إسلام ويب

الوقت وأهميتهللشيخ : نبيل العوضي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الوقت هو الحياة، وهو عمر الإنسان، ورأس ماله، لذلك لابد من الاهتمام به والحفاظ عليه وعدم تضييعه، فيا ترى كيف تقضى الأوقات؟ هذا هو ما تحدث عنه الشيخ، ذاكراً الأمور التي تقضى بها الأوقات كالصلاة على وقتها، ثم تحدث عن العلم وفضله ومنزلته وأهميته، وفضل طالب العلم، معرِّجاً على نماذج من السلف في طلبهم للعلم .. ثم بين كيفية تنظيم الأوقات، محذراً من مضيعات الأوقات، ومبيناً علامات الوقت الضائع، وكل ذلك ليبين أهمية استغلال الوقت في طاعة الله تعالى، وعدم تضييعه.

    1.   

    قيمة الوقت

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذه الكلمة بمناسبة بداية العطلة الدراسية، وهي للطلبة خاصة، لكنها للناس عامة، فكل الناس في هذا الزمان يشكون من الفراغ، قال الله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [المؤمنون:115-116]

    ووقتك هو حياتك، وإذا ذهب وقتك فقد ذهبت حياتك، وكلما مر الوقت كلما ذهبت الحياة، قال صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمساً قبل خمس... وذكر منها: حياتك قبل موتك) أي: اغتنم هذه الحياة قبل أن تذهب، ويخلفها الموت، قال ابن هبيرة:

    والوقت أنفسُ ما عنيتَ بِحفظهِ     وأراه أسهلَ ما عليك يضيعُ

    فالوقت أغلى شيء وأسهل شيء في الضياع، ولهذا يُقال في المثل: الوقت من ذهب. وهذا المثل خاطئ، فالوقت لا يقدر بالثمن، ولهذا تجد بعض الناس يشكون من الفراغ، ويسمونه الفراغ القاتل، يكاد يقتله هذا الفراغ ولا يعرف ماذا يفعل به، بل إن بعضهم يقتل نفسه من ألم الفراغ، وبعضهم يتعاطى المخدرات ويفعل المنكرات ليتخلص من هذا الفراغ، فراغ قاتل، إن لم تشغله بالخير شغلك بالشر.

    قالت رابعة لـسفيان: إنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل. فإنك تذهب مع الوقت، وأنت تعلم فاعمل.

    عندما مات محمد بن جرير الطبري، شيخ المفسرين، حسبوا أوراقه التي صنفها، ثم قسموها على أيام حياته فوجدوا كأنه ألّف كل يوم أربع عشرة ورقة. في كل يوم من حياته، منذ أن بلغ الحلم إلى أن مات، كأنه ألّف أربع عشرة ورقة، تأليفاً لا قراءة.

    وقال أبو جعفر لأصحابه: أتنشطون في كتابة تفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، تكتبون وأنا أمليكم. قالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه. سوف نموت وما انتهينا من ثلاثين ألف ورقة. فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة. ثم قال: هل تنشطون لكتابة تاريخ العالم منذ آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحواً مما ذكره في التفسير، أي: ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: تفنى الأعمار قبل أن تفنى هذه الأوراق. ثم اختصره إلى ثلاثة آلاف، ثم قال رحمه الله: إنا لله! ماتت الهمم في كتابة ثلاثة آلاف! ونحن في هذا الزمان لو أملى الشيخ على التلميذ ثلاث ورقات لملَّ الطالب، ووضع الورقة وتعب، وهؤلاء اختصر لهم الكتاب في ثلاثة آلاف ورقة!

    مرور الأيام يفني الأعمار

    كل يوم يمر يأخذ بعضي     يورث القلب حسرة ثم يمضي

    يذهب يوم بعد يوم، وتذهب ساعة بعد ساعة، ويضيع العمر وأنت نائم لا تشعر.. في أيام المدرسة كنت تقضي ست ساعات في الدراسة، والآن لقد أتت العطلة فماذا تفعل في الست الساعات هذه؟

    هل وضعتَ لك هدفاً؟ هل وضعتَ لك برنامجاً؟ وغير الست الساعات كنت تدرس وتحل الواجبات، وكنت تذهب إلى المدرسة وترجع من المدرسة، وكنت تذاكر للاختبارات .. هذه الأوقات كلها ذهبت، وأتى بعدها فراغ، ماذا سوف تفعل فيه؟ كنتَ تحضر دروساً، وكنتَ تطلب العلم، وإذا ظللت على حالك هذا فسوف تقضي سبع ساعات من الفراغ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربـع: ..... وذكر منها: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه) سوف تُسأل عن كل دقيقة بعد الأخرى، فماذا ستجيب ربك؟ تقول: نمت ولعبتُ وجلست أمام التلفاز، أو تقلب الجريدة والمجلة، أو تتجول على هذا بعد هذا، أو تتكلم مع هذا بعد هذا، وضاعت الأوقات بالأحاديث التي لا طائل منها، وباللغو الذي لا فائدة فيه، وبالطعام والشراب وباللعب واللهو، وإن لم تكن بالمحرمات ضاعت فبالمباحات.

    يقول أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي عن نفسه: لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري. ألَّف كتاباً يسمى الفنون، يقع في ثمانمائة مجلد، من غير كتبه الأخرى، ألَّف هذا الكتاب ومع ذلك يقول: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري. أتظن أن هذا كانت تضيع أوقاتُه بالنوم، أو باللعب، أو بالأحاديث الفارغة، أو بالمشي، أو بالزيارات التي لا طائل منها ولا فائدة ولا هدف منها؟!

    إذا كنتُ أعلم علماً يقيناً     بأن جميع حياتي كساعةْ

    فلم لا أكون ظنيناً بها      وأجعلها في صلاح وطاعة

    وإذا كنت متيقناً أن الحياة كلها كساعة واحدة، كأنك تغمض عينك فتفتحها وإذا العمر قد فات، فلماذا لا تغتنم وقتك؟! ولذلك يقول الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة للمشركين: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [المؤمنون:112-113] لعله أقل من يوم، أو جزء من يوم، بكرةً أو عشية أو ضحاها .. قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:113] اسأل أهل الحساب، اسأل الذين كانوا يعدون الأيام .. قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً [المؤمنون:114-115] أتحسب أنَّ الوقت -الذي هو نعمة من نعم الله- وأعطاك الله عزَّ وجلَّ إياه، أتحسب أنه عبث؟ أتظن أن الله لن يسألك عنه؟ أتظن أنك ستأتي يوم القيامة وتقول: يا رب، على الأقل أنا ما فعلتُ منكرات؟! بل إنك سوف تحاسب؛ لأنها نعمة ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر:8] وإذا كنت لا تشعر أنها نعمة فاعلم أن بعض الناس يتمنى قراءة المصحف فلا يجد وقتاً، يذهب إلى العمل منذ طلوع الفجر حتى تغيب الشمس، ثم يرجع إلى البيت فيأكل لقمة، ثم تغلبه عيناه فينام، ثم يستيقظ في الفجر ليذهب إلى العمل ويكدح ويتعب حتى تغرب الشمس، ثم يرجع إلى بيته، وهكذا ... طول حياته، لا إجازة ولا راحة، وأنت الآن مترف منعم بهذا الوقت، يأتيك الطعام والشراب والمال، وتنام في بيت بارد هنيء مريح، وعندك الكتب ما تشاء منها، بل عندك المشايخ، الأشرطة، ثم بعد هذا تتكاسل! وتظن أن الله لن يسألك عن هذا!!

    ليكن لك هدف

    لن تستغل وقتك حتى تجعل لك هدفاً، قبل أيام كانت هناك اختبارات، وكم كان الوقت ثميناً عند الطلبة؟ كان الطالب لا يضيع دقيقة، وإذا طلب منه أحدٌ شيئاً قال: أنا مشغول. يريد أن يقرأ ويذاكر، فقد عرف قيمة الوقت؛ لأن عنده هدفاً، وهو الاختبار، وهذا هو الذي جعله يستغل الوقت.

    فليكن لك هدف، أما أن تحفظ القرآن في العطلة، على الأقل تحفظ عشرة أجزاء، وتنتهي من تفسير القرآن الكريم كله ولو مختصراً، وتنتهي من حفظ متن في الفقه، فتعرف أحكام الفقه كلها، وتحفظ بضعة أحاديث، أو تدعو إلى الله .. وإذا لم يكن لك هدف فاعلم أنك لن تستغل وقتك، ومِن الناس مَن يخطط مِن الآن لأهداف .. مثل النوادي الصيفية، أو المراكز، ولعب الكرة، أو يدخل نادياً يتقوى فيه، فهدفه أن تنتهي العطلة وقد قوي جسده..

    يا خادم الجسم كم تتعب لراحته     أتعبت نفسك فيما فيه خسرانُ

    أقبل على النفس فاستكمل فضائلها     فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ

    فالمهم النفس.. وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:7-10] .

    وما هي الفائدة التي يجنيها هؤلاء؟ يتعب سنوات من عمره وتضيع هباءً وهدراً، ثم بعد هذا يحصل على الكأس، ويصبح نجم الكرة، ثم بعد سنوات يُنسى ويُطوى في التاريخ، كما نُسي غيره، ثم يعقب هذا كله الندم والخسران والألم والحسرة! هذا إن أصبح نجماً، فما بالك إن لم يصل إلى هذه المنزلة أو إلى هذه الدرجة! ماذا سيكون حاله؟ سوف يُنسى كما نُسي غيره.

    وبعض الناس هدفه في هذه العطلة أن يسافر إلى دول الفجور والخنا والزنا، يجمع المال من الآن، ويخطط مع أهله، فيذهبون إلى تايلاند، أو إلى بانكوك، أو إلى إنجلترا، أو إلى فرنسا أو إلى باريس، أو إلى غيرها من الدول، ويظن أنه سوف يتمتع .. وبعض الناس يخطط في هذه العطلة أن يستمع الموسيقى، ويصبح مغنياً مطرباً، فيدخل معهد الفنون والموسيقى.

    ومنهم ذلك الشاب الذي ما إن انتهت الدراسة إلا وقد عزم وأصر أن يختم القرآن في هذه العطلة، فما إن تنتهي الدراسة وتبدأ العطلة، إلا ويبدأ يعكف على كتاب الله، يقرؤه آناء الليل وأطراف النهار، ويراجع ما فاته من الحفظ، ويبدأ في الحفظ ويتقن حفظه، حتى ينتهي من حفظ القرآن، ثم يبدأ في حفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم .. فرق بين الثرى والثريا إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4].

    قد هيئوك لأمر لو فطنتَ له     فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَلِ

    أيها الأحبة: كل الناس أغلبهم عنده هدف، وانظر إلى أهداف بعضهم الدنيئة والحقيرة:

    منهم في هذه العطلة من يريد أن يجمع المال، وبعد جمع المال، ما الذي سوف يحصل؟ المال تتعب قبل جمعه وبعد جمعه، أما العلم فسوف يريحك، وسوف ينعمك في هذه الدنيا.

