إسلام ويب

رحل الرجلللشيخ : نبيل العوضي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • على العبد أن يستعد استعداداً تاماً لملاقاة الله تعالى، فإن هذه الدنيا قصيرة، وإن الآخرة أبدية سرمدية، وهناك من كان يؤمل آمالاً ويظن أنه سوف يخلد في هذه الحياة، فإذا بالموت يقطع أمله، ويبتر أحلامه، وهو غير مستعد للقاء ربه، ولم يعد العدة للقبر ووحشته، فماذا ترى يكون مصيره؟ وهناك من أعد العدة، وتجهز للسفر، فإذا به يجد النور في قبره، والنجاة والسلامة من نار ربه، فيسعد بجنة عرضها السماوات والأرض.

    1.   

    حال العبد عند الموت

    باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:

    فلقد مر عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى على مقبرة بعد أن صلى بالناس صلاة العيد، فبعد أن مر على المقبرة قال لمن حوله: امكثوا، وكان معه الوزراء والأصحاب، فذهب إلى المقبرة، وأخذ ينظر إلى القبور، فقال قولته المشهورة:

    رأيت القبور فناديتها     فأين المعظم والمحتقر

    تفانوا جميعاً فما مخبر     وماتوا جميعاً ومات الخبر

    فيا سائلي عن أناس مضوا     أما لك في ما مضى معتبر

    ثم سقط على ركبته، وأخذ ينادي: يأيها الموت! ماذا فعلت بالأحبة؟ وأخذ يبكي رحمه الله.

    أتذكر فلاناً كان صاحباً وقريباً لك في يوم من الأيام، كان يلعب معنا، ويجلس معنا، ويدرس معنا، وفي العمل معنا.. أين هو الآن؟ أين ذهب؟

    يوم من الأيام فتحت الجريدة فإذا اسم فلان صاحب لك قد توفي وفارق الحياة.. سبحان الله! وإذا رجل اتصل عليك ذاك اليوم فرفعت السماعة وكلمته، فقال: أتعرف فلاناً؟ فقلت: كيف لا أعرفه وقد كنت قبل أيام معه. قال: إنه قد ذهب وفارق الدنيا سبحان الله!

    ماذا كان يعمل، وبم كان يحلم؟ كان يحلم أن يدرس ويحصل على الشهادة.. كان يحلم بالزواج وإنجاب الأبناء.. كان يحلم بالسيارات.. بالأثاث.. بالقصور.. بالبيوت.. بالسفر.. بالدنيا؛ ولكن! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] ذائقة: كأنه شربها في الصباح، إلى هذه الدرجة كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] المصيبة هي: هل هناك من يستأذنك؟ هل هناك من يخبرك؟ أم أنه حادث سيارة وانتهى الأمر، أو لعلها نومة لا تستيقظ منها ولا تدري هل تخبر أهلك؟ وماذا تريدون إذا رجعت من العمل أو من المدرسة؟ فإذا بك لا ترجع، لا تعلم لعلها السفرة الأخيرة، لعلها وأنت تلعب أو تسبح أو تنام أو أنت ساجد أو قائم أو راكع! لا نعرف! أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] والله لو كنت في أفضل الأماكن، وحولك الأطباء قد تجمعوا ليرجعوا لك الروح.. إنها النهاية.

    ولو أنا إذا متنا تركنا     لكان الموت راحة كل حي

    ولكنا إذا متنا بعثنا     ونسأل بعده عن كل شي

    أيها الأخ العزيز! أريد منك في هذه اللحظات أن تتخيل نفسك وقد جاءك ملك الموت، ولنبدأ معاً هذه الرحلة.

    يا أخي الكريم: لعلك في هذه اللحظة تلتفت فإذا بملك الموت جالس عند رأسك، ونعرف حينها إن كنت عبداً صالحاً، هل صليت الصلاة، وحافظت على الواجبات، وهل إن عصيت الله تبت، وإن أذنبت رجعت واتقيت الله وأتبعت السيئة الحسنة؟

    إن كنت من هؤلاء وجاءك ملك الموت، فإذا بك تنظر إلى ملائكة بيض الوجوه مد البصر من حولك، لعل الأم تبكي، ولعل الزوجة تبكي، ولعل الأب يبكي، ولعل الطبيب يأتي ويحاول أن يداويك ويرجع لك الروح؛ لكن كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ [القيامة:26-27] ينادون: من يداوي هذا؟ أرأيت إن أتتك السكتة؟ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ [القيامة:27] كأن القارئ قد خنقته العبرة، وكأنه قد تردد هل من راق؟ أي: من يداويه وهو يعلم أنها النهاية وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاق [القيامة:28].

