إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح العمدة (الأمالي)
  5. شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الطهارة - باب أحكام المياه

شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الطهارة - باب أحكام المياهللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ المصنف رحمه الله تعالى بأحكام المياه؛ لأن الماء هو المعتمد عليه في الطهارة، والطهارة شرط لابد منه للصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهكذا سائر الفقهاء فإنهم يبدءون كتبهم بأحكام المياه؛ لأن الطهارة لرفع الحدث لا تكون إلا بالماء، وأما إزالة النجاسة فتحصل بغيره من المائعات.

    1.   

    أحكام المياه

    تعريف الطهور

    قال المصنف رحمه الله: [خلق الماء طهوراً]، والطَهور بفتح الطاء، المقصود به صيغة مبالغة من الطهارة، مثل قولهم: السَّحور والوَجور والسَّعوط ونحوها، بفتح الفاء من هذا الاسم، بخلاف ما إذا كانت الفاء مضمومة: الطُّهور والسُّعوط ونحوها، فإنه حينئذ يكون مصدراً على ما هو معروف.

    الطهورية هي الأصل في الماء

    وقوله رحمه الله: (خلق الماء طهوراً) إشارة إلى أن أصل الماء الطهورية، فالماء الطهور هو: الماء النازل من السماء أو النابع من الأرض الباقي على أصل خلقته، فهذا هو الماء الطهور، وهو أصل الماء، فإذا لم يطرأ على الماء يقيناً شيء ينقله عن الطهورية فإنه يبقى على أصله طهوراً، كما قال الله عز وجل: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11]، وكما قال سبحانه: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: ( اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ).

    تعريف الحدث والنجاسة وذكر الفرق بينهما

    [ خلق الماء طهوراً، يطهر من الأحداث والنجاسات ]. هذا هو الماء الطهور، فما هو الفرق بين الأحداث والنجاسات، ما هي الأحداث وما هي النجاسات؟ أما الحدث فإنه: معنى يقوم بالإنسان يمنع من الصلاة والطواف ونحوهما، هذا هو الحدث، معنى يقوم بالإنسان يمنع من الصلاة ونحوها.

    أما النجاسة أو النجاسات -كما ذكر المصنف- فهي: أعيان مستخبثة في الشرع منع الشرع المصلي من استصحابها، فمثلاً: لو أن الإنسان نقض وضوءه بحدث أو ريح أو نحوها، فحينئذ يمتنع عليه أن يصلي حتى يتوضأ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )، فهذا يسمى حدثاً، سواء كان حدثاً أصغر يوجب الوضوء، أو حدثاً أكبر يوجب الغسل، هذه هي الأحداث.

    وفي الواقع (معنىً)، بمعنى أنها ليست شيئاً عينياً، فالإنسان -مثلاً- إذا أحدث .. إذا نقض وضوءه، هل يوجد على بدن الإنسان شيء حسي يمنع من الصلاة؟ لا يوجد، إنما الذي منعه من الصلاة شيء معنوي، فهذا الشيء المعنوي يسمى حدثاً؛ كالجنابة مثلاً أو الحدث الأصغر.

    أما بالنسبة للنجاسات فهي الأشياء الحسية.. عين النجاسة.. عين المستقذر في الشرع؛ كالبول مثلاً هذا يسمى نجاسة، أو الدم النجس أو الغائط أو لحم الميتة أو شحمها.. كل هذه الأشياء هي نجاسات؛ أعيان مستخبثة في الشرع يمنع المصلي من استصحاب حكمها، فالماء يطهر من الأحداث ويطهر من النجاسات.

    فائدة كلمة (من) في قول المصنف: (يطهر من الأحداث والنجاسات)

    سؤال: هل يصح أن نقول: خلق الماء طهوراً يطهر الأحداث والنجاسات فنحذف كلمة (من)، هل يصلح هذا؟

    الجواب: لا يصلح؛ لأن النجاسات أيضاً لا يطهرها، بل يطهر منها، الماء يطهر منها لكن لا يطهرها، بمعنى: لو أن إنساناً أتى مثلاً بمادة نجسة كالغائط ثم صب عليه الماء، هل تتحول هذه المادة إلى شيء طاهر بصب الماء عليها؟ لا تتحول، بل هي نجسة، ما دامت موجودة فهي نجسة، فالماء يطهر منها؛ يطهر البدن، يطهر البقعة، يطهر الثوب، لكن لا يطهر العين ذاتها، بمعنى: أن عين النجاسة كالغائط مثلاً لا تتحول -ما دامت موجودة- من نجس إلى طاهر، إنما هي نجسة والماء يطهر منها ولا يطهرها، وكذلك بالنسبة للأحداث فهي أشياء معنوية ليس الماء يطهرها وإنما يطهر منها، هذه هي المسألة الأولى في الباب.

    عدم حصول الطهارة بغير الماء من المائعات

    ثم قال رحمه الله: [ولا تحصل الطهارة بمائع غيره]. الضمير في قوله: (غيره) يعود على الماء، لا تحصل الطهارة بمائع غير الماء.

    طيب: إذاً: الطهارة عندنا طهارتان كما علم من المسألة السابقة، الطهارة الأولى: طهارة من الأحداث، والطهارة الثانية: طهارة من النجاسات.

    طيب: إذاً: الطهارة بنوعيها الطهارة من الحدث والطهارة من النجاسات إنما تكون بشيء واحد هو الماء كما قرره المصنف.

    (ولا تحصل بمائع غيره)، فهل يمكن أن يتطهر الإنسان مثلاً أو يتوضأ أو يزيل النجاسة بالبيبسي أو بالشاي أو باللبن؟ هذه كلها مائعات، هل تقوم مقام الماء في التطهير؟ يقول لك المصنف: لا يمكن هذا، وإنما تحصل الطهارة بمائع واحد هو الماء، لماذا؟ قال: لأن الله سبحانه وتعالى بين لنا أنه عند فقد الماء نلجأ إلى ماذا؟ إلى التيمم: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء:43] ما قال: فابحثوا عن مائع آخر غير الماء مثلاً، هذا فيما يتعلق بالوضوء: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء:43] والغسل كذلك، أما فيما يتعلق بإزالة النجاسة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأسماء كما في الحديث الصحيح لما سألته عن دم الحيض، قال: ( حتيه واقرصيه واغسليه بالماء )، فنص على استخدام الماء، هذا من حيث الدليل الشرعي النص.

