إسلام ويب

لماذا لا ينصرنا الله؟!للشيخ : نبيل العوضي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد وصل المسلمون في هذا الزمن إلى حال من الذل والهوان مع أن عددهم يفوق الألف مليون، بسبب الخلاف والنزاع والتشرذم الذي طغى عليهم، وذلك لتخلقهم ببعض الأخلاق السيئة كالكبر والحسد التي أوصلتهم إلى هذا المستوى من الذل، فلابد من الرجوع إلى دين الله عز وجل والتآخي والتآلف فيما بينهم لينالوا نصر الله عز وجل.

    1.   

    من أسباب ذل المسلمين وهزيمتهم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    أيها الإخوة المسلمون! لماذا لا ينصرنا الله جل وعلا؟!

    كم عدد المسلمين في هذه الأيام؟

    يفوقون الألف مليون مسلم، وهم أرخص الدماء على وجه الأرض!

    ما الذي يجري للمسلمين؟

    وما الذي يحدث لهم؟

    أمةٌ من أمم الإسلام تباد من الأرض ولا يتحرك لهم ساكن!

    ما الذي يحدث لهم؟ وما الذي يجري؟ ولماذا وصلنا إلى هذه الحال؟!

    كنا خير أمة تهابنا الفرس والروم؛ تحسب لنا الأمم ألف حساب، ثم صرنا إلى أذل الأمم، صار حالنا لا يؤبه له، دماؤنا أرخص الدماء، كلامنا لا يسمع ولا يطاع؛ بل لا نُستشار حتى في أمورنا، ما الذي حدث؟! وما الذي جرى؟!

    إن من أعظم الأمور التي أوصلتنا إلى هذه الحال التي نحن فيها ما سوف نتحدث عنه في هذه الخطبة.

    الخلاف والنزاع بين المسلمين

    من أعظم أسباب ذلنا وهزيمتنا: الخلاف والنزاع بين المسلمين والتفرق والتشرذم بينهم.

    انظروا إلى أحوالنا، كثيرٌ منا يحمل الحقد على أخيه؛ تعصبٌ للجنسيات، والقبليات، والقوميات، والأصول، والأعراف؛ لم يخرج المستعمر من هذه البلاد الإسلامية إلا بعد أن زرع فينا التفرق والتشرذم والتعادي، ووضع بيننا حدوداً تلو الحدود.

    وما زال اليهود إلى هذه اللحظة يؤججون الفتن بين المسلمين، قال الله جل وعلا في وصف أفضل أمةٍ وخير ناس -أصحاب محمدٍ عليه الصلاة والسلام-: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال:63] ليست القضية بالمال.

    هل المال يجمع الأسود والأبيض والأحمر والأخضر؟! هل المال يجمع الحبشي والرومي والفارسي والقرشي؟! لا والله! وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63] دين الله هو الذي يجمع بينهم.

    سبحان الله! هل نصدق أن يضع الفارسي يده بيد الرومي؟!

    سلمان وصهيب من أمتين تقتتلان صباحَ مساءَ، أعدى أمتين على وجه الأرض في ذلك الزمان، ولكن يضع سلمان الفارسي يده بيد صهيب الرومي .

    من يصدق أن يتقدم الحبشي على كل القرشيين ليكون هو المؤذن لرسول الله؟!

    أي أمة تلك؟! أي شعبٍ هذا؟! إنها تربية المصطفى عليه الصلاة السلام.

    أبو بكر سيدٌ من سادات قريش يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت الرب جل وعلا).

    إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4].

    وصلنا إلى زمان يحتقر المسلم فيه أخاه؛ لأنه من جنسية كذا، أو لأنه عامل نظافة، أو لأنه ليست عنده شهادة، أو لأنه فقير مسكين، يحتقره وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) أي يكفيه شراً، فإنه بلغ قمة الشر أن يحقر أخاه المسلم، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم) المسلمون في قطر وفي الكويت، وفي المملكة، وفي المغرب، وفي أمريكا، وفي السودان، وفي أنحاء الأرض كلها هم إخوة. (المسلم أخو المسلم؛ لا يسلمه ولا يظلمه).

    بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).

    نبكي حالنا، ونحن ألف مليون مسلم:

    ألف مليون أصبحوا      كغثاء بشط يم

    ومُصَلَّى نبيهم     بيد اللص يقتسم

    أنا أقسمت بالذي     برأ الكون من عدم

    وكسا ثوب عزة     كل من بالهدى اعتصم

    إن قنعنا بسخفنا     وركنا إلى النعم

    فخطى الخصم ماضيا     ت من القدس للحرم

    عندها يندم الجميع     يوم لا ينفع الندم

    وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46].

