لكم: أن الزكاة واجبة في السائمة، كما هي واجبة أيضاً في المعلوفة مثلاً وفي العوامل وفي غيرها، وهذا المذهب مروي عن ربيعة والليث وهما من فقهاء المدينة، وهو أحد القولين عن عمر بن عبد العزيز، وهو قول قتادة وحماد بن أبي سليمان وغيرهم، واختاره الإمام ابن حزم في كتاب المحلى، كما ذكر صاحب الإنصاف من الحنابلة أنه قول الإمام ابن عقيل الحنبلي أن الزكاة تجب في السائمة وفي غيرها.

    أدلة القائلين بوجوب الزكاة في السائمة وغيرها من الأنعام

    حجتهم: أولاً حديث أبي بكر السابق نفسه، فإن فيه: ( في خمس من الإبل شاة )، ولم يذكر صفة الإبل أن تكون سائمة أو غير سائمة، فقالوا: هذا دليل على وجوب الزكاة في كل بهيمة الإنعام سائمة كانت أو غير سائمة، وقالوا: إن القيد في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( في سائمتها ) في شأن الغنم قالوا: إن هذا القيد أغلبي، وليس قيداً احترازياً، قالوا: لأن الغالب على أهل الحجاز أنهم كانوا يرعون إبلهم وشاءهم ونعمهم في المرعى، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم سائمة باعتبار الأعم الأغلب لا باعتبار أن هذا قيد واحتراز يخرج السائمة ويعطيها حكماً، وغير السائمة ويعطيها حكماً آخر.

    والذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن قول الجمهور أرجح وأدلتهم أقوى، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الغنم في سائمتها دليل على أن القيد احترازي وليس أغلبياً؛ إضافة إلى أنه هو المنقول عن الصحابة كما ذكرت، زيادة على أن تعضيد النظر لهذا الاتجاه يعززه ويقويه، كما نلاحظ تفاوت الزكاة مثلاً في الخارج من الأرض، بين ما يتعب ويسقى بمئونة وغير ذلك كما سوف يأتي تفصيله، فهذا المعنى معتبر في الزكاة. هذه هي المسألة الثانية.

    1.   

    شروط السوم

    المسألة الثالثة: السوم الذي هو الرعي، والذي بموجبه تكون الزكاة في بهيمة الأنعام لابد له من ثلاثة أمور إذا اختل واحد منها فلا اعتبار بالسوم:

    الشرط الأول: أن تكون المسومة من بهيمة الأنعام

    الأمر الأول: أن تكون المسومة أو أن تكون المرعية من بهيمة الأنعام.

    وما هي بهيمة الأنعام؟ الإبل والبقر. وقلنا: يدخل فيها الجواميس بالإجماع كما ذكره ابن المنذر وغيره. إذاً: الإبل والبقر ومنها الجواميس، والغنم، والغنم تشمل: المعز والضأن.

    إذاً: هذه الأصناف إن شئت فهي ثلاثة وإن شئت فهي خمسة، يعني: تستطيع أن تقول: الإبل، والبقر، والجواميس، والضأن، والمعز. هذه هي بهيمة الأنعام، وهي التي امتن الله تبارك وتعالى علينا بها في القرآن الكريم، عددت وأنا قادم إليكم عدد المواضع في القرآن الكريم التي ذكرت فيها الأنعام أو النَعم، فوجدتها تقريباً -إن لم أكن أخطأت في العدد والعهدة على المعجم المفهرس - ثلاثاً وثلاثين موضعاً، في سورة آل عمران، في سورة الأنعام، في سورة النحل، في سورة (يس)، في الحج.. وغيرها من المواضع، ونلاحظ أن الله سبحانه وتعالى سماها: الأنعام، كما في سورة الأنعام المخصصة لهذا، وكثير من الأحكام مذكورة فيها، وفي سورة النحل الله سبحانه وتعالى امتن بها علينا كثيراً فقال: وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [النحل:5-7]، ثم قال بعد ذلك كله لما انتهى أمر الأنعام، قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8].

    إذاً: انتهينا من بهيمة الأنعام انتقلنا بعد ذلك إلى الخيل والبغال والحمير، هل هذه من بهيمة الأنعام؟ لا، وانتهى الأمر منها، قال: وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8]، فامتن الله تعالى علينا بأكله.

    وكذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة (يس): أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس:71-72]، وهكذا في سورة المؤمنون أيضاً.