    أما من حيث المعنى والقياس، فإنهم يقولون: إن الماء سائل له خصوصية لا توجد في غيره؛ فهو أكثر وجوداً وانتشاراً من أي مائع آخر، وهو موجود في أصل الخلقة؛ في الأنهار، والبحار، والآبار، والأمطار.. وغيرها، وهو سائل لطيف جداً سهل الجريان، يدخل إلى الأماكن ويبلغ في التنظيف ما لا يبلغ غيره، وكذلك هو ليس له لون ولا طعم ولا ريح، فتميز بذلك عن جميع المائعات الأخرى، فلا يوجد مائع آخر يقوم مقامه؛ بهذه الأشياء كلها قالوا: لا يجزئ في رفع الحدث ولا في غسل النجاسات إلا شيء واحد هو الماء، هذا ما قرره المصنف رحمه الله تعالى.

    أما ما يتعلق بالطهارة من الحدث، يعني: الوضوء أو الغسل فقد قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في شرح العمدة : هو كالإجماع عند أهل العلم أنه لابد من الماء، ولم يخالف في ذلك إلا الأحناف، ونقل عن بعض السلف أنهم يرون أنه يجزئ الإنسان أن يرفع الحدث بنبيذ التمر، ويستدلون لذلك بحديث رواه أهل السنن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فقال: أمعك وضوء؟ فقلت: ما معي إلا نبيذ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تمرة طيبة وماء طهور، ثم أخذ النبيذ فتوضأ )، والنبيذ: هو ماء ينبذ فيه -يقذف فيه- التمر حتى يكون حلواً، ويتحلل التمر فيه فيتغير لونه وطعمه وريحه بذلك، ويسمى بالنبيذ، وقد يكون نبيذ التمر وقد يكون نبيذ العنب، وقد يكون.. الأنبذة مختلفة، لكن النص جاء في نبيذ التمر، ولكن هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه أبا زيد الراوي عن ابن مسعود وهو مجهول، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: أطبق علماء الحديث على ضعفه.

    ومما يدل على ضعفه أنه جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود : ( أنه سئل: أكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد منكم ليلة الجن؟ قال: لا )، فهذا حديث صحيح يدل على ضعف الحديث الأول، وعلى فرض صحته قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: على فرض صحته فإنه منسوخ لأنه متقدم، حيث كان بمكة، وقد جاءت بعد ذلك الأوامر باستعمال الماء، أو يكون هذا النبيذ إنما كان فيه تمرات يسيرات لم تحوله إلى نبيذ حقيقي، إنما كان فيه تمر خفيف لم يغير حقيقة الماء فيه، لكن هذا الخلاف ضعيف، فنبقى على الأصل أنه فيما يتعلق برفع الحدث من الوضوء أو الغسل لا يجزئ فيه إلا الماء هذه انتهينا منها.

    ذكر ما تزال به النجاسة ويذهب أثرها

    أما ما يتعلق بإزالة النجاسة فما قرره المصنف من أن النجاسة لا تزول إلا بالماء فقط قول مرجوح، والراجح أن النجاسة يطهر منها بكل ما يزيل عين النجاسة، فكل ما أزال عين النجاسة ترتب عليه الحكم، فلو أزلنا النجاسة بالماء يطهر الموضع أو لا يطهر؟ يطهر، بخلاف أو بغير خلاف؟ بغير خلاف، فالعلماء مجمعون على أن النجاسة إذا أزيلت بالماء زال حكمها وانتهى الأمر، لكن لو أزيلت النجاسة بغير الماء أيضاً كأن تزال مثلاً بالتراب، فهل تطهر أو لا تطهر؟ الراجح تطهر، كيف تزول النجاسة بالتراب؟

    الاستجمار مثلاً، يتم إزالة النجاسة فيه بغير الماء، سواء بالأحجار أو بالمناديل أو بخرق أو بغيرها، فيطهر الموضع ولا يجب غسله بالماء كما هو معروف عند كافة أهل العلم.

    كذلك لو فرض أن عندنا ماء -كما سوف يأتي- هذا الماء فيه نجاسة فيه بول أثر على لونه أو طعمه أو ريحه، فوضعنا على هذا الماء تراباً كثيراً، ثم بدأ الماء يخرج من فوق التراب يخرج نقياً صافياً أشبه ما يكون بعملية تنقية وتصفية وتقطير للماء، فوجدنا أن الماء خرج بعد ذلك ماء نقياً صافياً ليس فيه لون النجاسة ولا طعمها ولا ريحها، هل يطهر الماء حينئذ أو لا يطهر؟ يطهر؛ لأن النجاسة زالت.

    مثال ثالث: لو أنك أعطيت ثوبك للغسال فغسله بالبخار، ثم أعطاك الثوب أبيض نقياً نظيفاً ليس فيه أي أثر للوسخ، هل يجزئ هذا أو لا يجزئ؟ يجزئ، ولا يشترط أن يتم غسله بالماء.

    إذاً: القول الراجح فيما يتعلق بإزالة النجاسات، أن كل شيء يزيل النجاسة ويذهب أثرها يجزئ في ذلك ولا يشترط الماء.

    أما ذكر الماء في بعض الأحاديث كحديث أسماء : ( ثم اغسليه بالماء )، وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصب على بول الأعرابي ذنوب من ماء، فهذا لا يدل على الحصر؛ يدل على أن الماء مجزئ وكافٍ وهذا إجماع لا شك فيه، لكنه لا يدل على نفي التطهير عن غيره، بل إن إزالة النجاسات المقصود منها أن تزول النجاسة أو يزول أثرها وليست أمراً تعبدياً بالماء، فإذا تحقق المطلوب بزوال عين النجاسة وذهابها فإنه يبنى على ذلك الحكم الشرعي.

    حكم الماء إذا بلغ قلتين ووقعت فيه نجاسة

    قال المصنف: [ فإذا بلغ الماء قلتين أو كان جارياً لم ينجسه شيء ]، وهذه الكلمة فيها مسألتان:

    إذا بلغ الماء القلتين لم ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه، والدليل على ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث -وفي لفظ-: لم ينجس )، والحديث رواه أهل السنن، وقال الترمذي : حديث حسن، وهو كما قال، ( إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث )، أي: لم ينجس، إلا إذا تغير لون الماء أو طعمه أو ريحه فحينئذ ينجس بالإجماع.

