إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح العمدة (الأمالي)
  5. شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الطهارة - باب الحيض -1

شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الطهارة - باب الحيض -1للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحيض شيء كتبه الله تعالى على بنات آدم لحكم عظيمة، وقد جاءت الشريعة الإسلامية ببيان سائر الأحكام المتعلقة به، وما يجب على المرأة إذا حاضت، وما تمتنع منه أثناء حيضها، وما تفعله بعد طهرها وانقطاع الحيض عنها، وللحيض والحائض أحكام كثيرة اعتنت بها وبينتها الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وكل ذلك دال على عظمة هذه الشريعة وشمولها لجميع أحوال الإنسان وتقلباته، وخاصة المرأة؛ لأن هذا الأمر من خصائصها.

    1.   

    تعريف الحيض

    أما اليوم فعندنا باب الحيض والنفاس.

    وهو باب طويل, وقد يكون فيه بعض الصعوبة لكن أحاول تسهيله بقدر المستطاع، والمسائل التي في باب الحيض والنفاس كثيرة، عندنا حوالي أربع وثلاثين مسألة تقريباً، فنحن مضطرون بالمقياس العادي إلى ألا تأخذ المسألة في المتوسط أكثر من دقيقتين. فنسأل الله تعالى الإعانة.

    المسألة الأولى: قال المصنف رحمه الله: [ باب الحيض ].

    الحيض مشتق من حاض الوادي إذا سال؛ فالحيض هو: السيلان، ودم الحيض دم طبيعة وجبلة يرخيه الرحم في أوقات معلومة، وهو أمر كتبه الله تعالى على بنات آدم كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لـعائشة رضي الله عنها لما حاضت في الحج وضاق صدرها بذلك فطيب خاطرها عليه الصلاة والسلام بقوله: ( إن ذلك أمر كتبه الله تعالى على بنات آدم ).

    وفي ذلك دليل على أن الحيض من خصائص النساء، فما يقوله بعضهم: من أن هناك طيوراً أو حيوانات تحيض فيه نظر لهذا الحديث، بل لا يحيض إلا بنات آدم كما دل عليه ظاهر الحديث، ولو خرج من بعض الحيوانات أو الطيور دم فإنه لا يسمى حيضاً، وإنما الحيض ما يخرج من النساء ويتعلق به أحكام معلومة كما سوف يأتي.

    وهو دليل على أنه موجود في الأمم كلها منذ القدم فهو أمر فطري طبعي موجود في النساء منذ أول الدهر.

    1.   

    الأشياء التي يمنعها الحيض

    المسألة الثانية: قال المصنف: [ ويمنع عشرة أشياء ].

    وفي ذلك دليل على أنه يترتب على الحيض أحكام كثيرة، في أشياء يجب الامتناع منها بعض العبادات والمعاشرة الزوجية والطلاق والعدة ونحوها، وهو أيضاً يوجب أشياء تجب بحدوث الحيض وبعضها تجب بانتهاء الحيض، وسوف يأتي تفصيل ذلك كله كما سرده المصنف رحمه الله، فهو يمنع أشياء ويوجب أشياء بحصوله، ويوجب أشياء بالانتهاء منه.

    الأول: فعل الصلاة

    المسألة الثالثة: قال المصنف: [ فعل الصلاة ].

    أي: أن الحيض يمنع فعل الصلاة، وذلك أن الحائض لا يجوز لها أن تصلي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة كما في المتفق عليه: ( افعلي كما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري )، فإن الطواف صلاة؛ فإذا منع الطواف منعت الصلاة من باب أولى.

    ومثله أيضاً قول عائشة رضي الله عنها لما سألتها امرأة فقالت: ( ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت عائشة رضي الله عنها لها: أحرورية أنت ) يعني: هل أنت من أهل حروراء وهم الخوارج وذلك لأنهم ينسبون إلى التنطع والتشدد في الدين ومخالفة الإجماع وما عليه الأمة، فقالت لها: هل أنت حرورية إذ تسألين هذا السؤال، هل أنت من أهل حروراء -وهو بلد في العراق - خرج فيه الخوارج ؟ قالت: لا لست بحرورية، ولكني أسأل أنا جاهلة أتعلم. فقالت لها عائشة رضي الله عنها: ( كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة )، فدل ذلك على أن الحائض ليس عليها صلاة، والحديث متفق عليه.

    وكذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: ( ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، فقامت امرأة سفعاء الخدين من سطة النساء وقالت: يا رسول الله! ما نقصان عقل المرأة وما نقصان دينها؟ فقال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ فذلك نقصان دينها )، فدل ذلك على أنه كان مستقراً عندهم أن الحائض لا تصوم ولا تصلي، وهو إجماع العلماء.. إجماع الأمة أن الحائض لا تفعل الصلاة وقت حيضتها، ولا تقضي الصلاة بعد ذلك.

    هذا معنى قوله: [ فعل الصلاة ] أي: أنه لا يجوز لها أن توقع الصلاة حال الحيض، ومما يدل على ذلك أيضاً: أن المصلي لابد له من الطهارة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )، والحيض حدث أكبر موجب ليس للوضوء فقط، بل هو موجب للغسل، فهو مانع بذاته من فعل الصلاة.

    الثاني: وجوب الصلاة

    المسألة الرابعة: قال: [ ووجوبها ].

    أي: أن الحيض يمنع وجوب الصلاة أيضاً، ما معنى كونه يمنع وجوب الصلاة؟ أي: أن الصلاة غير واجبة عليها إن كانت حائضاً بل ولا جائزة منها.

    فالحائض هل تجب الصلاة في ذمتها بحيث إذا طهرت تقضيها؟ لا، يعني: الآن المسألة الأولى قوله: (فعل الصلاة) أنه لا يجوز لها إيقاع الصلاة حال الحيض؛ لأنها محدثة فلا تصلي، لكن هل يجب إذا طهرت أن تقضي ما مضى كما هو الحال بالنسبة للصيام مثلاً؟ كلا لا يجب، هل يكفي أن نقول: لا يجب عليها أن تقضي الصلاة؟ لا يكفي، بل لا يجوز لها أن تقضي الصلاة، فلو أن امرأة قضت الصلاة التي عليها حال الحيض لكانت بذلك آثمة بهذا القضاء؛ لأن الصلاة غير واجبة عليها ولا جائزة منها حال الحيض فلا يجوز لها أن تقضيها بعد ذلك.

    إذاً: هي غير واجبة في ذمتها، ولو كانت واجبة في ذمتها لقلنا: تقضيها إذا طهرت كما تقضي الصيام، ولهذا قال المصنف رحمه الله فيما يتعلق بالصلاة: قال: (إن الحيض يمنع فعل الصلاة ووجوبها)، يمنع فعل الصلاة ووجوب الصلاة، أما بالنسبة للصيام فقال: (يمنع فعل الصيام فقط)، لكن هل يمنع وجوب الصيام؟ لا يمنع وجوب الصيام، بل الصيام واجب في ذمة الحائض إذا طهرت.

    الثالث: فعل الصيام

    ولهذا كانت المسألة الخامسة: قول المصنف رحمه الله: [ وفعل الصيام ].