    النزاع والضياع والتفرق هي من أسباب الهزيمة التي نعيشها في هذا الزمن.

    هل -حقاً- نحن إخوانٌ مسلمون، متآلفون مترابطون؟!

    جاء اليهود -كما يفعلون اليوم- يؤججون الفتنة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءوا للأوس يذكرونهم بالماضي -مساكين بعض الناس؛ يتذكر الماضي فيحقد على أخيه- وجاءوا للخزرج يذكرونهم بالماضي، أججوا الفتنة حتى كاد الخلاف أن يقع وينشب بين يدي رسول الله، فقام عليه الصلاة والسلام فقال قولته المشهورة: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم).

    ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لو جاء في هذا الزمن إلينا؟! أي دعوى جاهلية نتداعى بها!! بل فاق المسلمون دعاوى الجاهلية، وهو صلى الله عليه وسلم أمام خلاف يسير بين الأوس والخزرج قد قال: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم) كيف لو عاش بيننا؟!

    1.   

    أسباب تفرق المسلمين

    المسلمون تفرقهم الحدود؛ بل داخل الوطن الواحد تفرقهم الأعراف والقبليات والقوميات؛ بل داخل الفئة الواحدة تفرقهم المناصب والوجاهات، حتى صار هذا الجسد ممزقاً لا يأبه له أحد.

    الشيشان وفلسطين وكشمير والصومال ، عدِّدْ ما شئت من مصائب المسلمين التي لو طلبت من أحدهم ريالاً أو بضع ريالات قال: ليس هذا شأني، هم يتحملون شئونهم، وكأن المسلمين لا يتكافلون، ولا يرعى بعضهم بعضاً، والله جل وعلا وصف المؤمنين فقال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] نعم، هكذا المؤمنون وإلا فلا، إن لم يكونوا أولياء بعض، فليسوا حقاً بمؤمنين، ما الذي حدث؟! ولماذا وصل المسلمون إلى هذه الحال؟!

    الكبر من أهم أسباب تفرق المسلمين

    من أهم الأسباب التي تفرق بين المسلمين: الكبر.

    اسمع أول سببٍ يفرق بين المسلمين، وفتش في نفسك، هل هذا السبب فيك؟! هل هذا الأمر دخل في قلبك يوماً من الأيام؟ (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) ذرة من كبر تمنع الإنسان عن الجنة.

    وأول ما عصي الله عز وجل به الكبر: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34] قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [ص:76] يقول: أنا خيرٌ من هذا، تريد أن تساويني به؟! قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76] أنا خيرٌ منه، أنا من قبيلة كذا وهو من قبيلة كذا، أنا خيرٌ منه، أنا منصبي كذا وهو عامل نظافة، أنا خيرٌ منه، أنا جنسيتي كذا، وهذا جنسيته كذا، قل لي بالله: هل هناك فرقٌ بين المعنيين، بين كلمات إبليس وما يطلق من كلمات في هذا الزمن؟ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76] إنه الذي ملأ قلوب بعضنا.

    ما هو الكبر؟ هل الكبر أن يركب الإنسان سيارة نظيفة، أو يلبس ملابس جميلة، أو يتزين عندما يدخل المجالس؟ لا، هذا ليس من الكبر، بل هذا مطلوب إن لم يتجاوز الإسراف، الكبر: بطر الحق وغمط الناس، أن يرد الإنسان الحق ويحتقر الناس، يحتقر أي إنسان كان ولو كان يعمل أخس الأعمال، ولو كان يعمل في النجاسات؛ فإن احتقره فإن في قلبه كبراً، قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13] فقد قسمنا الله إلى أمم وشعوب وألوان وجنسيات لهدفٍ واحد، قال عز وجل: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13] فإن دخل في قلبك كبر فاسمع قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13].

    دخل رجل فقال عليه الصلاة والسلام: (ما تعدون هذا فيكم؟ فقال: يا رسول الله! هذا حريٌ إن تكلم أن يسمع له -هذا رجل لو جلس في مجلس ونطق فالكل يسمع له- وإن خطب أن ينكح -لو أراد أي بنت فلا أحد يرده- وإن استأذن أن يؤذن له -يدخل أي مكان شاء، فهو رجل ذو وجاهة ومنصب- ثم دخل رجلٌ آخر، فقال: ما تعدون هذا فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! هذا حريٌ إن تكلم ألا يسمع له -لا أحد يأبه له، ولا أحد يلتفت إليه- وإن خطب ألا ينكح -لا أحد يزوجه، فهو مسكين فقير رث الهيئة، والناس لا تلتفت إليه، هذا ميزان من؟ ميزان البشر، أما ميزان رب البشر فإنه يختلف- قال: والله إن هذا -أي: الفقير المسكين المطرود المنبوذ- خيرٌ من ملء الأرض من مثل ذاك) الله أكبر! ديننا عظيم، ديننا كبير، وليس هناك دينٌ أعظم منه.