    أخي الكريم! لو كانت هذه اللحظة قد أتتك هل أنت مستعد؟ حاسب نفسك.. هل صليت الصلوات الخمس في بيت الله بخشوعها وأركانها وواجباتها، أم أنك لا تعرف بما صلى الإمام في صلاة العشاء أم أن الفجر ليس في جدولك؟ لا نعرف.

    أخي الكريم! كم تلفظت بكلمة حرام في هذه الليلة أو في ذلك اليوم؟

    أخي الكريم! ماذا أديت من حقوق الله في بر الوالدين وصلة الرحم وطلب العلم والدعوة إلى الله؟ كم زلة وقعت منك هذا اليوم.. كن صادقاً مع نفسك.

    أخي الكريم! إذا خدعت فإنك لا تخدع إلا نفسك.

    نبدأ إلى تلك الرحلة.. رحلة الرجل الصالح الذي تاب إلى الله، نعم. يذنب، ولكنه يندم، ويخاف ويوجل القلب، ويرجع إلى الله، ويتبعها الصالحات.

    هذا الرجل يأتيه ملك الموت وهو مستعد وجاهز، تخرج روحه كما تسيل القطرة من فيّ السقاء، هل يحس ويتألم بها؟ لعل الجسد يتألم أما الروح فلا، تخرج الروح كما تسيل القطرة، فيأخذها ملك الموت، فتخرج كأطيب ريح وجدت على وجه الأرض، فتصعد إلى السماء الدنيا فيفتح لها، هذه روح شريفة، مرغ جبهته لله، باراً بوالديه، واصلاً أرحامه، متصدقاً في سبيل الله، يصلي الصلوات الخمس، يعف عن الحرام، إن زل رجع إلى الله وتاب، تفتح له أبواب السماء كلها إلى السماء السابعة ثم ترجع إلى جسده، وهو الآن في حفرة ضيقة؟ يسمع أناساً يمشون فوقه، يسمع قرع نعالهم، فالأمر سريع، لعلها ساعات قليلة؛ بل لعلها دقائق، والناس لا يزالوا حوله، ولا ندري لعلهم قد صفوا صفوفاً يعزي بعضهم بعضاً، ولعل أباه يبكي عليه فوق قبره، ولعل الإخوان يقولون: مسكين فارق الدنيا! مسكين لم يتمتع بشبابه! مسكين ذهب ولم يكمل دراسته! ولم يرَ الزوجة! ولم يرَ ابنه في بطن أمه! ولم يفعل ولم يفعل!

    حال المؤمن في قبره

    أيُّ مسكين ذلك الذين يجلس فإذا به بملكين أسودين أزرقين ينتهرانه فيقولان له: من ربك؟ فيجيب إجابة المستيقظ: ربي الله.. ما دينك؟ ديني الإسلام؛ لأنه عندما كان يسمع: الله أكبر! كان الله عنده أكبر من كل شيء، وعندما كان يسمع: الصلاة خير من النوم، رمى الفراش وهب مسرعاً إلى المسجد، وعندما كان يخر ساجداً لله فيقول: سبحان ربي الأعلى، كان في قلبه أن الله هو الأعلى من كل شيء في قلبه وفي حياته، وإن سأل فلا يسأل إلا عن شيء هو موافق لشرع الله، شراء السيارة حرام أم حلال.. وما حكم الشرع فيه؟ هذه الصلاة هل هي بدعة أو سنة وما حكم الشرع فيها؟ كان لا يسأل إلا عن دين الله؛ ولهذا إذا سئل: ماذا تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟

    فيقول: هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، وجاء في بعض الروايات: فيفتح له باب إلى النار، فينظر إلى النار، فيقال له: هذا مكانك لو عصيت الله، نار يأكل بعضها بعضاً، سوداء مظلمة، ثم يغلق الباب ويفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا مكانك، انظر لعلك لا زلت فوق رأسه في المقبرة، وبعضهم يمشي عليه وهو ينظر إلى قصره في الجنة، ينظر إلى الأنهار والأشجار، ثم يغلق الباب، فيقول: ربِ أقم الساعة! ربِ أقم الساعة! ربِ أقم الساعة، فيأتيه رجل طيب الثياب، حسن الوجه، طيب الرائحة، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، والله ما علمتك إلا سريعاً لطاعة الله بطيئاً إلى معصيته.