    أي: أن الحيض يمنع فعل الصيام فلا يصح الصيام من الحائض؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ).

    وكذلك قالت المرأة لـعائشة : ( ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟! ).

    فدل على أنه كان معروفاً عند المؤمنات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن الحائض لا تصوم أثناء حيضها ولكنها تقضيه.

    وقالت عائشة أيضاً: ( كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة )، وهذا أيضاً إجماع أن الحائض لا تصوم أثناء حيضها ولكنها تقضيه بعد ذلك بعدد الأيام التي أفطرتها بسبب الحيض.. وفعل الصيام.

    الرابع: الطواف بالبيت

    المسألة السادسة: قال: [ والطواف ].

    أي: أن الحيض يمنع الطواف والدليل على ذلك حديث عائشة المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) والحديث متفق عليه، وهو دليل على أن الحائض لا يجوز لها فعل الطواف، لماذا لا يجوز للحائض فعل الطواف؟

    أولاً: لأن الطواف بالبيت صلاة، فتمنع منه كما تمنع من الصلاة.

    ثانياً: لأن الطواف يكون في الحرم داخل المسجد، والحائض ممنوعة من البقاء في المسجد والمكث فيه، وبعضهم علل بالأمر الثاني فحسب، قال: لأن الحيض داخل المسجد فلا يجوز لها أن تطوف.

    وعلى كل حال فهذا هو قول الجمهور وهو الرواية المعروفة في المذهب أن الحائض لا تطوف، لكن لو طافت فهل يجزئ ذلك منها أو لا يجزئ؟

    قولان في المذهب: قيل: إن ذلك لا يجزئ وعليها إعادة الطواف؛ لأن الطهارة شرط له فلا يصح بغير طهارة كما لا تصح الصلاة بغير الطهارة.

    وقيل: إن الطواف واجب وليس بشرط فيصح منها الطواف إذا طافت بغير طهارة يصح مع الإثم، وعليها أن تجبر طوافها بدم، والذي رجحه جماعة من أهل العلم أن المرأة إن طافت وهي حائض لضرورة أو حاجة شديدة أجزأها ذلك، كما لو كانت مع رفقة يذهبون ويتركونها فلا يمكن لها إلا أحد أمرين: إما أن تذهب مع رفقتها، ويبقى حجها ناقصاً لم تطف طواف الإفاضة الذي هو طواف الحج وهو ركن من أركان الحج، وإما أن تبقى فتفوتها الرفقة ولا تجد من يذهب بها فلا مخلص لها إلا أحد الأمرين أو أن تطوف وهي حائض، فقالوا في مثل هذه الحالة: تطوف وهي حائض ولا شيء عليها؛ لأن هذا من باب الضرورة.

    وقد استظهر جماعة من أهل العلم كالأحناف وغيرهم وهو رواية في المذهب رجحها ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الطهارة للطواف واجب وليس بشرط، وهذا هو الأقرب أن الطهارة للطواف لا يقال: إنها شرط لا يتم الطواف إلا به بل هي واجب يسقط بالعجز عنه، وهو إحدى الروايتين في مذهب الإمام أحمد اختاره جماعة من الحنابلة.

    الخامس: قراءة القرآن

    المسألة السابعة: [ وقراءة القرآن ].

    أي: أن الحيض يمنع الحائض من قراءة القرآن، وذلك لأن الجنب ممنوع من قراءة القرآن، فالحائض من باب أولى؛ لأن حدثها أغلظ من حدث الجنب، وقد جاء في ذلك حديث عند أهل السنن: ( لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن )، لكن الحديث ضعيف لا يحتج به، فيبقى الاحتجاج بقياسها على الجنب، وقد سبق أن بينت ما في هذا القياس من النظر، فما هو الفرق بين الحائض والجنب في القياس؟

    أن الجنب يستطيع رفع حدثه بالغسل، أما الحائض فحدثها ليس بيدها.. حيضتها ليست بيدها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة كما في الصحيح: ( إن حيضتك ليست في يديك ) على أحد الوجوه في تفسير الحديث، يعني: أن الحائض ليس بيدها أن ترفع حيضها، ولهذا كان في منعها من قراءة القرآن مشقة عظيمة، وقد كانت النساء تحيض في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرد أنهن كن يمنعن من قراءة القرآن، فدل ذلك على أن الحائض لها أن تقرأ القرآن في حال حيضها ونفاسها ولا دليل صحيحاً على منعها من ذلك، وهو مذهب الإمام مالك ورواية في مذهب الإمام أحمد والشافعي والأدلة تعزز ذلك وتعضده وتقويه أن للحائض والنفساء قراءة القرآن.

    السادس: مس المصحف

    المسألة الثامنة: قال: [ومس المصحف].

    أي: أن الحائض لا يجوز لها أن تمس المصحف، كما أنه لا يجوز للجنب أيضاً أن يمس المصحف، واستدلوا لذلك بأدلة منها قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79]، بناء على أن الضمير في قوله: لا يَمَسُّهُ [الواقعة:79] راجع إلى قوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ [الواقعة:77-79] أي: القرآن الذي هو المذكور الأول الذي ترجع إليه المعاني كلها، فقالوا: إن المقصود القرآن الكريم، وذلك دليل على أنه لا يجوز أن يمس القرآن إلا طاهر متوضئ، هذا أحد الوجوه في تفسير الآية واختاره جماعة، وعضدوا هذا المعنى بحديث عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يمس القرآن إلا طاهر )، وقد جاء هذا عن جماعة من الصحابة رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مستفيض استفاضة شديدة تغني عن إسناده كما قال الحافظ ابن عبد البر، وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضاً، فهو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا يمس القرآن إلا طاهر ).

    والمقصود بالطاهر: المتوضئ، فليس المقصود بالطاهر هاهنا المسلم، لأن هذا اسم عرفي لا يطلق على المسلم، فلو قلت: فلان طاهر، لم يفهم من ذلك أنه مسلم، ولا يفهم منه أيضاً الطهارة من الحدث الأكبر فحسب بل يفهم منه جميع ألوان الطهارة. هذا هو الأصل.

    ولذلك أيضاً قرائن تدل عليه ليس هذا موضع بسطها، وكذلك جاء عن الصحابة كـسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وغيرهم أنهم كانوا يتقون مس المصحف إذا كانوا على غير طهارة، وهو إجماع الأئمة الأربعة وغيرهم أن القرآن لا يمسه إلا المتطهر المتوضي، فإذا كان هذا بالنسبة للجنب فالحائض من باب أولى، ولا حاجة هنا لها بمس المصحف لأنها تستطيع أن تقرأ القرآن من حفظها، ولو احتاجت إلى مس المصحف فإنها لا تمسه بيدها مباشرة؛ بل تمسه من وراء حائل كالمنديل مثلاً أو طرف الثوب أو القفازين أو ما أشبه ذلك.

    السابع: اللبث في المسجد

    التاسعة: [ واللبث في المسجد ].