    ليدع الغرب ما يدعون من الحضارة، وليزيفوا ما يزيفون من الحقائق؛ فإن في أعظم دولة متحضرة في هذا الزمن يدخل مليون رجل -من الاضطهاد والعصبيات والعنصريات- السجون ويضربون؛ بل ويقتلون لأجل لونهم!

    أيدعون الحضارة؟! أي حضارة هذه؟!! كذبوا والله!

    حضارتنا وديننا يجعل فيه عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد -وهو مولى ابن مولى- قائداً لجيشٍ فيه أبو بكر وعمر، هذا ديننا، وهذه حضارتنا، وهؤلاء أجدادنا وأعلنها صلى الله عليه وسلم مدوية: (لا فضل لأعجمي على عربي ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) وذلك موافق لقوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    الكبر .. وما أدراك ما الكبر؟!

    انظر إلى أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام كيف كان متواضعاً؛ صبيان صغار يقول أنس: (كان يأتيهم فيسلم عليهم) هل جربت هذا؟!

    ماذا يصنع قائد الأمة، الحاكم، رئيس الدولة، ماذا يصنع في البيت؟!

    تقول عائشة: كان يخصف نعله؛ إذا تقطع نعله كان يصلحه؛ بل كان يصلح ثيابه؛ بل كان يقوم في خدمة أهله، فمن منا جرب هذا؟

    يخدم أهله في البيت، بل كان أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام يحلب الشياه، وكانت تأتيه الجارية البنت الصغيرة، فتأخذ بيده فتذهب به أين شاءت؛ لا يردها حتى تقضي حاجتها؛ بل كان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه، وكان إذا أكل لا يتكئ، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقها، وكان يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم؛ إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله).

    الله أكبر!

    سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف:146].

    علام تتكبر؟!

    مرَّ مَلِكٌ على عالم من العلماء، فلم يقف له العالم قال: ويحك! ألا تدري من أنا؟! -أتدري من أنا الذي جئت ولم تقم لي؟!- قال: أعرفك، قال: من أنا؟ قال: أنت أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين هذا وهذا تحمل في بطنك العذرة، فقال الملك: إي والله! ما عرفني إلا هذا!

    (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).

    عندما تولى أبو بكر الخلافة قالت جارية من الجواري -وكان يحلب لهن الشياه- الآن أبو بكر صار خليفة، لا يحلب لنا الشياه، فسمعها أبو بكر، فقال: لا والله! أبو بكر يحلب الشياه قبل الخلافة وبعد الخلافة.

    عمر يحمل كيساً من الدقيق إلى الفقراء فيقال له: يا عمر أنت الآن خليفة وتفعل هذا؟! قال: وجدت في نفسي شيئاً فأردت أن أكسرها.

    عثمان ينام في المسجد، فلا يُدرى من هو الخليفة، لا يعرفون من هو أمير المؤمنين؛ لا يعرفون عثمان بين أصحابه.

    علي بن الحسين رضي الله عنه من آل بيت رسول الله، فهو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما مات وجدوا في ظهره سواداً قالوا: من أين هذا السواد؟ فسألوا عنه؟ فقيل: إنه كان يحمل كل ليلة الدقيق على ظهره في الليل، ولا أحد يراه، ويوزعه على أيتام المسلمين.

    الحسن بن علي بن أبي طالب مر يوماً على فرسه، فوجد الفقراء على الطريق ليس عندهم إلا كسرة خبز، فقالوا: هلمَّ إلى الغداء يابن رسول الله -انزل تغد معنا يابن رسول الله- فنزل وهو يقول: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ [النحل:23] فنزل وأكل معهم خبزاً يابساً على الطريق.

    يأكل مع فقراء المسلمين؛ لأنه يعلم أن الله جل وعلا لا يحب المستكبرين.

    أيها الإخوة المسلمون! التآلف والتحاب والتواد والتآخي بين المسلمين أصلٌ من أصول ديننا، وإن اختلفت الجنسيات، والأوطان، والألوان، فإننا كما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات:10].أقول هذا القول، وأستغفر الله.

    الحسد

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

    أما بعد:

    من أسباب تفرق المسلمين: الحسد.

    وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27].

    هل عملت في الأرض معصية قبلها؟!