    ومنهم من يحرص على متابعة برامج التلفاز، ويجمع الأموال ليشتري جهاز فيديو، بل يشتري جهازاً للبث المباشر؛ ليتابع البرامج الغربية الخلاعية وغيرها .. أهذا الهدف خير أم هدف ذلك الشاب الذي ينوي في هذه العطلة أن يطلب العلم، وأن يدعو إلى الله، فما أن تنتهي العطلة إلا وقد طرق كل بيت من بيوت الجيران، يعاهد ربه ما أن تنتهي العطلة إلا وقد ختم هذه الكتب كلها، فينتهي من الكتب المختصرة، ثم الموسعة، ثم المفصلة، فتنتهي العطلة وقد تعلم في ثلاثة أشهر ما لا يتعلمه غيره في سنوات.

    ثبات يرفع القدر

    أعرف بعض الشباب جدوله هو الجدول، كان في أيام الدراسة من الصباح إلى الظهر في المدرسة، ثم انتهت الدراسة وإذا هو ذلك الشاب، من الصباح إلى الظهر عاكفاً على الكتب.

    أيها الإخوة: ما هو الفرق؟ كنت تذهب كل يوم إلى المدرسة من السابعة إلى الواحدة، فلماذا تكاسلت في العطلة؟ لأن الأمر ليس فيه جائزة مادية محسوسة، أما تلك ففيها شهادة .. المؤمن دائماً يفكر في أجور فضل طلب العلم، وفضل الدعوة، وفضل بر الوالدين، وفضل صلة الأرحام، وهكذا ... ولهذا إن جلس بعد الفجر إلى الظهر فلا يمل ولا يكل ولا يتعب ولا يسأم، ولو كان لوحده، ولو نام الشباب، ولو نام الناس، ولو ضاع الناس، ولو تركوا العلم والكتب فهو عاكف عليها.

    دقات قلب المرء قائلة له     إن الحياة دقائق وثوانِ

    فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها     فالذكر للإنسان عمر ثانِ

    تدارك نفسك، وتدارك عمرك، واعلم أن كل لحظة تمر يذهب شيء من عمرك، وكل دقيقة مرت سوف تسأل عنها يوم القيامة.

    إن من الناس من لو سألته: ما هدفك في العطلة؟ لقال: ما أدري. سبحان الله! هذا أتعب الناس وأتعس الناس، كل من الناس جعل له هدفاً، أما هو فيقول: ما أدري. ما الذي سوف تفعل في العطلة؟ أوقات الفراغ كيف ستقضيها؟ يقول: ما أدري إما أن يقضيها في المزارع، أو في الصيد، أو في السيارة يتجول، أو يزور الناس فيضيع أوقاتهم، أو أن يسافر كل يوم إلى منطقة من المناطق، ويظن أنها صلة رحم، ويضحك على نفسه، ويضيع عمره ووقته من غير أن يشعر.

    1.   

    كيف تقضى الأوقات

    بعد هذه المقدمة -ولعلنا أطلنا فيها- ندخل في صلب الموضوع، وهو: كيف نقضي الأوقات؟

    بدأت العطلة وبدأ الفراغ، وبدأت الأوقات تمر، ومن قال: غداً أبدأ، فاعلموا أن فيه شيئاً من الضعف، ومن لم يستغل وقته من اليوم من بعد صلاة الظهر، ومن بعد انتهاء الدراسة؛ فاعلموا أنه قد بدأ في الضعف، وبدأ بالتسويف، وهذه خطوات الشيطان، كل يوم يقول له: اجلس اليوم، وغداً ابدأ في الدراسة، اجعل لنفسك راحةً قليلاً ثم ابدأ بعدها بطلب العلم والدعوة .. اعلم أن هذه من خطوات الشيطان.

    أداء الصلوات الخمس

    أول أمر تحرص عليه في هذه العطلة وفي غيرها من الأيام هو الصلوات الخمس، قال الله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً [مريم:59] والله لن ينفعك هذا الكلام ولا هذا الدرس إذا لم تكن حريصاً على الصلوات الخمس، فإنك سوف تأتي يوم القيامة وأول ما تحاسب عليه الصلاة، فإن لم تصلح صلاتك فقد خبت وخسرت، وفسد سائر عملك .. ماذا ينفعك العلم والدعوة والنشاط والحركة والجهاد، إذا لم تكن حريصاً على الصلوات الخمس التي هي عمود الإسلام؟

    وبعض الناس يحرص على طلب العلم وتفوته صلاة الفجر! واسمعوا إلى هذه الحادثة:

    أخرج مالك في الموطأ: أن عمر بن الخطاب فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح؛ فذهب عمر في ذلك اليوم إلى السوق -وكان مسكن سليمان بين المسجد والسوق- فمر عمر على الشفاء أم سليمان، فقال لها: لَمْ أَرَ سليمان في الصبح. فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه. كان يقوم الليل، فنام عن الفجر، فقال عمر:

    [لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إليَّ من أن أقوم ليلة] صلاة الفجر في جماعة أفضل من أن أقوم الليل كله.

    فيا من أضعت وقتك، تقوم الليل كله بقراءة كتاب، وتمضيه في سماع شريط، وتلخيصه، ثم تنام عن صلاة الفجر؟! ماذا نفعك العلم؟ ذاك رجل بال الشيطان في أذنه، وضحك الشيطان عليه، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضتُه عليه) لا تقم ليلة فيفوتك الفجر، ولا تطلب العلم في الصباح، ثم تنام عن صلاة الظهر، ولا تطلب العلم بعد الظهر ثم تنام على الكتاب وقد فاتك العصر، أي علم هذا؟! لا تظن أنك سوف تستفيد من وقتك وأنت تضيع الصلوات .. فأول شيء تحافظ عليه الصلوات الخمس؛ لأنك إن حافظت عليها تَنَظَّمَ وقتُك، وتستطيع أن تستغله، وتحافظ عليه، بل أن الله عزَّ وجلَّ يبارك لك في الوقت، ويبارك لك في العلم، وحافظ على الصلاة في جـماعة، واحرص -أيها الأخ- في هذه الأوقات -أوقات الفراغ- ما إنْ يؤذن المؤذن إلا وأنت في المسجد فإنك في فراغ وليس هناك أي مانع.

    1.   

    طلب العلم وفضله

    الأمر الثاني -ولعله هو أكثر ما سنتحدث عنه في هذه الليلة- هو طلب العلم .. واسمع إلى فضل طلب العلم:

    إذا لم يكن عندك حماس، ولا همة في طلب العلم، ولم تتشجع لقراءة الكتب، واستماع الأشرطة، فاسمع الآية تلو الآية، والحديث تلو الحديث، والأثر تلو الأثر، والقصة تلو القصة، لعل الهمة فيك تقوم وتعلو.

    أيها الإخوة: إنه والله مسكين من ترك العلم، كما قال بعض السلف: واسوأتاه! ما أقبح من شيخ جاهل! أي: (شيخ كبير في السن وجاهل) ما أقبح هذا! والله عيب ما بعده عيب، ولو كان الرجل مشلولاً أو مريضاً أو عاجزاً أو مقعداً، أو قبيحاً وجهه؛ لكن عنده علم، فإن الله عزَّ وجلَّ يرفع شأنه، ولو كان أجمل الرجال وأعلاهم قدراً ومنزلة ومالاً وما عنده علم فإن الله عزَّ وجلَّ يضعه بين الناس حقيراً ما يسأله أحد، ولا يلتفت إليه، ولا ينظر إلى كلامه؛ لأنه جاهل.

    قـال الله تعالى في فضـل العلم: يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] قـال بعـض المفسـرين: أي العلماء. انظر مرتبتهم؛ بعد الله رسوله، وبعد رسوله هم العلماء، وقال الله تعالى: قل هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] لا يستوون؛ هذا جالس طول الليل يقرأ كتاباً ويلخص، ويكتب في الهامش، ويرجع إلى الأحاديث صحيحها من ضعيفها، ويسمع الشريط ويلخص، وهذا جالس على التلفاز والجريدة .. هل يستوون؟! والله لا يستوون عند الله قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر:9] .

    وقال عليه الصلاة والسلام: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على أدنى واحد من الصحابة، وقال (طالب العلم -ليس شرطاً أن يكون عالماً- يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر) حتى السمك في البحر يستغفر له! هل هناك أفضل من هذا؟! أأنت خير أم من يجلس وقته كله يقرأ الجريدة أو المجلة أو ينام على الفراش؟

    هل سمعتمُ عن بعض الناس ينام من المغرب ولا يقوم إلا عصر اليوم الثاني؟ ينام في اليوم والليلة ثماني عشرة ساعة، كم سيستيقظ؟ ست ساعات، ربع العمر، وثلاثة أرباعه في النوم، هل يستوون؟

    وقال عليه الصلاة والسلام: (خصلتان لا يجتمعان في منافق: حسن سمت، وفقه في الدين) الله أكبر! خصلتان إن كانت فيك فحري بك أن يصرفك الله عزَّ وجلَّ عن النفاق: حسن سمت، وفقه في الدين .. وقال عليه الصلاة والسلام: (فضل في علم خير من فضل في عبادة) وقد سئل الإمام أحمد: أيهما أفضل: قيام الليل أم طلب العلم؟ فقال: طلب العلم . ولو خيرتَ بين أمرين: هل تصوم التطوع أم تطلب العلم؟ لأن بعض الناس يقول: لو صمتُ لما استطعت أن أقرأ، وإن أفطرت سوف تكون لي همة في القراءة، فأيها أفضل؟ إن فضل صوم التطوع عظيم! يباعد الله عزَّ وجلَّ بينك وبين النار مسافات عديدة، لكن طلب العلم أفضل، وإن استطعت أن تجمع بين الأمرين فهو خير على خير.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم...) هذا هوا الفضل، وهذا هو الشرف، وليس هذا الفضل للملك وللأمير وللوزير ولا للشريف ولا للغني، إنما هذا الشرف وهذا الفضل لرجل ولو كانت ثيابه ممزقة نتنة، ولو كان الناس يستقبحونه، خرج ليطلب العلم (ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضاً بما يصنع حتى يرجع) منذ أن يخرج من البيت ذاهباً إلى درس في مسجد إلى أن يرجع .. يا إخوان: تحسسوا هذا الأمر، ومن استشعر هذا الأمر لا يمل، فمن حين يخرج والملائكة تضع أجنحتها له، والملائكة لها أجنحة عظيمة، تتواضع لهذا الرجل ولهذا الشاب ولو كان طفلاً صغيراً.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) أي: واجب، وهناك واجب عيني وواجب كفائي.