    هذه المسماة ببهيمة الأنعام لماذا خصت بهذا الحكم؟

    الأقرب والله تبارك وتعالى أعلم أنها خصت بهذا الحكم؛ لأنها غالب ما يستخدمه الناس، خصوصاً المسلمون الذين تجب في أموالهم الزكاة، وهكذا تجد من عهد الرسالة إلى اليوم أكثر ما يتملكه المسلمون هو هذه الأصناف الثلاثة، وما كان في حكمها.

    وقد بحثت عن إحصائية للبلاد الإسلامية، فوجدت بعض الكتب التي تقدم معلومات وأعطيتكم نموذجاً منها في عدد ما، يوجد في السعودية وفي السودان كنموذجين وإفريقيا غالبها على هذه الوتيرة، فعام: (1993م) -لم يتوفر عندي رقم التاريخ الهجري- يوجد في السعودية أربعمائة وعشرون ألف رأس من الإبل، وسبعة ملايين ومائة ألف من الغنم، ومائتان وعشرة آلاف من البقر، وثلاثة ملايين وأربعمائة ألف من المعز، بينما في السودان مثلاً من البقر -بنفس التاريخ- واحد وعشرون مليون وستمائة ألف، لاحظ الرقم! اثنان وعشرون مليون وخمسمائة ألف من الغنم، اثنان وعشرون مليون ومائتا ألف من المعز، مليونان وثمانمائة وخمسون ألفاً من الإبل.

    إذاً: هذه الأصناف الثلاثة هي ذات الرقم القياسي والاستخدام الكبير والتملك الكبير والعناية بها؛ ولذلك وجب فيها ما لم يجب في غيرها، لا في الخيل ولا في الوحوش ولا في سواها. هذا جانب.

    إذاً: قلنا: إنه لابد أن تكون السائمة من بهيمة الأنعام.

    هل في هذا الكلام خلاف؟ نعم، فيه خلاف لا بأس من الإشارة إليه، وهو أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله ذهب إلى وجوب الزكاة في سائمة الخيل، ووافقه زفر من الحنفية.

    وخالفه في ذلك الجمهور، بل خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني فلم يريا في سائمة الخيل زكاة ووافقا على ذلك الجمهور، وقد ذكرت لكم الإشارة من القرآن الكريم في الخيل والبغال والحمير وأنها للركوب، فدل ذلك على أنها تتخذ للقنية، للزينة، للاستخدام، للعمل، وما كان كذلك فإن الظاهر والإشارة تدل على عدم وجوب الزكاة فيه، لكن لو أعدت الخيل مثلاً للتجارة كما يقع الآن، كثير من الناس يتملكون أعداداً كبيرة من الخيول، وعندهم لها أنساب، وعندهم لها سلالات، وتباع أحياناً بمبالغ طائلة، فهل في مثل هذا اللون من إخراج زكاة؟ نعم. ما هي زكاتها؟ زكاة عروض التجارة، وهو باب آخر غير باب السائمة.

    الشرط الثاني: أن يكون السوم للنماء

    الشرط الثاني: أن يكون السوم للنماء. يعني: أن ترعى من أجل الدر، من أجل اللبن، من أجل السمن، من أجل النتاج والأولاد، وقد سبق أن ذكرت سابقاً أن المال النامي هو المال الذي تجب فيه الزكاة، أما لو كان يسيمها ويرعاها للعمل، للانتقال من مكان إلى آخر، أو لغير ذلك، أو للركوب، فإن هذه السائمة ليس فيها زكاة، ولو كانت ترعى إذا لم تكن أعدت للنماء، وهذا مذهب الجمهور؛ لأنها في هذه الحالة تصبح من العوامل، مثل: الأثاث والثياب والمقتنيات التي لا زكاة فيها.

    مسألة كونها تستخدم للركوب وللتنقل ولغير ذلك وللعمل هذا يصدق على الجمال، والبقر، وأما الغنم فلا، الغنم جنبها ضعيف ما تستخدم لهذا، ولذلك الكلام هذا أو القيد هذا خاص بالإبل والبقر، فهي تستخدم عوامل للحرث مثلاً وللسني .. وغير ذلك من الأعمال.

    الشرط الثالث: أن ترعى البهيمة أكثر الحول

    الشرط الثالث أو الأمر الثالث في موضوع السوم: أن ترعى معظم الحول أو أكثر الحول. يعني: لابد أن يمر عليها الحول وهي سائمة، فالحول شرط لوجوب الزكاة، لكن هل معنى ذلك أنه لو تركت الرعي يوماً أو أسبوعاً أو نحو ذلك ينقطع حولها ولا تجب فيها الزكاة؟

    الأقرب والذي عليه الجمهور: أن المقصود أن تكون سائمة راعية أكثر الحول، فالعبرة حينئذ بالأغلب، والأكثر له حكم الكل، وهذا قول الحنابلة والأحناف، والشافعية لهم تفصيل، ذكر النووي في المجموع لهم في المسألة خمسة أوجه: أحدها هو ما ذكرت.