    إنه الحسد؛ الذي ملأ قلوب بعض الناس، فحسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله.

    اتق الله، وارض بما قسم الله لك، المؤمنون إخوة؛ لا يحتقر بعضهم بعضاً، ولا يحسد بعضهم بعضاً، ولا يظلم بعضهم بعضاً، ولا يتكبر بعضهم على بعض (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).

    إن أعظم الأمم التي تفرق المسلمين هي اليهود، إذ أن الحسد هو شغلهم الشاغل منذ أول الزمان إلى هذا الوقت، حيث أرادوا أن يؤلبوا المسلمين في المدينة بعضهم على بعض، وهم الذين وضعوا السم له، ولا يزال السم يعاوده ويجد أثره حتى مات عليه الصلاة والسلام.

    من الذي سممه؟ اليهود؛ بل هم الذين سحروا محمداً عليه الصلاة والسلام.

    وهم قبل ذلك قتلة الأنبياء والمرسلين؛ بل ما تجرأت أمةٌ على سب الله كما تجرأ اليهود، هم الذين قالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181] قالوا: الله يطلب منا المال فهو فقير!! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً!

    بل يقولون في التوراة المحرفة: إن الله نزل وتصارع مع يعقوب؛ بل يقولون -تعالى الله عما يقولون-: إن الله بكى ورمدت عينه، وعادته الملائكة! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً!

    أما سبهم الأنبياء، فإنها أكثر أمةٍ سبت الأنبياء، وقتلت الأنبياء والرسل، وحاربت دين الله.

    ثم لما مات عليه الصلاة والسلام زرعت الفتنة والفرقة بين المسلمين، فادعى ابن سبأ الإسلام، ثم أخذ ينشر الفتنة بين المسلمين، وهكذا لا يزالون يفرقون الأمة؛ لأنهم يعلمون أنه أعظم سلاحٍ يقضون به على الإسلام والمسلمين.

    انظروا إليهم الآن كيف يفرقون المسلمين، والمسلمون يتكالبون على رضاهم، ويستجدون السلام منهم؛ يستجدون رضا اليهود حتى يعيشوا في سلام، كأنهم يعاندون قوله تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120].

    يريدون السلام مع اليهود، والمساكين لم يقرءوا كلام الله: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة:82].

    في حين يحارب بعضهم بعضاً، يطلبون الصلح والسلام مع اليهود.

    أي أمة هذه؟! هل تستحق النصر؟!

    إن الله لا يظلم أحداً، ومتى ما رأى الله فينا استحقاق النصر نصرنا وهو القائل: وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47].

    إنهم يصادمون سنة الله الكونية والشرعية وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود).

    أليس في قلبك هذا؟ ألا تنتظر هذا اليوم؛ الذي تكون فيه في جيش عيسى عليه السلام تقاتل فيه اليهود؟! (لن تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون).

    الله أكبر! هذه سنة الله الكونية والشرعية، وهم يستجدون اليهود السلام، ويطلبون رضاهم، وهم يحرقون شعباً مسلماً، يحرقون لبنان ويقصفونها صباحَ مساءَ، والمسلمون يتوسلون منهم السلام والرضا! أي ذلة يعيشها المسلمون اليوم؟! (لا إله إلا الله! ويلٌ للعرب من شرٍ قد اقترب ... فتقول زوجته: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم، إذا كثر الخبث).

    إذا طم الخبث وعم بالمسلمين، فإنهم يهلكون وإن كانوا ألف مليون مسلم؛ لكنهم غثاء كغثاء السيل، قد أوهن قلوبهم حب الدنيا، وكراهية الموت.

    1.   

    أسباب النصر

    من أسباب النصر التي لا بد أن نأخذ بها: الرجوع إلى الدين، والتآخي والتآلف.

    من اليوم لا فرق عندك بين أعجمي وعربي، وأبيض وأسود، وأصفر وأحمر، لا فرق بين مديرٍ وعامل نظافة، لا فرق بين غنيٍ وبين فقير، الناس كلهم سواء عندك: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] يكون في قلبك كل المسلمين سواء، أخوك في الصين ، وفي الهند ، وفي باكستان ، وفي أمريكا ، وفي جنوب أفريقيا ، والذي بجنب بيتك؛ كلهم لك إخوان.

    فهذا من أسباب النصر.

    ثم لنرجع إلى ديننا، ولنأمر بالمعروف، ولننه عن المنكر، ولنتآلف، ولنتحاب، ولنتواد؛ فإن الله جل وعلا يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات:10].

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداء الدين.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد؛ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

    أقول هذا القول، وأقم الصلاة.