    العلم رفعة وتشريف لصاحبه

    قال أبو الأسود الدؤلي:

    العلم زَين وتشريف لصاحبه     فاطلب هُدِيتَ فنون العلم والأدبا

    العلم كنز وذخر لا نفاد له     نعم القرين إذا ما صاحباً صحبا

    قد يجمع المرء مالاً ثم يُحْرَمُه     عما قليل فيلقى الذل والنصب

    وجامع العلم مغبوط به أبداً     ولا يُحاذر منه الفوت والسَّلَبا

    يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه     لا تعدلن به دراً ولا ذهبا

    والله لو يعدلون به الذهب، ولو تُعطى ما تُعطى فإياك أن تفوت العلم، خصوصاً في هذا العمر، وفي هذا الزمان، وفي هذا الوقت الذي لا يشغلك فيه شاغل، ولا يصرفك صارف .. لا أبناء، ولا بيت، حتى الذي عنده الأبناء والبيت معاشه يأتيه آخر الشهر وهو لا يتعب، بل إن بعض الناس يشتكي من الفراغ في دوامه، يقول: أذهب إلى الدوام وأجلس. سبحان الله! إنها نِعْمَة والله (نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ) نِعْمَة ما يشعر بها كثير من الناس، وليس شرطاً في طلب العلم وفي فضله أن تصبح عالماً، يكفيك أن تتعلم مسألة فتعلمها غيرك، قال عليه الصلاة والسلام: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه) انظر إلى هذا الفضل العظيم، تتعلم المسألة ثم تعلمها أحد الناس، سنة تعلمتها ثم ذهبت وعلمتها بعض الناس، يكون لك مثل أجور من علمتهم، ثم ذلك يعلمها غيره، ثم يعلمها رجلٌُ ثالث، ثم رابع، ثم خامس، ثم سادس، ثم عاشر، ثم بعد هذا ينتشر العلم بين الناس، وأنت لم تشعر بهذا الأجر .. قلتَ كلمة في مجلس أوفي مسجد، أو ذهبتَ ونصحتَ إنساناً، وبعد هذا انتشر العلم بين الناس، ويأتيك الأجر ولو كنت في قبرك.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

    طلاب العلم هم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم

    أتعرف أن طلبة العلم وصى بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقد وصى أصحابه بطلبة العلم من بعده، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عندما جاءه طلبة الحديث: [مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم] فقد وصى قبل موته بهؤلاء الطلبة؛ طلبة العلم، طلبة الحديث، ما هم بطلبة نوم، ولا طلبة الأكل والفراغ واللعب واللهو والضَّياع، إنما وصى بطلبة العلم وطلبة الحديث .. قال: [مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصينا بكم] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه بطلبة العلم.

    أيها الأخ: اطلب العلم فسوف يأتي عليك يوم يرفعك العلم إلى أعلى عليين، ولا تطلب هذا العلم لأجل هذه المنزلة، ولكن اعلم أن العلم سوف يرفعك بين الناس، قال أبو معاوية الضرير .. وهو أحد العلماء، وكان ضريراً، أي: أعمى البصر؛ لكن الله عزَّ وجلَّ أنار قلبه .. يقول: أكلتُ مع الرشيد يوماً -وهو خليفة المسلمين، وكان الخلفاء في السابق يحترمون العلماء، ويُعطونهم قدرهم- يقول: أكلتُ مع الرشيد يوماً، ثم صب على يدي رجل لا أعرفه -ليغسل يده- يقول: ما أعرف من هو هذا الرجل، ثم قال الرشيد: أتدري من يصب عليك؟ قلتُ: لا. قال: إنه أنا، وذلك إجلالاً للعلم. يقول الخليفة: أنا أصب على يديك الماء ليس لأجلك، ولكن لأجل العلم الذي تحمله. فانظروا إلى العلم كيف يرفع صاحبه!

    أتعرفون من هو الأعمش؟ ما هناك طالب علم إلا وسمع به، وقد مر على وفاته إلى الآن قرون عديدة، وإلى الآن يُذكر على الألسنة، ويُترحم عليه، ويُستفاد من علمه .. يقول الأعمش: لولا القرآن لكنت بقالاً يقذرني الناس أن يشتروا مني. ولكن العلم رفعه!

    وهذا عطاء بن أبي رباح، كان عبداً لإحدى نساء مكة، عبد يباع ويشترى، أنفه أفطس، شكله إن نظرتَ إليه تستقبحه، ثم أصبح مولى لـابن عباس .. يذكر عنه أنه رجع إليه أهل مكة كلهم في الفتوى، لا يستفتون أحداً في مكة إلا عطاء بن أبي رباح، حتى إن أبا حنيفة كان يستفيد منه .. يقال عنه: أنه كان يجلس في المجلس، فيأتيه الطلبة ويجلسون عنده، ويقولون: كنا نهاب أن نسأله حتى يتنحنح، فإذا تنحنح بدأنا نسأله. وذلك من هيبته، واحترامه .. هذا الذي كان عبداً يباع ويشترى، ثم تعلم العلم فرفعه الله عزَّ وجلَّ.

    وانظروا إلى العلماء في هذا الزمان كيف يُترحم عليهم، ويُدعى لهم، وإذا مات أحدهم انظروا كيف تقوم الدنيا ولا تقعد!

    قدم هارون الرشيد الرقة -إحدى المناطق- فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتركوه وقد تقطعت النعال وارتفعت الغبرة .. تخيلوا هذا الموقف، قدم هارون فاجتمعوا حوله، فلما ظهر عبد الله بن المبارك ذهبوا كلهم خلفه، والغبار يعلو، والنعال تتقطع، ما الذي حصل؟ ما الذي جرى؟ قالوا: فأشرفت أم ولد أمير المؤمنين من برج الخشب -وهي زوجة هارون الرشيد - فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟ قالوا: هذا عالم خراسان قدم الرقة، يقال له: عبد الله بن المبارك، فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشُرَط وأعوان.

    إي والله، لا ملك الوزراء والأمراء والملوك والأغنياء، الذين يمشون بحرس وبعسس، بل إن بعضهم لا يسَلَّم عليه إلا لمصلحة ولا يصافَح إلا طلباً للمصلحة، ويتمنى من حوله زواله، أما أهل العلم فقد كان بعضهم تُقَبَّل يدُه وكان الإمام البخاري، أثناء الحلقة يقوم ويجلس، ثم يقوم ويجلس، ثم يقوم ويجلس، فسئل: ما بالك؟ قال: نظرت إلى باب المسجد -وكان الصبيان يلعبون- وكلما مر صبي قمت وجلست. قالوا: من هذا الصبي؟ قال: هذا ابن شيخ كان يدرسني. فكان كلما مر الابن قام احتراماً لأبيه، الله أكبر!

    انظروا كيف رفع الله شأنهم! إذاً: العلم يرفع شأنك ولو كان الناس يستقبحونك.

    قال الإمام الشافعي -وهي حكمة عظيمة لعلك تستشعرها- قال: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.

    فكل علم له فائدة وثمرة، حتى الحساب، فإنه يجزل رأيك به، وتكون صاحب رأي.

    أيها الإخوة: إن العلم -كما قلنا- أفضل من العبادة، فهو أفضل من صلاة النافلة، وأفضل من صوم النافلة، وأفضل حتى من جهاد التطوع .. قال الحسن رحمه الله: لأن أتعلم باباً من العلم فأُعلِّمه مسلماً أحب إلي من أن تكون لي الدنيا كلها في سبيل الله. أي: لأن أقرأ باباً وأُعلِّمه مسلماً أحب إلي من أن أنفق جميع الدنيا في سبيل الله.

    مراتب العلم

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا الحديث فيه كما يقول ابن القيم مراتب العلم الأربع-: (نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي، فوعاها، فبلغها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) أي: حسَّن الله صورته، وجمَّل الله وجهه، بعض الناس شكله ليس بحسن، لكن الناس تحب منظره، وتحب الجلوس معه، وتحب مخالطته. قال: (نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي) هذه أول مراتب العلم: السماع.

    المرتبة الثانية قوله: فوعاها، والوعي هو الفهم، فبعد السماع لابد من الفهم.

    المرتبة الثالثة: المراجعة والحفظ والتكرار، فما يكفي أنك تسمع وتفهم، فإن بعض الناس تسأله: ما هو طلب العلم عندك؟ فيقول: أحضر درس الشيخ الفلاني والشيخ الفلاني والحلقة الفلانية، وألخص الأشرطة، وأقرأ الكتب. فإذا سألته لم يعرف شيئاً، وكلما سألته سؤالاً يقول: لحظة، فيذهب ويفتح كتاباً ويقرؤه، ويقول: هذه الإجابة .. لا ينفعك العلم إذا كان هكذا، بل لا بد من الحفظ، تقضي ساعة في الدرس، ثم ساعات في الحفظ، أما أن تسمع وتسمع وتسمع فلا. لابد من سماع، ثم فهم، ثم حفظ .. (نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي، فوعاها، فبلَّغها...) المرتبة الرابعة: التبليغ، ويقول صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) ثم قال عليه الصلاة والسلام: (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) كم من رجل يحفظ حديثاً، ثم يبلغ رجلاً آخر فيفهم أكثر منه، وهذا في الناس كثير، فإنك تجد رجلاً حافظاً للقرآن لكنه لا يفقه منه شيئاً، ورجلاً حافظاً أحاديث كثيرة ولا يعرف يطبق منها حديثاً واحداً.

    1.   

    لا يستطاع العلم براحة الجسد

    لا يُستطاع العلم براحة الجسد .. فإذا كنت تريد أن تطلب العلم فنظم وقتك من الآن، فطالب العلم لا يصلح أن يطلب العلم ساعة واحدة، فهذا ليس بطالب علم، طالب علم ينام من الفجر إلى الظهر كيف سيطلب العلم؟! هذا سوف يطلب لكن بقدر ضعيف جداً .. طالب العلم لا يقضي ساعة على الأكل، ولا يحتاج إلى ثلاث أو أربع ساعات يلعب ويلهو .. طالب العلم لا بد أن يتعب الجسد، فاللحم يذهب، والشحم يذهب، والعظام تتعب، والعين تحمرّْ .. أتريد أن تبلغ الدرجات العالية في العلم وأنت نائم على الفراش؟! تحضر درسين في الأسبوع وتسمي هذا طلب علم؟! يقول ابن أبي حاتم: كنا بـمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة، في نهارنا ندور على الشيوخ، وفي الليل ننسخ ونقابل. إذا أتى الليل نكتب ونقابل النسخ، يقول: فأتينا يوماً أنا ورفيقٌ لي شيخاً فقالوا: هو عليل. -أي مريض- فرأينا سمكة فأعجبتنا فاشتريناها، وذهبنا إلى البيت لنأكل السمكة، فحضر وقت مجلس بعض الشيوخ، فمضينا، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام، وكادت أن تنتن .. ثلاثة أيام ما عندهم وقت يشوون السمكة، هؤلاء هم طلبة العلم، أما طالب علم ويقول: مللت من الفراغ، ماذا أفعل بوقتي؟! ويفكر ما عنده شيء يقضي به الوقت، ويسمي نفسه طالب علم! يقول: ثلاثة أيام حتى كادت أن تنتن، فأكلناها نيئة، ولم نتفرغ نشويها. ثم قالوا -اسمع إلى هذه الجملة واحفظها، وكلما تعب الجسد اذكر هذه الجملة- قالوا: لا يستطاع العلم براحة الجسد.