    إذاً: عندنا مسألة: وهي أن الماء إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة فإنه ينجس إجماعاً؛ إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة: لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة فإنه ينجس بإجماع أهل العلم، وإن لم يكن في هذا حديث صحيح كما قال الإمام أحمد، ليس فيه حديث صحيح، ولكنه حينئذ تكون النجاسة ظاهرة موجودة فيه، فمن استعمل الماء استعمل النجاسة يقيناً؛ لأن أثر النجاسة ظاهر في الماء، فهو نجس بالإجماع، وقد جاء في هذا حديث رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما: ( إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه )، لكن هذا الحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، لكن يكفي الإجماع.

    والمعنى الذي بني عليه الإجماع ظاهر؛ وهو أن الإنسان إذا استعمل هذا الماء فقد استعمل النجاسة لظهور أثرها في الماء طعماً أو لوناً أو ريحاً، فالماء المتغير بالنجاسة نجس بالإجماع.

    كذلك مما أجمع العلماء عليه: أن الماء الكثير المستبحر إذا وقعت فيه النجاسة بطبيعة الحال لم يظهر أثرها فيه لأنه كثير فإنه يظل طهوراً لا يتأثر بها.

    ثم اختلفوا فيما عدا ذلك، فقسم كثير من الفقهاء الماء إلى قسمين: ما فوق القلتين وما دون القلتين، فقالوا: إذا بلغ قلتين فصاعداً لا ينجس بوجود النجاسة فيه إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه، أما إن كان أقل من قلتين فإنه ينجس، لمجرد وقوع النجاسة فيه، حتى ولو كانت يسيرة، حتى لو لم تؤثر في لونه ولا طعمه ولا ريحه، وعمدتهم الحديث السابق: ( إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث )، قالوا: مفهوم الحديث أن الماء إذا كان أقل من قلتين فإنه يحمل الخبث، أي: فإنه ينجس، هذا عمدتهم.

    والصواب في ذلك وهذا القول هو الذي اختاره المؤلف رحمه الله، وهو المشهور المعتمد في المذهب، وهو الذي اختاره الإمام ابن تيمية أيضاً في شرح العمدة، ولكن المختار والصواب غيره، وأنه لا يفرق بين ما كان قلتين أو أكثر من قلتين أو أقل من قلتين، وإنما العمدة على شيء واحد هو التغير، فإذا تغير الماء بالنجاسة فهو نجس، وإذا لم يتغير الماء بالنجاسة فهو باق على أصل طَهوريته، سواء كان قلتين أو أقل من قلتين أو أكثر من قلتين.

    إذاً: العبرة بماذا؟ العبرة بالتغير، فإذا تغير الماء بالنجاسة: لونه أو طعمه أو ريحه، فهو نجس إجماعاً، أما إذا وقعت فيه النجاسة، ولم يتغير بها سواء كان أقل من قلتين أو قلتين أو أكثر فهو باق على أصل طَهوريته، هذا هو القول الراجح، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث بئر بضاعة، قال عليه الصلاة والسلام: ( الماء طهور لا ينجسه شيء ).

    إذاً: أصل الماء طهور وأصل الماء أيضاً لا ينجسه شيء وقع فيه، لا نخرج من ذلك إلا ما تغير بالنجاسة، لماذا نخرجه من الحديث؟ لماذا نخرج ما تغير بالنجاسة من الحديث؟ لأنه نجس بالإجماع، فهذا لا كلام فيه، وما سوى ذلك فهو باق على أصله.

    إذاً: قول المصنف: (فإذا بلغ الماء القلتين لم ينجسه شيء إلا ما غلب أو غير)، هذا عرف أن الراجح فيه أنه لا يفرق بين القلتين وما دون القلتين.

    حكم الماء الجاري تقع فيه النجاسة

    قال المصنف: [ أو كان جارياً لم ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ]. هذا أيضاً من المصنف تفريق بين الماء الراكد الدائم الذي لا يجري، وبين الماء الذي يجري، فيقرر المصنف رحمه الله: أن الماء الجاري لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه، يعني: ظاهر كلام المصنف سواء كان الماء الجاري قلتين أو أقل؛ لأنه قال: (فإذا بلغ القلتين أو كان جارياً)، لماذا تميز الجاري عند المصنف ومن وافقه بأنه لا ينجس إلا بالتغير؟ لماذا خص الماء الجاري بأنه لا ينجس إلا بالتغير بخلاف الراكد فإنه ينجس إذا كان أقل من قلتين ولو لم يتغير؟

    الجواب: لأن الماء الجاري له قوة يدفع بعضه بعضاً فيدفع النجاسة ويزيلها.

    قالوا: والماء الجاري مثل الماء الذي يصب على النجاسة فيزيلها ويطهر موضعها، فإذا كان الماء إذا ورد على النجاسة طهرها ولا ينجس هو؛ لأنه لو نجَِس لَنَجَّسَ الموضع وما طهر، فقالوا: كذلك إذا وردت عليه النجاسة لا تنجسه، فالواردان واحد، سواء ورد هو على النجاسة أو وردت عليه النجاسة فإنه لا ينجس، هذه ميزة للماء الجاري، ولذلك قالوا: الماء الجاري لا ينجسه شيء إلا إذا تغير.

    وثمة في الماء الجاري قول آخر في المذهب: أنه كالماء الدائم، إذا كانت جريته بمقدار قلة أو قلتين وهكذا، والصواب: أن الماء الجاري كغيره لا ينجس إلا إذا تغير، فإذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه تنجس، وإلا فهو طهور.

    واستدل بعضهم للماء الجاري بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الماء طهور لا ينجسه شيء ) في حديث بئر بضاعة، وهو صحيح كما قال الإمام أحمد .. حديث بئر بضاعة صحيح، استدلوا بهذا الحديث على الماء الجاري، وهذا لا يصح؛ لأن بئر بضاعة هل هي ماء جارٍ؟ لم يكن في المدينة آنذاك عيون جارية وإنما هي بئر فيها ماء ثابت راكد، وإنما يستدل للماء الجاري بمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري )، ( ونهيه صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال في الماء الدائم الذي لا يجري )، مما يدل على أن الماء الجاري أقوى في دفع النجاسة من الراكد.

