إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 2للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المؤمن في طريقه إلى ربه تعترضه العقبات، وتواجهه المحن والصعوبات، من أجل ذلك فهو يحتاج إلى ما يقويه في هذا الطريق، وما يشد عضده في هذا السبيل، وقد وجه الله عباده أن يستعينوا بالصبر والصلاة، فهما زاد للسائر إلى ربه، فما أوتي أحد من الخلق خيراً من الصبر، والصلاة تولد نوراً في القلب لا تولده عبادة غيرها.

    1.   

    الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا مع نداءات الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه، هذه النداءات الرحمانية والتي بلغت تسعين نداءً، وقد ذكرنا أمس أنها حوت كل متطلبات الحياة، حياة الفرد والجماعة، بل حياة الآدميين والجنيين، وعجبنا من أنفسنا أن ينادينا ربنا ونحن عبيده، وأن ينادينا سيدنا ونحن مملوكون له، وأن ينادينا حبيبنا ونحن أحباؤه، ولا نصغي ولا نسمع، ولا نعي ولا نفهم ماذا أراد منا، فهذا أمر يثير في النفس العجب، وسل المؤمنين والمؤمنات هل عرفوا نداءات الرحمن لهم؟ واذكروا لنا نداءً واحداً قلنا فيه: سمعاً وطاعة ربنا، فمرنا نطيع، وعلة هذا هي تلك العلة العامة، ألا وهي الجهل، فضعف إيماننا وعملنا، فنحتاج إلى طاقة دافعة وإلى نور هادئ، والطريق إلى تحصيل ذلك هو أن نجتمع مثل اجتماعنا هذا في بيوت ربنا من المغرب إلى العشاء كل ليلة في كل قرية ومدينة في ديارنا الإسلامية وطول الحياة، نتعلم الكتاب والسنة، والنساء وراء الستار، ومكبر الصوت بينهن، والأطفال بين الرجال وأمهاتهم، فهذا هو سبيل النجاة، وهو طريق العلم، وهو الذي يبعد عنا ظلمة الجهل التي أسرتنا وكبلتنا وقيدتنا، وتركتنا ضائعين كالمجانين، وليس من حق أحد أن يقول: كيف نعطل حياتنا ونقبل على طلب العلم طول أعمارنا؟ لأننا رأينا اليهود والنصارى والمشركين والبلاشفة والكافرين يشتغلون إلى غروب الشمس، فإذا غربت الشمس غسلوا أيديهم ولبسوا أحسن ثيابهم وذهبوا إلى الملاهي والمقاهي والمقاصف والمراقص؛ حتى يقضوا ساعاتهم فيها، وهم كالبهائم، ولم يقولوا: لن نترك الدنيا، ونحن الربانيون الذين نريد أن ننزل الملكوت الأعلى يصعب علينا أن نغلق هذه الدكاكين الخربة، وهذه الأعمال الباطلة ما بين المغرب والعشاء؛ لنتعلم ونذهب الجهل عن قلوبنا وأنفسنا؛ حتى نعرف حقيقة المعرفة ديننا، فنكمل ونسعد ونتهيأ للملكوت الأعلى.

    وها نحن الآن مع النداءات الرحمانية، وأول نداء من نداءات الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه كان أمس، وهو قوله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:104]. هذا الحديث الإلهي والنداء الرباني علمنا الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب أن نتأدب مع نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد قال له المؤمنون: راعنا عن حسن قصد وعدم علم، ولما كانت الكلمة تحمل معنى السخرية والهزء والاستهزاء في لغة اليهود العبرية حرم الله تعالى على المؤمنين قولها، فقال: لا تَقُولُوا [البقرة:104]. وبعد هذا النهي من قالها خرج من ملة الإسلام، ونحن - والحمد لله- لسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نتعلم الكتاب والحكمة بين يديه؛ إذ حرمنا هذا، وما كنا أهلاً له، وقد فاز به أولئك الصالحون، ولكن معنا خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يبلغون رسالته، ويعلمون الكتاب والحكمة، فلنتأدب معهم، فلا يجوز أبداً لي أن أقول لمرب: راعني؛ لأن الله قال: لا تَقُولُوا رَاعِنَا [البقرة:104]. بل قل: انظرني من فضلك حتى أفهم، وأمهلني حتى أعي ما قلت، وأما راعنا أو راعني فلا.