    فالذي ينام ويكثر من النوم اعلم أنه لن يبلغ من العلم مبلغاً عظيماً.

    وقيل للشعبي -وهو أحد العلماء الحفاظ- قيل له: من أين لك هذا العلم كله؟ فقال: بدفع الاعتماد -ما يعتمد على غيره- والسير في البلاد، وصبر كصبر الجماد .. انظر إلى الجماد، هل يتعب أو يمل؟! فلو جلس في درس أربع ساعات، لم يقل: قد أطلت، وقد مللنا، ويقفل الكتاب، ويضع القلم، لا. ولكن وصبر كصبر الجماد، وبكور كبكور الغراب. أقول هذه الكلمة لمن يسهر طوال الليل ثم ينام عن الفجر، ولا يقوم إلا وقد ارتفعت الشمس، واحترت الأرض، أقول له: وبكور كبكور الغراب، أتريد الحفظ؟ عليك بأول النهار، أتريد العلم؟ عليك بأول النهار.

    وسئل الطبراني عن كثرة حديثه، فقيل له: كيف تحدث كل هذه الأحاديث؟ فقال: كنت أنام على البواري -أي: على الحصير- ثلاثين سنة. يقول: أتريدون أن تعرفوا هذا العلم الذي جمعتُه؟ إني كنت أنام على حصير ثلاثين سنة. أما أن تريد أن تنام وأنت مرتاح وما تقوم إلى بعد أن شبعت من النوم، وما تجلس إلا في أفضل الأماكن، ولا تقرأ إلا أفضل الكتب، وأسهلها، وما تقرأ دقيقة إلا وترتاح عشر، فهكذا لن تتحصل على العلم أبداً.

    ويقول مكحول الشامي -رحمه الله-: أُعتِقت بـمصر .. كان عبداً وأُعتق بـمصر، يقول: فلم أدع علماً إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت العراق .. سافر من مصر إلى العراق، لماذا يا إخوان؟ أللنزهة؟ أو لكي يسلم على فلان ويرجع؟ أو لكي يقضي الوقت؟ أو لكي يضيع الوقت؟ يقول: ثم ذهبت إلى العراق والمدينة، فلم أدع علماً إلا حويته فيما أرى. انظروا إلى الهمة، وإلى الجد والاجتهاد! ليس مثل بعض الناس، يحضر درسين في اليوم، ويظن أنه يطلب علماً!! يقول: ثم أتيت الشام فغربلتها. أي: ما تركت مكاناً في الشام إلا وأتيته لطلب العلم. فما الذي بقي بعد مصر والعراق والمدينة والشام؟!

    وكان الإمام البخاري رحمه الله يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه، فيوقد السراج .. وإيقاد السراج ليس بالأمر السهل في ذلك الزمن، بل كان يحتاج إلى وقت، وليس الأمر مثلما نحن عليه اليوم .. الضوء مباشرة، السراج يحتاج إلى وقت طويل حتى توقده، فليست شمعة توقدها مباشرة بـ(كبريت)، فيوقد السراج، ويكتب الفائدة تمر بخاطره .. وهو نائم يفكر في فائدة وخاطرة علمية، فيقوم من النوم ويشعل السراج ويكتب الفائدة، ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم أخرى وأخرى وأخرى، حتى كان يتعدد منه في الليلة الواحدة عشرين مرة، يقوم عشرين مرة حتى يكتب فائدة. أما نحن اليوم فإننا نقول: عليك بالقيام لصلاة الفجر، فلو قمت لها لصلح حالك، ولا نأمرك بأن تقوم لفائدة، فهذا ليس فينا، إنما هو في الأسبقين.

    وبعضهم كان يسافر الشهر ليسأل عن حديث واحد.

    وبعضهم كان يسير على رجله أميالاً عديدة، حتى إن بعض العلماء كان يضع الكتب الثقيلة على ظهره ويسافر أميالاً عديدة، فلم يكن معهم طائرة، ولا سيارة، ولا وسائل عصرية حديثة، بل كان يمشي على رجله، والكتب على ظهره، ويسافر أميالاً عديدة حتى يسأل عن حديث واحد.

    فقد سافر بعضهم إلى الشام وإلى بغداد، وهو يريد أن يسمع حديثاً من رجل، فلما أتاه سأل عنه فقيل له: قد نُعي قبل قليل، مات -أي: مات- فيبكى بكاءً شديداً؛ لأن ذلك العالم قد مات، ويقول: كادت مرارتي أن تنشق من الحسرة والندم .. كان يسافر أميالاً عديدة ليسأل عن حديث، وليسمع سنداً، وليسأل رجلاً.

    وبعضهم كان يسير إلى مالك بن أنس أشهراً عديدة ليسأله بعض الأسئلة.

    وهذا محمد بن إبراهيم آل الشيخ في هذا العصر، رحمه الله، أتعرفون كيف كان يقضي وقته؟ إن هذه السير والله ليست لأناس من حديد، ليست لأناس مخلوقين غير خلقنا، بل من لحم ودم وشحم، من أناس مثلي ومثلك، عندهم شعور، ويحتاجون إلى النوم والأكل والشرب والجماع والراحة.

    محمد بن إبراهيم -رحمه الله- كان يصلي الفجر ثم يجلس بعد الفجر فيدرس ثلاثة دروس في النحو، المستوى الأول، والمستوى الثاني، والمستوى الثالث، ثم بعد هذا كان يدرس الفقه، ثم الحديث، ثم يذهب إلى بيته، يلبث شيئاً قليلاً، ثم يرجع إلى المسجد، فيدرس، فيُقرأ عليه أمهات الكتب حتى قبيل صلاة الظهر، ثم يذهب إلى البيت، ثم يرجع لصلاة الظهر، وبعد صلاة الظهر يدرس حتى صلاة العصر، وبعد صلاة العصر يدرس التوحيد والفقه والحديث والنحو حتى المغرب، ثم بعد المغرب كان يدرس الفرائض حتى قبيل صلاة العشاء، وقبيل صلاة العشاء كان عنده درس عام في تفسير ابن كثير، ثم يصلي العشاء، وبعد العشاء يذهب إلى البيت ليستقبل الناس ويقضي لهم حوائجهم، وبعد ذلك يجلس مع أهله، ثم ينام فيستيقظ قبل الفجر ليقوم الليل ويتهجد ويقرأ القرآن ويدعو، ثم يذهب إلى المسجد قبل الفجر .. وهكذا أربعين سنة.

    هل هو من كوكب آخر؟! هل هو رجل وأنت لستَ برجل؟! هل هو مخلوق آخر؟! لا. بل إن حاله كحالك، لكن رفع الله شأنه ورفع ذكره، لأنه كان يعرف كيف يقضي وقته، أما أنت فتحب الكسل والدعة والراحة والفتور.

    1.   

    بادر فالعلم لا ينتظر

    أيها الأخ: اعلم أن العلم لا ينتظرك، والعلماء يذهبون، فكل يوم يموت عالم، وكلما مر الوقت تسمع فلاناً من العلماء مات، ولعلك تبكي وتتحسَّر وتتضايق، لأنه مات الشيخ الفلاني، وبعد أيام سوف يتصل عليك أحد الشباب: هل سمعت بالخبر؟ ما الخبر؟ لقد مات فلان، إنا لله وإنا إليه راجعون! عالم بعد عالم، ثم يأتي عليك يوم تطلب فيه العلم، وتأتي إلى مسألة وتصعب عليك، وتريد أن تذهب إلى العلماء فتتذكر فلاناً رحمه الله، فمن يحلها لك؟ وتأتي إلى سند من الأسانيد لا تعرف صحته، ولم تدر ما قال فيه العلماء، ثم تريد أن تسأل عن العالم الفلاني، فلا يحلها إلا عالم واحد، تسأل عنه فإذا به قد مات .. وتعرض لك مشكلة في الفقه، فتبحث عنها في الكتب وفي المصادر والمراجع وتسأل عنها، فما أحد يجيبك عنها، وتتحير، ثم تريد أن تذهب إلى عالم من العلماء فإذا به قد مات .. فتدارك نفسك قبل أن يموت العلماء.

    1.   

    أمور لابد منها عند الطلب

    إذا أردت أن تطلب العلم فعليك بأمور، نذكر بعضها:

    لا تطلب العلم منفرداً

    الأمر الأول: ألا تطلب العلم بمفردك.

    تعاون مع إخوانك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الجماعة رحمة) وفي الجماعة البركة، وتنـزل الرحمة، وتغشاهم السكينة، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله! وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر. ثم قال عليه الصلاة والسلام: فإن لله سيارات من الملائكة، يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم صفوا بهم) الله أكبر! انظر إلى الحث على الجماعة، فلا تطلب العلم بمفردك، بل إذا وجدتَ حلقاً للذكر فاجلس فيها، ولا تجلس في البيت، وتقول: أنا أقرأ كتاباً وأطلب العلم وأحفظ وما عليَّ من الناس؛ فإن الرحمة لا تنزل عليك، ولا تغشاك السكينة، ولا يذكرك الله عزَّ وجلَّ فيمن عنده، فإن هذا الفضل لمن يجتمع مع الإخوان ومع الأصحاب.

    ثم طالب العلم لوحده تكثر أخطاؤه، ويكثر زلَلُه، وتكثر عنده الشبهات، ثم طالب العلم لوحده مَن ينافس؟ ما عنده أحد ينافسه، أما طالب العلم مع الجماعة ومع الأقران فإنه ينافس هذا وذاك، وهذا يحاول أن يعلو عليه، وهكذا يتحمس ويتشجع، أما لوحده فلن يحصل على هذا.

    العلم يعصم من الفتن

    الأمر الثاني: اعلم أن العلم يعصمك من الفتن.

    أتذكر الأزمة التي مرت بنا، من صمد في الأزمة برأيه وبعقله؟ إنهم العلماء، أما أكثر الناس فتخبطوا، هذا يقول: افعل، وهذا يقول: لا تفعل، هذا يقول: اقتل، وهذا يقول: لا تقتل، هذا يقول: الزم، وهذا يقول: لا تلزم ... وكل الناس في شعب وأفكار، وهذا تزعزع، وهذا اضطرب، حتى إن بعضهم خرج من البلد ونسي ابنته في البيت، أما أهل العلم فقد ثبتهم الله عزَّ وجلَّ، لأن العلم يثبت أهله.

    الشعور باللذة

    الأمر الثالث: أثناء طلب العلم لا بد أن تشعر باللذة.