    فالحيض يمنع من اللبث في المسجد والمكث فيه للحائض؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم روي عنه أنه قال: ( لا أحل المسجد لحائض ولا جنب )، والحديث رواه أبو داود وسنده ضعيف، لكن مما يقوي ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء:43]، فقوله: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ [النساء:43] أي: ومواضع الصلاة، فنهى في الآية عن قربان المساجد وهي الصلوات للجنب إلا إذا كان عابراً حتى يغتسل فحينئذ يحل له المسجد بعد هذه الغاية فكذلك الحائض، ومما يدل على أن الحائض لا يجوز لها المكث في المسجد واللبث فيه ما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعائشة وهو معتكف: ( ناوليني الخمرة -وهو فراش كان يقعد عليه صلى الله عليه وآله وسلم- فقالت: يا رسول الله! إني حائض، قال لها عليه الصلاة والسلام: إن حيضتك ليست في يدك )، والحديث دليل على أن الحائض لا يجوز لها اللبث في المسجد من وجوه:

    الأول: قوله: ( ناوليني الخمرة )؛ لأن ذلك دليل على أنها باقية في حجرتها وتمد له الخمرة أو تناوله إياها وهي في المنزل وهو في المسجد عليه الصلاة والسلام.

    الثاني: قول عائشة رضي الله عنها: ( إني حائض )؛ فإن ذلك دليل على أنه كان مستقراً عندها وعند غيرها من النساء -والله تعالى أعلم- أن الحائض لا يحل لها دخول المسجد.

    الدليل الثالث أو الوجه الثالث.. الاستدلال: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن حيضتك ليست في يدك ) على اعتبار أن المعنى أن الحيضة ليست في اليد، وإنما هي في أي موضع؟ الحيضة ليست في اليد، هل المرأة إذا حاضت تحيض بيدها؟ هل الحيض يقع في اليد؟ هل الدم يخرج من اليد؟ إنما يخرج الدم من أين؟ من الفرج، فقال لها: ( إن حيضتك ليست في يدك ) يعني: إذ مديت الخمرة فدخلت يدك إلى المسجد فإن هذا لا يضر، لماذا؟ لأن الحيضة ليست في اليد وإنما هي في الفرج، وما دام جسدك خارج المسجد وناولتني الخمرة بيدك فهذا لا يضر؛ لأن حيضتك ليست في يدك. وهذا هو المعنى الثاني في الحديث.

    إذاً: الحديث كما سبق معنا له معنيان: من يذكرهما؟

    المعنى الأول: أن حيضتها ليست بيدها، أي: ليست باختيارها وإرادتها وإنما هي بإرادة الله عز وجل، فهي لا تختار متى تحيض ومتى تطهر.

    المعنى الثاني: أنها ليست بيدها بمعنى أن الدم لا يخرج من يدها ولا يضر أن تدخل يدها إلى المسجد؛ لأن الحيض في الفرج وليس في اليد.

    وهذا المعنى الثاني يظهر لي -والله تعالى أعلم- أنه هو الظاهر لمناسبة الحال في الحديث.

    ولهذا كان القول الراجح عند الحنابلة وغيرهم أن الحائض لا يحل لها اللبث في المسجد إلا إذا كان ثم حاجة لذلك.

    الثامن: الوطء في الفرج

    المسألة العاشرة: قال: [والوطء في الفرج].

    تمنع الحائض من أن توطأ في فرجها، فلا يحل لزوجها أن يطأها، والدليل على تحريم وطء الحائض: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222]، فقوله: (فِي الْمَحِيضِ) يحتمل أن يكون المعنى في وقت الحيض.. في زمان الحيض، ويحتمل أن يكون المعنى حال الحيض، ويحتمل أن يكون المعنى في موضع الحيض، ثلاثة معان.

    (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) يعني: في وقت الحيض، ويحتمل أن يكون المعنى: فاعتزلوا النساء حال الحيض، حال كونهن حائضات، ويحتمل أن يكون المعنى: في موضع الحيض يعني: في الفرج: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) أي: في موضع الحيض وهو الفرج.

    وأجمع أهل العلم على أن الحائض لا يجوز وطؤها؛ لصراحة الآية في ذلك.

    وهكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي ساقه المصنف، ورواه مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح )، فلا يجوز للرجل أن يطأ امرأته وهي حائض، لكن ماذا يحل له منها حال الحيض؟ كيف يستمتع بها حال الحيض؟ قولان:

    الأول: أنه يصنع كل شيء إلا النكاح، يجوز له أن يستمتع بكل شيء إلا النكاح، وهو الإيلاج، فهو غير جائز حال الحيض، والدليل على ذلك حديث مسلم : ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح )، وهذه رواية في مذهب الإمام أحمد وهي الراجح.

    القول الثاني: أنه يحل له كل شيء إلا ما بين السرة والركبة، واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا كانت إحداهن حائضاً أمرها أن تأتزر فيباشرها )، وهذا ثبت من حديث ميمونة وعائشة رضي الله عنهما، وجاء في ذلك أحاديث، وفي رواية: ( أنه يأمرها فتلقي على فرجها ثوباً )، وهذا مذهب الشافعية، وهو رواية أيضاً في مذهب الإمام أحمد، والصحيح الأول: أن له أن يباشرها حتى فيما دون السرة وفوق الركبة، المهم: أنه يتقي الفرج.

    التاسع: سنية الطلاق

    المسألة الحادية عشرة: قال [وسنة الطلاق] فلا يجوز للرجل أن يطلق زوجته وهي حائض؛ لقول الله تعالى: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، وفي قراءة: فطلقوهن لُقُبلِ عدتهن أي: في إقبال العدة، أي: لا يجوز لمسلم أن يطلق امرأته إلا في الوقت الذي تبدأ فيه العدة بمجرد إيقاع الطلاق عليها، فلا يجوز له أن يطلقها حال الحيض؛ لأنه إذا طلقها حائضاً، فهل تعتد بذلك الحيض الذي وقع فيه الطلاق؟ هل تبدأ العدة أثناء ذلك الحيض؟ لا تبدأ العدة، بل لا تبدأ عدتها إلا إذا انتهى هذا الحيض ثم بدأ الطهر، ثم بدأ الحيض بعد ذلك، والله تعالى يقول في الآية الأخرى أيضاً: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228] أي: ثلاث حيض كما سوف يأتي، وقيل: ثلاثة أطهار، وعلى كلا المعنيين سواء كانت ثلاثة أطهار أو ثلاث حيض فإنها لا تبدأ بتلك الحيضة التي وقع فيها الطلاق، فيكون في طلاق المرأة أثناء حيضها تطويلاً للعدة ومشقة عليها، هذا من وجه.

    الوجه الثاني: أن الرجل حال حيض المرأة قد يكون زاهداً فيها راغباً عنها؛ لوجود هذا المانع الشرعي والفطري الذي يمنع من كمال الاستمتاع بالمرأة، فربما تسرع في إيقاع الطلاق، ولهذا منع الشارع من إيقاع الطلاق حال الحيض؛ لأنه ربما إذا طهرت المرأة رجع الرجل عن هذه النية وعن هذه الرغبة وتمسك بالمرأة ولم يوقع الطلاق عليها.

    والخلاصة: أن الرجل لا يجوز له أن يطلق المرأة حال حيضها.