    ومضى رسول الله ومواكب الكمال معه، ونحن نتأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذ ذكرناه فلنذكره بإجلال وإكبار واحترام، وإياك أن تذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يحدثك أحد برسول الله وترفع صوتك وتضحك، أو تلتفت يميناً وشمالاً، بل تأدب كأنك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنتأدب مع مربينا .. مع معلمينا .. مع موجهينا .. مع مرشدينا .. مع آمرينا وناهينا، هذه آدابنا السامية الرفيعة التي أكسبناها الله بمثل هذا التوجيه الإلهي.

    وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا [البقرة:104]، أي: أطيعوا واسمعوا ما يقال لكم .. ما يوجه إليكم .. ما تدعون إليه .. ما تؤمرون به، فلا تغفل .. لا تعرض .. لا تدبر، بل إذا نوديت بنداء الحق فأقبل واسمع وأصغ وافهم واعمل؛ لأنك تتهيأ لأن تصبح مع مواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

    وذكرت لكم أننا لو نصلي بهذا النداء الذي تعلمناه النوافل طوال اليوم، فإن هذا النداء يرسخ في نفوسنا، ويصبح من الضرورات عندنا ومن المحفوظات، وهذا النداء يكفي أن تصلي به الظهر، بل الصبح، ومن باب أولى النوافل، والذي أشير إليه أننا ما زلنا غافلين، لم نعط هذا النداء ولا الذي بعده قيمتهما، وسواء نحفظهما أو لا نحفظهما غير مهم، وهذا والله ما يليق بنا، ونحن أولياء الله.

    وإن شاء الله قد أصبح وأمسى محفوظاً لدى المؤمنين، ومن كان كليل الذهن حسيراً فشأنه وأمره إلى الله، فتراه يسمع حكاية ويعيدها بالحرف الواحد، أو يسمع أغنية فيحفظها ويتغنى بها، وإذا سمع نداء ربه إليه لم يحفظه ولم يبال به، وهذا لا يسوغ.

    1.   

    المقصود بالصبر والصلاة في النداء

    والنداء الإلهي الثاني لعباد الله المؤمنين مضمونه وفحواه هو: الحث على الصبر والصلاة؛ إذ بهما العون بإذن الله، فمن أراد أن يعان على أمور دينه ودنياه فالعون يأتي من الله، والله وضع هاتين العظيمتين، فمن أخذ بهما وصل إلى غايته وفاز بمبتغاه.

    أما الصبر فهو: أن تحبس نفسك وهي كارهة، ولا تتململ أو تتضجر أو تصرخ، واضغط عليها وواصل عملك حتى تنتهي منه وتفوز به، فالصبر حبس النفس وهي كارهة على فعل ما أمر الله به، وعلى ما يجب أن تقوم به من الأعمال الصالحة، وحبسها عما يشينها، وعما يخبثها، وإبعادها كل البعد عما حرم الله عليها ونهاها عنه من قول أو اعتقاد أو عمل أو سماع أو نطق، ويدخل في هذا كل عمل، فاحبسها وواصل مسيرتك فإنك ناجح بإذن الله، فمثلاً وأنت تخيط ثوبك إذا لم تصبر على خياطته وتحبس نفسك عليه فسوف تمل وتتركه ولا تكمله، وإذا كنت تبني جداراً فإذا لم تصبر وتوالي البناء فسوف تتركه ولن تكمله ولن تنتفع به، وإذا كنت ماشياً في طريقك فقد تضجر وتمل نفسك، فتعود وترجع إلى الوراء، ولن تكمل عملك، وإذا كانت مسحاتك في يدك تفلح الأرض بها فإذا لم تصبر وتثبت فلن تستطيع أن تتم عمليتك في بستانك.