    وعلى كل حال، فإذا كنا قررنا سابقاً أن الماء الدائم الباقي لا ينجس إلا بالتغير، فإن الماء الجاري من باب أولى لا ينجس إلا بالتغير، (إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه).

    قال المصنف: [ وما سوى ذلك ينجس بمخالطة النجاسة ]، (وما سوى ذلك)، الإشارة في قوله: (ذلك) يعود على ما بلغ القلتين أو كان جارياً، وما سوى ذلك ينجس بمخالطة النجاسة. يعني: ما كان دون القلتين وهو غير جار، فإنه ينجس بمخالطة النجاسة، يعني: ولو لم يتغير.

    أقوال العلماء في تحديد القلتين

    قال: [ والقلتان ما قارب مائة وثمانية أرطال بالدمشقي ]، القلتان: جمع قلة، سميت قلة؛ لأن الإنسان يقلها بيده يعني: يرفعها بيده.

    وقال بعضهم: إنما سميت قلة لضخامتها حتى كأنها تشبه رأس الجبل، يقال: قلة الجبل يعني: قمته ورأسه، وبينهما فرق كبير عظيم، فما تقله بيدك وترفعه يدل على أنه يسير خفيف، أما قلة الجبل فهي أمر عظيم، وما بينهما أقوال تزيد على ثمانية أقوال في تحديد القلة.

    قال: [ما قارب مائة وثمانية أرطال بالدمشقي].

    [قارب] لماذا؟ لأنهم بتحديدهم كما حدده الإمام ابن تيمية في شرح العمدة وغيره، يقول لك: مائة وسبعة أرطال وسبع رطل.. مائة وسبعة وسبع، لكن جبروا الكسر وقالوا: مائة وثمانية أرطال بالدمشقي. أما بالأرطال العراقية فهي خمسمائة رطل عراقي تقريباً، لماذا قال: ما قارب، يعني: تقريباً؟ لأنه لا يوجد نص شرعي على تحديد القلة، وإنما مدار كلامهم على قول ابن جريج، ابن جريج رحمه الله يقول: رأيت قلال هَجَر، فرأيت القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً. قالوا: (وشيئاً) احتمال أنه ربع أو ثلث، لكن نحملها على النصف؛ لأنه أكثر شيء.. على سبيل الاحتياط، وما وجب على سبيل الاحتياط فإنه يكون مفروضاً.

    طيب هل كلام ابن جريج حجة شرعية؟ كلا.

    هل الحديث فيه تحديد قلال هجر- قرية قرب المدينة، أو هجر المعروفة الأحساء -؟ هل في الحديث ما يدل على أن القلال المقصودة هي قلال هجر؟ القلال تختلف في بلاد العرب من مدينة إلى أخرى.

    إذاً: لا يمكن أن نقول: إن المقصود بالشرع قلال هجر، ولا يمكن أيضاً أن نقول: إن قلال هجر مائة وثمانية أرطال بالدمشقي، أو خمسمائة رطل عراقي. ولا يمكن أن نقول: إنها قربتان أو قربتان وشيء؛ لأن هذا ليس فيه نص شرعي يمكن أن يتعبد الناس به.

    هل يمكن أن يتعبد الناس بكلام ابن جريج رحمه الله تعالى؟ هل يمكن هذا؟ لا يمكن.

    إذاً: هذا من أعظم الإيرادات على الكلام في القلتين.

    ومن أعظم الأدلة على أنه لا ينبغي اعتبار القلتين حداً فاصلاً بين الكثير الذي لا ينجس إلا بالتغير، وبين القليل الذي ينجس بمجرد مخالطة النجاسة، لا يمكن اعتماد ذلك، وإنما نقول قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث ) لم يخرج مخرج التحديد، وإنما معنى الحديث -والله تعالى أعلم- أن الماء الكثير لا ينجس بورود النجاسة عليه؛ لأنهم سألوه عن الماء الذي يكون بالفلاة من الأرض، وترده السباع والكلاب وغيرها، ماذا: هل يتوضئون فيه؟ فكأنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: أنتم ترون هذا الماء، وأنه ماء كثير لا يتغير بهذه الأشياء التي ترد عليه فهو طهور، توضئوا به واغتسلوا، وأزيلوا النجاسات به؛ لأنه ماء لم ينجس.. لم يتغير بالنجاسة. وليس المقصود التفريق بين قليل ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه ومخالطتها له، وبين كثير لا ينجس إلا بالتغير.

    إذاً: عرف ما في تحديد القلتين من الكلام.

    حكم الماء إذا خالطه غيره من الطاهرات

    قال: [وإن طبخ في الماء ما ليس بطهور..] يعني: ما غلب على اسمه سلب طهوريته، يعني: لو طبخنا مع الماء مادة أخرى ليست هي الماء، وإنما هي مادة غير الماء، فغلبت على اسمه سلبته الطهورية. مثال: لو وضعنا مع الماء أوراق الشاي ثم طبخناه، فحينئذ إذا وضعناه في الإبريق وسكبناه في الإناء، ماذا نسميه؟ نسميه شاياً.

    لو قال لك إنسان: هات لي ماءً. فأتيته بشاي، هل تكون نفذت أمره؟ كلا.

    إذاً: الملاحظ حينئذ أنه تحول من مادة إلى مادة أخرى، فلا يسمى ماءً ولكنه يسمى شاياً، فغلب على اسمه شيء آخر، سواء طبخ معه أو وضع معه، ولهذا قال: [وكذلك ما خالطه فغلب على اسمه]، مثل ماذا لو خالطه من غير طبخ، يعني: يذوب في الماء ويغير لونه وماهيته، أي مادة تغير حقيقة الماء وتنقله إلى شيء آخر.

    من الأمثلة الظاهرة: الناس في رمضان يضعون مع الماء مسحوقاً.. مسحوق العصير، ثم يحركونه حتى يتغير لونه إلى اللون الأصفر أو الأحمر، ويتغير طعمه وتتغير مادته وماهيته، ثم يشرب على أنه عصير.. عصير برتقال أو عصير ليمون أو ما أشبه ذلك. فهل هذا ماء؟ كلا؛ لأنه طبخ معه مادة أخرى؟

    لا؛ بل لأنه خالطه مادة أخرى غلبت على اسمه، ونقلته من كونه ماء إلى كونه شيئاً آخر، حتى لو توسع الناس في الاستعمال فقالوا: هذا ماء عصير مثلاً، مثلما يقولون: ماء الورد.. ماء الزعفران.. ماء الباقلاء، هل هو ماء في الحقيقة؟ كلا؛ لأنه ليس ماءً مطلقاً، بل هو كما يقولون: ماء مضاف، والكلام هو في الماء المطلق.