    لكن إذا أوقع الطلاق عليها.. إذا قال لها وهي حائض: أنت طالق، فهل يقع ذلك الطلاق أم لا يقع؟ قولان:

    الأول: أنه يقع وهو مذهب الجمهور، واستدلوا بأنه طلق فوقع الطلاق عليها، كما استدلوا بحديث عبد الله بن عمر في صحيح البخاري : ( أنه طلق امرأته وهي حائض، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لـعمر رضي الله عنه: مره فليراجعها )، فقالوا: إن الرجعة لا تكون إلا عن طلاق، فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتد ذلك الطلاق واعتبره وأمر عبد الله بن عمر أن يراجع امرأته بعدما كان طلقها.

    القول الثاني: وذهب إليه طائفة من السلف وهو رواية اختارها الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى ورجحها، أن الطلاق حال الحيض لا يقع؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )، وفي رواية: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )، فقالوا: إن الطلاق حال الحيض ليس بطلاق شرعي ولا يقع على المرأة.

    والأقرب والله تعالى أعلم: أنه يقع؛ لأن الله تعالى سماه طلاقاً، وكذلك الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن الله تعالى قال: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1] أي: في قُبل عدتهن، فدل على أن هذا هو المأمور به، أن تطلق في قُبل العدة، ولكن يمكن أن يقع غير ذلك فتطلق في غير وقت العدة، ولو كان ذلك لا يمكن لما سمي طلاقاً، لو كان لا يمكن وقوع الطلاق إلا في قُبل العدة لم يكن للأمر به معنى، فدل على أن الطلاق في غير وقت السنة، يعني: الطلاق -مثلاً- في وقت الحيض يعد طلاقاً، وكذلك في حديث ابن عمر رضي الله عنه: فإنه عده طلاقاً وأمره أن يراجعها ثم إن بدا له بعد ذلك أن يطلقها فليطلقها طاهراً من غير أن يمسها.

    العاشر: الاعتداد بالأشهر

    والمسألة الثانية عشرة: [الاعتداد بالأشهر].

    فالحيض يمنع من الاعتداد بالأشهر، يعني: إذا طلقها، إذا فارقها في حال الحياة، فلو أن رجلاً طلق امرأته وهي لا تحيض كالصغيرة -مثلاً- التي لم تحض بعد، أو الآيسة التي انقطع عنها الدم، أو من انقطع عنها الدم انقطاعاً كلياً، فبماذا تعتد هذه المرأة التي لا تحيض مطلقاً.. بماذا تعتد؟ كيف تنقضي عدتها؟ بالأشهر، والدليل على أن عدة من لا تحيض الأشهر، ما هو؟ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4] ما معنى قوله: (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)؟ أي: واللائي لم يحضن، فعدتهن ثلاثة أشهر أيضاً، كالصغيرة التي لم يضربها الحيض بعد.

    إذاً: المرأة التي لا يأتيها الحيض تعتد بالأشهر إذا طلقت، المفارقة في الحياة، فإذا جاء الحيض هل تعتد بالأشهر أم بالحيض؟ تعتد بالحيض لا بالأشهر، ولهذا قال: (والاعتداد بالأشهر) أي: ويمنع حصول الحيض الاعتداد بالأشهر، فإذا حدث الحيض أبطلنا الاعتداد بالأشهر للمفارقة في حال الحياة بالطلاق، وانتقلنا منه إلى الاعتداد بالحيض.

    أما بالنسبة للمفارقة بالموت، فبماذا يكون الاعتداد؟ بالحيض أم بالأشهر؟ بالأشهر، والدليل؟ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234]، ففيما يتعلق بالمفارقة بالموت، يعني: عدة الموت، هذه أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كانت حائضاً أم صغيرة أم آيسة أم كبيرة أم غير ذلك، إلا التي لا تعتد به أربعة أشهر وعشرة أيام من هي؟

    الحامل، فعدتها أن تضع حملها كما قال الله عز وجل: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4]، ولهذا أيضاً قلنا: بالنسبة للحامل إذا طلقت بماذا تعتد؟

    عدتها بوضع الحمل، الحامل عدتها تنتهي بوضع الحمل، في الآية الكريمة وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4] سواء كانت عدة وفاة أو عدة طلاق، تنتهي عدتها بوضع الحمل؛ لقوله جل وعلا: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4].

    سؤال: لماذا لا تعتد الحامل بالحيض؟

    الجواب: لأن العادة أن الحامل لا تحيض كما سوف يأتي.

    1.   

    الأشياء التي يوجبها الحيض

    الأول: الغسل

    المسألة الثالثة عشرة: [ويوجب الغسل] والحيض يوجب الغسل.

    هاهنا سؤال: هل موجب الغسل الحيض أم الطهارة من الحيض؟

    موجب الغسل هل كونها حاضت أم كونها طهرت؟

    قيل: إن موجب الغسل هو الحيض نفسه، وقيل: إن موجب الغسل الطهارة من الحيض، والأقرب والله تعالى أعلم: أن موجب الغسل هو الحيض. والحيض نفسه؛ لأنه هو الحدث الذي يوجب الغسل، ويوجب الوضوء أيضاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة للمستحاضة، لحال المستحاضة: أمرها أن تتوضأ لكل صلاة كما في رواية البخاري : ( وتوضئي لكل صلاة ).

    إذاً: الحدث هو خروج الدم، هو الذي يوجب الغسل، لكن لا يصح منها الغسل الذي تستباح به العبادة إلا بعد الطهارة، فلا يصح الغسل الذي تستباح به العبادة إلا بعدما تطهر، أما لو اغتسلت حال الحيض فإن الحدث حينئذ مستمر معها استمراراً يمنع من أن يكون للغسل آثاره الشرعية، وإلا فإن موجب الغسل هو الحيض ذاته وهو الحدث، والبلوغ، فإن البلوغ يعرف بالحيض أيضاً، فإذا حاضت المرأة عُلم أنها قد بلغت مبلغ النساء، وترتب على ذلك أحكام البلوغ كلها من إيجاب الصلاة عليها والصيام وغير ذلك من الأحكام.

    والدليل على أن الحيض علامة من علامات البلوغ: ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار )، فإن ذلك دليل على أن الحائض هي المرأة البالغة، الحديث رواه أبو داود : ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ) وسنده صحيح، فهو دليل على أن الحيض يعرف به البلوغ، أو أنه علامة من علامات البلوغ بالنسبة للأنثى.

    الثاني: الاعتداد بالحيض لا بغيره

    المسألة الخامسة عشرة: [والاعتداد به]، يعني: الاعتداد بالحيض لا بغيره، وهو كما سبق: أن المرأة إذا حاضت تعتد بالحيض، فلا تعتد بالأشهر، وإنما تعتد بالحيض إذا كانت تحيض، وقد سبق بيان هذه المسألة.

    1.   

    الأشياء التي يبيحها انقطاع دم الحيض

    الأول: فعل الصوم

    المسألة السادسة عشرة: قال: [فإذا انقطع الدم أبيح فعل الصوم].