    وأما الصلاة: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:153]. فالمراد من الصلاة معاشر المؤمنين والمؤمنات! هذه العبادة التي شرفنا الله بها، وهي خمس صلوات في اليوم والليلة، وهي: الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذه الصلاة أكبر عون على تزكية النفس وتطهيرها، وأكبر عون على النهوض بالتكاليف والواجبات، وأكبر عون على التخلي عن المنهيات والمحرمات، وحسبنا أن يجعلها الله تعالى بين أيدينا معينة على أن نواصل مسيرتنا إلى باب رضاه، وإن كان تعالى قال: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]. فإقامة الصلاة كبيرة إلا على الخاشعين، ومعنى هذا: إذا لم تخشع في صلاتك وصبرت على أدائها بدون خشوع أيضاً فإنها لا تنتج الطاقة المطلوبة من النور الذي به تهتدي إلى فلاحك ونجاحك؛ إذ قال تعالى: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]. فلنخشع في صلاتنا.

    ومن مقتضيات الخشوع بل من موجباته ومسهلاته: أن تذكر أنك واقف أو جالس بين يدي الله تعالى، وهو والله لكذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المصلي يناجي ربه ). فالمصلي يتكلم بالسر مع سيده ومولاه، فإذا ذكرت هذا فيمكنك أن تخشع.

    ثانياً: اذكر لقاءك لربك غداً أو بعده وأنت راحل لا محالة لتقف بين يدي الله، واذكر أن من الأدب أن من جلس مع أحد يتكلم معه ويساره الكلام ويناجيه لا يذهب بعقله ويشرد بقلبه، ولا يلتفت برأسه أو بعينيه، فإقامة الصلاة أكبر عامل من عوامل تزكية النفس وتطهيرها.

    وقد بكينا وقلنا: لو أقام المؤمنون الصلاة في بيوتهم .. في مساجدهم .. في مدنهم وقراهم لم يبق من نسبة الظلم والشر والخبث والفساد أكثر من خمسة في المائة، وكل ذلك ينتهي، وقلنا وما زلنا نقول: على الحكومات الإسلامية أن تفرض الصلاة على مواطنيها فرضاً إلزامياً على المدنيين والعسكريين، وهذا يخفف عنها عبء السرقات والجرائم والتلصص والعهر والفجور والباطل، وهذه عقدة أرهقت الحكومات الإسلامية.

    وأنا أسألكم ولو كنتم عواماً مثلي: لو يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيتك ويجد عاهرة تغني بصوتها الفاتن وتلوح بيديها وترقص، أو يدخل ويجد كافراً ملحداً شيوعياً كافراً صليبياً في بيتك يتكلم ويتبجح بصوته وصورته وامرأتك تنظر إليه، وبناتك العوانس ينظرن إلى ذلك الفحل، فماذا يقول رسول الله؟ فهل هذا بيت مسلم مؤمن؟ والله ما قال ذلك ذو علم ولا عقل ولا بصيرة.