    نعم. تعصي الله؛ لكنك تخاف؛ كل الناس يخطئون ويعصون لكنك إن عصيت فلا تحرص على المعصية.. إن عصيت الله فإنك ترجع بعد المعصية؛ تندم.. تتوب.. تخر ساجداً لله.. تبكي.. تستغفر الله.. تنكسر وتنطرح بين يديه.

    يقول: والله ما علمتك إلا بطيئاً إلى معصية الله، سريعاً إلى طاعته، فيجلس عنده، فيقال له: نم نومة العروس، فيأتيه من ريح الجنة ويفرش له من فراش الجنة مد بصره.

    خروج المؤمن من قبره إلى المحشر

    الله أكبر! الناس فوقه يظنونه في حفرة ضيقة.. ونحن المساكين وليس هو.. نحن في عذاب وليس هو، فقد فتح له في قبره مد بصره، وفرش له من الجنة، وتأتيه رائحة من الجنة، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يبكون وهم يخرجون من المقبرة، وهو يدعو الله أن تقوم الساعة، ينام نومة ثم يستيقظ.. على ماذا؟ يستيقظ حين يسمع صيحة فوقه؛ فإذا بالقبر ينشق، ثم إذا به يخرج يستمع إلى الناس وهم يبكون، والبعض منهم يدعو ثبوراً، والبعض منهم يضرب نفسه، حتى يقول المجرمون: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس:52]؟ فيرد عليهم: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52] هذا الذي كنا نقرأه في كتاب الله.. هذا الذي كنا نسمع به في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقال لهم: أيها الناس! هلموا إلى ربكم، فيقف تحت ظل العرش.. أرأيت! الأمر سريع، يقف تحت ظل عرش الرحمن.. إنه من السبعة الأصناف.. من هم؟ رجل قلبه معلق بالمساجد، نشأ في عبادة الله، شاب أتته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، الشهوة تدعوه، كان عنده قوة وجرأة لكنه يخاف الله، فإن كان من هؤلاء السبعة, فيكون تحت ظل عرش الرحمن.

    إن الأمر -أيها الإخوة- حق وصدق وليس بالهزل.. كم يقف الناس؟ خمسين ألف سنة، أما هو فيقف كما بين صلاة الظهر والعصر، أرأيت الأمر كم هو؟ إنه لحظات، بالأمس كان في الدنيا فمات، ثم نام في القبر، ثم استيقظ، ثم يؤتى إلى الرحمن -إن كان يحاسب- فتعرض عليه أعماله عرضاً.. عبدي! أتذكر ذنبك؟ أتذكر تلك الليلة وذلك اليوم؟ قبل أن تلتزم كم كنت تفعل وتفعل.. لا تصلي الصلوات، تذكر يا فلان، لكنه التزم بشرع الله، وغير حياته، وإن عصى الله ستر على نفسه، يقول الله له تلك الكلمات العظيمة: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فإذا بالكتاب يعطى باليمين، ومن شدة الفرح يولي إلى الناس، فيقول: هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:19-20] كنت متأكداً منه هذا اليوم، كنت أشعر أن هناك يوم قيامة، وكنت مصدقاً وواثقاً به، لهذا كانت آمالي كلها رجاء ذلك اليوم، والخوف من ذلك اليوم.. أيها الناس اقرءوا كتابيه! ماذا ترون؟ فيرون صلاة الفجر، وقيام الليل، وقراءة القرآن، والتسبيح والتهليل والتحميد والذكر، وطلب العلم، والدعوة إلى الله، وصحبة الصالحين.. ماذا يرون؟ عمرة وحج وجهاد وأذان وصلاة واستغفار.

    اقرءوا كتابيه، إن كانت معصية سترها الله، بل لعل الله عفا عنها ومحاها، اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:19-20]، إلى أين يذهب؟ الأمر سريع ونراه قريباً، يحشر مع زمرة لعلها كانت معه في الدنيا أو تساويه في الدرجات يوم القيامة وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً [الزمر:73].