    إذاً: ما غلب على اسم الماء وغيَّر حقيقته فإنه يسلب الماء الطهورية.

    لماذا سلبه الطهورية حينئذ؟ وهل نفهم من هذا أن الماء ثلاثة أقسام: طاهر، وطهور، ونجس. فهذا سلب الماء الطهورية وحوله إلى ماء طاهر بدلاً من كونه طهوراً؟

    سلبه الطهورية لزوال اسم الماء عنه، وليس لأنه تحول من طهور إلى طاهر، لا، ولكنه لم يعد ماءً، وإنما أصبح شيئاً آخر غير الماء: شاياً أو عصيراً أو ما أشبه ذلك.

    1.   

    أقسام المياه

    قال: [وإذا شك في طهارة الماء أو غيره ونجاسته..]

    وبالمناسبة هذا الكلام السابق يدل على أن المصنف رحمه الله يقسم الماء إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس.

    فالطهور هو الباقي على أصل خلقته -كما سبق- نازلاً من السماء أو خارجاً من الأرض غير متغير بما ينقله عن الطهورية، وهذا هو الذي يستعمل في رفع الحدث وإزالة النجاسة، فهذا طهور.

    القسم الثاني: الطاهر: وهو ما خرج عن الطهورية بشيء لا ينقله إلى النجاسة.

    والقسم الثالث: النجس: وهو ما تغير بالنجاسة، أو كان أقل من قلتين فوقعت فيه النجاسة عند من يفرقون بين الكثير والقليل.

    ومن العلماء من يقسم الماء إلى أربعة أقسام، فيضيفون إلى هذه الأقسام الثلاثة قسماً رابعاً يسمونه: المشكوك فيه، والواقع أن المشكوك فيه هل هو قسم رابع؟ كلا؛ لأن الشك ليس حكماً شرعياً. الشك هذا ظن أو معنى قام بنفس المجتهد لا ينسب إلى الشرع، فالشرع ليس فيه شك، الشك في نفس الإنسان.

    والصواب أيضاً أو الراجح أن الماء قسمان: إما طهور وإما نجس، ولا وجود في الشرع لقسم ثالث يسمى طاهر، هو ماء وفي نفس الوقت طاهر، ولكنه لا يتوضأ به ولا يرفع الحدث ولا يزيل النجاسة. هذا القسم لا يوجد ولا أصل له في الشرع، ولو كان ذلك موجوداً لاستفاض ونقل؛ لأن المياه أحكامها مهمة وضرورية والحاجة إليها ماسة، ولذلك فمن البعيد جداً أن يوجد مثل هذا القسم، ولا يكون في الأدلة الشرعية ولا في سيرة الصحابة رضي الله عنهم ما يدل على وجوده.

    فالصواب أن الماء قسمان. ومما يدل على أنه قسمان حديث بئر بضاعة : ( الماء طهور لا ينجسه شيء ).

    إذاً: الماء طهور، لا ينتقل من الطهورية إلا إلى النجاسة.

    ومتى ينتقل إلى النجاسة؟ إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجس.

    1.   

    الشك في الطهارة والنجاسة

    أولاً: عند الشك في الطهارة أو النجاسة يبن على اليقين

    قال المصنف رحمه الله: [وإذا شك في طهارة الماء أو غيره ونجاسته بنى على اليقين].

    ما هو الفرق بين الشك في الطهارة والشك في النجاسة؟

    وهاك مثالاً للشك في طهارة الماء:

    عندك ماء نجس، تعلم أنت أنه بال فيه إنسان، رأيت ذلك أو علمته بخبر ثقة، أو رأيت أثر النجاسة فيه تغيراً باللون أو الطعم أو الريح، وبعد فترة رجعت لهذا الماء نظرت أثر النجاسة: هل زال أم لا يزال باقياً؟ فوقع عندك شك: هل زال أثر النجاسة أو لم يزل؟ فحينئذ ما هو حكم هذا الماء؟ نجس.

    لماذا حكمنا بأنه نجس؟ لأن هذا هو اليقين، فأنت قد تيقنت بأن هذا الماء نجس.

    إذاً: اليقين أن هذا الماء نجس، والطهارة -كون الماء طهور- هذا شك.

    وأيهما يقدم الشك أو اليقين؟ اليقين.

    هذا هو الشك في طهارة الماء.

    طيب، الشك في نجاسة الماء.. كيف يكون الشك في نجاسة الماء؟

    العكس، عندك ماء باق على أصله -طهور- ثم حدث عندك شك في نجاسته: هل وقعت فيه النجاسة وغيرته أم لا؟ فحينئذ نقول: الأصل في هذا الماء أنه طهور، وهذا هو اليقين، فتبني على اليقين ولا تعبأ بالشك، هذا فيما يتعلق بالماء.

    [أو غيره] كالثياب مثلاً أو الأرض، أو أي شيء آخر، إذا كان نجساً وشككت هل طهر فإنه باق على نجاسته؛ لأن هذا هو اليقين. وإذا كان طاهراً وشككت هل تنجس فإنه باق على طهوريته، وفي ذلك دفع للوسواس الذي يعتري كثيراً من الناس، فإن هذا أصل أصيل وركن ركين لا محيد عنه. والأصل في الأشياء ما هو؟ الأصل في الأشياء الطهارة، الأصل في الثياب.. الأصل في الأرض.. الأصل في المياه.. كل الأشياء الأصل فيها الطهارة، ولذلك لا ينتقل الإنسان عن هذا الأصل إلا بيقين أنها خرجت من الطهارة إلى النجاسة، يقين لا يشك فيه الإنسان ولا يرتاب.

    أما الوسوسة.. احتمال أن رذاذ البول ذهب إلى الثياب، أو وقع على أرض الحمام، أو أصاب الماء، ولذلك تجد بعض الموسوسين يدخلون في دوامة لا تنتهي، لا يثابون عليها في الآخرة، ولا يحمدون عليها في الدنيا، بل هي تعاسة لهم وشقاء في الدنيا، وليتهم يسلمون من الإثم في الدار الآخرة.