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( من نابه شيء في صلاته ) كأن يقرع أحد الباب عليه ( فإذا كان رجلاً فليقل: سبحان الله)، حتى يفهم من على الباب أنه مشغول بالله، (وإذا كانت امرأة تصفح)، أي: تصفق، ولا تسبح الله لأن صوتها عورة، ولأن ذلك حرام عليها، حرمه مولاها وسيدها، وحرمه عليها لأنه لا يقبلها وهي خبيثة منتنة عفنة إلا إذا طابت وطهرت، وصوتها يغرقها في الشهوات والمعاصي ورب الكعبة، وما كان زنا إلا بعد الصوت والكلام، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الأحزاب:59]. وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53]. فافهم هذا، ولا تسمح لبناتك أو لأولادك الشبان أن يشاهدوا عاهرة تغني وترقص بين أيديهم؛ فإنهم تذوب قلوبهم، وتتمزق غرائزهم، ويقعون صرعى في محنة الشهوات التي لن يفلح صاحبها إلا إذا طاب وطهر. وكوننا ما بلغنا هذا ولا سمعنا به مع أن القرآن لم يرفع وهو محفوظ في الصدور ومكتوب في السطور لأننا هجرنا بيوت الله، ولم نستطع أو نقدر أن نجلس أبداً بين المغرب والعشاء، والذين يجلسون لنا أيضاً نأكل لحومهم ونكسر عظامهم ونصرف الناس عنهم، ونتهمهم بأن هذا وهابي، وهذا مريض، وهذا كذا، فشتتنا جماعتنا، هذه عللنا وأسقامنا وأوجاعنا في الشرق والغرب يا أبناء الإسلام! واعلموا أن كل ما يصيبنا في أي بلد، فهو والله بذنوبنا، ولن ينجو أي مكان من مصائب وويلات تنزل سواء طال الزمان أو قصر؛ لأن الله عليم حكيم، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30].

    ونحن نعرض عن الله وذكره وطاعته، ونريد أن نسلم من العاهات والأسقام والأوجاع والفتن والتكالب على الدنيا وفقد الحياء والأدب وفقد الكمال الروحي، حتى أصبحنا كالبهائم إلا من رحم الله.

    1.   

    الاستعانة بالصبر والصلاة

    الآن مع النداء الثاني: [ النداء الثاني: في الاستعانة بالصبر والصلاة

    الآية (153) من سورة البقرة:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153] ] آية سهلة، أحلى من الحلوى وألذ من العسل في القلوب المؤمنة وعلى الألسنة الطاهرة التي لم تلغ في أوساخ الغيبة والنميمة والكبر والباطل، فليبشر الصابرون بأن الله أخبر أنه معهم، والحمد لله، وإذا كان الله معنا فلن يخذلنا، ولن يقدر أحد أن يهزمنا أو يعلونا أو يتسلط علينا، لا إنسي ولا جني؛ لأن الله معنا، ولكننا لم نحقق الصبر، مع أن الله يقول لنا: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]. لا مع الجزعين الفاشلين المنهزمين الهاربين في ميادين الحياة.

    عاقبة الصبر إلى خير

    وقد صبر أبو عبد الرحمن فروخ -وهو من كبار التابعين- والد ربيعة الرأي شيخ مالك خمساً وعشرين سنة، فقد ترك امرأته عند المسجد حاملاً بـربيعة وحمل سلاحه، وركب جواده، وأخذ يتنقل في المعارك التي هي معارك الفتوحات من إقليم إلى إقليم مدة خمس وعشرين سنة، ثم رجع، فقرع الباب بسيفه فأبوا أن يفتحوا، فاجتمع عليه عجائز الحي والأطفال يرون هذا الذي يسيء الأدب ويدخل بيت الناس بدون إذن، فقال: أنا صاحب البيت، فلم يعرفوه، فسمعت امرأته صوته، فقالت: افتحوا، ادخل، فسألها: أين من كان في بطنك؟ قالت: هو في المسجد، وحوله من الأندلس والعالم الآلاف يتلقون السنة وهو يمليها عليهم، وهم يكتبون، فمر أبو عبد الرحمن بالحلقة من بعيد وجلس حتى أكمل الدرس، فمدة خمسة وعشرين سنة لم يفكر في هذه الغرائز الهابطة التي تكالب عليها النساء والرجال، ولا عرف فرجاً حراماً، ولا شاهد عاهرة خبيثة منتنة؛ لأنهم ما كانوا يشاهدون باطلاً ولا يرون منكراً، ولا يسمعونه.