    1.   

    زكاة الإبل

    المسألة الرابعة: زكاة الإبل. ودعونا نذكر المقادير، ثم نذكر وجهها ودليلها وما يتعلق بها.

    أول ما يبدأ النصاب في الإبل بخمس من الإبل، فأقل من الخمس لا زكاة فيها، فإذا بلغت خمساً ففيها شاة واحدة، وهذا أجمع عليه العلماء، وورد فيه النص عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكر في صحيح البخاري كما أشرت، فإذا بلغت عشراً ففيها شاتان، فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه، بلغت عشرين فيها أربع شياه.

    من العشرين إلى أربعة وعشرين هذا يسمى وقصاً، ذكرناه في الجلسة الماضية، والوقص هو ما بين النصابين والذي ليس فيه زيادة في وجوب الزكاة.

    إذاً: العشرون إلى أربعة وعشرين فيها أربع شياه، فإذا بلغت خمساً وعشرين بعيراً أو جملاً فبنت مخاض. والبعير يطلق على الذكر والأنثى، فلا بأس أن تقول: فإذا بلغت خمساً وعشرين بعيراً، وتجمع على أبعرة، وهناك جمع موجود عندنا يستخدمه أهل البادية .. وغيرهم، وهو أباعر، وكلها جموع صحيحة.

    أما الجمع الباطل الذي ليس له أصل فيما يبدو لي في لغة العرب فهو بعارين، وهذا هو المستخدم في دارجتنا هنا في نجد.

    إذاً: خمس وعشرون بعيراً هذه فيها بنت مخاض، وبنت المخاض: ما تم لها سنة؛ لأن أمها تكون ماخضاً في هذه الحالة، يعني: تكون أمها حاملاً، مع أن هذا ليس شرطاً، لكن الغالب أن بنت المخاض تكون أمها قد حملت، والماخض هي الحامل: فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ [مريم:23]، يعني: آخر الحمل، أو الولادة والطلق إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:23]، فالماخض هي الحامل، فبنت المخاض التي حملت أمها، وهذا إنما يكون إذا تم لها سنة واحدة وطعنت في السنة الثانية، فهذه تسمى بنت مخاض، وقد أجمع العلماء على ذلك، وورد في حديث أبي بكر كما ذكرت، إذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم يجد بنت مخاض أنثى أعطى ابن لبون ذكر، يفترض في الحالة هذه أن ابن اللبون الذكر أكبر من بنت المخاض أو لا؟ نعم، هو أكبر منها بسنة، ولذلك أنا أقول: إذا بلغت الإبل ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، بدل بنت المخاض انتقلنا الآن إلى بنت لبون، وبنت اللبون هي ما تم لها سنتان؛ وإنما سميت بنت لبون لأن أمها التي كانت في العام الماضي حاملاً أو ماخضاً الآن ولدت وأصبحت ذات لبن، فسميت الأم لبوناً، والبنت سميت بنت لبون.

    إذا بلغت الإبل ستاً وأربعين ففيها حقة، والحقة تسلسلياً: هي ما تم له ثلاث سنوات، وسميت حقة لمعنيين:

    أولاً: لأنها أصبحت طروقة الفحل، كما جاء في الحديث: ( حقة طروقة الفحل )، يعني: استحقت أن يطرقها الفحل، استحقت السفاد وتحملته، أو أن يكون المعنى استحقت أن تركب ويحمل عليها، والأمران متلازمان، وهي ما تم لها ثلاث سنين.

    فإذا بلغت الإبل إحدى وستين وجب فيها جذعة، والجذعة إذا قلنا: إن الحقة تم لها ثلاث سنين، فالجذعة هي ما تم لها أربع سنين، وقد يقال: إن الجذعة سميت بذلك؛ لأنه يسقط حين ذلك سنها، ويقول بعض العلماء: إن الجذعة هي أعلى سناً يطلب في الزكاة، ولو لم يستطع أن يخرج الجذعة أو لم يجد فإن له أن يخرج الثنية، والثنية هي ما تم لها خمس سنوات، فهي أكبر من الجذعة بسنة أيضاً.

    فإذا بلغت الإبل ستاً وسبعين فإن فيها بنتي لبون، وإذا بلغت إحدى وتسعين فإن فيها حقتين إلى مائة وعشرين، يعني: واحد عنده مائة وعشرون أو عنده إحدى وتسعون، الواجب في ذمته من الزكاة حقتان.