    ما هي هذه اللذة؟ إذا لم تحصل لك فاعلم أن هناك لذة ما يحصل عليها إلا من جربها، فإذا وقعت لك مشكلة أثناء طلب العلم، كأن تعرض لك مسألة فقهية، ما عرفت حلها، فتبحث عنها وتقلب الكتب والمراجع والمصادر، وتسأل، وتمر عليك أيام وأنت تبحث، حتى تحصل عليها، فتقول: وجدتُها، وجدتُها .. ما أحلاها من لذة! والله إنها لذة عظيمة.

    طالب حديث يبحث عن سند فلا يجده، ثم يبحث حتى يجده في النهاية، والله إنها لذة عظيمة، ما يشعر بها إلا من جربها.

    بات بعض العلماء قلقاً يفكر، أصابه القلق والمرض من الحاجة والفقر، يقول: فعرضت لي مسألة في الفقه، ثم تجلت هذه المسألة .. أخذ يفكر ويفكر في المسألة، حتى انحلت، فقام فرحاً بعد أن كان قلقاً، ثم قال: أين الملوك؟ تقول أمه: نظرتُ إليه فتعجبت من حاله، لقد كان قلقاً، والآن أصبح فرحاً، ما الذي حصل؟! إنها لذة طلب العلم.

    جرِّب -أيها الأخ- عندما تُلخص أشرطة، كعشرين شريطاً للشيخ ابن عثيمين أو غيره من العلماء، فعندما تصل إلى الشريط الأخير تحس بلذة، وسوف ترى أن الشريط الأخير ينتهي بسرعة، وتتمنى أنه ما انتهى .. ما يشعر بها إلا من دخل في طلب العلم، فإن بداية العلم صعبة، ثم بعد أيام ستشعر بلذة، ولو دعيت إلى اللهو واللعب لما التفت إليه أبداً لأنك في لذة وفي نعمة لا يعلمها إلا الله.

    المنهجية في طلب العلم

    رابعاً: عليك بالمنهجية في طلب العلم.

    إياك أن تكون فوضوياً في طلب العلم! اطلب العلم لكن بمنهجية، فابدأ بالأهم ثم المهم، ابدأ بحفظ القرآن، وقراءة معاني القرآن، ثم بالسنة وقراءة معاني أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بقراءة الفقه، ثم العقيدة ... وهكذا.

    ومن العجيب أن بعض الناس ينشغل بالفروع عن الأصول، فتجده يحفظ اثنتي عشرة طريقاً في حديث: (من أتى إلى الجمعة فليغتسل) وهو ما يعرف آداب الغسل! وتجده يعرف مسائل دقيقة جداً في الفقه، حتى إن بعض العلماء ما سمعوا بها، ولكن لو تسأله عن صلاته لما عرف كيف يصلي، ولا يعرف مسنونات الصلاة، ولا يعرف ماذا يفعل، حتى لسانه يقع في محرمات وهو لا يشعر!!!

    فعليك بالأهم ثم المهم، وكل الدين مهم لكن هناك أمر أهم من غيره، وعليك بالتدرج.

    عليك ألاَّ تنشغل بالأدوات عن الهدف، فإن بعض الناس ينشغل بالأدوات مثل النحو ومصطلح الحديث، وينشغل به، وهو ليس إلا أداة لتعرف حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وتتعلم معانيه، أما أن تنشغل بهذه الأداة عن الهدف الأساسي فهذا خطأ في طلب العلم.

    إياك وتتبع الزلات

    وبعض الناس ينشغل أثناء طلب العلم بعيوب الناس، وهذه مصيبة، فيتكلم في الشيخ الفلاني، وفي العالم الفلاني، وفي الداعية الفلاني، ويجمع الأشرطة والكتب، حتى إن بعض الناس تجده يجمع الأوراق والأشرطة والكتيبات، وكل كتاب يكتب في أوله أخطاء ذلك العالم، وهو لو قرأ عليك القرآن لما قرأه قراءة صحيحة، ولو أخطأ في صلاته لما عرف إصلاح صلاته، ولا يعرف معاني آيات في القرآن، ثم بعد هذا ينشغل بعيوب الناس، ويأتي ليتكلم في أمور كبار للعلماء، في الجماعات، وفي الفرق، وفي أهل البدع، يرد على شبهات أهل البدع وهو لا يعرف عقيدة أهل السنة والجماعة ... فهذا من الخطأ ومن الجهل والفوضى في الطلب، فلا يطلع كتاب إلا واشتراه، يذهب ويسأل صاحب المكتبة: ما هي الكتيبات الجديدة؟ وكل يوم فقط يقرأ الكتبيات الجديدة، هذا طلب علم لكنه فوضى، فطالب العلم الجاد يقرأ العلم من الأصول، فيقرأ القرآن، ومعانيه، وتفسيره، والحديث، ومعناه، والفقه ... أما أن يكون علمه في الكتيب الجديد في الساحة فهذا لا يستفيد من طلب العلم.

    تعلم العلم مع الأدب

    خامساً: لابد من تعلم العلم مع الأدب.

    إياك إياك أن تتعلم العلم بغير أدب! وانظر إلى الأدب عند بعض العلماء .. وعليكم أن تتحملوا فإن هذا الدرس تطبيق عملي لما قلناه من الصبر، ومن احتمال الكلام، ومن التصبر في طلب العلم.

    يقول الشافعي رحمه الله -وانظروا إلى الأدب مع شيخه- يقول: كنتُ أصفح الورقة بين يدي مالك صفحاً رقيقاً هيبة له لئلا يسمع وقعها. هذا هو الأدب، وماذا نستفيد من طلب العلم بغير أدب؟! طالب علم حافظ للقرآن وحافظ أحاديث كثيرة، وما جلس مجلساً إلا ولسانه سليط على الناس، يبدِّع الناس، ويفسقهم ويكفرهم ويضللهم، ولو ناقشته في مسألة لفسقك وبدَّعك، ولا تستطيع أن تناقشه أصلاً، فإنه يرفع صوته عليك، ولا بد أن يكون منتصراً .. هذا عنده علم لكنه قليل في الأدب، فلا ينفع علمه هذا إلا إذا وجد معه الأدب.

    يقول الربيع بن سليمان، وهو تلميذ الشافعي، فلأن الشافعي أحسن أدبه مع شيخه، أحسن تلميذه معه الأدب، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، يقول الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبة له.

    وبعض الناس قليل أدب، يجلس أمام شيخه، والشيخ يتكلم، فينادي باسمه، أو يتصيد أخطاءه، أو يفضحه بين الناس .. وكل عالم وشيخ له أخطاء، وله زلات، لكن هذا ليس عنده إذا جلس في مجلس إلا أن يقول: سمعتم الشيخ ماذا قال؟ ويبدأ يتكلم ويجرح.. سبحان الله! أتعب نفسه في جمع الأدلة على الشيخ فلان، أتعب نفسه ووقته وضيع عمره وقل أدبه.

    تنظيم الأوقات وتقسيمها

    سادساً: عليك بتقسيم الأوقات.

    لا يكون وقتك سَبَهْلَلاً، بل يكون لك وقت في الحفظ، ووقت مطالعة، ووقت كتابة، ووقت تلخيص، ووقت مدارسة، ووقت مراجعة، ووقت حضور درس ... ولا بد أن يكون لك وقت للراحة، فطالب العلم لا بد أن يرتاح، ولا بد أن يستجم، ويلهو لهواً مباحاً، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ولكن ساعة وساعة) فلا تضحك على نفسك، تتحمس من البداية ولا تجعل لك وقتاً ولو ربع ساعة تلهو أو ترتاح، ثم تستمر يوماً أو يومين أو ثلاثة أو أربعة، (إن الله لا يمل حتى تملوا) وطبيعة الإنسان ساعة وساعة، فإذا وصلت إلى مرتبة العلماء، بعد هذا نقول: اجعل وقتك كله للناس، وأما من الآن فلا تجعل أوقاتاً تلعب أو تمرح أو تتنـزه فيها هذا من الخطأ، اجعل أوقات فراغك مع إخوانك، في الأنشطة، وفي البرامج، وفي الرحلات،والنزهات، اخرج معهم ولو كان على حساب طلب العلم؛ لأن النفس تحتاج، ولو لم تقضِ هذا الوقت مع إخوانك فسوف تقضيه مع غيرهم، ولو أن تجلس لوحدك في البيت للراحة.

    عدم الاستعجال في الفتيا

    سابعاً: إياك أن تستعجل الفُتيا.

    فإن بعض الناس يحفظ القرآن وعمره سبع سنوات، ويحفظ معه مائة أو مائتي حديث، ويظن أنه قد بلغ مرتبة الفتيا، وأنه يحق له أن يفتي، ..

    يا أخي: إلى الآن لم تبلغ مرتبة الفُتيا، الفُتيا لها شروط ولها ضوابط، وانظروا إلى السلف كيف كانوا يتهربون من الفُتيا، أما الآن فإنك إذا سألت أحداً قال لك: أنا أرى في المسألة وأرجِّح كذا. من أنت حتى ترجح؟ أو يقول أنا أقول في هذه المسألة كذا. من أنت حتى تقول أصلاً؟ أنت إما أن تنقل رأي العلماء وفهمهم أو تسكت، أما أن ترجح وتفصل وتقول: والله أظن أن الشيخ الفلاني جاءنا بالصواب. سبحان الله! إما أن تسمعها من شيخ وإلا إياك أن تتعجل حتى تبلغ هذه المرتبة.

    يقول حجاج بن عمير بن سعيد: سألتُ علقمة عن مسألة، فقال: ائت عبيدة فاسأله -يتهرب من المسألة- قال: فأتيت عبيدة، فقال: ائت علقمة . فقلت: علقمة أرسلني إليك. فقال: ائت مسروقاً فاسأله. فأتيتُ مسروقاً فسألتُه، فقال: ائت علقمة فاسأله -أرجعه إلى الأول- فقلتُ: علقمة أرسلني إلى عبيدة، وعبيدة أرسلني إليك. فقال: ائت عبد الرحمن بن أبي ليلى . فأتيتُ عبد الرحمن بن أبي ليلى ... يبحث عن سوال واحد، ولو سئل به أحد الناس لأجاب مباشرة قبل أن يكمل السؤال .. قال: فأتيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فسألتُه فكرهه. كره الإجابة، مع أنهم علماء! يقول: فكرهه، ثم رجعتُ إلى علقمة، فأخبرتُه، فقال: كان يُقال: أجرأ القوم على الفُتيا أدناهم علماً. إذا أردت أن تعرف أضعف الناس علماً فهو الذي يفتيك بسرعة، الذي كلما سألتَه بسؤال أجابك، فهذا أضعف الناس وأقلهم علماً.

    1.   