    ونحن الآن هيجنا شبيبتنا وفتياننا وفتياتنا بما نعرض عليهم ونسمعهم، حتى أصبح ينزو بعضهم على بعض، لا إله إلا الله، فقد انتحرنا بأيدينا، ومزقنا مجدنا وكمالنا، ورضينا بالهبوط فهبطنا، وإلى الآن لا نشعر بذلك، وكلامي هذا لو يسمعه يهودي عاقل أو فرنسي يفكر، ولكن الكثيرين من المسلمين لما يسمعون الكلام هذا يضحكون ويسخرون منه، ويقولون: هذا عميل .. هذا ذنب .. هذا كذا، هذا حال الأمة، فكيف نرقى وقد حطمنا كل سلم لنا، ورضينا باللصوق بالأرض؟ فلنصبر على شهواتنا، ونبعد أنفسنا عن التهالك، والزنا بنساء الآخرين، وإفساد الآخرين، وكل هذا واقع، وقد امتلأت الدنيا بهذا الخبث.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]. فنستعين بهما على أي شيء، فنستعين بهما على ما ننهض به من التكاليف، وعلى ما نقوم به من الواجبات، وهي هامة وعظيمة، فإذا لم يعنا الله عليها لما أقمناها ولا قمنا بها، فوضع الجبار لنا هاتين القاعدتين، وبهما نرتفع، فاصبر على الجوع ولا تمد يدك، واصبر على الغريزة ولا تفتح عينيك، واصبر على البرد ولا تسرق ثوب أخيك، واصبر في جميع أمورك، والله معك وسوف تنجح، واصبر على صيامك وعلى قيامك وعلى ذكرك لربك وعلى مناجاتك لمولاك، وعلى التكاليف، وعلى المشاق، وعلى الأحمال، وعلى السفر، وعلى المرض، وعلى كل ما تحتاج فيه إلى عون من الله عز وجل، والله معك، ولن تخيب أبداً، ولهذا حذف هذا الذي نستعين عليه، ولم يحدد ما هو؛ لأنه ليس شيئاً واحداً، فـ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:153] على كل المشاق والأتعاب والتحملات والحياة بكاملها، حتى على صلاتك من افتتاحها حتى السلام منها وأنت مع الله، وإلا فإنك تلعب وتقضي حاجاتك وأنت بين يدي الله، فتخرج من صلاتك وليس لك منها جراماً واحداً، أي: ليس فيها ولا أقل ما يقال من النور، وإنما دخلت في ظلمة وخرجت في أخرى، والدليل أنك تخرج من الباب وأنت تشتم الناس وتسب أو تسرق وتنهب.

    فاحفظوا هذا النداء الكريم، فمن حفظه فهو خير له من أن يضع في جيبه خمسين ألف ريال، فالخمسين ألف ريال قد تضيع، بل قد تقودك إلى المعاصي والجرائم، وهذا النور يبقى معك إلى يوم القيامة.