    ثانياً: النجاسة التي خفي موضعها يغسل ما يتيقن به زوالها

    قال: [وإن خفي موضع النجاسة من الثوب أو غيره غسل ما يتيقن به غسلها] كأن يكون شك في النجاسة في أي الكمين هي: في الكم الأيمن أو الأيسر، حينئذ يجب عليه غسل الكمين؛ لأنه بغسلهما يتيقن زوال النجاسة.

    ومثله أيضاً لو وقعت النجاسة على الثوب، ولا يعرف موضعها بالضبط وجب عليه أن يغسل بقدر ما يتيقن به زوال النجاسة وأن الغسل أصاب موضعها. اللهم إن كان موسوساً فإنه ينبغي أن لا يعبأ بظنه هو أو علمه هو؛ لأن الموسوس لو وقعت النجاسة في طرف الكم ما طابت نفسه حتى يغسل لا أقول: الكم كله، حتى يغسل الثوب كله، وبعض الموسوسين ينغمس في النهر، ثم يقول: هل طهرت؟! فمثل هذا لا ينظر إلى نظره هو، بل يعتبر برأي غيره من أهل الاعتدال.

    ثالثاً: إن اشتبه ماء طهور بنجس ولم يجد غيرهما تركهما وتيمم

    قال: [وإن اشتبه ماء طهور بنجس ولم يجد غيرهما تيمم وتركهما].

    وذلك لأنه إذا لم يحدد الطهور من النجس ولم يكن ثم سبيل للاجتهاد في تحديده، فإنه إذا توضأ بأحدهما يكون توضأ بالنجس، وهناك احتمال أن يكون النجس هو الأخير، فحينئذ يقال: اترك هذين الماءين واعدل إلى التيمم؛ لأنه بمثابة فاقد الماء حينئذ.

    رابعاً: إن اشتبه ماء طهور بطاهر توضأ من كل منهما

    قوله: [وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من كل منهما].

    وذلك لأن الطاهر لا يضر الوضوء به، فيأخذ من هذا غرفة ومن هذا غرفة، أو يتوضأ من هذا وضوءاً ومن هذا وضوءاً. ولكن سبق أن قررت أن الماء ثلاثة أقسام، كذا؟ كلا. أن الماء قسمان: طهور ونجس.

    إذاً: هذه المسألة واردة أو غير واردة؟ غير واردة عند من يقول بتقسيم الماء إلى قسمين [وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من كل واحد منهما] لأن هذا الطاهر ما دام ماءً عندنا يسمى طهوراً.

    حكم الصلاة في الثياب المشتبهة

    قال: [وإن اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس وزاد صلاة] لو فرضنا أن عنده ستة ثياب، ثلاثة منها يعلم يقيناً أنها نجسة، وثلاثة يعلم يقيناً أنها طاهرة، لكن اشتبهت عنده الثياب فلا يميز بين الطاهر والنجس، حينئذ ماذا يصنع؟ قال لك المصنف: يصلي في كل ثوب صلاة بعدد النجس، وعدد النجس كم هو؟ ثلاثة. إذاً: يصلي كم صلاة؟ ثلاث صلوات. ثم يزيد صلاة، يعني: يصلي كم؟ أربع. إذا صلى أربعاً فقد تيقن أنه صلى على الأقل صلاة واحدة بثوب طاهر وبرئت ذمته [صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس وزاد صلاة].

    وهذا إذا كانت الثياب قليلة سهل، لو كان عندك ثوبان يسهل أن تصلي صلاتين، لكن افرض أن إنساناً عنده ثلاثون ثوباً أو أربعون ثوباً، هل يمكن أن نكلفه بأن يصلي أربعين صلاة.. بعدد النجس ثم يزيد صلاة؟ هذا من الأمور الشاقة، ولذلك نقول: إذا كان في ذلك مشقة فإن الإنسان يلجأ إلى ماذا؟ إلى الاجتهاد، يجتهد وسعه، ويتحرى في اختيار الثوب الذي يظن أنه ليس بنجس، وهذا هو فرضه الذي يستطيع ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فيجتهد في تحري الثوب الطاهر ويصلي فيه وصلاته صحيحة.

    1.   

    طرق إزالة النجاسات وغيرها

    أولاً: كيفية إزالة نجاسة الكلب

    قال: [وتغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً إحداهن بالتراب] أما دليل هذه المسألة فهو الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً )، وفي رواية: ( إحداهن أو أولاهن أو أخراهن بالتراب )، وفي رواية: ( وعفروه الثامنة بالتراب )، فهذا الحديث نص في وجوب غسل نجاسة الكلب -ولوغ الكلب- سبع غسلات إحداهن بالتراب، ويجوز أن يجعل التراب غسلة مستقلة، فيعفر الإناء بالتراب ثم يغسله بالماء، فحينئذ يكون التراب غسلة ثامنة إن أفرده، وإن وضعه مع الماء لم يكن غسلة مستقلة، وهذا خاص بنجاسة الكلب للنص عليه، وهي نجاسة مغلظة كما دل الحديث على ذلك، ولا يكون الطهور إلا بهذا، ولهذا جاء في اللفظ الآخر: ( طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات إحداهن بالتراب ).

    ثانياً: كيفية إزالة نجاسة الخنزير

    أما الخنزير فقالوا: نقيسه عليه؛ لأن الشرع جاء بنجاسته، ونص عليه القرآن: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام:145]، فهو من باب أولى يجب غسله سبعاً إحداهن بالتراب.

    والأقرب والأرجح -والله تعالى أعلم- أن هذا الحكم خاص بالكلب؛ لأن الشارع نص عليه، وما ذكر غيره، وهو حكم يخصه، فهو استثناء، والاستثناء لا يقاس عليه، بل يقال: هذا الحكم خاص بماذا؟ بالكلب؛ لأن الشارع نص على الكلب وما نص على الخنزير. فنقول: الغسل سبعاً إحداهن بالتراب حكم خاص بالكلب، وهو استثنائي من أصل إزالة النجاسة، فلا يقاس عليه غيره، لا خنزير ولا سواه، بل الخنزير كغيره من الأشياء.. كغيره من الحيوانات، ونجاسته كغيرها من النجاسات في إزالتها.