    يعني: ولو لم تغتسل؛ وذلك لأن الطهارة ليست شرطاً لصحة الصيام، فلو أن امرأة طهرت قبل الفجر، ثم دخل عليها الوقت وهي لم تغتسل من حيضها، فلم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر أو حتى بعد طلوع الشمس فهل يصح صومها أو لا يصح؟ نعم، صومها صحيح، ومن دليل ذلك أيضاً: ما رواه الشيخان كما في حديث أم سلمة وعائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب ثم يغتسل ويصوم ).

    فدل ذلك على أن الجنابة لا تمنع الصيام وأنه ليس من شرط صحة الصيام الطهارة، لا من الحدث الأصغر ولا من الحدث الأكبر، فكذلك الحال بالنسبة للحائض، فإنه يصح صومها حتى لو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر أو حتى بعد طلوع الشمس، لكن لا شك أنها لو أخرت الغسل بعد طلوع الشمس مع قدرتها لكانت آثمة بتفويت الصلاة عن وقتها.

    الثاني: الطلاق

    قال: [والطلاق].

    يعني: إذا انقطع الدم أبيح فعل الطلاق، ولو لم تغتسل المرأة أيضاً، فيجوز لزوجها أن يطلقها إذا طهرت حتى قبل أن تغتسل، لأنه أيضاً ليس من شرط صحة وقوع الطلاق وجوازه أن تكون المرأة طاهرة من الحدث الأكبر؛ ولذلك جاز إيقاع الطلاق عليها ولو كانت جنباً، مثل ماذا جواز إيقاع الطلاق عليها ولو كانت جنباً؟

    هل يجوز أن يوقع الطلاق عليها بعدما يجامعها؟

    إذا كانت حاملاً، فإنه بالنسبة للحامل يجوز أن يطلقها في كل حال، هذا مثال.

    مثال ثان: الآيسة والصغيرة التي لا تحيض أيضاً، لو كانت جنباً من غير جماع كما لو احتلمت مثلاً فإنه يجوز إيقاع الطلاق عليها في مثل تلك الأحوال، فدل على أنه ليس من شرط صحة الطلاق وجوازه أن تكون المرأة طاهرة من الحدث الأكبر.

    إذاً: إذا طهرت من الحيض جاز إيقاع الطلاق عليها حتى قبل أن تغتسل؛ ولهذا قال: (والطلاق) يعني: وأبيح الطلاق حتى قبل غسلها.

    1.   

    ما لا يباح للحائض إلا بالاغتسال

    المسألة السابعة عشرة قال: [ولم يبح سائرها حتى تغتسل] أي: ولم يبح للمرأة سائر الأشياء التي منعت منها بالحيض حتى تغتسل، ما هي الأشياء التي تمنع منها المرأة حتى تغتسل؟

    منها: الصلاة، ما هو الدليل على أن الصلاة لا تباح ولا تجوز للمرأة إلا بعد أن تغتسل؟

    حديث: ( لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) وفي رواية مسلم : ( حتى تغتسلي )، ومن الأدلة أيضاً: ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )، فإذا كان هذا في الحدث الأصغر، فالأكبر من باب أولى، وهذا أيضاً إجماع أهل العلم: أن الصلاة لا تكون لمن انقطع حيضها إلا بعد الاغتسال، أو التيمم عند فقد الماء أو التضرر باستعماله، المهم بعد رفع حدثها.

    طيب! هذا واحد مما لا يباح إلا بالاغتسال.

    ثانياً: الطواف فإنه كالصلاة، لابد فيه من الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر؛ ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أن تغتسل، كما قال: ( حتى تغتسلي ).

    الثالث: مس المصحف كما سيأتي.

    الرابع: عدم المكث في المسجد.

    الخامس: الجماع، ما هو الدليل على أنه لابد في الجماع من الغسل؟

    قوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222] يعني: من ماذا يطهرن؟ من الحيض: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ [البقرة:222] أضاف التاء، ما قال (فإذا طَهَرن أو طهُرن) قال: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) والتطهر هاهنا: (تفعل) يعني: تكلف أي: أنه فعل من الإنسان ذاته، فاشترط أمرين:

    الأول: الطهارة من المحيض، حتى يطهرن، يعني: هذه الطهارة الإلهية التي من الله تعالى بارتفاع الدم.

    ثم الثاني هو: التطهر الذي هو فعل الإنسان، (فالتاء) هاهنا، إضافة التاء تدل على تكلف فعل الشيء، أنه شيء يفعله الإنسان ويرومه ويريده، ويحاوله وهو التطهر: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ [البقرة:222] يعني: اغتسلن: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222]؛ ولذلك لا يجوز للرجل أن يأتي امرأته إذا طهرت من الحيض حتى تغتسل، فإن لم يكن عندها ماء، ماذا تصنع؟ تتيمم.

    ولو أن الرجل أتى امرأته وهي حائض لكان آثماً، وعليه عند جماعة من أهل العلم الكفارة وهي: يتصدق بدينار أو نصف دينار على حديث ابن عباس الذي رواه أهل السنن وأحمد وصححه جماعة، وذهب المحققون إلى أن في سنده اضطراباً، وهو: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يأتي امرأته وهي حائض؟ فقال: يتصدق بدينار أو بنصف دينار )، وقد صححه الإمام أحمد، قال: ما أحسن هذا الحديث، وصححه جماعة أيضاً وعملوا به؛ ولهذا كان الأولى والأفضل: أن يتصدق من أتى امرأته وهي حائض بدينار أو نصف دينار على التخيير، فالواجب عليه نصف دينار، والزيادة تطوع، وقال بعض أهل العلم: إن جامعها في فور حيضتها، يعني: في إقبال الحيض تصدق بدينار، وإن جامعها في إدبار الحيض تصدق بنصف دينار.

    ماذا أيضاً بقي من الأشياء التي لابد من الاغتسال لها؟

    قراءة القرآن: فإن الجنب يمنع من قراءة القرآن كما سبق، فكذلك الحائض.

    وهاهنا سؤال طريف لطيف: سبق أن بينت أن الحائض يجوز لها أن تقرأ القرآن، فلو أنها طهرت من الحيض ولم تغتسل، فهل يجوز لها قراءة القرآن؟

    يتجه حينئذٍ أن يقال: تمنع من قراءة القرآن حتى تغتسل؛ لأنه أصبح الآن الأمر بيدها، وأصبحت تستطيع أن تتطهر لقراءة القرآن كما يتطهر الجنب، كما أن الفترة التي تقضيها الحائض وهي على غير غسل هي فترة قصيرة لا تضر ولا تؤثر.

    وفيما يتعلق بالعدة: فهل تبدأ العدة بالاغتسال أو تبدأ بالطهارة من الحيض؟

    الجواب: وجهان: أصحهما وأقربهما أن العدة تبدأ بالطهارة من الحيض حتى قبل أن تغتسل.

    1.   

    كيفية الاستمتاع بالحائض والمستحاضة

    المسألة الثامنة عشرة قال: [ويجوز الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اصنعوا كل شيء غير النكاح ) ].

    أما فيما يتعلق بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، فقد جاء في الصحيحين عنه: ( أنه كان يأمر المرأة من نسائه فتأتزر -أي: فتضع الإزار- فيباشرها وهي حائض ) وجاء أنه صلى الله عليه وسلم: ( إذا أراد من الحائض شيئاً، ألقى على فرجها ثوباً ثم يباشرها صلى الله عليه وسلم فيما دون الفرج ).