    هذا الذي سبق كله من خمس إلى مائة وعشرين ثابت بالنص في صحيح البخاري حديث أبي بكر فريضة الصدقة.

    وثابت بالإجماع الذي ذكره العلماء ونقله جمع منهم: أبو عبيد رحمه الله في الأموال وابن هبيرة الوزير وابن قدامة في المغني وابن المنذر وابن تيمية وابن حجر والنووي والسرخسي والعيني وفقهاء المذاهب كافة، فهو أمر ليس فيه إشكال.

    أما ما زاد على مائة وعشرين ففيه شيء من الخلاف اليسير لن نشتغل به طويلاً، لكن أذكر أن قول الأكثرين والمعمول به في غالب الأمصار أن في كل خمسين مما زاد عليها حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، وهذه قاعدة مطردة فيما زاد على ما ذكرنا، وبناء عليه مائة وواحد وعشرون يجب أن يكون فيها ثلاث بنات لبون إلى مائة وتسع وعشرين، فإذا بلغت مائة وتسعة وعشرين فيها ثلاث بنات لبون.

    فإذا بلغت مائة وثلاثين، ففيها حقة وبنتا لبون إلى مائة وتسع وثلاثين.

    فإذا بلغت مائة وأربعين ففيها حقتان وبنت لبون إلى مائة وتسع وأربعين؛ لأنه في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة.

    بلغت مائة وخمسين فيها ثلاث حقاق.

    مائة وستين فيها أربع بنات لبون.

    مائة وسبعين فيها ثلاث بنات لبون وحقة.

    مائة وثمانين فيها بنتا لبون وحقتان.

    مائة وتسعين فيها ثلاث حقاق وبنت لبون.

    مائتين فيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون وهنا اتفقتا الفريضتان أربع حقاق؛ لأن المائتين تقبل القسمة على أربعين وتقبل القسمة على خمسين، ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون، هذا القول هو قول مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، ورجحه بعض الحنفية، وهو منقول عن جماعة من السلف والخلف.

    هناك القول الآخر، وهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة رحمهم الله، قالوا: إنه بعد المقدار المتفق عليه، بعد مائة وعشرين، قالوا: تستأنف القسمة أو تستأنف الفريضة من جديد، فيصبح في الخمس شاة، وفي العشر شاتان، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه.. وهكذا تستأنف الفريضة عندهم من جديد، تبدأ بالغنم، ثم ببنت المخاض، ثم ببنت اللبون ثم بالحقة.

    والقول الأول هو الأقرب والأرجح وعليه الجمهور كما ذكرت.

    حكم من وجب عليه سن من الإبل وليس عنده هذا السن

    من وجب عليه سن من الإبل وليس هذا السن عنده فماذا يصنع؟

    نص حديث أبي بكر رضي الله عنه ونقل الإجماع أيضاً على هذه المسألة أنه مخير بين أمرين:

    إما أن يعطي السن الذي دونه أقل منه، ويدفع معه شاتين إن استيسرتا أو عشرين درهماً، أو يعطي السن الذي فوقه ويدفع له المصدق -يعني: الساعي- يدفع له جبراناً شاتين أو عشرين درهماً.

    لو دفع شاة وعشرة دراهم يصلح أو ما يصلح؟ يصلح لا بأس، يعني: المقصود في ذلك التقييم التقريبي، ولذلك نص الفقهاء على أنه لو دفع له شاة وعشرة دراهم أن ذلك جائز.

    1.   

    زكاة البقر

    المسألة الخامسة: زكاة البقر، البقر مأخوذة من البَقْرِ وهو الشق، يقال: بَقَرَ بطنه أي: شقه؛ لأن البقر تستخدم في حرث الأرض وشقها، والمقصود بالبقر هنا البقر غير الوحشية عند جمهور العلماء، وهو الراجح خلافاً لمذهب الإمام أحمد، والبقر من الأنعام بالاتفاق كما ذكرت، وقد من الله تبارك وتعالى علينا بها وبين لنا ما امتن به من أكلها كما في سورة (يس) والمؤمنون .. وغيرهما.

    وقد جاء في البقر حديث: ( أن لحومها داء ولبنها دواء أو شفاء )، هذا الحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة، وأعتقد أنه موجود في مراسيل أبي داود، ولا شك أن هذا الحديث منكر متناً وسنداً، ومعارض لظواهر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، فكما رأيتم كلام الله سبحانه وتعالى في شأن البقر، والرسول عليه الصلاة والسلام ضحى بالبقر، وتجزئ البقرة عن سبعة شأنها في ذلك شأن الإبل، يعني: أنها تعتبر بدنة، وتجزئ في الهدي، وتجزئ في الأضحية، وأكلها النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، فالقول بأن لحومها داء قول غريب ومعنى منكر، ولا يمكن أن يثبت بمثل هذه الأسانيد .