    أخي الكريم! لم لا ترجو أن تتوب إلى الله، تخيل نفسك وأنت تمشي إلى الجنة! هل يحتاجون إلى مشي طويل؟ لا، وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [الشعراء:90] تقترب منهم الجنة فإذا بهم قد انتظروا عند أبوابها، ولها ثمانية أبواب مغلقة، ما بين مصراعيها مسيرة أربعين سنة.. تخيل عظمها! يخرج منها ريح يوجد من مسيرة كذا وكذا، ويتقدمهم أفضلهم عليه الصلاة والسلام.. من هو؟ إنه محمد صلى الله عليه وسلم، ذلك الذي كنت طالما أسأل عن سنته وهديه، وأحب أن أقتفي أثره.. كيف كان يقرأ.. يصلي.. يتوضأ.. كيف كان يعلم الناس؟ كل هديه أسأل عنه، الآن رأيته بعيني يتقدم الناس، فيقدم على حلقة من حلقاتها، فيطرق الباب -والأمر حقيقة فادعُ الله أن تكون منهم- فيقول الملك: من أنت؟ فيقول: (أنا محمد -انظر إلى التواضع- فيقول له الملك: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك، فإذا بالباب يفتح والناس ينظرون).

    الله أكبر! هل تظن أنك سوف تتخيل كيف يفتح الباب وماذا يكون داخل الباب؟ مهما تخيلت، مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] كم هو الأمر؟ سريع ولن ندخل في تفاصيل الجنة، ولكن لمحة سريعة.

    1.   

    وصف الجنة وحال المؤمن فيها

    إن أول زمرة يدخلون الجنة كصورة القمر ليلة البدر، تخيل: كالقمر وما أجمل من القمر! يدخلونها تظن ماذا يرون فيها؟ إذا رأيت إلى صورهم وهم يدخلونها وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [عبس:38-39] يدخلون إذا رأيت ماذا ترى وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً [الإنسان:20] أربعة أنهار: نهر من لبن.. هل تتصور هذا؟ والله الأمر عجيب! أم هل تتخيل نهر من عسل يجري وليس أي عسل؛ إنه عسل مصفى.. من الذي صفاه؟ تخيل خمر لذة للشاربين! ليس كخمر الدنيا ماء يجري.. أنهار، قال بعض السلف : لا تجري في أخاديد إنما تجري على أرض الجنة المستوية. تخيل كيف يجري عليها النهر؟ أرض مستوية ليس فيها أخاديد، قال سبحانه: وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ [الواقعة:31] قال بعضهم: ليس في أخاديد. هكذا تجري على أرض الجنة، تخيل هذه الأنهار! ما بالك بالأشجار.. ما في الجنة شجرة إلا ساقها من ذهب، تخيل ولو لحظات! هل تتصور ظلها مائة عام يجري فيه الجواد المضمر مائة عام لا يقطع هذا الظل.

    والله إنه ليكفي أن نتخيل هذه النعمة شوقاً إلى الجنة، تخيل القصور! بعضها من ذهب وأخرى من فضة، أتعرف لمن؟ لمن ألان الكلام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام.

    أتعرف لمن؟ لمن تعب وظمأ بالهواجر -في النهار يظمأ وفي الليل يقوم- لمن يقرأ القرآن، لمن يطلب العلم (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجن) نعم! يدخل الحنة لكن بأي طريق؟ بطريق سهل ميسر.

    أخي الكريم! أتعرف ماذا في الجنة؟ وإذا دخلت في القصر ماذا ترى فيه؟ حور عين، لو أن واحدة منهن نظرت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض.

    لو تحمل شيئاً من الجنة بظفرك وأخرجته منها، لتزخرفت خوافق السماوات والأرض، سوار واحد لرجال أهل الجنة -وليس للنساء- إذا خرج من الجنة طمس نور الشمس.. فالأمر عجيب يا إخوة! إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً [الواقعة:35] من الذي أنشأهن؟ إنه الرحمن الذي أنشأ لك الحور العين!

    عبد الله! تتركها لساقطة فاجرة متبرجة يأتيها أيام في الشهر تُنْتِن.. يأتيها زمن يرق عظمها وجلدها ثم تذهب إلى المقبرة.