    أما فيما يتعلق بأمره فقد أذن للمسلمين بأن يصنعوا كل شيء إلا النكاح، والحديث هو في صحيح مسلم، فدل ذلك على أنه يجوز للرجل أن يستمتع من زوجته الحائض بكل شيء إلا النكاح، فيتقي الفرج، وإن ابتعد عما هو أكثر من ذلك احتياطاً كان ذلك أولى لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفيما يتعلق بالمستحاضة: فإن بعض أهل العلم قالوا: لا ينبغي له أن يقربها إلا أن يكون مضطراً إلى ذلك، وبعضهم قال: بتحريم هذا؛ لأن معها دماً أشبه دم الحيض، وهذا ليس بجيد، بل الصواب: أن ما يتعلق بالمستحاضة يجوز للرجل أن يستمتع منها كما يستمتع بالمرأة السليمة؛ لأن الاستحاضة حدث دائم لا يشبه الحيض ولا يوجب الغسل ولا يمنع الصلاة ولا الطواف ولا المكث في المسجد ولا غير ذلك من العبادات، فلم يمنع الوطء أيضاً.

    1.   

    أقل الحيض وأكثره

    المسألة التاسعة عشرة: [وأقل الحيض يوم وليلة].

    أي: أن المصنف رحمه الله يرى أن أقل مدة تعد حيضاً يوم وليلة، فلو انقطع الدم لأقل من يوم وليلة لم يعد حيضاً، ولهذا قال في المبتدئة كما سوف يأتي، قال: إذا رأت الدم في وقت تحيض بمثله ثم انقطع لأقل من يوم وليلة لم يعد حيضاً؛ لأن أقل الحيض يوم وليلة، وهذه إحدى الروايات في المذهب.

    وليس هناك دليل شرعي على ذلك سوى ما نقل عن بعض السلف، فقد نقل عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: [ رأينا من النساء من تحيض يوماً وليلة، ورأينا منهن من تحيض خمسة عشر يوماً ]، كما روى ذلك عنه البيهقي وغيره، ونقل مثل ذلك عن عبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه والشافعي وغيرهم، لكن ينبغي أن يقال: إن ذلك لا يكفي في التحديد، فإن كون عطاء أو عبد الرحمن بن مهدي أو فلان أو علان وجدوا ذلك، لا يعني ذلك أن هذه علامة يحد بها تحديداً نهائياً في الشرع، بل الصواب: أن الأمور التي لها تحديد في الشرع على ثلاثة أنواع:

    الأول: ما حدده الشرع تحديداً دقيقاً، كما حدد الشرع أشياء كثيرة، فحدد مثلاً أعداد الصلوات، وأنصباء الزكاة والمواريث، وما أشبه ذلك تحديداً يمنع من الاجتهاد فيه، فهذا المرجع في تحديده إلى الشرع.

    القسم الثاني: ما عرف تحديده من جهة اللغة، والقاعدة المتبعة عند الناس، فهذا المرجع في تحديده أيضاً إلى اللغة، كما يحدد اليوم، وأنه اثنتا عشرة ساعة، أو يحدد الأسبوع أنه سبعة أيام، أو الشهر وأنه تسعة وعشرون يوماً أو ثلاثون يوم، أو السنة وأنها اثنا عشر شهراً، فهذا المرجع فيه إلى اللغة وما هو مستقر عند الناس، وجاء الشرع بتأييد ذلك أيضاً كما في قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ [التوبة:36]، وكما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الشهر هكذا وهكذا وهكذا )، وكما في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود بسند صحيح: ( يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة ) .. إلى غير ذلك، لكن هذا معروف في اللغة مستقر.

    القسم الثالث: ما لم يرد له تحديد في الشرع دقيق، ولا عرف ذلك من جهة اللغة، فالمرجع في تحديده إلى ما تعارف عليه الناس واستقر بينهم، وذلك كالسفر -مثلاً- فإن الشرع علق بالسفر أحكاماً، ولم يحدد ما هو السفر، ومثل ذلك الحيض والنفاس، فإن الشرع علق به أحكاماً ولم يحدد لذلك شيئاً دقيقاً فيكون المرجع فيه إلى ما تعورف عليه تعارفاً واضحاً.

    فقول المصنف: (وأقل الحيض يوم وليلة) هذا لم يتعارف عليه وليس دقيقاً، فإن من أهل العلم من يقول: أقل الحيض يوم فقط بلا ليلة، ومنهم من يقول: إن أقل الحيض ساعة، ومنهم من يقول: أقل الحيض دفقة واحدة كما هو في مذهب الإمام مالك، فإذا خرج من المرأة دفقة واحدة يجوز أن تكون حيضاً كانت حيضاً وتعلقت بها الأحكام.

    إذاً: قوله رحمه الله: (أقل الحيض يوم وليلة) هذا هو المذهب المعتمد، ونقل عن جماعة من السلف كما ذكرت نقله البيهقي، وابن المنذر وغيرهما، ولكن لا دليل صحيحاً على اعتبار ذلك حداً شرعياً لأقل الحيض، بل قد يكون الحيض أقل من ذلك، فإذا ظهر الدم المعروف -دم الحيض- من المرأة أقل من يوم وليلة عُدّ حيضاً إذا جاز أن يكون كذلك.

    المسألة العشرون: [وأكثره خمسة عشر يوماً].

    يعني: فلو زاد عن خمسة عشر لعد ذلك استحاضة، تغتسل بعدها وتصوم وتصلي ويجامعها زوجها، وهذا أيضاً ليس عليه تحديد دقيق سوى ما نقل عن عطاء بن أبي رباح وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي وجماعة من السلف رحمهم الله، وليس على ذلك أيضاً حد دقيق، وإن كان هذا هو الغالب من أحوال النساء: أن يكون أقل الحيض يوم وليلة، وأن يكون أكثره خمسة عشر يوماً لا يزيد، لكن قد يوجد من النساء من يزيد حيضها، فلو زاد على خمسة عشر يوماً ساعة، أو يوماً أو نحو ذلك فلا ينبغي أن يقال: إن ذلك ليس بحيض ما دام أنه دم مضطرد جار كدم العادة سواء بسواء، ثم انقطع بعد ذلك، فإنه يعلم بهذا أنه تابع للحيض؛ لأنه لم يرد في الشرع نص على اعتبار أن الخمسة عشر يوماً هي نهاية ما يصل إليه الحيض.

    1.   

    أقل الطهر بين الحيضتين وأكثره

    المسألة الحادية والعشرون: قال: [وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً].

    وهذا ليس عليه دليل بل في المذهب رواية أخرى: أن أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يوماً، وهي رواية عن الإمام أحمد، وقول لكثير من أهل العلم، وما حجتهم في أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً إلا ما نقل: [ عن شريح أنه سئل، وعلي رضي الله عنه كان حاضراً، أن امرأة قالت وقد طلقها زوجها: فادعت أنها خرجت من العدة بشهر واحد حاضت فيه ثلاث مرات، فقال شريح : إن جاءت بنساء من بطانة أهلها يشهدن لها بذلك قبل منها، فقال علي رضي الله عنه: قالون قالون ]، وكلمة (قالون) بالفارسية أو بالرومية معناها: جيد جيد، يعني: أن علياً رضي الله عنه وافق شريحاً القاضي على هذا الحكم.