    أما بالنسبة للزكاة، فإن في البقر الزكاة أولاً بالاتفاق.

    ثانياً: لما في حديث أبي ذر وهو في صحيح مسلم قال: ( ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي منها زكاتها، إلا إذا كان يوم القيامة بطحت له بقاع قرقر تطؤه بأظلافها، حتى يقضى بين الخلائق )، فهذا الحديث الصحيح يدل على وجوب الزكاة في البقر، ونلاحظ أن البقر لم تذكر في حديث أبي بكر الصديق الذي ذكره البخاري رحمه الله؛ لأن البقر كانت قليلة في الحجاز، كما ذكره ابن تيمية وغيره، ولذلك لما ذهب معاذ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن بين له زكاة البقر كما سوف أشير إليه بعد قليل؛ لأن البقر كانت موجودة في اليمن أكثر مما هي موجودة في الحجاز، ففي حديث أبي بكر ذكر زكاة الإبل والغنم لتوفرها وكثرتها في الحجاز ولم يذكر البقر، إلا لما ذهب معاذ إلى اليمن فبين له حكمها.

    1.   

    أقوال العلماء في نصاب وجوب زكاة البقر

    ولذلك اختلف العلماء في تحديد نصاب البقر بعدما اتفقوا على وجوب الزكاة فيها، اختلفوا في تحديد نصابها على أقوال:

    القول الأول: (تحديد نصاب البقر بثلاثين)

    القول الأول: وهو مذهب الجمهور الأئمة الأربعة: مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد أن نصاب البقر ثلاثون، يعني: ما دون الثلاثين من البقر ليس فيه زكاة، وأن الثلاثين من البقر فيها تبيع أو تبيعة، والتبيع: هو ما تم له سنة واحدة؛ لأنه يتبع أمه فسمي تبيعاً، فالثلاثون فيها تبيع، والأربعون فيها مسنة، إذا كان التبيع له سنة فالمسنة لها سنتان.

    طيب، الستون فيها تبيعان.

    والسبعون فيها مسنة وتبيع.

    والثمانون فيها مسنتان يعني: أربعون وأربعون.

    والتسعون فيها ثلاثة أتبعة، نعم تجمع على أتبعة.

    والمائة فيها مسنة وتبيعان.

    ومائة وعشرون تقبل القسمة على ثلاثة وتقبل القسمة على أربعة، فنقول: فيها ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة.

    إذاً: هذا قول الجمهور وهو مذهب الأئمة الأربعة، الحجة في ذلك ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .. وغيرهم عن مسروق بن الأجدع عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة )، هذا الحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم، وقال ابن عبد البر : إسناده صحيح ثابت، وصححه ابن تيمية رحمه الله ورحمهم أجمعين، وقال: ذكر لـمعاذ البقر؛ لأنها لم تكن موجودة في الحجاز، لكن في إسناد الحديث علة، فإن مسروقاً لم يلق معاذاً رضي الله عنه، ومعنى ذلك أن الحديث مرسل، أو قل: منقطع، نعم، وهو من أقسام الحديث الضعيف، لكنه مقبول على طريقة من يقبلون الحديث المرسل إذا اعتضد، خاصة وأن الحديث نفسه رواه مالك في الموطأ عن طاوس عن معاذ، وطاوس أيضاً لم يلق معاذاً، فهذا طريق آخر يدل على أن للحديث عن معاذ رضي الله عنه أصلاً، وإن كان يظل الحديث ضعيفاً، يبقى أن الحديث اعتضد من مجيئه عن جماعة من الصحابة، فقد جاء هذا المعنى في نصاب البقر؛ جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن مسعود وابن عباس وأنس وعمرو بن حزم .. وغيرهم، فاعتضد هذا المعنى بتعدد الطرق.

    ويكفي أنه أصح ما ورد في أنصبة البقر، ولذلك اعتمده الأئمة الأربعة، فمجمل هذه الأشياء تقوي الأخذ بحديث معاذ رضي الله عنه، وإن كان في سنده هذا الضعف اليسير .