    عبد الله! كن صادقاً مع نفسك، واتق الله، ولتنظر نفس ماذا قدمت لغد؟

    إذا كانت لك الحور العين بتلك الصورة فسوف أصف لك شابة يرى مخ عظامها من وراء اللحم.. كيف هي لطيفة ورقيقة! إذا كان الجلد واللحم من رقته لا يمنع رؤية العظم داخل الساق.. كيف هي يا عبد الله؟ لا ترى غيرك في الجنة ولم ترَ قبلك أحد، قاصرات الطرف لا ترى غيرك، كأنهن لؤلؤ مكنون، مغطى من جمالها وحسنها؟ كل أسبوع تزداد حسناً وجمالاً، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

    يجتمع أهل الجنة يتذكرون ما كان يحصل لهم في الدنيا، كل أحد يقول: تذكروا عندما كنا نفعل كذا وكذا قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26] تذكرون كان لي صاحب في الدنيا لا أراه الآن.. سواء في العمل.. في المدرسة.. في الشارع.. في البيت.. من الأقرباء ليس هو معنا الآن في الجنة.. أين هو ؟ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات:51] في الجنة يتحدثون.. كان صاحب يمشي معي في كل مكان؛ لكن ترك يوماً من الأيام والتزم مع الصالحين.. ماذا قال له؟ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ [الصافات:52] كان عندما تبت ورجعت إلى الله، والتزمت مع الصالحين كان يقول لي: أإنك لمن المصدقين، أين تذهب تضيع نفسك.. شبابك.. حياتك ....وتربي اللحية، امشِ نسافر ونذهب السوق، وفلان وفلانة يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:52-53] حتى نموت وحتى يبعثنا الله أياماً طويلة أإنا لمدينون؟

    من صدقك أن الله سوف يحاسبنا، ونحن مسلمون والحمد لله، وبعد لحظة وإذا بالنار تكشف لهم وهم جالسون في الجنة، قال تعالى: قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [الصافات:54]، يقول لأصحابه في الجنة: ألا ترون؟ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات:55] رأى صاحبه في قعر النار يحترق.. نار تلظى، نزاعة للشوى، من حرها ينفصل العظم عن اللحم، وتتطاير بشرر كالقصر، يأكل ما يسيل من فروج الزواني؛ بل إذا تشقق الجلد وخرج الصديد تسابق إليه أهل النار ليأكلونه، يأكلون طعاماً ذا غصة وهو ينظر إليه، ابتلع الطعام من شوك تغص بها الحلوق، يريد أن يشرب الماء فيقترب منه ليشرب فعندما يقترب تسقط منه فروة الرأس إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهًَ [الكهف:29] يقول لأصحابه: هل أنتم مطلعون؟ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات:55].

    والآن تبدأ المحادثة: من في الجنة يحدث من في النار! نعم. إنها الحقيقة أحدث فلاناً الذي كان طالما يجرك من الهداية، ويمنعك منها، ويصدك عن الصلاة، ويشوه سمعة الصالحين، ويحدثك بالنساء، ويدعوك للزنا وللسفر إلى الحرام، والذي كان طالما يدعوك للحرام، الآن تراه وتحدثه وأنت في الجنة قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات:56] كدت تهلكني معك وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:57] ثم يلتفت إلى من حوله في الجنة، فيقول لهم: أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الصافات:58-60] ثم ختم الله بتلك الآية: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61] لمثل هذا -أخي الكريم- قم لصلاة الفجر.. افتح كتاب الله واقرأ.. عندما يقال: الله أكبر فليكن حقاً الله أكبر.. لمثل هذا أخي الكريم! كف لسانك عن أعراض المسلمين.. بر بوالديك.. صل الأرحام.. اترك الفسقة الفجرة واستبدلهم بالصالحين لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61].

    1.   