    ثالثاً: كيفية إزالة سائر النجاسات ما عدا الكلب والخنزير

    قال: [ويجزئ في سائر النجاسات ثلاث منقية] يعني: ثلاث غسلات منقية.

    لماذا نصوا على الثلاث؟ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده )، والحديث متفق عليه.

    وقالوا أيضاً: إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على الثلاث في الاستنجاء؛ فإنه عليه الصلاة والسلام أمرهم أن لا يستنجوا بأقل من ثلاثة أحجار، كما في حديث سلمان، فقالوا: إذاً سائر النجاسات لا تزول إلا بثلاث غسلات. وأيضاً هذه الغسلات الثلاث يجب أن تكون منقية، يعني: تذهب بالنجاسة وتطهر الموضع، فلو لم تزل النجاسة بثلاث، يجب الغسل حتى تزول النجاسة.

    طيب! على هذا القول لو زالت النجاسة بالغسلة الأولى فهل يكفي أن يغسل مرة؟ قالوا: لا، بل لابد من غسلة ثانية وثالثة.

    إذاً: الإبراء يحصل بمجموع الأمرين: أن تكون الغسلات ثلاثاً، وأن تزيل النجاسة وتطهر الموضع.

    أما زوال النجاسة فلا شك فيه، يعني: لو غسل الإنسان ثلاثاً أو أربعاً أو عشراً ولم تزل النجاسة، هل يطهر الثوب مثلاً؟ كلا. وهل في هذا خلاف؟ ليس فيه خلاف. ما دامت النجاسة موجودة فالثوب نجس، ويجب غسله حتى تزول النجاسة ولو غسله أكثر من عشر مرات، وهذا بالنسبة لنظر الإنسان العادي، أما الموسوس فهو له أحكام أخرى.

    طيب هذا فيما يتعلق بزوال النجاسة.

    أما فيما يتعلق بالعدد، فثم في المذهب قول ثان أنه لابد من سبع غسلات. قالوا: لابد من سبع غسلات، واحتجوا بأثر روي عن عمر أو غيره من الصحابة أنه أمر بغسل النجاسات سبعاً.

    وفي المسألة قول ثالث في المذهب: أنه يجزي أن تزول النجاسة، ولو زالت بغسلة واحدة. وهذا هو الصحيح المعتمد أن العبرة بزوال النجاسة؛ إذ إن زوال النجاسة المقصود منه ذهاب عينها وطهارة الموضع، فإذا تحقق هذا فقد تم مراد الشارع، وليس الإنسان متعبداً بما زاد على ذلك، فلا يلزم أن يغسل النجاسة مرتين ولا ثلاثاً ولا سبعاً، وإنما يلزمه أن يغسل النجاسة حتى يطهر موضعها، فلو طهر الثوب بغسلة واحدة على القول المعتمد: هل يلزم غسلة ثانية؟ لا يلزم غسلة ثانية بل تكفي الغسلة الأولى.

    ولو طهر بغسلتين، هل يلزم ثالثة؟ لا تلزم.

    فالقول بأنه لابد من ثلاث غسلات أو سبع غسلات هذا لا دليل عليه.

    رابعاً: كيفية إزالة نجاسة الأرض

    قال: [وإن كانت النجاسة على الأرض...] هذا الكلام السابق عند المصنف أنه لابد من ثلاث، هذا فيما إذا كانت النجاسة على الثوب ونحوه، أما إذا كانت على الأرض فلها حكم آخر، وهذا مما يدل على ضعف القول، فإن الأصل عدم التفريق.

    قال: [وإن كانت النجاسة على الأرض فصبة واحدة تذهب بعينها] أي: أنه يجزئ في غسل النجاسة على الأرض صبة واحدة بشرط أن تذهب بعين النجاسة، وهذا صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الحديث المتفق عليه: ( صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء )، وفي رواية: ( سجلاً من ماء ) أو: ( أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه ) وهل اشترط النبي صلى الله عليه وسلم عدداً؟ كلا. وهو شامل للنجاسة سواء كانت على الأرض أو على البدن أو على الثوب أو على غيرها، فكل ما زالت به النجاسة كفى، ولو زالت بغسلة واحدة.

    قال: [ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء )].

    خامساً: كيفية إزالة بول الغلام والجارية

    قال: [ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح ] المقصود بالغلام: الصبي الصغير الذكر، وقيده بقوله: [الذي لم يأكل الطعام]، يعني: إلا اللبن الذي يشربه يجزئ فيه النضح، والمقصود بالنضح هو أن يرش على الموضع الماء ولو لم يتشرب الماء وينقص بعد ذلك، ولا يحتاج إلى أن يصب الماء عليه صباً ولا أن يرشح الماء منه ولا أن يعصر، وإنما يكفي فيه أن يأخذ الإنسان شيئاً من الماء، ثم ينضحه على هذا الموضع الذي أصابه بول الغلام.

    هل بول الغلام نجس أم ليس بنجس؟

    نجس، ولكن نجاسته مخففة، إما لأن مادته ضعيفة بسبب أنه لم يأكل الطعام، وإما لمشقة الاحتراز منه؛ لأن الصبي يحمل، ويوضع على الحجر، ويوضع على الكتف وتكثر إصابة النجاسة، وهذا هو الأقرب أن يكون ذلك مراعاة للمشقة، والشارع يراعي التخفيف في الأشياء التي يكثر ملابسة الناس لها، وإلا لو كان المقصود أن مادة البول مختلفة لربما قيل: إذاً: فما شأن الأنثى؟ فالأنثى أيضاً لم تطعم غير اللبن، ومع ذلك يجب أن يغسل بولها كما تغسل سائر الأبوال، فإن ( بول الجارية يغسل، وبول الغلام ينضح ) كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر، والأحاديث الواردة في هذا الباب كثيرة، حتى إنها مستفيضة وربما بلغت عند بعضهم درجة التواتر، ومنها حديث أم قيس بنت محصن وهو في صحيح البخاري : ( أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم بغلام لم يأكل الطعام، فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم على حجره فبال في ثوبه، فدعا بماء فنضحه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يغسله )، والحديث رواه مسلم أيضاً بنحوه، وأحاديثهم في السنن وغيرها.