    القول الثاني: أن أنصبة البقر كأنصبة الإبل من غير مراعاة لقضية السن

    القول الثاني: أن أنصباء أو أنصبة البقر هي كأنصبة الإبل، من غير مراعاة لقضية السن، فالبقر مثل الإبل عندهم، وهذا رأي ابن المسيب والزهري وأبي قلابة، وروي عن جماعة من الصحابة كـعمر وجابر، وقد احتج هؤلاء ببعض المراسيل وبعض الكتب، واحتجوا بإلحاق البقر بالإبل في الحديث الذي ذكرت: ( ما من صاحب إبل ولا بقر )، وبإلحاقها بها أيضاً في الأضحية وفي الهدي.

    الراجح هو القول الأول في أنصبة البقر.

    1.   

    زكاة الغنم

    المسألة السادسة: زكاة الغنم، الغنم: هي الضأن والمعز، ولماذا سميت غنماً؟ لأنها غنيمة باردة، فهي ضعيفة لا تمتنع ممن أرادها، ولا تقاوم الذئب ولا غيره، فلذلك سميت غنماً، هذا على كل حال التماس.

    زكاتها جاءت في حديث أبي بكر في صحيح البخاري : ( وفي الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى مائة وعشرين شاة ففيها شاة ) وهذا إجماع كما ذكرت.

    إذاً: الأربعون من الغنم فيها شاة، والشاة التي تجب في الأربعين من هذه الشياه لابد أن نحدد لها سناً معيناً وهو الجذع من الضأن، إما أن نقول: جذع من الضأن، والجذع من الضأن عند الجمهور عمره ستة أشهر، فلا يأتِ أحد فيقول: ست سنوات. يروى أن قوماً أمسكوا برجل سألوه: كم أركان الإسلام؟ فلم يعرف لأنه كان جاهلاً، فأشار له رجل، فقال: هكذا، قال: خمسون! فضربوه، فأشار إليه الآخر: هكذا، فقال: خمسمائة، فشدوا عليه الضرب، فلما انفرد به، قال: قلت لك هكذا، قال: إذا كان لم تكفهم الخمسون فكيف تكفيهم الخمس؟!

    إذاً: هذه ستة أشهر لا ست سنوات، وهذا هو الجذع من الضأن.

    أو الثني من المعز، الثني من المعز ما تم لها سنة، فالذي يجب في الغنم إما الجذع من الضأن أو الثني من المعز. هذا قول الجمهور، وفي المسألة أيضاً خلاف مشهور.

    إذاً: مائة وواحد وعشرون فيها شاتان إلى مائتين.

    مائتان وواحد فيها ثلاث شياه إلى أربعمائة، لاحظ ليس إلى ثلاثمائة إلى أربعمائة، ثم بعد ذلك في كل مائة شاة، يعني: خمسمائة فيها خمس شياه، ستمائة ست شياه، سبعمائة سبع شياه.. وهكذا.

    1.   

    ما يخرج من الزكاة وشروطه

    المسألة السابعة: ما يخرج في الزكاة.

    يعني: ما هو نوع المال الذي يخرج في الزكاة؟

    الله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267]، فذكر الطيبات. وقال: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ [البقرة:267]، فأمر بإخراج الطيب ونهى عن إخراج الخبيث، هذا في القرآن.

    وفي الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح- لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: ( إن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، ثم قال: وإياك وكرائم أموالهم )، يعني: تجنب كرائم الأموال.

    كرائم الأموال: جمع كريمة، وهي الأموال الغالية النفيسة عند أهلها، فظهر من الآية الكريمة والحديث أن المطلوب في إخراج الزكاة هو الوسط الذي ليس فيه إجحاف بالمالك بأخذ الطيب الغالي العزيز، وليس فيه إجحاف بالفقير بإعطائه الخبيث أو الرديء أو المريض، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكر الذي ذكرته لكم في البخاري من حديث أنس في كتاب أبي بكر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عَوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق )، فهذا الحديث قال: (لا يخرج هرمة)، وهي المسنة الكبيرة، (ولا ذات عَوار)، وذات العَوار بفتح العين هي ذات العيب، فالعوار هو العيب، مثل أن تكون مكسورة .. أو ما أشبه ذلك.

    وهل المقصود ما لا يجزئ في الأضحية أو المقصود ما يرد به البيع؟

    الأقرب الثاني، أن المقصود العيب الذي يرد به البيع، والله أعلم.

    وأما إذا قلنا: ذات عُوار بضم العين، فإن المقصود فيها العوراء، فعلى هذا أيضاً لا تخرج العوراء؛ لأن هذا عيباً فيها، هذه ذات العُوار.