    تشريف الله تعالى للمؤمنين بندائه لهم

    الآن نشرح هذا النداء بعد أن حفظناه إن شاء الله: [ اذكر أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد ] وقلنا: والمستمع لأن أمتنا جلها لا يقرأ، فالذي يقرأ على آخر - لا يحسن القراءة- فإن هذا المستمع يستفيد كما تستفيد أنت، كأن تكون في البيت وواحد يقرأ والباقون يستمعون، فاذكر يا هذا! ولا تنسى [ قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ] وقد سمعنا هذا القول أمس، وهو قول عبد الله بن مسعود للرجل الذي قال: اعهد إلي وأوصني، فأنت صاحب رسول الله، فأعطني نوراً وهداية، واعهد إلي بشيء، فقال له: [ إذا سمعت الله تعالى يقول: ( يا أيها الذين آمنوا) فأعرها سمعك ] أي: أعطها أذنك، ولم يقل: أعطها أذنيك لأن هذه في جهة وهذه في جهة، فلا يمكن الجمع بين الأذنين، بل أعطها أذناً واحدة فقط، واصغ إليها [ فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه ] فوالله العظيم ما سمعت (يا أيها الذين آمنوا) إلا وبعدها خير يأمر الله به، أو شر ينه الله عنه؛ لأن الله عليم حكيم، ولأنه رب العالمين، ولأنه هادي الناس أجمعين، فهو لا يناديهم ليلهو ويلعب بهم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً [ أو بشرى يزفها، أو خطر يحذر منه ] وهذا مع كل نداء، فيا من يسمع النداء فأعره سمعك، واعلم أنه ما ناداك مولاك وربك وإلهك إلا ليأمرك بخير أو ينهاك عن شر، أو يبشرك بخير فأبشر، أو يحذرك من خطر فاحذر؛ لتسلم وتنجو [ فإذا أمرك فافعل، وإذا نهاك فانته، وإذا بشرك فأبشر واحمده، وإذا حذرك فاحذر، وانج بفضله ] تعالى لا بقدرتك.

    [ واذكر أيها القارئ والمستمع! أن نداء الله تعالى لك بإيمانك شرف لك وأي شرف؟ ] ولو ينادي أحدنا رئيس الجمهورية أو صاحب الجلالة الملك أو السلطان فإنه يطير من الفرح، ولست واهماً، فلو قال لك: تعال عندنا للضيافة فإن المدينة لا تتسع لك من شدة الفرح، ونحن ينادينا ربنا ولا نلقي لندائه بالاً، ولا نشعر أننا أشراف ولا كرام، وأنه لا يوجد على الأرض من هو خير منا.

    فيا أيها المؤمنون! ويا أيتها المؤمنات! إن الواحد من أهل الأرض من المؤمنين يزن ما على الأرض كلها من الكافرين، فمن أجل مؤمن واحد يقضي الله بأن يقتل إقليم كامل من الكافرين من أجل هذا المؤمن، ولكننا ما عرفنا قيمتنا [ وإلا فمن أنت حتى يناديك رب العالمين! ] فنحن لم نعرف قيمتنا، وسأبين لكم ذلك، أقوى رجل فيكم لا يساوي بعوضة، و( إن لله ملكاً عنقه ملوي تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة ). وجبريل رسول رب العالمين لرسله وأنبيائه لما تجلى في صورته الحقيقية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في جياد بعدما نزل من غار حراء سد الأفق بكامله؛ إذ له ستمائة جناح، وهؤلاء الملائكة إذا تكلم الجبار يغمى عليهم، واقرءوا ذلك من سورة سبأ: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23]. بعدما يفيقوا، وأنت يا بعوضة! من نحن حتى ينادينا رب الأرض والسماء [ واذكر أن شرفك كان بالإيمان به تعالى وبلقائه وملائكته وكتبه ورسله، وقضائه وقدره ] فهذا سبب الرفعة.

    أهمية الإيمان في حياة العبد

    وافهم يا عبد الله! وافهمي يا أمة الله! [ أن الإيمان ] بالله ولقائه وكتبه ورسله وقضائه وقدره [ بمثابة الروح للإنسان ] وأي جسم من هذه الحيوانات إذا فقد الروح لا يتحرك ولا يبقى حياً، فإذا خرجت الروح من الدجاجة فإنها لا تتحرك، وإذا خرجت من العنزة أو من البقرة أو من القملة فإنها تموت، وكذلك الإيمان كالروح للجسد [ فالمؤمن بحق حي ] فإذا آمن عبد الله أو أمته حيي، وأصبح يعي ويسمع ويفهم ويأخذ ويعطي [ والكافر ميت ] فإذا كفر ولم يدخل في الإيمان قط فإنه لا ينهض بواجب ولا ينتهي عن حرام، ولا يسمع نداء ولا يقبل صوتاً، بل هو ميت [ فاحمد الله تعالى على نعمة الإيمان ]، الحمد لله أن جعلنا مؤمنين.