    إذاً: العبرة أو السبب -والله أعلم- هو في أن الغلام يكثر حمله من الرجال، فالأب يحمل الذكر غالباً أكثر مما يحمل البنت، فالبنت تحملها أمها وتعتني بها أكثر من أبيها، والأب يعتني بطفله الذكر أكثر مما يعتني بالبنت، وهذا ليس فيه مجال للتفريق؛ أن الأم تهتم بالبنت والرجل يهتم بالولد، هذا أمر فيه قسمة عادلة نسبياً، مع أن الأب لا يهمل بنته أيضاً. ثم إن الأم تلبس عادة ملابس خاصة لأطفالها، أو يكون لها ملابس خاصة للصلاة، فلا يشق عليها أن يبول الولد أو تبول الأنثى، بخلاف الرجل فإن هذا ليس من عادته، يعني: مواجهة الأطفال وحملهم ومعاناة ذلك ليس من شأن الآباء، فيكون هناك مشقة في تكليفهم بغسل البول كلما وقع عليه، وهذه كلها لا تعدو أن تكون تلمسات وظنون، أما اليقين فهو النص أن (بول الجارية يغسل وبول الغلام ينضح)، أما الأسباب والعلل فهذه لا تعدو أن تكون التماسات قد تصيب أو تخطئ، [ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح].

    سادساً: كيفية إزالة المذي

    قال: [وكذلك المذي] والمذي سائل ليس له لون، لزج يخرج عند ثوران الشهوة أو إرادة الجماع أو تذكره، وهو يخرج غالباً دون شعور من الإنسان، ويتميز عن المني -كما هو معروف- بإن المني سائل أبيض ثخين يخرج في نهاية الشهوة ويعقبه الفتور، أما المذي فليس كذلك، فالمذي يقول المصنف رحمه الله: [وكذلك المذي] يعني: ما حكمه؟ يجزئ فيه النضح، وذلك لما رواه أهل السنن من حديث سهل بن حنيف قال: ( كنت ألقى من المذي شدة سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقلت: كيف بما أصاب ثوبي منه؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضحه حيث ترى أنه أصاب من الثوب )، فهذا دليل على أن النضح يجزئ في المذي، وذلك أيضاً ليس لأن المذي غير نجس، بل هو نجس، بل قال بعضهم: نجاسته مغلظة، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم في غسل المذي، ( أمر بأن يغسل ذكره وأنثييه )، والحديث صحيح عند ابن حبان وغيره. فيجب على الإنسان إذا أمذى أن يغسل الذكر كله ويغسل الأنثيين أيضاً.

    أما بالنسبة لما أصاب الثوب فيجزئ فيه النضح، وذلك للمشقة؛ لأن المذي قد يكثر خروجه من الإنسان، بل بعض الناس لا يكاد يفارقه المذي، وأيضاً لأن المذي يخرج دون إرادة الإنسان ودون شعوره، فاكتفى الشارع بنضحه من باب التخفيف والتيسير على العباد.

    [ويعفى عن يسيره] الضمير في قوله: (يسيره) يعود إلى ماذا؟ يعود إلى المذي، أي: يعفى عن يسير المذي، أيضاً من باب التخفيف للمشقة في ذلك.

    سابعاً: كيفية إزالة الدم وما تولد من القيح والصديد

    قال: [ويسير الدم] أي: ويعفى عن يسير الدم على الثوب أو غيره.

    [ويعفى عما تولد منه من القيح والصديد إذا كان يسيراً] يعني: ما تولد من الدم، وذلك أن الغالب أن الإنسان يكون فيه البثرة والحكة أو غيرها، وقد يحكها ويصيب الثوب شيء من الدم أو القيح أو الصديد يسيرٌ، فحينئذ كل هذه الأشياء معفوٌ عن يسيرها مشقة التحرز منه.

    ثامناً: حكم اليسير من النجاسات

    قال المصنف رحمه الله: [وحد اليسير] يعني: الذي يعفى عنه من المذي والدم والقيح والصديد ونحوها [هو ما لا يفحش في النفس] ما لا يكون فاحشاً كثيراً، هذا هو حد اليسير، ولا تقدير له، إنما ما يستفحشه الإنسان في نفسه.

    تاسعاً: حكم مني الآدمي وكيفية إزالته

    قال: [ومني الآدمي وبول ما يؤكل لحمه طاهر] أي: مني الآدمي طاهر؛ وذلك لأنه الماء الذي خلق منه الإنسان، والإنسان طاهر لا شك فيه، ومنه خلق البشر كلهم، حتى الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصالحون، وكذلك جاء في الصحيح: ( أن عائشة رضي الله عنها كانت تفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه ) والحديث متفق عليه، وفي رواية: ( وإني لأرى أثر الغسل فيه )، وأحاديث كثيرة في هذا الباب تدل على أن المني طاهر، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسله إن كان رطباً، وفركه إن كان يابساً. وفي بعض الألفاظ: ( إنما يكفيك أن تميطه عنك بإذخرة ) ولا يصح هذا اللفظ، لكن ثمة ألفاظ أخرى صحيحة تدل على التيسير في إزالة المني رطباً أو يابساً، وأنه طاهر، وإذا كان طاهراً لم يجب إزالته، وإنما يستحب أن يزال من باب التنظف والتطيب ولأنه مستقذر لا غير، فهو طاهر على القول الراجح، وإن كان ثمة قول آخر بنجاسته.

    عاشراً: حكم بول وروث ما يؤكل لحمه

    قال: [وبول ما يؤكل لحمه طاهر].

    بول الحيوانات مأكولة اللحم طاهر كالغنم والبقر والإبل ونحوها، فأبوالها طاهرة، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم العرنيين كما في الحديث المتفق عليه الذين أتوا المدينة فاجتووها، يعني: أصابهم مرض، وهو مرض الجوى، وهو مرض الاستسقاء كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد، (فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها)، ولو كانت الأبوال نجسة لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يشربوا منها؛ لأنه لا شفاء في محرم، ( إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها )، وفي لفظ: ( إن الله لم يجعل في حرامٍ شفاءً )، فدل ذلك على أنها طاهرة، وكذلك لم يكونوا يتحرزون منها؛ بل أذن النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصلوا في مرابض الغنم، ومرابض الغنم لا تخلو من أرواثها وأبوالها.

    إذاً: أرواث ما يؤكل لحمه أيضاً ما حكمها؟ طاهرة. أرواث ما يؤكل لحمه طاهرة؛ فهي كأبوال ما يؤكل لحمه. هذا هو القول المعتمد فيها. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.