    أما التيس فلماذا لا يخرج؟ هل لأنه من رديء المال؟

    لا؛ لأنه من ثمين المال، ولذلك قال: ( ولا تيس إلا أن يشاء المصدق )، المصدق من هو؟

    المتصدق. يعني: نقول: المصّدق بالتشديد وهو الراجح كما رجحه أبو عبيد وابن حجر وغيرهما: ( إلا أن يشاء المصّدق ) يعني: المتصدق، صاحب المال إذا أخرج الطيب جزاه الله خيراً، لكن لا يُلزم بذلك.

    أما الرواية الثانية: ( إلا أن يشاء المُصَدِق )، فالمقصود بالمصَدِق حينئذ الساعي الذي يأخذ الصدقة لبيت المال، فعلى هذا أن له إذا رأى ذلك أن يجتهد في أخذ التيس، والأقرب والأرجح هو الأول.

    إذاً: هذه الأشياء لا تؤخذ في الصدقة.

    الشرط الأول: أن تكون سالمة من العيوب

    خلصنا من هذا إلى أنه ثمة ثلاثة شروط لابد منها في المال الذي يؤخذ:

    الشرط الأول: ألا تكون معيبة، أن تكون سالمة من العيب، فلا يجوز إخراج الرديء أو الخبيث، كذات العوار مثلاً أو المسنة أو المريضة أو الصغيرة، إلا أن يكون النصاب كله صغاراً فيمكن إخراج الصغيرة كما قال أبو بكر : [ والله لو منعوني عناقاً ] .. في رواية: [ عناقاً كانوا يؤدونها ]، فلو كان النصاب كله عنقان -نقول: عنقان كذا، أو أعنقة ابحثوها هذه- لجاز أن يخرج منها عناقاً، فإنه لا يطالب بأكثر مما عنده.

    مداخلة: لا يتصور.

    الشيخ: لا، يتصور، لو بدله مثلاً، أو يعني: يتصور أن يكون النصاب كله صغاراً، ذكر الفقهاء هذا الحالات التي يتصور بها، مثل حالة التبديل مثلاً.

    إذاً: لابد أن يكون طيباً لا يكون رديئاً ولا خبيثاً ولا معيباً.

    الشرط الثاني: أن تكون إناثاً

    الشرط الثاني: ألا يخرج إلا أنثى، وهذا ملاحظ فيما يخرجه من الأموال في الزكاة أن تكون إناثاً، وقد نص على ألا يخرج التيس ويلحق به غيره، وهذا من باب مصلحة صاحب المال إلا ما استثني، ففي ثلاثين من البقر يمكن أن يخرج تبيعاً كما ذكرنا، وكذلك يمكن أن يخرج في الإبل ابن لبون مكان بنت مخاض، فهذا مستثنى، وأما ما سوى ذلك فإنه لابد أن يخرج الأنثى.

    إذاً: الشرط الأول: أن تكون أنثى، الشرط الثاني: أن تكون سالمة من العيب.

    الشرط الثالث: السن

    الشرط الثالث: السن، كما ذكرنا في الجذع من الضأن، والثني من المعز، والحقة .. وغير ذلك من الأسنان التي مر ذكرها.

    1.   

    ما لا يصح إخراجه في الزكاة

    المصنف ذكر أشياء لا يجوز إخراجها، فلا يخرج مثلاً (الرُبَّى) مما ذكره المصنف، أنه لا يخرج (الرُبَّى) على وزن فُعْلَى، والمقصود بها هي ذات اللبن التي تبقى في المنزل من أجل يحلب لبنها، أو هي حديثة العهد بولادة قبل أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، ولدت فيحتاج إليها ولدها، وكذلك الحامل وهي الماخض لا تخرج؛ لأنها من مصلحة صاحب المال، والأكولة وهي السمينة؛ لأنها بكثرة أكلها صارت سمينة، إلا أن يشاء رب المال أن يخرج هذا الطيب، أو أن يكون النصاب كله من هذا القبيل فيخرج، إي نعم.

    1.   

    صفة إخراج زكاة المال المختلط بالذكور والإناث والجياد والرديئة وغير ذلك

    طيب. بقي هنا نقطة أيضاً ذكرها المصنف، وهي لو كان المال مختلطاً، مثلاً لنفترض أن المال مختلط بين ذكور وإناث، وبين معز وضأن، وبين جياد ورديئة .. إلى غير ذلك، فكيف يخرج؟ يقول العلماء: يخرج قيمة الوسط من أي المالين شاء، فمثلاً: إذا كان بعضه قيمته عشرة دراهم، وبعضه قيمته عشرون درهماً، يخرج المصَدِق -الساعي- يخرج ما قيمته خمسة عشر درهماً، يعني: يخرج الوسط، لا يجحف بصاحب المال ولا بالفقير.