    العصاة ومصيرهم

    الصنف الآخر: من الناس من هو؟

    إنه رجل فاجر، طالما ارتكب المنكرات، ووقع في الذنوب، إذا سمع: الله أكبر! صد وولى، يقوم من فراشه يستمع "حي على الصلاة حي على الفلاح" ثم يرجع وينام، لا يريد أن يصلي، إنه لا يعرف الفجر إلا بعد طلوع الشمس نسأل الله العافية، بل ويجعل الساعة بعد طلوع الشمس وقد انتهى وقت الصلاة، إنه أسقط ركناً من أركان الدين.. عاق لوالديه.. قاطع للرحم.. لسانه يسري في أعراض المسلمين يمنة ويسرة.. لا يتورع عن أحد؛ سواء كان له فضل أو ليس له فضل في الدين.. رجل لا يعرف إلا النساء والأغاني والمخدرات والدخان والربا والمحرمات والمنكرات.. لا يعرف المساجد.. ولا يعرف التوبة إلى الله ولا الرجوع إليه، يأتيه ملك الموت في غفلة ليقبض منه الروح، فأول ما يرى ملك الموت يقول له: من أنت؟ يقول: ملك الموت؟! وهذا المسكين لم يرجع الأمانات إلى الناس، ولم يستسمح من المسلمين، ولم يؤدِ الصلوات، هذا المسكين إلى الآن وهو كل يوم يرتكب المعاصي، ويظن أن الله لا يطلع على ما يعمل.. الآن جاء ملك الموت؛ وهو لعله يكون أمام التلفاز.. في سفر إلى الحرام، فإذا بالروح تتمزق وتتفرق في الجسد؛ فإذا بملك الموت ينزعها نزعاً وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً [النازعات:1] تتوزع الروح في الجسد، فتتقطع العروق والمفاصل، وتخيل أنهم في أول العذاب، يضربون وجوههم وأدبارهم، والملائكة تنظر إليه! ما باله مسود الوجه؟ لماذا يصرخ؟ ماذا حدث له؟ موتة طبيعية ولكنه يصرخ ويبكي! أتعرف من الذي يضرب؟ إنها الملائكة وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الأنفال:50] تجر الروح الملائكة كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض.

    الله أكبر! طالما كان يتطيب وينظر في المرآة ويجمل وجهه ويسافر ويشتري بأغلى الأثمان ما يطيب ويجمل به وجهه، (إن الله جميل يحب الجمال) لكنه فاجر خبيث القلب والروح، خرجت روحه كأخبث ريح جيفة وجدت على ظهر الأرض، فترفع إلى السماء الدنيا فلا يفتح لها، لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [الأعراف:40] أعوذ بالله! فإن عرف أن السماء لم تفتح له فليبشر وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]، وأنى له أن يدخل، تطرح روحه في الأرض طرحاً، يقوم فإذا قرع النعال فوقه، والبعض منهم يقول: اعملوا بالظاهر، فيقولون: كان رجل مسلماً صالحاً... وهم لا يعرفوا ما في باطنه، يقول أحدهم بعد أن تاب: لقد نبشت ألف قبر من قبور المسلمين، فوجدتها كلها قد حولت عن القبلة.

    كان عثمان رضي الله عنه إذا ذكر له القبر بكي حتى تبتل لحيته، ونحن نتكلم عن القبر وعن صفات وأحوال الميت فما تنزل منا دمعة.. ما الفرق؟ المظهر واحد.. اللحى طويلة، والأذن قصيرة، ونطبق السنة الظاهرية -وهذا طيب ولعله من الواجبات- لكن المصيبة كل المصيبة في القلوب، أن قلوبنا تختلف عن قلوبهم.

    مصير العاصي في قبره

    استمع ماذا يحدث للعاصي! ترجع الروح إلى الجسد، فيأتيه ملكان أسودان أزرقان ينتهرانه.. من ربك؟

    ما دينك؟

    ما تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟

    ثم تعاد الأسئلة مرة أخرى.. من ربك؟

    فيقول: هاه هاه لا أدري، كان يعرف في الدنيا لكنه نسي.. ما دينك؟

    لا أدري، إنه رسوب في الاختبار.

    ماذا تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟

    فيقول: لا أدري.

    فيقول له الملك: ومحمد رسول الله؟

    فيقول: كنت أسمع الناس يقولون كلاماً فأقول مثلهم، فيقال له: لا دريت ولا تليت، وانتهى الاختبار؛ فإذا بمرزبة على رأسه لو ضرب بها جبل لهدته، ثم يعود مرة أخرى، فيضرب ضربة ثانية يسمعها كل من حول القبر إلا الجن والإنس، ولو سمعه من حول القبر من الجن والإنس لصعقوا.

    لا حول ولا قوة إلا بالله.. يصيح صيحة، تخيل مطرقة! قال بعضهم: لو حملها أهل منى ما استطاعوا حملها، ثم بعدها يفتح له باب من الجنة، فيقال له: هذا مكانك لو أطعت الله، انظر القصر! الأمر كان سهلاً جداً، خمس صلوات فرضهن الله، خمس في العمل وخمسون في الأجر.. طاعة الوالدين، صلة رحم، طيب الكلام، عف عن الحرام، حرم الله عليك الزنا وأباح لك الزواج بأربع.