    كل ميسر لما خلق له

    لا تقل: أنا لا أصلح للعلم، فكل إنسان يصلح، ولا تقل: قد جربت فما فلحت. بل جرِّب مرة أخرى، ومرة ثالثة، ورابعة، وتجرب حتى يدركك الموت وأنت تجرب وتحاول.

    ومن الأمور التي تستغل وقتك بها أثناء العطلة: الدعوة إلى الله، ومنها: صلة الأرحام، ومنها: بر الوالدين، ومنها: زيارة الإخوان في الله، ومنها: عيادة المرضى، ومنها: اتباع الجنائز، ومنها: أن تعين مريضاً أو ضعيفاً، ومنها: أن تعمل أمراً يخدمك في الدنيا، وينفعك عند الله عزَّ وجلَّ، وهناك أمور كثيرة، فالذي لا يصلح لطلب العلم يصلح في أمور أخرى.

    فلا تقل: أنا لا أصلح لطلب العلم، بل اطلب العلم الواجب واستغل وقتك في أمور أخرى، فهناك أمور كثيرة، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) وبعض الناس يطلب علماً قليلاً جداً، يقضي به فرضه، ثم إذا كان عنده وقت فراغ كبير يقول: ما أصلح لطلب العلم، نقول له: عندك دعوة، عندك زيارة الإخوان، عندك بر الوالدين، عندك صلة الأرحام، عندك عيادة المرضى، عندك توزيع شريط أو نشره، عندك مساعدة الإخوان في الله .. وإذا لم تستطع هذه فطاعة الله عزَّ وجلَّ كثيرة، المهم أن لا يمضي الوقت إلا في طاعة الله عزَّ وجلَّ.

    وأفضل الأعمال على حسب الأوقات، فمثلاً: قراءة القرآن، الحسنة بعشره أمثالها، ولكن أيهما أفضل: قراءة القرآن أم الترديد خلف المؤذن؟ قراءة القرآن أفضل من الترديد خلف المؤذن، لكن لو أذن المؤذن، ففي هذه اللحظة يكون الترديد خلف المؤذن أفضل، لأن لكل وقت ما يناسبه .. وبين الأذان والإقامة، الأفضل هو الدعاء، فإن لم تفعل فاقرأ القرآن أو اذكر الله عزَّ وجلَّ، ولا تخلط بين الأوقات، ولا تخلط بين الأمور، فإذا أمرك أبوك بأمر، فلا تقل: أنا مشغول، أنا أطلب العلم! هذا خطأ، فإن هذا أفضل، وهذا وقته، وصلة الأرحام لها وقتها، وعيادة المريض كذلك .. ويأتي إليك إخوانك في الله ويقولون لك: فلان من الناس مات، هناك جنازة، فلا تقل: أنا مشغول، أنا أطلب العلم! هذا خطأ، هذا وقت اتباع الجنائز، ولكل شيء وقت، وإذا مرض جارك، أو أخوك في الله فاذهب إليه، ولا تقل: ليس عندي وقت، أريد أن أحفظ القرآن .. سبحان الله! [لأن أمشي في حاجة أخي خير لي من أعتكف في مسجدي هذا شهراً] وإذا جاءك جار لك وقال: يا أخي أوصلني، سيارتي تعطلت، فلا تقل: لست بفارغ، الآن جدولي أن أحفظ قرآناً. هذا خطأ يا أخي، ولكل وقت ما يناسبه، ولكل حالة ظروفها.

    المهم أن يمضي الوقت في طاعة الله، بأي شيء.

    إن العاقل دائماً يشتكي ويقول: ما عندي وقت، أما البطَّال فيقول: ما أفعل بالوقت؟ وقتي فارغ، علموني، أعطوني أشياء أعملها.

    1.   

    كيف تنظم وقتك

    وهنا نصائح سريعة -قبل ختام الدرس- فحاول أن تحفظها، وإذا ما حفظتها فاسأل غيرك ممن حفظها، كما كان بعض السلف في طلب العلم، كان أحدهم يطلب العلم والآخر يعمل، ونحن نقول: البعض يطلب العلم، والبعض ينام، ثم إذا استيقظ هذا يعلِّم هذا.

    رتب شئونك أولاً

    قبل أن تبدأ في طلب العلم رتب أمورك، ورتب جدولك، وفي كل يوم يكون عندك ورقة صغيرة تكتب فيها الأمور التي تريد أن تعلمها.. اليوم ماذا سأفعل أزور فلاناً، وأدعو إلى الله، وأقرأ هذا الكتاب، وأراجع، وغيرها من الأعمال، فاجعل لك ورقة صغيرة، خاصة إذا كنت من كثيري النسيان، وممن وقته ضائع سَبَهْلَلاً، فاجعل لك ورقة تكتب فيها هذه الأمور, ونظم نفسك قبل مجيئك لطلب العلم.

    بعض الشباب عنده مكتبة لا تعرف أين مكان كل كتاب منها، فإذا أردت أن تخرج كتاباً تجلس نصف ساعة حتى تجده، ولعلك قد لا تجده .. فعليك أن تقضي ولو يوماً كاملاً في بداية العطلة لترتيب المكتبة، وكذلك الأشرطة، واجعل لك فهرساً، يسهل لك البحث عن الكتب.

    إذاً: رتب نفسك قبل بداية طلب العلم.

    لا تخطط بدقة

    نصيحة أخرى: لا تخطط تخطيطاً دقيقاً.

    فلا تكن مثالياً، إلى درجة أنك تقول: أنا من الساعة الخامسة إلى الساعة السادسة في الكتاب الفلاني، ومن السادسة إلى السابعة إلا ربع في الكتاب الفلاني، وبعد المغرب من الساعة السابعة والربع إلى الساعة الثامنة إلا ربع في الكتاب الفلاني، حتى تنام، وهكذا من الصباح إلى الليل ... لا تضحك على نفسك، ولا يكن تخطيطك بهذه الدقة، فلا بد أن تجعل لك أوقات فراغ، وراحة، تحسباً للطوارئ وللظروف، ولراحة الجسد، فإن العين تمل، والنفس تمل، فلا بد أن تكون مسايراً للواقع، تقول: بعد العصر لهاتين الشغلتين كله، أو بعد المغرب لهذه الشغلة، حتى إذا كانت هناك أوقات فراغ فما يضيع عليك جدولك.

    أيضاً أيها الأخ: اعلم أن الأمور الطارئة ليست فشلاً في جدولك، فقد تضع اليوم جدولاً لقراءة كتاب، وحفظ متن، فيأتيك أخ لك ويقول: تعال معنا لعمل شيء ما، أو لتوزيع شريط إسلامي أو زيارة، أو غيرها ... فلا تقل: أنا اليوم عندي جدول لأقرأ هذا الكتاب .. هذه أمور طارئة، لا بد منها، واعلم أنها ليست فشلاً لجدول إذا كانت لله عزَّ وجلَّ، وفي طاعة.

    أيضاً اعلم أن بعض الناس بغيض، تجلس معه نصف ساعة فيقول: اسمح لي، انتهى وقتك، هذا هو الوقت المحدد للزيارة، حتى إن بعض الناس قيل له: أريد أن أجلس معك، فقال: كم تريد؟ قال: ربع ساعة قال: لا بأس، وأول ما جلس أخذ يراقب الساعة، فلما انتهت الربع الساعة قام، فقال: ما أكملت حديثك، بغير سلام ولا كلام ولا استئذان، فهذا الأمر يجعلك عند بعض الناس بغيضاً .. نعم لابد من الدقة، لكن ليس إلى هذه الدرجة، على الأقل اعتذر له، ولو بلباقة.

    أيها الإخوة: أعلموا أن البداية لا بد أن تكون بقوة، فلابد أن تبدأ طلب العلم والنشاط في هذه العطلة بقوة، لكن عليك بالحكمة، فقد يكون حماسك بتهور ثم تنقطع .. ابدأ بقوة لكن بحكمة وبعدل واعتدال.

    ثم عليك ألاَّ تكون وحدك، استشر، وكوِّن لك مجموعة قرناء، واعلم أن القرين إذا كان ضعيفاً سيحبطك، بل اجعل لك قريناً أعلى منك مرتبة، أو على الأقل يساويك في الرتبة في العلم، حتى تتنافس معه.

    لا استثناء في البداية

    إذا عزمت على ألا تنام بعد الفجر إلى الشروق، ثم بعدها تنام ساعتين، فلا تجلس يومين أو ثلاثة ثم تنقض، ليس هذا العزم بعذر من الأعذار، وإياك أن تستثني من أول الأيام؛ حتى يتعود الجسد، فإنه قد يحتاج إلى شهر أو شهرين حتى يتعود، فإذا تعوَّد ستأتي الاستثناءات، فقد تكون يوماً مريضاً، ويوماً عندك شيء ضروري، ويوماً نمت متأخراً، أما في البداية فإياك إياك من الاستثناءات، فإن النفس كالطفل، كما قيل:

    النفس كالطفل إن تهمله شب على     حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ

    أيضاً عليك أن تعلم أن بر الوالدين ليس ضياعاً للوقت.

    وبعض الناس يقول: والدي ضيَّع عليَّ وقتي. لا يا أخي، حمل الحاجات والذهاب إلى صلة الأرحام، وحمل الأهل إلى مكان من الأماكن، وقضاء حاجاتهم، والجلوس معهم، والحديث معهم، هذا ليس بمضيعة للوقت، لا تكن إلى هذه الدرجة صخراً وجافاً، لا يجلس معك أحد، ولا تداعب الإخوان والأهل، ولا تجلس معهم، ولا تقضِ لهم حاجاتهم.

    1.   

    مضيعات الأوقات

    من مضيعات الأوقات:

    النوم

    أولاً: النوم:

    بعض الناس ينام ثماني ساعات، ويقول: قال العلماء: النوم ثماني ساعات، وهذا ليس بشرط، بعض العلماء كان ينام أربع ساعات، وأعرف شيخاً قال لي: والله أنا لا أنام إلا أربع ساعات. وعشرون ساعة علم ودعوة وشغل، ونحن نقول: الجيد فينا من ينام ثماني ساعات، هذا إذا لم ينَم أكثر من ثماني ساعات، فإياك أن تضيع العمر في النوم، فإن النوم موت، ولهذا يسمى النوم أخو الموت، وفي هذه الأيام نرى بعض الناس يسهر إلى الفجر، ثم يصلي الفجر، ثم ينام إلى الظهر، هذا خطأ يا أخي، فإن ساعة من النوم في الليل تعدل ساعات من النوم في النهار، ولهذا فإن من ينام أغلب النهار يحس بتعب وإرهاق؛ لأن نوم النهار ليس كنوم الليل، فلابد أن تنام من الليل .. وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً [النبأ:10-11] قال عليه الصلاة والسلام: (أما أنا فأنام وأقوم) ثم عليك بنوم القيلولة لحديث: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل) نَمْ في الظهر لكي تتنشط في طاعة الله عزَّ وجلَّ، وإياك أن تتعب نفسك، فلا تعطيها حقها ولا راحتها من النوم ثم لا تستطيع أن تقرأ كتاباً، فكلما قرأتَ صفحةً نعستَ، وكلما صليتَ ركعةً نعستَ، وكلما جلستَ مجلساً نِمتَ، وكلما دعوتَ إلى الله تعبتَ، فعليك أن تعطي نفسك من الراحة ولكن لا تزِد عن حدِّها.