    1.   

    أنواع الخلطة في بهيمة الأنعام وحكم كل نوع منها في إخراج الزكاة

    المسألة الثامنة والأخيرة: هي مسألة الخُلطة، والخُلطة بضم الخاء المخالطة وهي تعني المشاركة، وطبعاً الكلام في بهيمة الأنعام، والمخالطة تحتمل صورتين أو لها نوعان:

    الأول: ما يسمونه بخلطة الأعيان، خلطة الأعيان بأن يكون المال مشاعاً بينهم غير متميز،

    مثل: أن أكون أنا وإياك اشترينا مثلاً رعية من الغنم ولم نقسمها أو الإبل، أو أكون أنا وأخي أو فلان من الناس ورث عن والده أو جده رعية من الإبل والغنم ولم تقسم، فهذا مشاع بينهم، فهذه تسمى خلطة أعيان؛ لأن كل واحد منها مشترك بين الملاك كلهم.

    النوع الثاني: خلطة أوصاف، وهي أن يكون لي مثلاً عشرون من الغنم ولك عشرون، فخلطنا هذه الأموال في مكان واحد في مرعى واحد في بيت واحد في مكان واحد تشرب وتحلب ولها راع واحد، فهذه يسمونها خلطة أوصاف، وبعضهم يسميها: خلطة جوار؛ لأنها في الواقع ليست شركة بالمعنى الدقيق.

    في الخلطة أقوال: أبو حنيفة رحمه الله ذهب إلى أنه لا اعتبار بالخلطة، وأن كل إنسان يزكي ماله بغض النظر عن كونه مختلطاً بمال غيره أو منفرداً عنه، وهذا قول ابن حزم، وقد انتصر له في المحلى بقوة.

    القول الثاني: وهو مذهب الباقين: مالك والشافعي وأحمد إلى أن الخلطة مؤثرة بشروط:

    أن يكون المال نصاباً.

    والشرط الثاني: أن تكون الخلطة في الحول كله.

    والشرط الثالث: أن يكون الخليطان من أهل الوجوب، فلو خالط المسلم مثلاً كافراً لا يدفع الزكاة، فإن الخلطة حينئذ عندهم غير مؤثرة.

    واختلفوا في مقدار الخلطة، والمذكور عندنا أن الخليطين هما ما اشتركا في المأوى الذي تبيت فيه الغنم، والمرعى الذي ترعى فيه، والمورد الذي تشرب فيه وتحلب.

    طيب، حجة من قالوا بأن الخلطة مؤثرة: ما رواه البخاري وأبو داود والنسائي .. وغيرهم في حديث أبي بكر رضي الله عنه قال: ( ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة )، وقد بوب عليه البخاري رحمه الله.

    الجمع بين المتفرق مثاله: أن تكون عند إنسان أربعون شاة وعند آخر أربعون شاة، فلو كانوا متفرقين كم يجب في مالهما؟ شاتان، فإذا جاء المصَدق -الساعي- إذا جاء المصدق جمعوا هذين المالين فأصبح مالاً واحداً قوامه ثمانون شاة وزكاته شاة واحدة، فهذا نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك التفريق بين المجتمع، مثل: أن يكون رجلان لكل واحد منهما مائة وواحدة من الغنم، فمجموعها كم؟ مائتين واثنين، كم فيها؟ ثلاث شياه، فإذا جاء المصَدق فرزوا المال وفصلوه، فأصبح لهذا مائة وواحدة، كم فيها؟ شاة واحدة، ولهذا مائة وواحدة فيها شاة واحدة، فبذلك وفروا على أنفسهم فيما يظنون شاة وبدل ثلاث أصبحت الزكاة شاتين.

    طيب. فهذا الذي فسرها به مالك رحمه الله تعالى في الموطأ، وللشافعي رحمه الله تفسير آخر نتجاوزه وننتقل إلى الفقرة الأخيرة وهي متعلقة بموضوع الخلطة: لو أن إنساناً له مال واحد، بعضه مثلاً في الشام وبعضه في العراق، افترض إنسان عنده أربعون شاة: عشرون منها في الشام، وعشرون في العراق هل يزكيها؟

    فيه خلاف، نعم، كل شيء فيه خلاف من هذه المسائل، ولكن الجمهور على أنه يزكيها؛ لأنها ملك لشخص واحد، ففي ذمته أربعون شاة هذا مذهب الجمهور، وهو الراجح فيما يظهر لي؛ لأنه يصح أن عنده أربعين شاة، والإمام أحمد مذهبه أن لا زكاة فيها بسبب التفرق.

    والله تعالى أعلم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.