    الله أكبر! الحلال كثير والحرام قليل لكنك أبيت، فيغلق عليه باب الجنة ويفتح له باب إلى النار، فيقال: هذا مكانك، قد أبدلك الله به ذلك المكان، فإذ به يرى الشرر يتطاير، والنار السوداء المظلمة يأكل بعضها بعضاً، يرى الحميم والزقوم والغسلين.. فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه في القبر حتى تختلف أضلاعه، ثم ماذا؟

    يأتيه رجل -تخيل- قبيح المنظر، منتن الريح والثياب، فيقول له: من أنت؛ فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، والله ما علمتك إلا سريعاً في معصية الله.. نعم! كلما اتصل بك أحد تذهب مباشرة إلى المعصية؛ كلما تفتح جريدة ونظرت دعوة إلى المنكر ذهبت إليها سريعاً، بطيئاً إلى طاعة الله إذا دعيت إليها.

    الله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله! يطيع الله لكن ببطء، يقوم للصلاة لكنه كسلان، ينفق لكنه كاره، يصلي ويتظاهر بالصلاة أمام الناس، وليس في قلبه حب لله، ولا خوف من الله، ولا رجاء في رحمة الله أبداً، إنما هي مظاهر، بطيء التفاعل في طاعة الله، فإذا به يقول: رب لا تقم الساعة.. رب لا تقم الساعة.. رب لا تقم الساعة!

    خروج العاصي من قبره إلى المحشر

    هل ينام؟ هل الوقت عليه قصير؟

    لا والله! يجلس مع الذي بجانبه والقبر قد اختلف عليه حتى اختلفت أضلاعه، ويأتيه من حر النار وسمومها إلى قيام الساعة، ثم بعدها إذا بالقبر ينشق، فإذا به يخرج من قبره.. ماذا يقول؟ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس:52] فيرد عليهم: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52] وعندما يخرج ماذا يرى؟

    الناس يخرجون من قبورهم، فتضع كل ذات حمل حملها، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، والطفل الصغير الذي لم يذنب قط قد شاب شعره.. ما بالكم بالذي يأتي في الليل، ويغلق على نفسه الباب، ويفعل ما يفعل؟! ما بالكم بالذي لا يصلي الفجر إلا في الشهر مرة أو مرتين!! ما بالكم بالذي يجلس ويغتاب الناس! ما بالكم عباد الله بالذي يعق والديه، تقول له أمه: افعل كذا؟ فيقول: لا أفعل! ما بالكم إذا كان الطفل الصغير يشيب رأسه!

    أيها الناس! هلموا إلى ربكم، يقف خمسين ألف سنة.. قف لحظة وفكر ما معنى خمسين ألف سنة؟ كم سنة مضت حتى الآن؟ عشرين.. ثلاثين، اسأل من عمره سبعين أو ثمانين سنة؟ ماذا يقول مع أنه ينام ويتنعم ويشعر ببعض النعيم، ولكنه يقول: مللت من الدنيا! فما بالك بمن يقف على رجليه خمسين ألف سنة تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4] لو كان تحت الظل لهان الأمر، لكن تخيل! الشمس تدنو بمقدار ميل، والعرق يتصبب على قدر الذنوب، في ذلك اليوم تبدأ الحسرات، بعضهم يبكي فيقول: يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهَِ [الزمر:56] كان يدعونني الصالحون ويقولون لي: تعال معنا إلى الدرس.. إلى المسجد.. إلى الصلاة.. إلى العمرة، كانوا يدعوني إلى الصلاح، يا حسرتى! هل تنفع الحسرة؟

    وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةَِ [مريم:39] سماه الله يوم الحسرة لأن الناس كلهم يتحسرون؛ والواحد منا إذا تحسر عض على إصبع أو على اثنين أو على ثلاث، لكن هذا يدخل كلتا يديه في فمه ثم يعض عليهما وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً [الفرقان:27-28] يسميه باسمه، زيد أو عمرو أو فلان، فتسميه باسمه يوم القيامة الذي أضلك عن هذا الطريق وعن هذه الهداية، وعن المسجد، وعن قراءة القرآن، وعن الصالحين، فتذكره باسمه، وتدعو عليه يوم القيامة يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي [الفرقان:28-29] كنت صالحاً، وكنت أجلس مع الصالحين لكنه أضلني عن الذكر، وبعد الحسرات إذا به ينادى: أين فلان؟ فقد انتهت خمسون ألف سنة، وجاء الرب ليقضي بين الناس، وقبله ماذا يحصل؟ تأتي جهنم تخيل -يا عبد الله- يا من لا زلت متردداً أتوب أو لا أتوب؟ ألتزم أو لا ألتزم؟ يا من لا يزال متردداً -عبد الله- يكفيك من هذا التفكر، الناس ينتظرون، فإذا بالناس يسمعون صوت جهنم تناديهم وتزفر وتشهق إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [الفرقان:12] تجر لها سبعون ألف زمام -أي: مثل الحزام- مع كل زمام سبعون ألف ملك ما بين أذنه إلى عاتقه مسيرة أربعين سنة أو سبعين سنة.

    تخيل! كل زمام له سبعون ألف ملك.. أتعرف ماذا يفعلون؟ يجرونها.

    قال بعضهم: لو لم تكن لها أزمة لعتت وأحرقت كل بر وفاجر، فجعل الله لها أزمة، المكان بعيد.. إذا رآها الناس خروا جميعاً -حتى الأنبياء- على الركب يقولون: اللهم سلم سلم، اللهم نفسي نفسي وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَة [الجاثية:28] في تلك اللحظات عندما يرى جهنم وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر:23] في تلك اللحظة يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَان [الفجر:23] يتذكر تلك اللحظة عندما كان يأتي في الليل ويفعل ما يريد من المعاصي ولا يندم، وبعدها يتذكر تلك اللحظة، لا أحداً يراه في السوق، يختلي بالمرأة ويكلمها وتكلمه، ويواعدها وتواعده، فيتذكر ذلك اليوم، قام من الفجر واستمع الأذان لكنه رجع ونام وهو غير مبالٍ، ولا ندم ولا خاف ولا رق قلبه ولا تاب، يتذكر ذلك المجلس حين كان يجلس فيذكر فلاناً ويضحك، فلان فيه كذا وكذا، وكان يتخذ الأساليب الشيطانية الخبيثة! نعم، قال: جزاه الله خيراً لكنه يبدأ يستلمه وينهش في عرضه، يتذكر تلك الأوامر التي لم يستجب لها، وتلك المحرمات التي انغمس فيها يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر:23].. ماذا يقول؟ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر:24] نعم والله! سل أولئك الذين قضوا أيامهم مع النساء في السفرات والزنا والخنا وشرب الخمور والأغاني واجلس معهم جلسة واسألهم: هل تحسون حقاً بالسعادة؟

    لا والله؛ هم أتعس الناس.. أتعرف ما نهايتهم؟ يرمي بنفسه من أعلى شارع لينتحر، سلوهم في السويد .. في أمريكا ما نهايتهم؟ يقذف بنفسه من أعلى شارع، أو يشنق نفسه.. لم؟

    لأنه لم يشعر بالسعادة وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] هل حس بالسعادة في الدنيا؟ لا والله؛ ضيق في الدنيا، ثم ضيق في القبر، ثم ضيق يوم القيامة، ومصيره إلى النار.

    سل أولئك: ما أسعد يوم عندكم في حياتكم الدنيا؟ يقول: إنها ليالي رمضان، أين؟ يقول: وأنا في المسجد أصلي القيام هذه أحلى الأيام والليالي في الدنيا.

    سله: ما أحلى الجلسات؟ يقول: جلسة جلسناها في الحرم نقرأ كتاب الله، هذه هي أمتع أيام الدنيا، سلهم: ما أحلى الكلمات التي خرجت منك؟ يقول: حين جلست يوماً أقرأ كتاب الله. ما أحلى مجلس جلسته؟ يقول: حين جلست أستمع إلى ذلك الرجل عندما كان يحدثنا وننتصح بكلامه، هذه أحلى الجلسات، سله عن قلبه؟ فإذا بك تجده أشرح الناس صدوراً وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَاٍ [هود:108] في الجنة وفي القبر ما مصيرهم؟ سعادة في الدنيا، وسعادة يوم القيامة، والجزاء من جنس العمل، أما ذاك فاختار الضيق في الدنيا، فهو ضيق في قبره، وضيق في المحشر.

    وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3086718663

    عدد مرات الحفظ

    761093389