    أهمية تقوى الله عز وجل

    [ واطلب التقوى ] وعجل في ذلك [ وحققها ] فإنك متى اتقيت الله [ تظفر بأعظم مطلوب ] وتفوز بأعظم فوز [ ألا وهو ولاية الله ] سبحانه [ وتعالى لك، فإن من والاه الله أكرمه وما أهانه، وأسعده وما أشقاه] ونحن لا نشك في هذا والعياذ بالله [ واسمع قوله تعالى في أوليائه ] في سورة يونس عليه السلام: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] ] فلا أحد يحزنهم أو يخيفهم [ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] ] فإذا حصل الإيمان فقد بقي التقوى، أي: نصف الطريق، وكيفية التقوى أن لا ننطق إلا بالكلمة التي سمح لنا أن ننطق بها، ولا نأكل إلا اللقمة التي أذن لنا فيها، ولا نشرب ولا نشم إلا ما سمح لنا به، وينبغي أن نعرف ما الذي سمح لنا به، وهنا لابد من المسجد بيت الرب الذي يعلمنا الكتاب والحكمة، وإلا فلن نتعلم [ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:64] ] والبشرى أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بأنها الرؤيا الصالحة يراها أو ترى له، فلا تموت حتى ترى مقعدك في الجنة، والذي تباطأت الرؤيا عنه ينتظر، وإذا قال الطبيب: أخوكم انتهى أمره وهو على سرير الموت، فإن في ذلك الوقت مواكب تنزل من السماء فرحاً بهذه الروح الطاهرة، واقرءوا قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] فأبشروا [ أرأيت كيف بين الله تعالى من هم أولياؤه بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]. فاعمل أيها المؤمن القارئ والمستمع! على تحقيق التقوى، واعلم أن التقوى هي طاعة الله ورسوله بما أوجبا من الأوامر، وما حرما من المناهي، وذلك بعد معرفة العبد المؤمن أوامر الله ورسوله ونواهيهما ] وهي كثيرة وشاقة على النفس [ وهذه المعرفة تتطلب جهداً كبيراً، كما أن النهوض بفعل الأوامر - وهي كثيرة وشاقة على النفس- يتطلب جهداً أكثر من جهد المعرفة ].

    المشقة في ترك المنهيات لا تعادل المشقة في فعل الطاعات

    قال: [ وأما ترك المنهيات فإنه وإن كان لا جهد فيه ولا مشقة ولا معاناة ] مثل لما تركنا التدخين منذ نعومة أظفارنا لم يحصل لنا تعب، وعندما لم نسب مؤمناً ولا مؤمنة طول الحياة لم يحصل لنا إعياء ولا تعب، فترك المعاصي راحة، ليس فيه مشقة، وإنما المشقة أن تسرق أو تسب وتعرض نفسك للدمار، وأما كونك تترك السرقة أو الزنا أو المعاصي فهذا ليس فيه مشقة، وإنما المشقة في كونك تحلق وجهك بالسكين، وإحضار الماء والصابون لذلك، وإذا تركت لحيتك ليس في ذلك أية مشقة، دلوني عليها، فالمشقة في الحلق لا في الإعفاء، وبعض أصحاب المال لا يحلق بنفسه، وإنما يمشي إلى الحلاق، وهناك حلاق لوجوه الفحول، أعوذ بالله منه، ويأخذ منه مبلغاً يعيش به فقير ثلاثة أيام أو أربعة.