    الأكل

    ثانياً: الأكل.

    سمعتُ عن بعض الناس أنه يجلس على الغداء ساعة كاملة، فيجلس حتى يأتي الأكل يتحدث، ثم يأتي الأكل ويتركه ليبرد، ثم يبدأ يأكل لقمة من هذا ولقمة من هذا، وأحاديث وكلام ولغو حتى ينتهي، ثم يأتي ما يحلي به الطعام، ثم إذا شبع جلس حتى يشرب الشاي، ثم بعد هذا يشرب البيبسي، ثم بعد هذا يجلس ليرتاح، ثم بعد هذا ينام، فإذا بالعصر قد ذهب وقته .. ساعة كاملة على الأكل .. ما هذا يا أخي؟ تضيع وقتك ثم تقول: ما عندي وقت! أعرف بعض الناس -وهذه لعلها مبالغة- يجلس على الأكل وعنده كتاب، وهذا من حرصه على طلب العلم، وعلى استغلال الأوقات.

    الكلام

    ثالثاً: الكلام.

    بعض الناس ما عنده إلا الكلام، لو جلس عندك سبع ساعات لما تعب لسانه، ويأتي بقصة بعد قصة، وحادثة بعد حادثة، وسالفة بعد سالفة، وكلام بعد كلام، ولا يمل، سبحان الله! كل الناس عندهم أحاديث طيبة، يُمْضِي الإنسانُ نصف ساعة يسلي بها الوقت والمجلس، لا بأس بهذا، والكلام إذا كان فيه فائدة، وترويح عن النفس فلا بأس به، لكن بعض الناس يضيع وقته في الكلام، ينتهى من هذا، وهذا كأنه أحس بالملل، فيذهب عند فلان، ويجلس معه ساعة أو ساعتين، ثم يذهب إلى الثالث، ويضرب عليه الهاتف: هل عندك شيء؟ فيجيب: ليس عندي شيء، فيقول: أتمنى أن أقعد وإياك قليلاً، فيجلس وإياه ساعة أو ساعتين، ثم يذهب إلى الرابع، فيقول: يا فلان أنا جالس مع نفسي وأريد أن أجلس معك، وهكذا... ثم يأتي الليل فينام ويقول: الحمد لله، اليوم قضيت وقتي كله في طاعة الله، فقد زرتُ فلاناً وفلاناً. وهو لا يعلم أنه قد ضيع وقته كله، وأن هذا الكلام كله سيحاسب عليه عند الله عزَّ وجلَّ.

    والزيارة لا بد منها، ولابد عليك أن تكرم الضيف، ولا تقل: أنا طالب علم، ليس عندي وقت. هذا خطأ، بل عليك أن تكرمه، وإذا كان ضعيف الإيمان يريدك أن تنصحه، وقد يكون عنده مشكلة، فعليك أن تكرمه مهما كان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) لكن بعض الناس ليس عنده شغل إلا الزيارات، رجل فارغ، يجلس من العصر إلى أذان المغرب، ولولا الأذان لما خرج، ولو أتاك بعد الفجر، فسيجلس إلى الظهر، حتى لو قلت له: يا فلان أنا مشغول، يقول: سأذهب معك إلى ظروفك. يريد أن يخرج معك في شغلك، حتى ولو كنت تريد أن تجلس، سبحان الله! بعض الناس هكذا، يريد أن يضيع أوقات الناس، لكن المهذب، لا تقل له: اخرج أنت فارغ، لا يا أخي، اجلس معه، بالتعريض، تأتي بكتاب وتقرؤه عنده، أو تضع شيئاً وتكتب، فسيفهم إذا كان ذكياً، أو يأخذ كتاباً آخر ويقرأ عندك، فتكون قد استفدت وأفدت.

    ابن الجوزي يأتي أمثال هؤلاء فيقول: إن أنكرتُ عليهم صارت بيني وبينهم وحشة، وإن سكت ضاع العمر، فكنت آتي بالأقلام لأبريها، والدفاتر والأوراق لأقطعها ويسطر. لأن هذه تأخذ عليه وقت، لم يكن عندهم مثلنا، تشاكيل وقلم جاهز، بل الأقلام تُبَرَّى، والأوراق تُقَطَّع وتُسَطَّر، يقول: آتي بهذه التي لا تحتاج إلى شغل الذهن، ولا تمنع عن المحادثة، آتي بها عند الضيوف، وأبدأ أستغل الأوقات بتقطيع الأوراق وتجهيز الأقلام، حتى إذا ذهبوا بدأ في الكتابة، وفي النسخ، وفي العلم، وفي المطالعة، انظروا كيف استغل الوقت!

    وبعض السلف كان صريحاً، حتى إن بعضهم يقال له: لعلنا شغلناك. فيقول: صدقتم؛ لقد كنتُ أقرأ كتاباً فلما أتيتموني تركتُ الكتاب وأتيتكم. وعليك بحسن الاعتذار، فتقول لإخوانك: يا فلان عندي شغل، اسمح لي جزاك الله خيراً، فإني كنت ألخص في شريط وما عندي إلا هذا الوقت، أراك إن شاء الله بعد المغرب .. بأسلوب جميل، باعتذار لبق، بأدب، لا تقفل الباب في وجهه، أو تدعو عليه، وبعض العلماء من شغله لو تذهب وتطرق عليه الباب بالسماعة يرد عليك، ليس عنده وقت، ولو جلس يستقبل كل إنسان، ويجلس مع كل إنسان، لما استفاد الناس من علمه، ولما صار علمه إلا لحاجة الناس، والكلام الفارغ مع فلان وغيره.

    وبعض الناس عنده عقدة نفسية، كلما قلتَ له شيئاً قال: أنا مشغول، يريد أن يظهر أنه طالب علم، وأنه داعية إلى الله، كلما قلت له شيئاً قال: اسمح لي لا أستطيع أنا مشغول. وإذا قلتَ له: يا فلان عندنا اليوم نشاط رياضي، قال: أنا مشغول. وإذا قلت: عندنا طلعة، قال: اسمحوا لي، لا أستطيع، أنا مشغول، أريد أن أحفظ، وأريد أن أقرأ، لا تصل إلى هذه الدرجة من العقد، قد يكون هذا رياء والعياذ بالله، تريد أن تقول للناس: لاحظوا أني ما امتنعت من مجيئي معكم في الطلعة إلا ليقول الشباب: فلان -ما شاء الله- ليس عنده وقت يطلع أو يأكل. وكأن الأمر أصبح رياءً، يا أخي أنت لابد أن يكون لك وقت للراحة فاجعله مع إخوانك؛ أما أن تظهر الانشغال، فهذا مرض وعقدة نفسية فانتبه لها.

    الهاتف والمباريات والجرائد

    رابعاً: ومن مضيعات الأوقات: الهاتف.

    بعض الشباب يقول: وأملُّ من بعضهم، وأعرف عن البعض أنه كان يجلس الساعة والساعتين يكلمني في التليفون، فكنت أسكت وأفكر أن أغلق في وجهه، فأستحي منه، أما الآن فإني أقول له: يا أخي معذرة أنا مشغول، وأعتذر له، فإنه يجلس ساعة ونصف بالهاتف يتحدث ويضيع الوقت.

    والمباريات وما أدارك ما المباريات! طالب علم يريد أن يقضي وقته في حفظ القرآن وفي طلب العلم، ويأتي ليشاهد المباريات، أما يستحي؟! يا أخي ما أحد ينظر إليك إلا الله عزَّ وجلَّ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق:14] وتأتي تضيع وقتك أمام المباريات!!

    كذلك الجريدة، أتعرف أن الجريدة بعض الأحيان تأخذ ساعة إلا ربع أو ساعة كاملة؟ يمر الوقت بسرعة في مجلة تافهة، ويا ليتها مجلة علمية، فتأتي وتقرأ من العصر وما تشعر إلا وقت أذان المغرب، وقد ضاع وقتك وأنت لم تشعر، في مسابقات ومجلات.

    وبعضهم يضيع وقته في الاستحمام، فيسبح ساعة إلا ربع، وهذا من مضيعة الوقت، ولابد أن تقدر لكل أمر قدره، اجعل لكل شيء قدره، فالاستحمام له وقت، والراحة لها وقت، والنوم له وقت، والأكل له وقت، والجريدة لها وقت، وكل شيء له وقت، وإياك أن تفرط في الأوقات أو أن يضيع عليك الوقت.

    جد ابن تيمية رحمه الله كان إذا ذهب إلى الحمام للاستحمام أو لقضاء الحاجة كان يقول لحفيده: اقرأ عليَّ الكتاب حتى لا يضيع عليَّ الوقت. وهو في الحمام -أجلكم الله- ويستمع إلى ولده وهو يقرأ عليه الكتاب.

    أما نحن فلا نبالغ إلى هذه الدرجة، لكن شغّل المسجل، هذا إذا كان وقتك ضيق إلى هذه الدرجة، لكن ما أظن أحداً وقته ضيق إلى هذه الدرجة، أنه يستحم أو يقضي حاجته وليس عنده وقت، لكن شغل الشريط واستمع، وليس ذلك عيب، بل هو استغلال للوقت.

    1.   

    علامات الوقت الضائع

    ما هي علامات الوقت الضائع؟

    علامته: بعد أن ينتهي يحس بضيق، يشاهد المباراة ساعة ونصف ويصفقون ويضحكون ويشجعون، وبعد أن ينتهي اسأل عن حاله، يقول: لا أعلم ماذا أصابني، صدري ضيق، ويجلس عند التليفزيون، ويشاهد مسرحية ثلاث ساعات، ويضحك بل لعله يسقط على بطنه من الضحك، وبعد أن ينتهي البرنامج ويقفل التلفاز اسأله عن حاله، فسيقول: أحس بضيق في الصدر. هذه هي علامة الوقت الضائع، وكذلك لو جلس وتحدثت مع الشباب، فسوف تحس بعد ساعة بضيق في الصدر، لأنه قد ضاع الوقت، ولا يعني هذا ألا تتحدث مع الشباب، ولا تجلس معهم، فإياك إياك! واجعل لكل شيء قدراً.

    ثم عليك ألا تضيع الأوقات التي تذهب، كأن تكون في السيارة، فإن بعض الشباب الموظفين يقول: ما عندي وقت. نقول له: وأنت في الطريق ضع شريطاً واستمع، وكل يوم استمع إلى شريط علمي، وستسمع في الشهر ثلاثين شريطاً، وفي الشهرين ستكمل كتاب التوحيد كله على شرح الشيخ ابن عثيمين .. أليس هذا الأمر سهلاً؟!