    فقالوا: لا يتصور أن تتم العدة في شهر واحد إلا إذا كان أقل الطهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً، من يصور هذه المسألة؟ كيف تخرج من العدة بشهر واحد، ونعرف أن أقل الطهر حينئذٍ ثلاثة عشر يوماً، أقل طهر بين الحيضتين؟ تحيض في أول الشهر يوم وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يوماً، هذا أقل طهر بين الحيضتين، هذا المجموع كم؟

    أربعة عشر، طيب، ثم تحيض حيضة ثانية كم؟

    يوم وليلة هذا يوم خمسة عشر، طيب، ثم تطهر ثلاثة عشر يوماً، وهذا أقل طهر بين الحيضتين كما قال، هذه كم يوم؟ ثمان وعشرون، ثم تحيض يوماً وليلة وهو اليوم التاسع والعشرون، ثم تطهر في نهاية الشهر، فيكون بذلك أقل حيض يوم وليلة، وأقل طهر بين الحيضتين كم؟

    ثلاثة عشر يوماً.

    هذا هو مأخذهم بأن أقل طهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، وهو أيضاً ليس كافياً في الدلالة على هذا.

    والقول الثاني كما ذكرت في المذهب: أن أقل طهر بين الحيضتين خمسة عشر يوماً، واحتجوا بحديث يذكره بعض الفقهاء من الحنابلة وغيرهم، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمرأة السائلة: ( أليس تجلس المرأة شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي؟ )، فقالوا: الشطر هو النصف.

    ولكن هذا الحديث باطل منكر لا يعرف، كما ذكر ذلك علماء الحديث، ذكره الحافظ ابن حجر والنووي وغيرهم، فإن الحديث لا يعرف في شيء من كتب السنة بهذا اللفظ، وإنما اللفظ المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم؟ ).

    والصواب: أنه لا حد لأقل طهر بين الحيضتين، بل قد يكون أقل من ثلاثة عشر يوماً.

    المسألة الثانية والعشرون: قال: [ولا حد لأكثره].

    يعني: الطهر بين الحيضتين، قالوا: أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً ولا حد لأكثره، أي: ولا حد لأكثر الطهر بين الحيضتين، فقد تطهر المرأة شهراً أو سنة، بل قد يوجد من النساء من لا يأتيها الحيض مطلقاً.

    إذاً: ليس للطهر بين الحيضتين حد محدود، بل قد تطهر بين حيضتين أسبوعاً أو شهراً أو سنة أو عشر سنين، وقد لا تحيض مطلقاً، فما دامت المرأة طاهرة، فإنها تشملها أحكام الطاهرات، ولا حد للمدة بين الحيضة والحيضة الأخرى، وهذا واضح وصحيح.

    1.   

    السن الذي تحيض له المرأة

    المسألة الثالثة والعشرون: [وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين].

    ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: [ بنت تسع سنين امرأة ]، رواه البيهقي وسنده جيد.

    وقد جاء في هذا أثر يتناقله بعض العلماء كثيراً، ويذكره الفقهاء في كتبهم، وهو: أن الشافعي رضي الله عنه قال: هاهنا جدة لها إحدى وعشرون سنة، ومعنى ذلك أنها حاضت وهي بنت تسع وتزوجت، ثم أنجبت وكذلك بنتها تزوجت وهي بنت تسع سنين وأنجبت أيضاً أو قريباً من ذلك.

    لكن هذا الأثر الذي ينقل عن الشافعي وقد رواه البيهقي رحمه الله هو أثر باطل؛ فإن في إسناده رجلاً اسمه أحمد بن طاهر بن حرملة وهو كذاب كما قال عنه أهل العلم، وإنما ذكرت هذا لأنه يكثر ذكره في كتب الفقهاء، ويستطرفون هذه القصة فيسوقونها ويذكرونها.

    على كل حال: أقل سن تحيض له المرأة تسع سنين، هذا هو المشهور، المعروف، لكن لو وجد في مجتمع من المجتمعات أن النساء عادتهن الحيض قبيل هذه المدة أو قبلها وهذا الدم الذي تراه البنت قبل التسع تنطبق عليه أحكام الحيض من حيث لونه وثخونته ورائحته وأنه يعتادها في أوقات معلومة، وهذا قد يكون بسبب حرارة الجو مثلاً وسرعة النمو وما أشبه ذلك، فإنه ينبغي أن يعد حيضاً، وإن كان الغالب أن الفتاة لا تحيض قبل تسع سنين، وهذا هو غالب حال النساء من العربيات وغيرهن.

    الرابعة والعشرون: [ وأكثره ستون].

    يعني: أكثر سن تحيض له المرأة ستون سنة، أي: أن المرأة لا تحيض بعد الستين، ولا تلد، وقيل: أكثر سن هو الخمسون، وكلا الأمرين نقلاً عن عائشة رضي الله تعالى عنها: [ أن المرأة لا تفرح بالولد بعد الخمسين أو بعد الستين ]، وهذا أيضاً يقال فيما يقال في سابقه.

    فنقول: إذا كانت المرأة بنت الخمسين أو بنت الستين وإن كان الغالب أنه ينقطع حتى قبل هذا، الغالب أنه ينقطع لخمس وأربعين أو ست وأربعين أو قريباً من ذلك، ولا يجاوز الخمسين، لكن لو فرض أن بنت الخمسين ظل الدم معها يعتادها في الأوقات المعلومة، وبصورته وصفته المعلومة فإنه ينبغي أن يعد حيضاً لعدم وجود دليل يمنع من ذلك.

    1.   

    أحكام المبتدئة في الحيض

    الخامسة والعشرون: [والمبتدئة إذا رأت الدم لوقت تحيض في مثله جلست].

    ما المقصود بالمبتدئة؟

    مقصوده بالمبتدئة التي لم يسبق لها الحيض، ولا تعرف أحكامه، ولا تعرف مدته التي يقع فيها؛ لأن النساء أنواع، هناك معتادة وهناك مبتدئة، فالمعتادة تعرف عادتها، وكم يجلس الحيض عليها، لكن المبتدئة أو المبتدأة لا تعرف ذلك، ولهذا تميزت بأحكام كما يقول الفقهاء.

    يقول المصنف: [المبتدئة إذا رأت الدم لوقت تحيض في مثله]. يعني: بعد سن التاسعة، وقبل سن الستين، هذا هو الوقت الذي تحيض في مثله [جلست] فلا تصلي ولا تصوم باعتبار أنه يحتمل أن يكون حيضاً، وإن كانت لا تجزم أنه حيض، لكنها تجلس؛ لأن الأقرب أنه حيض.

    قال: [فإن انقطع الدم لأقل من يوم وليلة فليس بحيض].

    لماذا ليس بحيض؟ لأن أقل الحيض عند المصنف يوم وليلة، فإذا انقطع الدم لأقل من يوم وليلة، اكتشفنا أنه ليس بحيض، فيجب عليها حينئذ أن تقضي ما فاتها من الصلوات؛ لأن ما سبق لم يكن حيضاً.