    من هذا نعلم أن النواهي أو المنهيات تروك ليس فيها مشقة، ولا عذر لك يوم القيامة أنت تقول: أنا ما استطعت، فأنت تستطيع أن تترك الكذب [ إلا أن النفس الأمارة بالسوء واللوامة معاً تضغطان على العبد حتى ترغماه على فعل المنهي إلا أن يجد العبد من الله عوناً ] وقد قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]. وهذا عون [ فإنه يسلم من التلوث بأوضار فعل المنهي عنه، ويحتفظ بطهارة روحه التي هي مفتاح دار سعادته.

    الاستعانة بالصبر والصلاة يهذب النفس ويحملها على فعل الطاعات والخيرات

    وهنا أيها القارئ المستمع! يجد المؤمن نفسه في حاجة ماسة إلى عون إلهي كبير حتى يحقق التقوى المتوقفة على العلم ] أولاً، وعلى [ كيفية العمل، وأدائه على الوجه المطلوب المحقق لزكاة النفس وطهارتها.

    وهاهو ذا الرب تعالى يرشدنا إلى طريق الحصول على عونه لعباده المؤمنين، فيقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]. فعلى كل مؤمن ومؤمنة أن يستعين بالصبر، وهو حبس النفس على طلب العلم؛ حتى يعلم ما يحب ربه وما يكره، وكيف يؤدي المحبوب على الوجه الذي يرضي الله تعالى، وحبسها ] أي: النفس [ على فعل الطاعات حتى تؤديها على الوجه الذي يثمر زكاة النفس وطهارتها، وحبسها بعيدة عن المحرمات والمنهيات، وحبسها ] أيضاً [ على مجاري الأقدار فلا تسخط ولا تجزع، ولكن ترضى وتصبر، بهذا الصبر يستعين المؤمن، والله معه ناصره ومؤيده، وكما يستعين المؤمن بالصبر يستعين بالصلاة، كما أمره الله تعالى، والاستعانة بالصلاة تكون بأدائها في أوقاتها، مستوفاة الأركان والشروط، وبأهم أركانها وهو الخشوع فيها، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ) ] وقد ذكرت لكم حديث ابن عمر على دابته أو راحلته ما بين مكة والمدينة، والطريق والمسافة بينهما عشرة أيام، فقد جاءه ركب وقال: يا عبد الله ! أعظم الله أجرك! توفيت امرأتك، فنزل من على دابته وكبر الله أكبر وصلى وهو يبكي، فقيل له: ماذا يا عبد الله ؟! قال: سمعت رسول الله أو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ).

    فيا أيها الذين يغضبون فيطلقون نساءهم سبعين مرة في العام - ولعلهم غير موجودين- أقول لهم: عندما تؤذيك امرأتك وتشتعل نار الغضب فيك ادخل في الصلاة، ولا تسب ولا تشتم ولا تغضب، حتى تفرغ من الصلاة ولا تتكلم كلمة، حتى ولو كانت المرأة شريرة، فإذا أغضبتك فادخل في الصلاة، فلا تخرج من الصلاة إلا وأنت هادئ، وأما أن تسبها ثم تقول: أنت طالق بالثلاث، فهذا لا ينبغي، ونحن نفعل هذا لأننا ما ربينا في حجور الصالحين، ولا يمكن أبداً لشخص يعيش في بيت يسمع الأغاني والأباطيل أن يرشد ويكمل، فهذا لا يمكن، ومعنى هذا: هيا بنا نحول بيوتنا إلى بيوت النبوة، لا تسمع فيها إلا كلمة الله [ إذ الصلاة تولد نوراً للقلب ولا تولده عبادة غيرها، وصاحب نور القلب لا يقع في غضب الله تعالى بترك واجب ولا بفعل مكروه، وهذا هو العون المطلوب بالصبر والصلاة، والله مع الصابرين بتأييدهم ونصرتهم بعد وقايتهم، وحمايتهم من كل مكروه. فاللهم اجعلنا منهم، وارض عنا كما رضيت عنهم.

    وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ].

    وصلّ اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.