    الخطيب البغدادي رحمه الله كان يمشي وفي يده جزء يطالعه، وبعض العلماء كان يمشي ويقرأ، فكان ربما يمر بالحفرة فيسقط فيها، وتمر به الدابة فتضربه وهو لا يشعر، فكانوا يستغلون أوقاتهم حتى في الطريق.

    والبعض كان يقرأ على بعض العلماء جزءاً كاملاً في الطريق، فهذا ابن عثيمين كان يمشي مع السعدي -رحمهم الله- إذا علم أن عنده زيارة، أو عنده وليمة من مسجده أو من بيته، ويسأله إلى أن يصل إلى بيت الضيف، ما كان يضيع هذا الوقت، حتى إذا ذهب إلى بيت الضيف، كان ربما دخل معه، وربما رجع مع الشيخ، انظر استغلال الوقت!

    أما نحن فنضيع الأوقات في الانتظار عند الطبيب، وفي الجمعية، وفي الإدارة، وفي الوزارة، وفي كل مكان! فلا تضيع وقتك، وعليك أن تقرأ كتاباً ولو كان صغيراً.

    1.   

    ضرورة الحذر من التسويف ومخالطة أهل الضياع

    لا تقل سوف فسوف، يضيع عليك العمر، وهذه من أساليب الشيطان، وإذا كان عندك مهمة صعبة وبحث كبير فجزئه، ولا تقل: أحفظ القرآن كله، لا، بل: احفظ جزءاً في كل شهر، ولا نقول لك: احفظ القرآن كله في سنة، فهذا الأمر صعب، بل نقول: في كل سنة احفظ عشرة أجزاء، فإن الأمر صار سهلاً، إذاً: عليك أن تجزئ الأمور حتى لا تعظمها، ولا تقول: الأمر صعب، وكبير جداً، ولابد من أوقات راحة كما ذكرنا.

    لا تخالط أهل ضياع الأوقات، الذين لا هم إلا اللعب واللهو والضحك، واعلم أنه كلما مر الزمان كلما ازداد شغلك، وازداد همك.

    يُحكى أن أحمد بن محمد السلفي ، الحافظ الكبير، يقول عن نفسه: أنه حدَّث سنة اثنتين وتسعين وما في وجهه شعرة، كان شاباً صغيراً، كان يحدث الناس وعمره سبع عشرة سنة.

    يقول الحميدي: سمعتُ زنجي بن خالد ، يقول للشافعي: أفتِ يا أبا عبد الله، فقد والله آن لك أن تفتي. وهو ابن خمس عشرة سنة، ويقال له: أفْتِ، فقد وصلت إلى درجةٍ تَفْتِي الناس. انظروا إلى الهمة العالية التي تنطح الجبال!

    عباد الله:

    إنَّا لنفرح بالأيام نقطعها     وكل يوم مضى جزء من العمُرِ

    يقول الشاعر:

    والوقت أنفسُ ما عنيتَ بِحفظهِ     وأراه أسهلَ ما عليك يضيعُ

    أقول هذا القول، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    1.   

    الأسئلة

    اللهو المذموم

    السؤال: ذكرتَ أن طالب العلم لا بد أن يكون له وقت يلهو فيه، وما ذكَر الله اللهو في القرآن إلا وذمَّه، فماذا تقصد باللهو؟ وما معنى اللهو في القرآن؟

    الجواب: اللهو في القرآن هو الذي يصد عن الله وعن الدارة الآخرة، فهذا هو المذموم، لكن لَهْوٌ يعينك على طاعة الله، ويحببك لإخوانك، ويزيد بينك وبينهم الألفة والتعارف، فهذا لََهْوٌ محمود، أما اللهو الذي يصد عن ذكر الله فهو اللهو المذموم الذي يصرفك عن طاعة الله، والذي يزيدك غفلة على غفلة، وهذا أكثر لَهْوِ أهل الدنيا.

    كتب ينصح بقراءتها

    السؤال: ما هي الكتب التي تنصح بقراءتها في الصيف؟

    الجواب: كل واحد بحسب مستواه، لكن يبدأ الإنسان بالقرآن وتفسيره، ثم بالحديث ومعانيه، ثم بالفقه، وبالعقيدة، هذه هي الأمور الأساسية، ثم أهم شيء أن يجلس مع إخوانه في الدروس وحلق العلم، كما قال علي: [كدر الجماعة، ولا صفو وحدة] فلأن تجلس مع إخوانك مع الكدر والضيق ومع قلة الفائدة أفضل من أنك تجلس لوحدك، وبعد أيام يفترسك الشيطان، فإن الشيطان مع الواحد.

    لحوم العلماء مسمومة

    السؤال: أرجو توجيه كلمة لبعض الشباب الذين يتكلمون في العلماء والمشايخ، والانشغال بالفروع البسيطة في الدين؟

    الجواب: أكثر ما يصدر هذا إما من أناس جُهَّال بدين الله عزَّ وجلَّ، فيبدأ يتكلم في العلماء والمشايخ، أو من أناس أصابهم الغرور والعُجب، فيظنون أن مستواهم أعلى من الشيوخ والعلماء، فيبدأ يطعن فيهم، أو من إنسان يظن أن العلماء معصومون، فإذا رأى خطأً من عالم أقام الدنيا وأقعدها، سبحان الله! يا أخي كل الناس يصيبون ويخطئون، (كل بني آدم خطاء) فيبدأ يجمع أخطاء الشيخ الفلاني وأخطاء الشيخ الفلاني، ويبدأ يتكلم ويضيع وقته وعمره، يقول ابن عباس: [من آذى فقيهاً فقد آذى رسول الله] أتعرف لماذا يا أخي؟ لأن العلماء ورثة الأنبياء، ومن الذين يرثونك؟ إنهم أقرب الناس إليك، أبناؤك وزوجتك وإخوتك، ولهذا لما كان العلماء ورثة الأنبياء فهم أقرب الناس إلى الأنبياء، وهذا يتكلم فيهم في المجالس، من أنت؟ هذا جمع من الحسنات أمثال الجبال، وأنت ماذا جمعتَ؟ حتى الفجر ربما لم تصله، وكل مجالسك غيبة ونميمة، ولو سألناك عن سورة الأنعام ربما لم تحفظها، وهذا الإنسان قد أفنى عمره في العلم والدعوة والجهاد، ولعله أخطأ بعض الأخطاء التي لا يسلم منها أحد.

    وأسألك سؤالاً: رجل يحفظ سورة الإخلاص، ورجل يحفظ القرآن، أيهما تكثر أخطاؤه؟ من المعلوم أن الذي يحفظ القرآن كله أخطاؤه أكثر؛ لأنه حافظ كل القرآن، ولهذا كثرت أخطاؤه، أما الذي يحفظ الإخلاص فقط فهذا ليس عنده أي خطأ؛ لأنه ليس عنده علم، ولأنه جاهل، وربما تكون جالساً في المنطقة الفلانية، ولا يعرفك أحد، ولا يراقبك أحد، وليس لك ولا درس واحد، ولو كان لك درس فسنخرج عليك مائة خطأ، حتى اللغة العربية لا تعرف أن تنطقها، لغتك أعجمية، تنصب الفاعل، وترفع المفعول، ومع هذا تجلس في مجلس وتقول: الشيخ الفلاني فعل، والشيخ الفلاني ما فعل، والشيخ الفلاني مبتدع، والشيخ الفلاني كذا. فهذا إما جاهل وإما مغرور.

    وهذا إن لم يتب ويصلح أمره فسوف يفضحه الله عزَّ وجلَّ ولو بعد حين.

    البداية المحرقة تؤدي إلى نهاية مشرقة

    السؤال: من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة .. ما هو تعليقكم على هذا؟

    الجواب: جزاك الله خيراً، فإن الذي ليس له بداية محرقة يحترق، وكما قيل: (ومن طلب العلى سهر الليالي).

    وقال الشاعر:-

    أأبيت سهران الدُّجَى وتبيته     نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي؟!

    هذا يتعب ويسهر ويجني، وترى أثر التعب عليه من طلب العلم، ومن قراءة الكتب، وهذا قد انتفخت عينه من النوم، ومن الأكل، ومن الشرب، ومن اللعب، ومن المرح، فهل يستوي هذا وهذا؟ لا والله لا يستويان عند الله قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9].

    العلم لا ينتهي

    السؤل: سمعتُ الحث على طلب العلم، وقد يفهم الشباب من هذا الدرس أن العلم يؤخذ كله في هذه العطلة، ويريد أن يصبح عالماً، فيأخذ العلم كله في هذه العطلة، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: العلم لا ينتهي، اطلب العلم حتى تموت، موسى عليه السلام سئل: من أعلم الناس؟ قال: أنا. موسى الذي اصطنعه الله على عينه، وكان أفضل من يمشي على الأرض، علمه الله منذ صغره ورباه وأوحى إليه، قيل له: من أعلم الناس؟ قال: أنا، فعاتبه الله، كيف أنت أعلم الناس؟ هذه كلمة عظيمة، اذهب إلى البلد الفلاني فإن فيها رجلاً يعلم علماً لا تعلمه يا موسى وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85].

    والعلم ثلاثة أشبار:

    الشبر الأول: التكبر، أول ما يبدأ الشباب في طلب العلم يصيبهم الكبر، ويظن أنه ما أحد مثله في العلم.

    الشبر الثاني: التواضع، إذا توغل في العلم تواضع.

    الشبر الثالث: يعلم أنه لا يعلم.

    قال الشافعي: كلما ازددتُ علماً ازددت علماً بجهلي.

    فالمتكبر هو الذي عنده قليل علم، فاعرف أنه جاهل، فما تكبر إلا جاهل، وما تواضع إلا عالم، وكلما ازددتَ في العلم كلما ازداد تواضُعك.

    أيها الإخوة: ليس العلم كل شيء، الذي لا يستطيع أن يطلب العلم في هذه العطلة، عليه أن يتجه لعبادة أخرى (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).

    بعض الناس أعطاه الله عزَّ وجلَّ قوة في اللسان، وفي البلاغة.

    وبعض الناس أعطاه الله عزَّ وجلَّ حسن أخلاق، فهو يستطيع أن يكسب الناس إلى الدين.

    وبعضهم أعطاه الله مالاً ينفقه في سبيل الله.

    وبعضهم أعطاه الله عزَّ وجلَّ أسلوب الكتابة.

    وبعضهم أعطاه الله عزَّ وجلَّ قوة في الجسد، وهكذا ... إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4].

    المهم أن يكون وقتك في طاعة الله، علم، دعوة، عبادة، صلة، أي عمل خيري، وليس شرطاً أن تكون طالباً للعلم، المهم أن تتعلم العلم الواجب عليك، والفرض، فهناك فرض كفاية وفرض عين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

    وجزاكم الله خيراً على حسن استماعكم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3009844264

    عدد مرات الحفظ

    721809253