    قال: [وإن جاوز ذلك] يعني: تعداه استمر أكثر من يوم وليلة، يعني: استمر يوماً وليلة أو أكثر من ذلك.

    ولكن [لم يعبر أكثر الحيض].

    لم يجاوز أكثر الحيض،لم يتعد خمسة عشر يوماً.

    قال: [فهو حيض].

    إذاً: إن طهرت قبل يوم وليلة فهو ليس بحيض عند المؤلف، وإن لم تطهر إلا بعد ذلك ولم يعبر أكثر الحيض، يعني: لم يتعد خمسة عشر يوماً قال: (فهو حيض)، هذه مسألة.

    لكن هاهنا قال الحنابلة وكثير من الفقهاء: إن المبتدأة تجلس يوماً وليلة فقط أول مرة، ثم بعد اليوم والليلة تغتسل وتصلي، لماذا؟ قال لك: لأنه لا يجزم بأنه حيض، فنعمل بالأقل الذي هو يوم وليلة، وما زاد على ذلك يحتمل أن لا يكون حيضاً، فلماذا لا تعدونه حيضاً؟

    قالوا: لأنه ليس عادة، العادة متى تكون عادة، يعني: حين نقول: فلان عادته كذا، أن يفعل كذا، كيف نحكم بأن هذه عادته؟ إذا تكرر ذلك منه، وهذه المرأة المبتدئة، هل تكرر ذلك منها؟ لم يتكرر ذلك منها، قالوا: فلا يعد حيضاً، فينبغي لها أن لا تعده حيضاً، وأن تقوم بالعبادات.

    وهذا وإن كان فيه روايات كثيرة، إحداهن ما ذكره المصنف وهو أن تجلس، والرواية الثانية: أنها تغتسل -كما ذكرت- عقب اليوم والليلة وتصلي؛ لأنه لا يمكن الجزم بأن ذلك حيض إلا بعد تكرره واعتياده وما زاد على يوم وليلة في أول الأمر مشكوك فيه حتى يتيقن منه، فتصلي فيه وتصوم.

    والرواية الثالثة في ذلك: أنها تجلس كعادة نسائها من قريباتها كأمها وأختها، وقريباتها، تجلس كعادتهن، إن كانت عادتهن الجلوس ثلاثة أيام أو أربعة، أو ما أشبه ذلك، فإنها تجلس كعادة غالب النساء.

    والرواية الرابعة: أنها تجلس ستة أيام أو سبعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـحمنة : ( تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة ).

    والصواب: أنه إذا أصابها الحيض -بالنسبة للمبتدئة- جلست حتى تطهر، كغيرها من النساء، فلا تصلي ولا تصوم حتى تطهر إلا إذا تبين أن ما أصابها استحاضة فحينئذ تنتقل إلى أحكام المستحاضة، أما إذا رأت الدم فإنها تجلس لا تصلي ولا تصوم حتى تطهر.

    وهذا هو الظاهر من فعل نساء المؤمنين في العهد الأول، لم ينقل منهم غير ذلك، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الحائض إذا رأت الدم ألا تصوم ولا تصلي حتى تطهر، ولم يفرق بين مبتدئة وغير مبتدئة.

    المسألة السادسة والعشرون، قال: [فإذا تكرر ثلاثة أشهر بمعنىً واحد صار عادة].

    هذا ذهاب من المصنف رحمه الله إلى أنه لا يحكم بأنه عادة، ويلزم فيه أحكام الحيض من ترك الصلاة والطهارة وغير ذلك، إلا إذا تكرر منها ثلاثة أشهر، وهذه إحدى الروايات كما سلف، وفي رواية أخرى: أن ذلك إذا تكرر شهرين صار عادة، وقد أسلفت ما في ذلك.

    1.   

    الأسئلة

    المصدر في تحديد عدد أيام الأسبوع

    السؤال: تحديد الأسبوع بسبعة أيام، جاء من طريق العرف، حيث تعارف الناس عليه، أم من طريق اللغة؟

    الجواب: هو جاء من طريق الشرع، وجاء من طريق الاتفاق المطبق من الناس، فإن هذا أمر متفق عليه عند جميع الأمم والشعوب وفي جميع العصور.

    خصوصية الحيض للنساء دون الرجال

    السؤال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم؟ ) وهذا سبب لنقصان دينها، مع العلم أن الذي أمر بترك الصلاة والصوم هو الشارع، وأما وقوع الحيض فليس بيدها، وهو مرض تصاب به كل النساء، والرجال لا تجوز لهم الصلاة حال جنابتهم، وحدوث الجنابة للرجال راجع إليهم، فلماذا لم يكن هذا نقص في دين الرجل؟

    الجواب: هذا على كل حال.. النقص الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم هو نقص فطري، لا تذم به المرأة ولا تعاب، ولهذا تكلم الفقهاء عن المرأة الحائض إذا حاضت، وسقطت عنها الصلاة، هل يكون لها أجر الصلاة أم لا يكون لها أجرها؟

    فقال بعضهم: تؤجر على ما كانت تصلي؛ لأن ذلك أمر خارج عن طبيعتها وعن إرادتها، وقال بعضهم: لا تؤجر، وقال بعضهم: إن احتسبت في ذلك وشق عليها فإنها تؤجر عليه.

    الضرر الناتج من مباشرة المرأة في الفرج أثناء الحيض

    السؤال: ما الفرق بين مباشرة المرأة فيما دون الفرج، فهل يوجد في ذلك أضرار؟

    الجواب: أما مباشرة المرأة في الفرج، فلا شك أن فيه ضرراً؛ لأن الله تعالى سماه أذى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222]، وهذا دليل على أن المحيض المقصود به الفرج؛ لأنه قال: قُلْ هُوَ أَذًى والأذى هو الدم الذي يخرج من المرأة، ومن الثابت طبياً أن مباشرة المرأة حال الحيض، يحدث أضراراً كبيرة على المرأة وعلى الرجل، بل إن أحد الأطباء المعاصرين أسلم بسبب اطلاعه على هذا التشريع الرباني العظيم؛ لأن الأمم الكافرة لا يمتنعون عن المرأة حال حيضها.

    حكم قراءة القرآن للحائض

    السؤال: اذكر السبب الذي قلت: إن الحائض يجوز لها قراءة القرآن، ومن قليل قلت: بأنه لا يجوز؟

    الجواب: سبق أن بينا أكثر من مرة أن الراجح أنه يجوز للحائض أن تقرأ القرآن لكن من غير أن تمس المصحف.

    حكم مس الحائض لغلاف المصحف

    السؤال: هل غلاف المصحف يعتبر حائلاً؟

    الجواب: لا يعد حائلاً، بل يعد من المصحف فلا ينبغي لها أن تمس جلدة المصحف.

    حكم دم الحيض إذا تجاوز سبعة أيام

    السؤال: إن كان من عادة المرأة أنها تحيض سبعة أيام وفي أحد الشهور تجاوز ذلك، فهل تعد حائضاً إلى خمسة عشر يوماً؟

    الجواب: إذا كان الدم دم حيض، فإنه يعد حيضاً ولو تجاوز عادتها.